الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث- محمد بلوحي

(دراسة فـي نقد النقد)-من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

5-الكبت:

الكبت من أكبر الظواهر النفسية التي ركز عليها التحليل النفسي، إذ يُعتبر النواة الأساسية لدراسة النفس الإنسانية في باطنها، وتفسير السلوك الصادر عنها، محاولاً على أساسه الغوص إلى أعماقها من أجل معرفة دوافعها الباطنية، إذ إنّ "نظرية الكبت هي حجر الزاوية الذي تقوم عليه كل عمارة التحليل النفسي"(34) ومن ثمّ تتضح أهمية الكبت في الكشف عن الكثير من الجوانب النفسية.

فهو "الشحنة الانفعالية" "للهو" أو "الأنا" أو "الأنا الأعلى" التي تولد القلق، وقد تمنع من الانطلاق إلى سطح الشعور، أو قد تتصدى لها شحنات انفعالية مضادة، أو القضاء على شحنة انفعالية أو وقفها بواسطة شحنة انفعالية مضادة يسمى كبتا"(35) فالتركيب المعقد للنفس في انفعالاتها وشحناتها العاطفية خاصة في تدخل "الهو" تمثل الجانب الغرائزي المادي الذي يحاول دفع السلوك اللاّشعوري للانطلاق إلى سطح الشعور، حتى تتحقق على أرض الواقع، ولكن "الأنا الأعلى" الذي يمثل مجموعة القيم الروحية والاجتماعية والأخلاقية تحاول أن تقف في وجه "الهو" حتى لا يطفو على السطح، ويتجسد في سلوك الإنسان هذا الصراع بين "الهو" و"الأنا الأعلى" ينتج عنه كبت لكثير من السلوك والذي يكون مصدراً لكثير من النصوص الإبداعية.

إن الحديث عن علاقة الإبداع بالكبت، حديث يقودنا إلى عمق الدوافع الكامنة وراء ولادة النص الإبدعي في علاقته بالمبدع، والمحيط الذي وُلد فيه، على أساس أن النص الإبداعي نتيجة تفاعل بين واقع اجتماعي أو سياسي أو حضاري بشكل عام، ونفسيةٌ المبدع. "فالإبداع كالحلم، وما دام الحلم يتبدى على شكل صورة، فإن تلك الصورة التي تتبدى للحالم وللشاعر رموز المكونات اللاشعور"(36). فالنص الإبداعي -وفق هذه النظرية -ما هو إلاّ رموز تجسدت على شكل صورة لغوية حاملة لمكونات لا شعورية.

إن نظرة "فرويد" إلى المبدعات الفنية الكبرى لا تخرج عن كونها تؤكد الطابع الكبتي للإبداع، إذ إنّ المبدعات الفنية عنده ليست إلاّ تعبيراً عن مكونات الطفولة، ودوافعها الملحة.

ويؤكد هذه النظرة أحدُ أتباع "فرويد" بقوله "تبرهن لنا سيكولوجية اللاشعورية برهاناً قاطعاً لا مراء فيه، على أن الخلق الفني ليس في جميع تجلياته، إلاّ ظاهرة بيولوجية نفسية، إلاّ تعويضاً تصعيدياً عن رغبات غريزية أساسية ظلت بلا ارتواء بسبب عوائق من العالم الداخلي أو العالم الخارجي"
(37)، ومن ثمّ يصبح النص الإبداعي مجالاً من المجالات التي تفرغ فيها المكبوتات النفسية.

الظاهرة العذرية من الظواهر الإبداعية الكبرى في التراث العربي القديم التي حملت حساً مأساوياً [تأوهياً] أعطى للتغني بالعشق، والذوبان فيه، والعيش من أجله، بعداً جمالياً. وقف أمامه العديد من النقاد محاولين الوصول إلى العوامل النفسية والحضارية التي حوّلت العشق من قيمة إفراغية إباحية إلى قيمة فنية، تحمل بعداً جمالياً وحضارياً. ولعل قراءة "يوسف اليوسف" للغزل العذري من القراءات التي حاولت إظهار الجوانب الكبتية في الظاهرة العذرية، وهذا ما يؤكده بقوله: "الظاهرة العذرية التي سادت الشعر عهد ذاك لبضعة عقود من السنين، لم تكن إلاّ انعكاساً لميل حركة التاريخ الموضوعية نحو شكم العشق ابتغاء استنفار الطاقات الفردية، وتوظيفها في معركة التوسع الإمبراطوري العربي الساعي نحو الحفاظ على روح العالم حية ومتفجرة"(38). فحركة التاريخ في العالم العربي عهد ذاك والهادفة إلى تحقيق المجتمع الإسلامي بأبعاده الحضارية والسياسية والاجتماعية والروحية وخلق قوة سياسية واجتماعية تحقق الطموح الجماعي الأمة العربية الإسلامية، جعلتها تسخر كل الطاقات الفردية من أجل تحقيق الهدف الحضاري، لكنها لم تتغافل عن متطلبات الذات الفردية خاصة في جانبها الغرائزي، بل حاولت أن تخلّق توازناً بين ما هو جسدي وما هو روحي، فكونت فرداً آثر التضحية في كثير من الأحيان -على متطلبات المادية من أجل الهدف الحضاري الأسمى، لذلك أصبحت الذات مقبلة على أفعالها طواعية لا مرغمة، وهذا ما لم يدركه "يوسف اليوسف" فيما ذهب إليه عند تحليله لنشأة الظاهرة العذرية، فوقع في التعميم بدلاً من التخصيص. فالمجتمع الإسلامي الأول لم يشكم العشق، وإنّما وجهه ليصبح عاملاً بناء، بعد ما كان عامل خمول وركود. أما في العصر الأموي فالعذرية ظهرت بتشجيع من بني أمية، لصرف نظر كثير من الفئات الاجتماعية عن التطلع إلى الإمارة، التي كان أساسها الأول، أنها لمن هو أهل لها. فالعذرية اتسمت بحس تأوهي مأساوي، لأنها كانت تعبيراً عن الكبت الحضاري الذي سلط على الذات في العصر الأموي. كبت تجسد في الحركة الإبداعية التي أخذت أبعاداً موحدة بين كثير من شعراء البادية الحجازية.. "فالنحن إذاً قاعدة يستند إليها توازن الشخصية، ومن ثمّ فإنّ أي اختلال يصيب توازن الشخصية بخلل عميق، عندئذ تدفع الشخص في محاولات للتغلب على الصدع الذي أحدث هذا الاختلال، وتكون محاولاته عنيفة تبعاً لعمق الصدع وقوة "النحن"، بل تكون في شكل إعصار من النشاط أحياناً، وتختلف مظاهر هذا النشاط تبعاً لنوع الصدع وتاريخ الشخصية، وبالتالي يختلف مظهر التوازن الذي يتحقق بعد ذلك" (39). فالعذرية في رأي "يوسف اليوسف" تجسيد بارز لخيبة الأمل التي أصيبت بها الذات العربية الإسلامية في العهد الأموي، هذه الذات التي كبتت متطلباتها الغرائزية من أجل تحقيق المشروع الحضاري للأمة، لكن العهدة الأموية غيرت المسار الرئيس للمشروع؛ لذلك أصيبت الذات بصدع أفرز لا توازناً، وإحباطاً في الشخصية الإسلامية، فعادت الذات إلى التفكير في إشباع متطلباتها الغرائزية بعدما تنازلت عنها.

فالعذرية -إذن- صرخة عالية في وجه المجتمع "النحن" كيف لايقف أمام متطلبات الذات التي ترى أنّ العشق حق من الحقوق الأزلية للذات لايمكن التفريط فيه، وحتى وإن تنازلت عن هذا الحق الأزلي من أجل تحقيق طموح جمعي، وبالتالي التضحية "بالأنا" من أجل "النحن"، فعلى المجتمع أن يحقق المبادئ السامية التي ضحّت الذات بها، وتنازلت عن حقوقها الأزلية من أجلها، لكن ذلك لم يحدث في التاريخ العربي الإسلامي، وبخاصة في مرحلة الحكم الأموي، والتي كانت مرحلة خيبة أمل في التاريخ العربي الإسلامي، فحولت مجرى الأحداث التي تهدف إلى بناء مجتمع عادل وحر قوامه الشورى؛ لذلك كانت المرحلة الأموية تمثل شرخاً في مسيرة المجتمع الإسلامي، وحيث أحدث صدعاً وإحباطاً عاماً عند المسلم الذي ضحى بحقوقه الأزلية من أجل تحقيق المشروع الحضاري للأمة الإسلامية. إنّ هذا الصدع والإحباط تجسدت قيمه المعرفية والفنية في الحركية الإبداعية لدى الشعراء العذريين. فالعذرية -إذن- إفراز كبتي لصورة الإحباط والصدع الذي أصيب به العربي في المرحلة الأموية. "وثمة مفارقة أخرى فحواها أن أهداف الفرد لم تعد متوافقة مع أهداف التاريخ في العصر الأموي، وذلك لأن الإمبراطورية لم تعد مخلصة للخط الإسلامي الديموقراطي الذي يتبناه قاع الشعب. فهزيمة التيار الإسلامي النقي، وبتحول الإمبراطورية من الجمهورية الديموقراطية إلى الملكية الاستبدادية انفصل الفرد عن جسم الدولة، وأقامت بينه وبين ذلك الجهاز، الذي بات متعالياً على المواطن قطيعة لم يعد بالإمكان ردمها. وهنا دخل العقل العربي في مشاقة مع شرطه التاريخي وأخذ يفرز فكراً سلبياً ينطوي على المعارضة انطواء صريحاً ومضمراً" (40). فالظاهرة العذرية تعبير عن الشرخ الحضاري الذي انعكس على الذات العربية الإسلامية في فترة من فترات ردتها السياسية والاجتماعية، من مجتمع يعمل من أجل الوصول إلى غايته الكبرى. إلى مجتمع يعمل من أجل بلوغ غايات عائلة مالكة، كبحت النفوس، وقسرتها بقوة الدم والحديد.

إنّ تأوهية الشعر العذري على الرغم مما يمثله من جمالية فنية يعبر كذلك عن ذات مكبوتة لها أهدافها الكبرى ومتطلباتها الغرائزية التي تريد تحقيقها وإشباعها "فنحن نفترض أنّ الذي تتعرض له الشخصية بين أهدافها الخاصة والهرم المشترك للجماعة، يمكن أنْ يكون منشأ العبقرية كما أنه يمكن أن يكون منشأ الجنون" (41). ولهذا فالظاهرة العذرية إفراز لانشطار الذات بين القبول والرفض. القبول بمطالب الروح التاريخي الداعي إلى مبادئ إنسانية سامية، أصبحت تشكل جوهر الفرد الذي صاغه التغيير التاريخي، داخل حركة المجتمع الإسلامي من كل جوانبه الروحية والمادية، والرفض الذي تمارسه الذات من حيث هي طبيعة غرائزية تشكل ضغطاً من أجل إشباع حاجاتها الأزلية. هذا الانشطار الذاتي ولد كبتاً جمعياً داخل المجتمع ذي الطابع الحظري للعشق من حيث هو عطالة وسكينة لحركية الذات، واندفاعيتها في اتجاه صنع التاريخ، والحفاظ على المجتمع في كليته من حيث هو هدف جمعي، إذ "اعتاد الروح التاريخي عهد ذاك أن يشكم العشق في المجتمع الإمبراطوري العربي، لأن العشق، من حيث هو نزوع إلى السكينة يتعارض مع تربية الفارس، صانع الإمبراطورية وحامي الحضارة من التفسخ، فكان الانشطار بين القبول والرفض، القبول بمطالب الروح التاريخي للمثل وهو ما يعدُ جزءاً من الداخلية للأفراد، والرفض الذي تمارسه الطبيعة الأصلية للروح الفردي على هذا الضغط الكلي كيما تشبع حاجاته الأزلية"(42). إنّ الذات المكبوتة ذات انشطارية ميالة إلى السكينة، عاجزة عن مواجهة متطلبات الحياة الواقعة. فهي ذات سلبية في صنع حركة التاريخ، وتلك ميزة العذري. إذ "إنّ الشخص الذي يعاني الكبت، يتسم بالفقر والجذب في طاقاته النفسية، وتعجز عن مواجهة متطلبات الحياة والواقعة والمهام اليومية المطلوبة" (43). فالذات العذرية في سلبيتها وانطوائيتها في مواجهة الواقع، ذات مكبوتة في أهدافها الحضارية والغرائزية الفطرية.

إنّ "يوسف اليوسف" في قراءته لكبتية الظاهرة العذرية نلفيه يجمع بين التحليل النفسي والدراسة الاجتماعية فهي قراءة مزجت بين القراءتين، فأعطت للظاهرة العذرية بعداً حضارياً قلما وقف عنده النقاد. فقراءته النفسية انطلقت من أنّ الظاهرة العذرية سلوك كبتي ولده التصادم بين أهداف "النحن" ومتطلبات "الأنا" من نظرة فرويدية في تفسيرها للسلوك الإنساني المنتج للمبدعات الكبرى. فجوهر "التحليل النفسي، عند "فرويد" يقتصر على أنّ التطور النفسي للإنسان، ليس إلاّ تحولاً للدوافع الجنسية، وأنّ الحياة الاجتماعية ترجع في الأساس إلى نشاط العمليات اللاشعورية والغريزية المختلفة لشخصية الفرد، ويعتبر "فرويد" أنّ الشخصية ذات بيولوجية تعيش في المجتمع وتخضع لتأثيره، ولكنها تعارضه"(44). فالعذرية -إذن- شكل من أشكال المعارضة، وصيحة في وجه المجتمع الذي يحاول -وبكل قوته- أن يخضع الذات لتوجيهاته العامة، وإرغام الفرد على التنازل عن طبيعته الأصلية.

إنّ ظاهرة إخفاء الهوى والتكتم، والسر، خشية الافتضاح من السمات الأساسية للنص العذري. يقول جميل بثينة: (45)

لَكيْمَا يَرَوْا أنَّ الَهوَى حَيْثُ أَنْظُرُ

 

سَأَمْنَحُ طَرْفِي، حِينَ أَلْقَاكِ، غَيَرَكُمْ

يُوَافقُ طَرْفي طَرْفَكُمْ حِينَ يَنْظرُ

 

أُقَلِبُ طَرْفِي في السَّمَاءِ، لَعَلَّهُ

زِيَارَتَكُمْ والُحُبُ لا يَتَغَيَّرُ

 

وأُكَنِي بِأَسْمَاءٍ سِوَاكِ، وأَتَّقِي

إذا خَافَ، يُبْدِي بُغْضَهُ حِينَ يَظْهَرُ

 

فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا وَاجِداً بِحَبِيبَةٍ

فالرقابة والحظر أساسا التكتم الذي اتسم به الشعر العذري، فهو يعبر عن موقف حضاري، لأنّه "لايمكن الجزم في أنّ التصعيد الرامي إلى إنتاج الحضارة كان نصب أعين القوى المانعة، أو الكابحة، حين أقدمت على التحريم، وذلك لأن التصعيد لم يكن إلاّ نتيجة الكبت لا سببه" (46).

فالكبت إذن أساس أولي في ولادة النص العذري، هذا النص الذي كان أساس الظاهرة العذرية ذات الأبعاد الحضارية المتصلة بعمق المجتمع العربي الإسلامي، في فترة من فترات تاريخه المتسم بالإحباط، الذي عانت منه الذات العربية الإسلامية، وعاشت بين طموح مأمول، وواقع مفروض ومرفوض، لكن الذي يلاحظ على قراءة "يوسف اليوسف" -وعلى الرغم من إدراكها لكثير من الجوانب المهمة في الظاهرة العذرية- أنّها حاولت أن تقرأ التاريخ العربي الإسلامي في الفترة الأموية من خلال مجموعة اجتماعية معزولة داخل المجتمع، ومن ثمّ وقعت في تعميم الجزء على الكل انطلاقاً من زمرة اجتماعية هامشية. فإذا كانت الظاهرة العذرية تمثل زمرة داخل المجتمع الأموي فمن الخطأ أن نقرأ التاريخ انطلاقاً من الجانب المهمش فيه فقط.

6-تعطيل الإرادة:

إنّ موضوع الإرادة من الموضوعات الفلسفية والسيكولوجية التي وقع خلاف حول تحديد طبيعتها والعوامل الموجودة لها؛ إنّ المدارس السيكولوجية باختلاف توجيهاتها لم تفلح في تحديد ماهيتها ودوافعها والعوامل. إذ يخضعها بعضهم للعقل، وبعضهم الآخر يضع العقل تحت سيطرتها، ويرى آخرون أنّ محك الإرادة هو الاختيار والعزم، دون التنفيذ، ويرى أنّ الفعل الإرادي لايتم إلاّ بالتقييد. وتذهب المدرسة السلوكية الآلية إلى أن الإرادة وهمٌ من الأوهام. لكن الحقيقة التي يستخلصها الدارس من إشكالية الإرادة بأبعادها السيكولوجية والفلسفية. هي أنها قوة نفسية وعامل سيكولوجي، لايمكن للدارس أن ينكر حقيقتها أو يغفلها، أما دوافعها فمختلفة المصادر، منها ماهو بيولوجي ومنها ماهو اجتماعي وسيكولوجي. فحياة الإنسان ليست حياة فرد مستقل، بل حياة فرد يعيش في مجتمع، إنّها حياة تسهم في نشاطها مجموعة من العوامل، وليست الإرادة في مظهرها الأول سوى مجموعة هذه الدوافع عندما تتآزر لتحقيق هدف ما، وبذلك فهي أكثر صلة بالحوافز، لأنها في الواقع تنظيم لهذه الحوافز، ولايتم تنظيم الحوافز إلاّ بانضمام البواعث إليها بفضل تهذيب المجتمع.

إنّ قراءة متأملة لكبريات القضايا التي وقف عندها النقد العربي الحديث في اتجاهه السيكولوجي، إشكالية تجعلنا نطرح الأسئلة التالية: هل الإبداع وليد اللحظة الواعية أم وليد اللحظة اللاواعية؟ ابن الشعور أم اللاشعور؟ وماهي علاقة الفعل الإرادي بشخص الكاتب وإبداعه الفني.

إنّ الظاهرة العذرية في التراث العربي، تحوم حولها ظلال إشكالية الإبداع وعلاقته بالإرادة، لأنّ العشق بوصفه سلوكاً إنسانياً مرتبط في وجوده بأغوار النفس البشرية، ويجعل منها في كثير من الحالات نفساً تصدر عنها بعض السلوك الذي يقف أمامه الدارس موقف المتأمل الفاحص، وبخاصة إذا كان المترجم لهذا السلوك النص الإبداعي، ومايدور حول ولادته من ملابسات اجتماعية وتاريخية، تنسج حوله تراجم وسير للمبدع تنم في جوهرها عن علاقة حميمة بين المبدع وإبداعه.

وقراءة "العقد" لجميل بثينة" من القراءات التي حاولت أن تقف عند إشكالية الإرادة وعلاقتها بالظاهرة العذرية من خلال مقاربة لسيرة أحد روادها وإبداعه، إذ ترى أنّ "تعطيل الإرادة أصيل في الهوى كله، ولاسيما الذي نسميه بالعشق أو نسميه بالغرام، لأن المرء يرتبط فيه بإرادة شخص آخر فهو مقيد بهذا الارتباط الذي لاتتفق فيه الإرادتان في جميع الأحيان.... وينتهي به الأمر إلى البقاء على حاله عجزاً عن تغييره لا سروراً به ولا رغبة فيه... فهو لا يتعلق بمعشوقته لأنه راض عن هذه العلاقة يتلذذها، ويتشهاها، ويتذوق النعمة والهناء فيها، ولكنه يتعلق به لأنه عن فراقه، مقيد بضروب من العادات والوساوس لاحيلة له فيها ولا قدرة له عليها" (47) فالمتأمل لقراءة "العقاد" يدرك فهمه للإرادة على أنها سلوك مرتبط في أساسه بالوعي وهذا مايجعلنا نلاحظ أن المعجم النقدي "للعقاد" في مناقشته لإشكالية الإرادة وعلاقتها بالعشق معجم يوظف مصطلح الإرادة توظيفاً بعيداً في مرجعيته الفلسفية عن المعنى الدقيق لمصطلح الإرادة خاصة عند "شوبنهاور" الذي يرى أن الإرادة هي "الطبيعة الأعمق، وهي بمثابة اللب لكل شيء جزئي كما هي بالنسبة للكل، وهي تظهر في كل قوة عمياء في الطبيعة كما في كل فعل إنساني مدروس" (48). "فالعقاد" يرى أنّ الإرادة معطلة في العشق العذري، وهذا مايجعلنا نتساءل: هل يمكن للإرادة أن تتعطل في جوهر السلوك الإنساني وهي التي يبنى عليها كل السلوك؟.

إنّ "العقاد" يقف عن إشكالية الإرادة معتقداً أنّها فعل مرتبط بالوعي والعقل، إنّ الذي لم يدركه أنّ مفهوم الإرادة أوسع وأشمل من أن يدل على الأفعال القصدية، ولأنّه يدل أيضاً على العادات والغرائز والاندفاعات والميول من أي ومن كل نوع، لذلك فهي لاتدل فقط على الرغبة الواعية، ولكنها تشمل أيضاً الغريزة اللاواعية، ومن ذهب إلى القول بتعطيل الإرادة في العشق العذري فمذهبه يحمل كثيراً من المثالب والمغالطات النابعة من سوء فهم لإشكالية الإرادة في بعدها الفلسفي والنفسي، إذ الإرادة ليست هي الوعي، ولكن الإرادة في جوهرها هي اللاوعي.

فالعذرية -إذن- لاتفتقد إلى الإرادة. بل هي تجسيد للإرادة، التي حاولت أن تمحقها الظروف السياسية، والاجتماعية التي سادت المجتمع الإسلامي في العصر الأموي، فالعذرية هي إرادة اللاوعي الذي صدع في وجه الواقع بعد أن كبل الوعي، وحُظر. هي إرادة التغلب على القهر والسلب الذي مورس على الفرد داخل المجتمع الأموي، ومورس على جميع الأصعدة -سياسية، واجتماعية، وفطرية. إنّ العذرية صرخة إرادية تجسدت من خلال اللاوعي في نص إبداعي حمل جوهر الواقع الأموي المرفوض من الفرد المسحوق الذي خابت طموحاته الكبرى، التي ضحى من أجلها بفطرته وفكره وسيفه، ليجد في النهاية أنّ الهدف والغاية قد حورت عن مبتغاها الجوهري، من مجتمع يحس فيه الفرد بإنسانيته وحريته إلى فرد تحطمت فيه أمانيه على صخرة الاستبدادية الملكية الأموية.

لم تقف قراءة "العقاد" للظاهرة العذرية -ولاسيما في جانبها العشقي- عند القول بتعطيل الإرادة فقط، بل ذهبت إلى إبراز الشذوذ العذري في التعارض بين الغرائز النوعية وإرادة الفرد، ووضعهما موضع الصدام الذي يتولد عنه الشذوذ السلوكي: إذ "لاشك أنّ الغرائز النوعية أقوى من إرادة الفرد إذا تحكم النزاع بينها وبلغ مبلغ الصراع الذي لامحيص فيه من الغلبة لأحدهما، ولكن المسألة هي أنّ الغريزية النوعية والإرادة الفردية لايبلغان هذا المبلغ من النزاع والصدام إلاّ لعارض طارئ ليس بالمتكرر في جميع الأحوال، وهذه هي الندرة التي يدل وقوعها على الشذوذ في الفرد أو الشذوذ في الأحوال التي تعرضت لها علاقته الغرامية (يعني جميل)، فإذا اصطدمت الغريزة والإرادة الإنسانية على اطراد دائم مدى الحياة فهناك شذوذ لا محالة في الإرادة أو في الأحوال التي أحاطت بها ولابستها، وذلك الشذوذ النادر الذي نشاهد مثلاً من أمثلته الواضحة في قصة "جميل" (49). فشذوذ "جميل" ومن ورائه العذريين -لأنّهم يشكلون خطاً واحداً في تعبيرهم عن العشق كعلاقة روحية بين الرجل والمرأة- نابع من تعطيلهم لإرادة الحياة التي تتجسد من خلال "الزواج" الذي تشذ عنه العذرية فلم تحدثنا الروايات التاريخية على أنّ شاعراً عذرياً انتهى في حبه إلى الزواج بمحبوبته. فالعذرية عدوة الإرادة النوعية فليس هنا من سبيل إلى تحقيق الغريزة النوعية إلاّ سبيل التناسل. "فإرادة التناسل هي الوسيلة الوحيدة لاستمرار إرادة الحياة، وبالتالي حفظ النوع"(50). ومن هنا ندرك أنّ قراءة "العقاد" تفطنت في هذا الجانب إلى نقطة جوهرية تميزت بها الظاهرة العذرية، مرجعيتها.

في ذلك فلسفة "شوبنهاور" التي تذهب إلى أنّه "لكي تضمن الإرادة قهر الموت فقط عمدت ألاّ تضع إرادة التناسل تحت رقابة العقل أو المعرفة، فحتى الفلاسفة قد تناسلوا وأنجبوا أولاداً. فإرادة التناسل تبدو مستقلة عن المعرفة فهي تعمل عملاً أعمى. وأعضاء التناسل هي وسيلة حفظ الحياة؛ ولذلك عبدها الإغريق والهندوس، ووصف "هَذْيوُدْ" و "بارمينيدس" إله الحب EROS على أنّه الأول، والخالق والأصل الذي صدرت عنه جميع الأشياء لذلك كان الحب عند "شوبنهاور" وسيلة تديرها الطبيعة لأداء أغراضها عن طريق التناسل. وما غرض الطبيعة سوى استمرار الحياة" (51). فالعذرية شذوذ عن الأصل المعرفي لماهية الحب، وتعطيل لإرادة الحياة، وتلك نظرة للحب في جانبه المادي لا في جانبه الروحي العرفاني. فالعذرية وإن تصادمت مع إرادة الحياة، وعطلت من دورها الحياتي إلاّ أنها ارتقت بالنفس الإنسانية إلى ملامسة جوهرها الروحي، فسمت بالعشق من الطابع المادي الإفراغي إلى الطابع العرفاني، فكانت فيما بعد إرهاصاً للصوفية في وجدها الروحاني. وبذلك حاولت العذرية أن ترتقي بالإرادة من مفهومها المادي، إلى مفهومها العرفاني الذي عطل الإرادة في فعلها الملموس، ونقلها إلى فعل لاتفهمه إلاّ الأرواح وبذلك زودت القاموس اللغوي الشعري برؤية جديدة لم تكن من قبل موجودة في تاريخ الإبداع العربي.

7-النرفانا:

إنّ القارئ للدراسات النقدية التي تناولت "الظاهرة العذرية" يلاحظ أن من بين الظواهر النفسية التي وقف عندها النقاد "مبدأ النرفانا". "فلقد شدد العذريون ولاسيما كثير عزة، على تصوير الجسد الأنثوي بألفاظ ذات طابع جمالي لاشبقي؛ وبذلك طرحوا ضمنياً ماخلاصته أنّ الجسد الأنثوي هو إمكانية سعادة وتتلذذ، إمكانية نيرفانا"(52)، ويقتصد بها تلك النزعة نحو تخفيض توتر الإثارة الداخلية، وثباتها، والقضاء عليها.

لقد اقترحت المحللة النفسية الإنجليزية "بربارة لوف" هذا المصطلح ثمّ عاد إليه "فرويد" للدلالة على نزعة الجهاز النفسي نحو إرجاع أي كمية من الإثارة ذات منشأ خارجي أو داخلي إلى مستوى الصفر أو على الأقل اختصارها إلى أقصى حد ممكن"(53) وهو مبدأ يدل على تقليص الرغبة الإنسانية، والقضاء على "الأنا" لتذوب في "النحن"؛ وذلك خدمة للطموحات الحضارية الكبرى.

إن النرفانا العذرية تسامي للعذري الذي كان يعيش صدام شبوب عاطفي مع هوية أصلية تناديه من الأعماق للإشباع الغريزي، وبذلك "يمثل العذريون حركة ارتقاء وظيفتها الأساسية مجابهة الاتضاع العاطفي المضيع للهوية الأصلية (هوية ماقبل الخطر النرفانيا"(54). فتسامي العذري عملية حضارية قوامها أن العذري تخلى عن النزعة الجنسية في التماس اللذة الجزئية، واتخذ لها هدفاً آخر يتصل تكوينياً بما تخلت عنه الذات؛ وبذلك توصف بأنها عملية ذات طابع نفسي اجتماعي جعلت العذري يتسامى بذلك عن الأهداف الجنسية الشبقية التي هي في نهاية الأمر أهداف أنانية إلى أهداف ذات طابع حضاري تضحي فيه "الأنا" بمتطلباتها الغريزية من أجل بناء "النحن" بناء متكاملاً. فالنرفانا العذرية في إطارها الحضاري توحي بمعنى غير قانون الثبات أو ضبط التوازن الذاتي، أي أنّها تدل على مابين اللذة والتلاشي النابعة من دلالتها على انطفاء الرغبة الإنسانية، والقضاء على الفردية التي تذوب في الروح الجماعية مؤدية إلى حالة من السكينة والسعادة الكاملة.

إن التسامي يتضمن التعبير عن غريزة كبتت بأسلوب يقبله المجتمع فالظاهرة العذرية التي سادت العصر الأموي كانت مقبولة؛ لأن الإسلام قد عدل من مفهوم الحب، فنقله من مفهوم حيواني بهيمي إلى مفهوم روحي متسام قوامه الحياء والنقاء. يقول "قيس بن ذريح" (55):

حَيَاءً، وَمِثْلِي بِالحَيَاءِ حَقِيقُ

 

تَتُوقُ إِلَيْكِ النَّفْسُ ثُمَّ أَرُدُّهَا

إن تسامي العذرية أفرزه تغلب الحياء والنقاء الناتج عن التربية الإسلامية على توق النفس ذات الدوافع الشبقية؛ ولذلك "فمن مميزات الحب العذري اعتقاد العشاق بقوة خارقة لا حول لهم ولا قوة في ردها أو السيطرة عليها.... فيرتفع عنهم اللوم في جميع أعمالهم، وترتفع عنهم المسؤولية. باعتبارهم مجبرون لامخيرون خاضعون لسلطات العشق... وسحر المحبوب الذي لايفك، فهم معذورون في تحديهم للأعراض والقيم" (56). إذن- فتسامي العذري يشير بشكل أو بآخر إلى تلك الحواجز التي يقيمها المجتمع في طريق التعبير (الفاضح) عن الرغبة في الوصال، لذا يقوم الشاعر بالتعبير عنها بأسلوب آخر يقبله المجتمع.

لقد عدل التوجه الجديد للمجتمع العربي الإسلامي كثيراً من المفاهيم التي كانت سائدة في المجتمع العربي في فترته الجاهلية، إذ كان الحب شبقياً "ينطلق من الجسد، ثمّ تأتي النتائج النفسية والذهنية، توفر اللذة الجسدية غبطة الاكتمال والتملك. يجد فيها الجاهلي جنته الأرضية، المرأة له، الواحة والماء والجمال كله... العيد الأول في حياة العربي هو عيد الجسد حيث تتوحد الشهوة واللذة والنشوة. فالشاعر دائم الصلاة وهذه آية الصلاة: العالم جسد لكن اجعله، أيها الحب أكثر امتلاءً وحضوراً" (57) فالحب الجاهلي ذو نزعة شبقية الأولية فيها للجسد، هو المطلب والهدف، وهذه الرؤيا للحب نابعة من الطبيعة المادية التي كانت تستحوذ على الرؤيا المعرفية للجاهلي. يقول "امرؤ القيس"(58):

عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ القَيْسِ فَانْزِلِ

تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الغَبيطُ بِنَا مَعاً

وَلا تُبْعِدِني مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّلِ

فَقُلْتُ لَهَا سِرِي وَارْخِي زَمَامَهُ

فأَلَهيْتُها عَنْ ذِي تَمَائمِ مُحْوِلِ

فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضَعٍ

بِشِقٍ وَتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحوَّلِ.

إذَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ

إنّ النظرة العرفانية المتسامية للعشق عند العذريين في العصر الأموي لم تكن هي النظرة الوحيدة السائدة في هذا العصر، بل بقيت النظرة الشبقية للحب قائمة، وهذا مايجعلنا نقول إنّ المجتمع الأموي كان يعيش ازدواجية في التعبير عن الحب نظرة عذرية عرفانية، ونظرة شبقية هي امتداد للنظرة الجاهلية وقد مثل الاتجاه الثاني في العصر الأموي خير تمثيل "عمر بن أبي ربيعة"؛ إذ "إنّ عمر لم يكن عذرياً، ولم يكن يريد أن يذهب مذهب العذريين، وإنّما كان عملياً محققاً يلتمس الحب في الأرض لا في السماء"(59). حب يكون فيه الجسد هو المبتغى والمرأة، من حيث هي خلق ومتعة مبدأه، وتكون كذلك غايته. أما ماوراء ذلك مما يحققه الحب من معنى التصفية النفسية، فيقود إلى التجرد من النزعة المادية، وأما الآفاق البعيدة التي تطلقها هذه الهزة الداخلية، فشيء لم يشأ عمر أن يقف عنده. "إنّ اللبانة والجاهلية وما إلى ذلك مما يتصل بالشهوة هي أكثر الكلمات دوراناً في الشعر وأبرزها فيه" (60) فشبقية عمر كانت معارضة لنرفانية العذريين التي كانت تصور الجسد الأنثوي عندهم بألفاظ ذات طابع فني. بينما عند عمر "لو أمعنا النظر في القصائد لما وجدنا بها تلك النزعة الحسية التي يشير إليها الكثير من الدارسين، إذ لم نرد بالحسية مجرد المقابلة بين العواطف المجردة عند العذريين، والإشارة العابرة إلى محاسن المرأة أو لقائها، بل الوصف الحسي المفصل للجمال الجسدي والمتع والشهوات"(61). يقول عمر بن أبي ربيعة(62):

أُقَبِّلُ فَاهاً فَأُكْثِرُ.

 

فَبِتُّ قَرِيرَ العَيْنِ، أُعْطِيتُ حَاجَتِي

إِذا تَمَايُلُ عَنْهُ، البُرْدُ وَالخَصْرُ.

 

وَبِتُّ أَلْثُمُهَا طَوْراً، فَيَمْنَعُنِي

المرأة عند عمر جسد وشهوة، متعة وشبقية. أمّا إذا تأملنا نرفانية العذرية في نظرتها إلى المرأة نجد أنّ البعد الصوفي العرفاني هو الطاغي عليها، لذلك نجد اللغة الغزلية العذرية ذات طابع فني متسم بالحمولة العرفانية الصوفية، لذلك يعد الكثير من الدارسين من أمثال "جودت نصر" أنّ "الغزل العذري إرهاص، ومدخل لرمز المرأة في الشعر الصوفي"(63)، لكن الصوفية أعطته أبعاداً جديدة اتصلت بالذات الإلهية، فنقلوه من حب عفيف إلى حب إلهي صوفي، ومن خلال ذلك "يتبين لنا الوشيجة المتينة بين الغزل العذري والحب الصوفي، أو قل بين مسلك الشعراء المتعففين، ومسلك الزهاد الأتقياء؛ وذلك لما بين العفة في الحب وبين الزهد من سمات مشتركة وملامح متشابهة ففي كليهما نزوع إلى الإعلاء والتسامي، وشعور حاد بالتحريم الجنسي، ورغبة في تحقيق ضرب من الإشعاع والتوافق بين مايرغب فيه ومايخشى منه، ومن خلال شعور أخلاقي ينظمه "الأنا الأعلى"، ويعد المحب للدخول في علاقة متوترة بين المادي والروحي، بين السماوي والأرضي"(64). فالعذرية في تعبيرها عن العشق أعطت للحب بعداً روحياً كان إرهاصاً حقيقياً لدخول رمز المرأة بحمولة معرفية عرفانية، إلى حقل النص الصوفي، إذ يظفر دارس الأدب الصوفي على شعر وفير بدت فيه المرأة رمزاً روحياً دالاً على الحب الإلهي، ويعد الشعر الصوفي من هذه الناحية شعراً غزلياً تم للصوفية فيه التأليف بين الحب الإلهي والحب الإنساني، والتعبير عن العشق في طابعه العرفاني الناتج عن نرفانية تعامل بها العذري مع الجسدالأنثوي. يقول"أبو منصور الحلاج"(65):

وَطَرْفُ فِيهِ تَقْويسُ

 

وَقَدْ حَيَّرنِي حُبٌّ

أَنَّ القُرْبَ تَلْبِيسُ

 

وَقَدْ دَلَّ دَليلُ الحُبُّ

فمن يتفحص القراءات التي تناولت الظاهرة العذرية يدرك رحابة هذه الظاهرة الفنية التي وسعت اجتهادات تلك المقاربات، وما الوقوف على نرفانية الظاهرة إلاّ دليلاً على عمق هذه القراءات وجديتها. فالنرفانية العذرية أسس لها الصدام بين الشبوب العاطفي والهوية الأصلية للإنسان وغذّاها صراع تاريخي أقصى الذات من فعلها التاريخي، فنحت منحى فنياً في تصويرها للجسد الأنثوي بلغة غير شبقية كانت إرهاصاً حقيقياً للصوفية العرفانية فيما بعد.

8-المازوشية: Masochisme

من مهمات النقد الأدبي مواكبة الأثر الفني لمعرفة أسسه الفنية والإبداعية في جوانبها التاريخية والسيكولوجية والاجتماعية واللغوية. ونظراً للطابع الشمولي للنّص الإبداعي تفرعت المدارس النقدية كل حسب منطلقاتها المعرفية محاولة الاقتراب من النص الإبداعي للكشف عن جانب من جوانبه لمساءلته مساءلة الباحث المكتشف، لذا نجد المنهج النفسي يوزن مدى نجاح البواعث النفسية في إفراغ النشاط أو التعبير عنه بأي صورة حقيقية أو مجازية، وعلى قدر مايمتلئ النص الإبداعي بهذه البواعث يكون حظاً في التعبير عن الحق والجمال والقوة. وبذلك فهو يحاول فهم أسرار الأدب عن طريق نظريات علم النفس مرتكزاً على استنطاق منطقة اللاشعور "العقل الباطن" التي يرى فيها مركز تخزين تجارب الحياة النفسية، وغالباً ماتكون مؤلمة ومرة، فهي في مجملها رغبات مكبوتة لاتستدعي إلى منطقة الشعور بالطرائق العادية، ولكن عن طريق التنويم والأحلام، وتتجسد في كثير من الأحيان عند الفنانين في مبدعاتهم، وبفضلها تحل العقدة النفسية؛ وعليه يرى أصحاب التحليل النفسي أنّ أغلب دوافع الإبداع الفني وليدة التجارب التي مصدرها اللاشعور؛ إذ إنّ "العقل الباطن ليس خامداً عاطلاً ولكنّه فعال يؤثر في حياة الإنسان العقلية على غير شعور منه" (66). لذا يرى "فرويد" أنّ اللاشعور أساس الحياة النفسية. لأنّه يختزن جميع الدوافع المكبوتة والرغبات المقموعة منذ الطفولة، إذ تتسم بالنمو والاضطراب والانفعال، وتحاول الظهور بشتى الأشكال إلى منطقة الشعور، فتتخذ أقنعة ورموزاً ملونة أهمها الحلم والإبداع الفني.

انطلاقاً من هذه الأسس المعرفية حاول النقد النفسي العربي الحديث الدخول إلى دراسة الكثير من القضايا الفنية في التراث العربي القديم. فحاول "العقاد" دراسة جملة من الشعراء الذين كانوا رموزاً لكثير من الظواهر الفنية في التراث الشعري القديم. ومايستوقفنا في هذا المقام دراسة "العقاد" لشخصية "جميل بثينة"، إذ وقف عند ظاهرة بارزة تميز بها الشعراء العذريون. وهي أنّ القص العذري يكرس في كليته حقيقة فحواها أنّ الشاعر العذري لا يمكن بأي حال من الأحوال أنْ تنتهي علاقته بحبيبته إلى الرباط الشرعي "الزواج"، بل تنتهي إلى استحالة ذلك بفعل العرف الاجتماعي الذي كان يمنع كل من يشبب بالمحبوبة، بل يحرم عليه الزواج بها، وعلى الرغم من علم هؤلاء الشعراء بصرامة العرف، إلاّ أنّهم كانوا يتعمدون التشبيب بالمحبوب تعمداً كانت وراءه دوافع اللاوعي التي تضمر أنّ العذري كان من العصابيين الذين يهوون تعذيب الذات: أي "مازوشي" الطبع، إذ يرى أنّ قصة "جميل" في "هواه لبثينة قصة من أراد الوقوع في الهوى، ثمّ وقع، وليست بقصة من أوقعته المصادفة وحاول الخلاص من البداية فامتنع، يقول جميل (67):

بَوَادِي بَغِيضٍ يَابُثَيْنَ سِبَابُ

 

وأوَّلُ مَا قَادَ المَوَدَّةً بَيْنَنَا

فمن خلائق بعض الضعفاء أن تغريهم الإساءة والحرمان، وتزيدهم كلفاً على كلف بمن أحبوا من النساء ولاسيما التي تحسن المنع والإغراء والإطماع بالإقصاء وفي ذلك يقول "جميل" من قصيدة أخرى:(68)

وَلَكِنْ سَبَتْنِي بِالدَّلاَلِ وَالبُخْلِ

 

وَلَسْتُ عَلَى بَذْلِ الصَّفَاءِ هَوَيْتُهَا

فالسباب استهواه والبخل سباه، ولج به في هواه، وتلك أبداً آية من آيات العجز، وضعف الثقة في النفس، وتعليق تلك الثقة بمشيئة غيره.. وفي بعض الضعفاء خليقة قريبة من هذه الخليقة أو هي هي، في مظاهرها المختلفة. ونعني بها "حب التعذيب" والحنين إليه. ومن هؤلاء من يلتمسون الضرب والإيجاع في بعض الأحيان ويسعون إليه، وقد يستأجرون من يضربهم، ويوجعهم كما يصنع أناس من أصحاب هذه الخليقة في بعض العواصم الأوروبية، ويقترن ذلك دائماً بالنزاعات الجنسية على نحو من الانحاء.

فإذا كان "جميل" من أصحاب هذه الخليقة فهواه على تلك الصورة مفهوم، وأسباب اللجاجة في الهوى عنده أكثر من أن تحتاج إلى مزيد"(69). "فجميل بثينة" عند "العقاد" ومن ورائه العذريون -"مازوشي"- بالطبع، إذ المازوشية "شذوذ جنسي يرتبط فيه الإشباع بالعذاب والألم أو بالإذلال الذي يلحق الشخص"(70). فالعذري عند "العقاد" مريضاً نفسياً ومصاب بالعصاب الهستيري.

إن قراءة "العقاد" لشخصية "جميل" في جانبها العصابي ماهي في الحقيقة إلا تقليداً واقتداءً بما أنجزه "فرويد" في دراساته لكثير من الفنانين خاصة "ليوناردو دافنتشي"، إذ انطلق "فرويد" في دراسته من اقتناع مسبق قصد الوصول إلى نتائج معينة، لذلك كان بحاجة إلى التاريخ العائلي للفنان الباكر لإثبات صحة مسلمات التحليل النفسي. فكان ينتقي من سيرة حياته الجوانب التي تثبت الرغبات الجنسية في حياة الإنسان، وأن أعمال "ليوناردو" الفنية الأولى "رؤوس نساء ضاحكات، وفتيان جميلون" تجسد الإحساس بالحرية والسهولة الذي كان يشعر بها الفنان في مرحلة لم يكن يعاني فيها بعد من تأنيب الضمير بسبب رغباته اللاشعورية. إن قمع الرغبات اللاشعورية في المرحلة الأكثر تقدماً يبدو كأنه قد انعكس في رسم "العشاء السري"؛ لذلك يرى "فاليري ليبين"(71) "أنّ الانتقاء الأحادي الجانب، والتفسير الوحيد المنهج لمعطيات سيرة ليوناردو ينصبان عند مؤسس التحليل النفسي، في تأويل متعمد لجوهر الإبداع الفني، ولمضمون لوحات "ليوناردو"، وهذا أبعد من أن يتفق مع مهام التحليل الموضوعي" ومايقال ويلاحظ أيضاً دراسة "ليوناردو" يقال ويلاحظ على دراسات "فرويد" لمسرحية "هملت" ورواية "الإخوة كرامازوف"؛ إذ الدراسة تستنطق سيرة المؤلف أكثر من استنطاق الإبداع، وأن هدفها مُبَيّتٌ للتدليل على عصابية المؤلف لا غير.

إن أول مايستوقف في قراءة "العقاد" ودراستها لشخصية "جميل" التي ترى مازوشية في الظاهرة العذرية هو تعاملها مع الظاهرة العذرية من خلال "جميل" تعاملاً إكلينيكياً معتمداً في مذهبه على سيرة الشاعر لاعلى إبداعه الفني. وبذلك فهو ينطلق في دراسته من الظروف التي أحاطت بالشاعر مستنطقاً سيرته للتدليل على مايذهب إليه من عصابية للشاعر، وتلك قراءة أهملت الإبداع الفني الذي يجب العودة إليه لمعرفة نفسية صاحبه، وإن استشهدت ببعض النصوص فلم تختر منها إلا ما هو مدعم لمذهبها، لأنها ترى في "الأعمال الأدبية شواهد على مرض صاحبها النفسي، لأنها تتضمن العقد والطباع والتأويلات الباطنية. فنتاج الأديب صورة لنفسه وتاريخ لحياته الباطنية"(72). لذلك حاولت قراءة العقاد "لجميل" أن تظهر الشاعر بمظهر الإنسان المريض العصابي الذي تكون فيه الأعراض تعبيراً رمزياً عن صراع نفسي، مهملة القيم الفنية، بالأصالة الفردية والشخصية المتميزة. هذا الأصالة الفردية التي لولاها لما كان كلف "العقاد" نفسه عناء دراسة شخصية "جميل"، وتفسير حياته في ضوء عقده وطباعه.

إن المنحى الإكلينيكي لقراءة "العقاد" المنطلق من نفسية صاحب النص، المهملة لإبداعه الفني هي التي جعلت "طه حسين" يقول(73): "فالأستاذ "العقاد" -إذن- لم يبعد عن مذاهب الأدباء في حديث النرجسية، ولكنه غلا فيما اعتقد غلواً شديداً في تعمقها على مذهب المحللين، النفسين، فذكر من مذهبهم وتجاربهم فنوناً توشك أن تلحق كتابه بكتب العلماء، لولا أنه ليس له معمل ولامستشفى يجري فيهما التجارب كما يجريها العلماء". وبذلك عبر "طه حسين" عن موقفه الذي يرى في تطبيق "العقاد" للقراءة السيكولوجية تعسفاً على الأديب وأدبه، ويحمل كثيراً من الغرابة في الطرح والتحليل والمعالجة.

ليست قراءة "العقاد" هي القراءة الوحيدة التي تطرح مازوشية العذريين، بل نجد "سليمان موسى"(74) يذهب إلى أبعد من ذلك، فيعتبر أن "الحبّ العذري يعبر عن حالة مرضية متغلغلة في نفس العاشق، وتتبين في ولعه بسقمه وهزاله وحرمانه وتلذذه بألمه وشقائه وتعاسته واستمتاعه بحرقة الشوق الذي لا أمل في إشباعه، ولا تخلو ظاهرة الحب العذري من خصائصه "السادو مازوشية". من حيث إنّه يميل ميلاً شديداً إلى تعذيب النفس والغير (الحبيب) بدون مبرر واضح، أو غاية محددة، وإنما لمجرد الاستمتاع، والتلذذ بالألم والعذاب باعتبارهما جزءاً لايتجزأ من عنف التجربة الغرامية العذرية وشدة انفعالاتها. فهم يستلذون مرارة العشق مثل الضرب، فمنهم من يموت من أوهام غرامه ومنهم من يموت بهيام سقامه"، وبذلك نلاحظ أن النظرة العصابية المرضية الإكلينيكية للظاهرة العذرية لم تنحصر في قراءة العقاد بل تجاوزته إلى قراءات أخرى. هذه الأخيرة التي لم تطرح مازوشية العذرية فقط، بل تعدته إلى القول بالازدواجية في عصابية العذري التي تجمع بين المازوشية والسادية، على اعتبار أن السادية تتجلى من خلال رغبة العذري في تعذيب الغير (الحبيب).

إنّ قراءة "العقاد" للظاهرة العذرية وذهابها إلى أنّ العذريين، وبخاصة "جميل"، كانوا مازوشي الطبع، لأن تعذيب الذات أصيل في طبائعهم، لم تدرك أن التعذيب الذي تجسد في قصص العذريين وإبداعهم لم يكن نابعاً عن عقدة نفسية "المازوشية"، وإنما كان تعبيراً صارخاً في وجه الإقصاء الذي مورس على الفرد داخل المجتمع الأموي، فتجسد بفعل الانتقال من الحكم ذي الطابع الشوري، الذي كان يحس فيه الفرد بحريته وإنسانيته ومكانته، إلى حكم ذي طابع ملكي إقصائي غابت فيه كل القيم التي ضحى من أجلها بحقوقه الطبيعية الأزلية ومجهوده الجهادي، يقول "جميل بثينة"(75):

وَأَيُّ جِهَادٍ غَيْرَهُنَّ أُرِيدُ؟

 

يقَولُونَ: جَاهدْ، يَا جَمِيلُ بَغَزْوَةٍ

فالعذرية -إذن- تعبير يضمر الرفض المطلق للواقع الذي كان يعيش فيه الفرد الأموي، خاصة في البادية، والذي كان قوامه التهميش والإقصاء.

فالعذرية ضرب من التسامي حاول من خلاله العذري أن يرتفع عن واقعه المرفوض ليعيش في عالم رومانسي، شبيه بالعالم الذي كان يطمح إليه ويحلم به معتمداً في ذلك على الخيال، لأنَّ الخيال عامل حاسم في رسم الصورة الشعرية عند العذريين، والارتقاء باللغة من مستويات الخطاب التقريري الإخباري، إلى مستويات استشراقية، يكون فيها الخيال خيال ابتكار مطلق لاتحكمه الإرادة العاقلة، ولا يتقيد بالزمان في ماضيه أو حاضره، فهو خيال نابع من الصورة المثال المرتسمة في مخيلة الشاعر، التي لايجب أن يطلع على كنهها أو جوهرها أحد.

وفي الأخير نخلص إلى أنّ قراءة "العقاد" -على الرغم مما وقعت فيه من جنوح إلى الإكلينيكية في التعامل مع "جميل" ومن وراءها الظاهرة العذرية-. فهي قراءة استكشفت النقاب عن جانب مهم من الجوانب النفسية للظاهرة العذرية في عمومها، وشخصية "جميل" على وجه الخصوص. وبذلك أضافت بعداً جديداً إلى الظاهرة العذرية لم تدركه القراءات التي سبقتها. وإليها يعود الفضل الأول.

تلكم هي جملة المقولات السيكولوجية التي طرحتها القراءة النفسية في دراستها للظاهرة العذرية عند "العقاد" و"يوسف اليوسف"، فحاولت أنْ تستخلص من خلال تطبيق أسس المنهج النفسي، نتيجة مؤداها أنَّ الظاهرة العذرية التي سادت العصر الأموي، ماهي إلاّ إفرازاً طبيعياً لتعارض "مبدأ اللذة" مع "مبدأ الواقع" في نفسية العذري. فالعمل الفني -في رأي التحليل النفسي- ليس وحيد الجانب. ففيه يتفاعل الاتجاهان المتضادان وأنَّ الحياة النفسية والعقلية تتركب من تضاد وتفاعل وتكيف متبادل بين البواعث الغريزية ومطالب الواقع على نحو ماتعبر عنها التقاليد الاجتماعية والأنظمة الأخلاقية؛ لهذا كلّه اصطبغ العمل الفني العذري بصبغة الدراما والصراع، وأصبح الجانب الحزين والتراجيدي يؤلف جزءاً أساسياً من حساسية العذري، لذلك فالعذري ضرب من الخلاف، ومعنى من العزاء، وحاجة إلى الإعلاء، وقدر من الرفض.

لكن الملاحظ على القراءة السيكولوجية للظاهرة العذرية أنّها تعاملت معها تعاملاً "إكلينيكياً" يحمل روح المعيارية في الأحكام النقدية، جاعلة من العذري فرداً عصابياً شاذاً معتمدةً في ذلك على سيرة الشعراء، ومايحيط بهم من ملابسات تاريخية وسياسية وحضارية، ناظرة إلى أنّ نتاجهم الإبداعي لايعدو أن يكون نتيجة تلقائية لشخصياتهم. وفاتها أنّ العمل الإبداعي يتحرك حركة ذاتية خاصة به لاحركة تابعة لذاتية صاحبه؛ وبذلك ندرك أنّ اهتمام القراءة السيكولوجية بشخصية الشاعر وسيرته في معظم الأحيان، ماهو إلاّ هروباً من النّص ومشتقاته أو تسوية وهمية بين النّص وصاحبه. إذ من الإسراف أن نظن أنّ العمل الفني وثيقة تحتاج إلى تجارب "إكلينيكية" لتبرير طروحات مسبقة، "فالفن ليس تعبيراً فحسب، الفن يحتوي على كثير من العناصر التي يضع الفنان يده عليها حين يقرأ تاريخ الفن، ولاتنبع من حاجاته الشخصية وأهدافه الذاتية وقد قال "فرويد" في بعض كتاباته الأخيرة أنّ العمل الفني لا ينمو على مايُحبُ ويختار، بل هو يواجه مؤلفه أحياناً مواجهة خلق مستقبل غريب عنه"(76). وهذا مالم تدركه القراءة السيكولوجية للظاهرة العذرية، إذ ذهبت تقرأ الظاهرة من خلال سيرة أعلامها، وتبحث عن مبررات لعصابيتهم وشذوذهم متجاهلة النّص العذري، ومايحمله من جمالية ورؤية عرفانية وهبته الديمومة والحياة النّابضة التي خلّدته، وارتقت به إلى مصاف الإبداعات العالمية الكبرى.

الهوامش

1-ابن حزم الأندلسي -طوق الحمامة تحقيق فاروق سعد دار مكتبة الحياة لبنان- ط جديدة سنة 1972، ص60.

2-المصدر السابق، ص61

3-يوسف اليوسف- الغزل العذري دراسة في الحب المقموع- ص17.

4-ابن منظور- لسان العرب دار إحياء التراث العربي لبنان- د ط ت10/251-252.

5-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص16.

6-المرجع السابق، ص15.

7-نفسه -ص36.

8-أبو الفرج الأصفهاني- الأغاني 17/55.

9-صادق جلال العظم- في الحب والحب العذري في منشورات عيون المغرب- ط3 سنة 1983، ص14.

10-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص15.

11-المرجع السابق، ص16.

12-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص16.

13-المرجع السابق- ص30.

14-ينظر كالقن هال- أصول علم النفس الفرويدي تر: محمّد فتحي الشنيطي دار النهضة العربية لبنان- ط2 سنة 1970، ص31.

15-المرجع السابق- ص33.

16-يوسف مراد- مبادئ علم النفس العام دار المعارف مصر- ط8 ت ص: 377.

17-العقاد- المجموعة الكاملة دار الكتاب اللبناني لبنان- ط1 سنة 1982- 16/262.

18-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص11.

19-الديوان تحقيق الشيخ ابن أبي شنب الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر- سنة 1974، ص60.

20-الزوزني- شرح المعلقات السبع دار بيروت للطباعة والنشر لبنان- د ط سنة 1980، ص73.

21-مجد الدين بن يعقوب الفيروز آبادي- القاموس المحيط دار الجيل- د ط ت 4/218.

22-Grand dictionnaire encyclopedique, Larousse- 10 volumes en couleur

Tome 7- Manteau a Paladilke, Libraire Larousse, Paris 1954, P 7452.

23-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص43.

24-المرجع السابق- ص44.

25-مدحت الجبار- جماليات المكان في مسرح صلاح عبد الصبور. (عيون المقالات) الدار البيضاء- ط2 سنة 1988، ص21.

26-الديوان شرح ومراجعة وتقديم عبد المجيد زراقط- دار ومكتبة الهلال لبنان- ط1 سنة 1981، ص47.

27-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص43.

28-الديوان- ص108.

29-الديوان- ص77.

30-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص39.

31-أموند هرسرل- تأملات ديكارتية أو مدخل إلى الفينومينولوجيا تر: تيسير شيخ الأرض دار بيروت للطباعة والنشر ت- ط سنة 1958، ص121.

32-غاستون باشلار- جدلية الزمن تر: خليل أحمد خليل ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر- د ط سنة 1983، ص47.

33-علي عبد المعطي محمد- مقدمات في الفلسفة. دار النهضة العربية للطباعة والنشر لبنان- د ط سنة 1985 ص254.

34-جان لابلاش و ج ب بونتاليس- معجم مصطلحات التحليل النفسي- تر: مصطفى حجازي المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع لبنان- ط1 سنة 1985، ص418

35-كالقن هال- أصول علم النفس الفرويدي- تر:محمد فتحي الشنيطي، ص11.

36-نصرت عبد الرحمن- في النقد الحديث دراسة في مذاهب نقدية حديثة وأصولها الفكرية مكتبة الأقصى الأردن- ط1 سنة 1979، ص189.

37-سامي الدروبي- علم النفس والأدب دار المعارف مصر- ط2 د ت ص:88.

38-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص11.

39-مصطفى سويف- الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة- دار المعارف مصر- ط4 د ت ص: 125.

40-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص26.

41-مصطفى سويف- الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة- ص126.

42-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص11.

43-خير اللّه عصار- مبادئ علم النفس الاجتماعي ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر- د ط سنة 1984، ص59.

44-فيصل عباس- الشخصية في ضوء التحليل النفسي دار المسيرة لبنان- د ت ص: 186.

45-الديوان -ص61.

46-يوسف اليوسف- الغزل العذري-ص5.

47-العقاد- المجموعة الكاملة- 16/262-263.

48-سعيد محمد توفيق- ميتافيزيقيا الفن عند "شوبنهاور" دار التنوير لبنان- ط1 سنة 1983، ص56.

49-العقاد- المجموعة الكاملة- 16/265-266.

50-سعيد محمّد توفيق- ميتافيزيقيا الفن عند شوبنهاور- ص65.

51-المرجع السابق- ص65.

52-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص9.

53-جان لابلاش و ج ب بونتاليس معجم مصطلحات التحليل النفسي تر: مصطفى حجازي- ص475.

54-يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص9.

55-أبو الفرج الأصفهاني- الأغاني 9/196.

56-صادق جلال العظيم- في الحب والحب العذري- ص95-96.

57-أدونيس- مقدمة الشعر العربي دار العودة لبنان- ط4 سنة 1983، ص20.

58-الديوان- ص67-68.

59-طه حسين- حديث الأربعاء دار المعارف مصر- ط10 دت 1/308.

60-شكري فيصل- تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام- ص406.

61-عبد القادر القط- في الشعر الإسلامي والأموي- ص174.

62-الديوان تحقيق محمّد الدين عبد المجيد- دار الأندلس- ط2 سنة 1983، ص115.

63-عاطف جودة نصر- الرمز الشعري عند الصوفية- ص131.

64-المرجع السابق- ص131.

65-نقلاً عن عاطف جودة نفس المرجع السابق- ص164.

66-شكري عزيز الماضي- محاضرات في نظرية الأدب دار البعث الجزائر- د ط سنة 1984، ص109.

67-الديوان- ص36.

68-المصدر السابق- ص89.

69-العقاد- المجموعة الكاملة- 16/266-267.

70-جان لابلاش و ج ب بونتاليس- معجم مصطلحات التحليل النفسي، تر: مصطفى حجازي- ص483.

71-فاليري ليبين- منهج التحليل النفسي وفلسفة الفرويدية الجديدة- ص79.

72-شكري عزيز الماضي- محاضرات في نظرية الأدب- ص119.

73-طه حسين- خصال ونقد دار العلم للملايين لبنان- ط 10 سنة 1980، ص237.

74-سليمان موسى- الحب العذري منشورات دار مكتبة الحياة لبنان- ط3 سنة 1961، ص102-103.

75-الديوان- ص46.

76-مصطفى ناصف- دراسة الأدب دار الأندلس لبنان- ط1 سنة 1983، ص147.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244