الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث- محمد بلوحي

(دراسة فـي نقد النقد)-من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

3 - التدجين الاجتماعي:

إن ربط الظاهرة العذرية بعامل القمع والقهر هو الذي حذا “يوسف اليوسف” إلى اعتبارها ظاهرة تعبر عن التدجين الاجتماعي الذي وجدت فيه النفس العذرية نفسها في الفترة الأموية، فوطأة المجتمع بكل قيمة على روح الفرد، هي التي فرضت عليه الاستسلام والرضوخ للمجتمع كقوة منظمة لنزوات النفس ومتطلباتها الغريزية.

فالتدجين الاجتماعي الذي هيمن على الظاهرة العذرية، انطلق من فكرة أن الإبداع بما فيه النص العذري -خاصة عند المجنون- نتاج "لشدة الصراع بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع، بين إرواء الدافع (حتى وإن كان عذرياً، مصعداً) وبين إخماده قسرا"(33). فالقسرية التي تمارس على الفرد روح التسلط والتدجين التي يعاني منها، جسّدها التاريخ الإنساني تجسيداً واضحاً من خلال ذلك الصراع الأزلي الذي يحتدم في النفس البشرية. فالقيم الاجتماعية تغرس في الفرد روح التنازل عن الهوية الأصلية، وتعمل على استبدالها بهوية مصطنعة تراعي الآخر وتعمل من أجل إرضاء رغباته وإشباع حاجاته.

إن رضوخ الفرد لرؤية المجتمع وآلياته هو الهدف الأول الذي يعمل المجتمع من أجل تحقيقه، لأن المجتمع يرى في الفرد الأساس الأول لبناء الحضارة التي لا تتحقق شروطها إلاّ إذا انصاع الفرد لخدمة أهدافها الكبرى، لذلك يعمد المجتمع من أجل توجيه طاقة الفرد إلى الخارج، إلى صنع حركة التاريخ، التاريخ الذي لا يتحقق على الصعيد الحضاري، إلاّ إذا تنازل الفرد عن غرائزه، لذلك عملت الحضارات على إنشاء مبدأ التحريم، كمبدأ اجتماعي يسعى إلى الوقوف أمام غرائز الفرد لتنظيمها والحد من هيمنتها على حساب نفس الفرد وروحه. وهذا ماجعل "يوسف اليوسف" يقتنع (34) "قناعة تامة بأن من بين الأسباب التي دفعت بالحضارات إلى ترذيل الحب وشجبه هو كون الحب "عطالة عن التمييز"، وقعوداً عن النشاط والفاعلية"، النشاط والفاعلية التي يعمل كل مجتمع من أجل المحافظة عليها لدى الفرد حتى يكون عنصر بناء داخل المجتمع.

فالرضوخ تعبير عن القبول والانصياع، الذي يعده "يوسف اليوسف"
نتاجاً(35): "لتعمق حسن القهر الذي يثمر الحظر التاريخي المفروض على الروح، سواء كان طوعياً أم قسرياً، مثل هذه الحالة الاستسلامية المتنازلة عن الذات والتي تعكس حداً ما من حدود أزمة الهوية"، هي التي أفرزت الظاهرة العذرية في التاريخ العربي الإسلامي، فالفرد المسلم داخل المجتمع ممزق بين قبول الواقع بقيمه التي آمن بها وأصبحت تطغى على وعيه و شعوره، وبين مبدأ اللذة الذي يشكل جوهر النفس الإنسانية في أعماقها الغرائزية. فالعذري تعبير عن عمق الشرخ الذي أحدثته "الرقابة الكابحة إذ هي العامل المشوه لأرواح الشعراء العذريين الذين صدقوا واقعهم وأرواحهم، وقلما نجد الشاعر العذري عاجزاً عن إدراك سر المكابدة التي يعيشها"(36)، مكابدة عبر عنها بحس مأساوي ممزوج بعاطفة مرهفة، وهذه النظرة المأساوية للحياة في كليتها نابعة من عامل الحؤول، الذي أضفى على الحياة نظرة مأساوية. لذا نجد العذري برهافة حسه وامتلاك العشق لوجدانه جعل منه إنساناً لا يرى جمالية الحياة إلا في ملاقاة الحبيب، فوطأة المجتمع وقيمه، وعامل التدجين الذي عمل المجتمع من أجل تعميقه في نفس الفرد هي التي حذت بالعذري إلى امتلاك حس التمرد على القيم الاجتماعية، وصرف نظره عن ضرورة التاريخ، وإعلانه صراحة أن لا دخل له في صنع تاريخ لا يؤمن بجوهر الإنسان، ولا يعترف له بحقوقه الأزلية في العشق، وتلبية مطالب الذات، يقول جميل: (37).

يَقُولُونَ جَاهِدْ يا جَمِيلُ بِغَزْوَةٍ

 

وَ أَيُّ جِهَادٍ غَيْرَهُنَّ أُرِيدُ

لِكُلِّ حَدِيثٍ بَيْنَهُنَّ بَشَاشَةٌ

 

وَكُلُّ قَتِيلٍ، عِنْدَهُنَّ شَهِيدُ

فالعذرية عند "يوسف اليوسف" ظاهرة تجسّد من خلالها عمق الشرخ الذي أحدثته الرقابة والقهر الاجتماعيان، وتعبير عن التدجين الذي وصلت إليه النفس في أعماقها، فلقد بلغ التخوف من الإدانة بالإثم حداً بات معه العاشق العذري مقتنعاً بأن التلوث تدمير لامتلاء البرهة العشقية، وهذا ما عبر عنه أحد الشعراء بقوله: "إذا نكح الحب فسد"، الأمر الذي يتضمّن أنّ كل اتصال جسدي -حتى لو عبر الزواج- هو خنق للفرح العشقي. وهذا يعني أنّ الشبقية لم تعد للنزوع اللذي، بل أصبحت الروحانية هي السبيل الوحيد إلى التلذذ، وبذلك يكون الروح الاجتماعي قد أرغم الفرد على التنازل عن الكثير من عناصر هويته، وجره إلى التدجين الذي يريد"(38)، وهكذا أضحى التدجين جوهر انصياع طوعي لحركة التاريخ وللقيم الاجتماعية في العصر الأموي، فأصبح العذري لا يعبر عن أعماق نفسه وإنّما يعبر عن لسان اللاشعور الجمعي الذي غرسته فيه القيم الاجتماعية فشوهت روحه وجعلته يعبر عن الذات الجماعية بدل التعبير عن الذات الفردية.

تنطلق هذه المقاربة من أنّ "الأنا" قوة من القوى التي توجد في مجال سلوكنا كما أنّ "النحن" قوة من بين قوى هذا المجال، تضم "الأنا" بحيث يصبح جزءاً من الكل، ولا يقوم كقوة مستقلة تفصلها عن سائر الأنوات الأخرى حدود واضحة، "فالفرد يعيش في الشعور بالكل، ويجد الأهداف الرئيسية لإرادته ماثلة في ذلك الشعور"(39)، فهو داخل "النحن" يشعر ويفكر ويعمل لا باعتباره "الأنا" في مقابل أنوات أخرى، بل كعضو في جماعة فنجد أن عمله وفكره يعيش للآخر.

لكن قراءة "يوسف اليوسف" تواجه ذلك السؤال الذي يطرحه كل من يتأمل الظاهرة العذرية... هل كان الفرد داخل المجتمع العربي الإسلامي في الفترة الأموية مؤمناً إيماناً عميقاً بأفعاله؟ أم كان مرغماً على العمل وبذل الجهد لبناء حضارة وصنع تاريخ هو غريب عنه في الجوهر؟

إنّ القراءة المتفحصة للتاريخ الإسلامي في مهده الأول، ومع الرعيل الأول يدرك أن الفرد كان مؤمناً إيماناً عميقاً بما يفعل، وأنّ حركته داخل المجتمع كانت نابعة عن نفس صافية لا تشوبها شائبة مادية ولا غرائزية، بل كان يشعر بأنّ صنع التاريخ من مسؤولياته الخاصة.

إن التفسير المادي للتاريخ الإسلامي يحمل مغالطات كبرى، تجعل القارئ يستنبط أحكاماً، ويخلص إلى نتائج مبنية على مقدمات غير عارفة معرفة دقيقة بنفسية الفرد العربي المسلم، والتحولات الكبرى التي أحدثها الإسلام في نفسية العربي. إذ نقله من رؤيته المادية المرتبطة بالأرض ونزواتها إلى إنسان علا بفكره وسما بروحه، فجعلها مرتبطة بالسماء، بعدما كانت مرتبطة بالأرض. كما ندرك أنّ هذه المقاربة تقرأ التاريخ الإسلامي انطلاقاً من جزئيته لا من كليته، فهل الظاهرة العذرية بما تحمله من جزئية في حركة التاريخ الإسلامي يمكن أن نجعل منها أساساً لأحكام تعميمية؟... فالعذريون زمرة منعزلة في الزمان والمكان داخل المجتمع الإسلامي، ولم يكن لهم أي تأثير في حركة التاريخ الإسلامي في شموليته.

وهذا ما حاول الوقوف عنده الطاهر لبيب في دراسته "سوسيولوجيا الغزل العربي، الغزل العذري نموذجاً"- خاصة في الفصل الذي خصصه الحديث عن الزمرة العذرية، والذي سنقف عنده مطولاً في الفصل القادم، لأنها دراسة تجعل من المنهج البنيوي التكويني "للوسيان غولدمان" أداة إجرائية في مقاربة الظاهرة العذرية، لذلك فقراءة التاريخ الإسلامي من خلال العذرية يحمل مثالب كبرى، يجب على كل قراءة جادة أن تتفطن إليها، حتى لا تقع في الأحكام التعميمية.

إنّ جدلية التأثير والتأثر بين الواقع الاجتماعي والعمل الأدبي، والقول بأنّ العمل الأدبي مرآة عاكسة للواقع بأمانة مسألة تحتاج إلى إعادة نظر "لأن الآثار الكبرى في الآداب العالمية ترسم بدقة وعناية السمات الفكرية لأشخاصها" (40). وبالتالي فهي نقض للرأي الذي يرى أنّ الادب يمثل نظاماً اجتماعياً ينطوي على نوع من العمل الجمعي، فبقدر ما ينطوي على البعد الجمعي والعناصر الموضوعية، فإنّه يحمل أبعاداً ذاتية فردية يصعب على القارئ الوقوف عندها، لأنها خاصة بالمبدع كفرد متميز، فالتفسير الذي يخضع الأعمال الفنية الكبرى للعامل الاجتماعي، ويعتبره كفيلاً بتفسير جميع الأبعاد التي تحملها الظاهرة الإبداعية، تفسير مجحف في حق الظواهر الإبداعية، ومقص لسياقاتها المتشبعة ولجماليتها الفنية.

إنّ القراءة الاجتماعية التي تركز على عامل التدجين كما ذهب إلى ذلك "يوسف اليوسف" بقدر ما تثير أهمية البعد الاجتماعي في تشكيل الرؤية الفنية والمعرفية للظاهرة الإبداعية الكبرى، فهي تحاول إسقاط السياقات الاجتماعية لمسألة القهر والردع والتحريم، من أجل تنظيم أفعال الإنسان في جانبها الغرائزي مما يجعل هذه القيم تعرقل الانطلاق الحر للغرائز حتى تلبي احتياجاتها الجسدية في إطار شبقية مطلقة، وهو تناقض بين الحاجة النفسية والردع الاجتماعي.

يحاول هذا التصور أن يعرب عن رفض التدجين الذي يحمل في أساسه صرخة عالية في وجه المجتمع، وقيمه القائمة على القهر، مما عزز لدى الفرد مبدأ الرفض للاشعوري تجاه القيم الاجتماعية التي يريد التخلص من جبروتها وتسلطها، والانطلاق بحرية لتحقيق رغباته الجسدية وهي قراءة تنظر إلى التاريخ الإنساني بعامة والتاريخ الإسلامي بخاصة نظرة قهرية، استبدادية، تدعو إلى الحرية المطلقةٍ لأفعال الإنسان، وكأنها دعوة إلى النظرة الحيوانية من خلال الهجوم على القيم الاجتماعية المنظمة لغرائز الفرد.

والذي نذهب إليه، ولم تدركه قراءة "يوسف اليوسف": أنّ الحاجة عندما تشتد تخلق حالة من التوتر والهيجان لدى الفرد، ولابد للمجتمع أن يعمل من أجل خفض هذا التوتر بواسطة غرس المبادئ والقيم الخلقية في نفسية الفرد، وبذلك نجد أنّ الحاجة الملحة للإشباع سوف تصطدم بالواقع، مما يؤدي إلى قيام صراع بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع في داخل الفرد. ويتمثل الواقع المادي في مقاومة العالم الخارجي لرغبات الفرد وغرائزه. أم الواقع المعنوي، فيتمثل في القيم التي يفرضها المجتمع، والتي تشكل جملة النواهي والأوامر الاجتماعية. فالمجتمع لا يهدف إلى قمع الفرد وتدجينه وإنما يهدف إلى دمجه داخل الإطار الاجتماعي حتى يكون فرداً سوياً نافعاً، وهو ما تنتبه إليه قراءة "يوسف اليوسف" أو حاولت تجاهله.

4 - الاحتجاج:

تركز القراءة الاجتماعية في تعاملها مع الظواهر الأدبية على الأثر الإبداعي نفسه، وعلاقته بالواقع الذي يعرضه، هذا الواقع المتكون في جوهره من حركة التاريخ، بكل ما تحمله هذه الحركة من تفاعلات وتناقضات "فالإبداع انعكاس، ولكنه ليس انعكاساً سلبياً، بل هو إسهام في التعرف على الواقع، وأداة للم شعثه وسلاح لتغييره، إنّ الواقع يبدو في الإبداع أكثر غنى من حقيقته الواقعة، لأن الإبداع لا يقف عند الواقع في معطياته الخارجية المباشرة، وإنّما يتخطى هذه المعطيات إلى إدراك جديدها، فيبدو الواقع صورة جديدة له: صورته الفنية، وهذه الصورة الفنية أكثر كمالاً من أصلها، لأنها تلمّ ما بدا مبعثراً من عناصره، وتوضح ما بدا غامضاً من مغزاه"(41). فتعبر عنه بلغة تكون في أغلبها ذات أبعاد رمزية، تحمل في دلالتها الرؤية التي يرى من خلالها المبدع واقعه الذي تحاول تحريره من المباشر الذي يقف عند حد المرئي والملموس، فيقع الشوق إلى الاكتمال، والحلم بما لم يقع، واستشراف مستقبل آت.

إنّ استشراف المستقبل رؤية أساسية في الإبداع الكبرى، وذلك ما نلمسه في الظاهرة العذرية، لكن هذه الرؤية المستقبلية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان الإبداع يحمل حس التمرد على الواقع، وبعداً احتجاجياً يهدف إلى العمل من أجل تغيير الواقع، ونقد معطياته ومفاهيمه.

وكما أسلفنا الذكر فإن قراءة "يوسف اليوسف" انتهت إلى أنّ العذرية تحمل بعداً احتجاجياً متحمساً ومتناقضاً على دنيا الواقع الأموي، لذلك "راح القهر يعبر عن ذاته دون أن يلجأ إلى مثل هذه الظواهر -الطيف والنوستالجيا- ولعل هذا الشعور من أبرز السمات المهيمنة على الغزل العذري، بل وربما على الشعور العربي كله. وهو لا يتبدى إلا من حيث هو شعر مأزوم، من جهة ومفجوع من جهة أخرى، الشيء الذي لا يعني سوى أنّ الأفراد في حضارة الحظر والتحريم، يشعرون بأنّهم لا حول لهم في المجابهة إلا غير نبش حس الفجيعة الذي ينطوي على احتجاجية هائلة"(42). فهو احتجاج كان يقوم على الحظر والقهر منذ عهوده الأولى في المجتمع العربي "فالشاعر العربي منذ امرئ القيس وحتى السياب، بل منذ بابل حتى اليوم، لا يتعامل مع شيء بقدر تعامله مع النواح والدموع، الشيء الذي يؤسس ظاهرة كبرى في الثقافة العربية، ويحيل على واقع جائر. إنّ ما يوصل الشعر العذري هو بعده الاجتماعتي، هو احتجاجه ضد الحظر"(43)، وهذا تعميم فيه مبالغة لا يؤيدها أي منطق.

وهكذا تنتهي هذه القراءة إلى السقوط في الأحكام العامة والمطلقة على تاريخ الشعر العربي منذ مراحله الأولى، فالسمة المأساوية للشعر العربي، والتي كانت تعبر عن التمزق الذاتي للفرد العربي، هو المعيار الأساسي الذي انطلقت منه قراءة "يوسف اليوسف"، لتضفي في الأخير على القصيدة العربية مسحة مأساوية، وتردها إلى إحساس العربي بأنه يعيش وحيداً في مواجهة العالم الخارجي، ويشعر بأن كيانه ناقص غير مكتمل، وأنّ مكانته الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الآخر، الذي يمثل بالنسبة إليه حاجزاً في وجه فرديته. وأنّ الذات العذرية ماهي إلا حلقة من بين الحلقات المتعاقبة في تاريخ المأساة العربية، وصراعها ضد الحظر المفروض على الذات، فالتاريخ العربي جحيم للذات العربية، كما تذهب إلى ذلك هذه المقاربة، أو تخلص إليه على الأصح.

وهي قراءة تقف على إحدى السمات الأساسية للإبداعات الكبرى، فالمسحة المأساوية حقيقة فنية ملازمة للشعر العربي بعامة والظاهرة العذرية بخاصة، وترجع في أصولها إلى أنّ "المأساة الإنسانية هي صراع غير متكافئ بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والمجتمع، ولما كان هذا الصراع هو السمة الأساسية لتاريخ البشر، فإنّ الحس المأساوي هو اللون الغالب على بقية أحاسيسهم، ولقد ظل الفن منذ أول العصور محاولة الإنسان البدائية لتجاوز المأساة، بالتعبير عنها ذاتياً، يحيط بجملة الظروف الصانعة لها. لذلك كانت المأساة: هي فن الإنسان الأول"(44)، ولذلك ينتهي "يوسف اليوسف" إلى أنّ: "الغزل العذري الذي تتبدى فيه الإدانة من خلال إبراز الوجع العشقي بالدرجة الأولى، فهو الجذر المضمر لكل فكر احتجاجي في التراث العربي"(45)، فالاحتجاج الذي يعبر عن موقف الرفض، واكب الذات العربية في تاريخها الطويل. فالعذرية مواجهة الفرد للمجتمع، وحيداً دون وسيط، غريباً بين الغرباء "الأنا" في مواجهة "النحن" الهائلة، وذلك ما أدى إلى تقوية الإحساس بالذات والشعور بالحيرة والضياع. وقد أفضى ذلك بالعذري إلى التشبع بفكر الإدانة والاحتجاج، وهي شفرة سياسية واجتماعية أدرك مضمونها الطرف الآخر، "النحن" لذلك يقرر "يوسف اليوسف" أنه: "ليس صدفة أن يهدر والي المدينة دم جميل بثينة العاشق النقي المكتفي بامرأة واحدة يحبها على غير ريبة، وأن يترك الماجن عمر بن أبي ربيعة يتعرض حتى لنساء الأشراف في الحج، وحول أقدس مكان يقدسه المسلمون، لقد كانت السلطة الامبراطورية تدرك البعدالاحتجاجي لشعر العذريين"(46). والملاحظ أن "يوسف اليوسف" لا تهمه -هنا- ما إذا كانت هذه الواقعة التاريخية حقيقية أم غير ذلك، ثم حتّى لو سلمنا بحقيقتها: ألا يمكن اعتبار ذلك حادثة منعزلة واستثنائية يجب التحفظ منها والابتعاد عن جعلها مصدراً لتعميم الأحكام؟...

فالبعد الاحتجاجي الذي فرضه الواقع الأموي، من خلال إقصاء الذات الفردية وتهميشها، بغية تسخيرها لخدمة حركة التاريخ دون الالتفات إلى تلبية متطلباتها الغريمية يرى فيه الباعث الأساسي للحس المأساوي الذي تحمله العذرية. وهي قراءة بقدر ما نجدها تقف على بعض سمات العذرية الأساسية، إلا أنّها تبالغ في تعميم النظرة الشبقية على الذات العذرية، وتفسرها تفسيراً فرويدياً انطلاقاً من الصراع بين مبدأ اللذة، ومبدأ الواقع. وبذلك تتجاهل المكونات الخاصة للذات المسلمة خاصة في جوانبها الروحية. وتحاول أن تضفي عليها نزعة مادية بحتة، هي بعيدة عنها كل البعد. لأن الذات العذرية في نظر "يوسف اليوسف"(47): "أول ما تعني أنّ التنازع الطوعي أمام القيم، أو قهر الذات الاختياري- سواء أكان عذرياً أم صوفياً- لم يكن بريئاً من كمية هائلة من الرفض تستبطنه وتلتغم في خلاياه، فالشاعر الذي يتغنى بالنقاء العشقي، ويصر مع ذلك على التشبث بطيف المرأة المحظورة إنما هو يلمح بصورة لاشعورية إلى وطأة الردع، وإلى غياب عنصر أساسي في العشق السوي أعني الجنسية الطليقة"، وهذا ما يجعلنا ندرك أنّ قراءة "يوسف اليوسف" تشكك في نقاء الحب العذري، وتصف عشقه بالمراءاة، وتعففه ونقاءه بالزيف، وتصر على أنّ تسامي العذري في حبه، ما هو في الحقيقة إلا توجع عشقي يخفي وراء مادية نهمة، أوقفتها متطلبات روح التاريخ والقهر الاجتماعي.

إنّ الاحتجاج قد نمّى لدى الشعراء العذريين الإحساس بالغربة، وهي سمة مشتركة بينهم. وهذا ما لم يقف عنده "يوسف اليوسف" فعجز العذري عن الملاءمة بين ذاته وبين الواقع الاجتماعي المحيط به، هو الذي أضفى على شعره طابعاً احتجاجياً، والذي بلغ إلى حد الثورة، وأن غربته عن مجتمعه وعن ذاته بلغت ذروة التعبير عنها في النصوص الإبداعية، فصورت ما أصبحت عليه "الأنا" الشاعرة من وحدة وعزلة، وهي التي تقف في مواجهة حركة التاريخ الذي لم يكن يستجيب لتطلعات العذري.

فالإحساس بالوحدة والغربة عند العذري قوى لديه النزوع نحو الموت والانتحار لأن "المجتمعات القائمة على أساس "النحن" مجتمعات ذات خط من الثبات، وهي تحقق بالنسبة لأعضائها نوعاً من التوازن السيكولوجي يفقدونه إذا انفصلوا عنها، بل لقد تصبح من قوة التأثير بحيث يؤدي انفصال أحد أفرادها عنها إلى موته المحقق، ويبدو ذلك بوضوح عند المجتمعات البدائية حيث "الأنا" مندمج في القبلية لا يكاد يتيسر له أدنى استقلال، وعلى هذا الأساس يمكن تحقيق النتائج التي انتهى إليها "دور كايم" في بحثه في الانتحار حيث يقرر أنه كلما تخلخلت الروابط التي تربط الفرد بمجتمعه إزداد قرابة من الانتحار"(48)، وهذا مايلمس عند العذريين، وخصوصاً تلك الغربة النابعة بسبب انفصالهم عن مجتمعهم، وانتهاج نهج مخالف له في القيم والتفكير، أدى بهم إلى النزوع نحو التدمير، خاصة عند المجنون.

إنّ العذرية عند "يوسف اليوسف" ماهي إلا نتيجة قرارات انتحارية أفرزها الإحساس العميق بالغربة، ينضاف إلى ذلك خيبة الأمل التي أصيب بها الفرد الذي أحبطت أمانيه في تحقيق المجتمع الفاضل، الذي جاهد من أجله في عهد الخلفاء الراشدين، حيث لم يعد كما كان يحلم به، نتيجة انتقال الحكم من الشورى إلىالوراثة، أي من الحرية إلى الاستبداد، وهذا الانعطاف الخطير في تاريخ المجتمع الإسلامي، كان له الأثر السلبي والوخيم على نفسية المسلم في العصر الأموي.

إنّ الخلاصة التي وصلت إليها قراءة "يوسف اليوسف" ليست بالسمة التي انفردت بها العذرية دون غيرها من الحركات الإبداعية العالمية الأخرى، بل نجد أنّ الكثير من الحركات الإبداعية العالمية تحمل مثل هذا الاحتجاج من مثل الرومنسية التي كانت "حركة احتجاج. احتجاج متحمس ومتناقض مع دنيا الرأسمالية البرجوازية على دنيا الآمال الضائعة، وعلى التفاهة والتجهم اللذين تلتزمهما دنيا الأعمال والأرباح.. فالرومنسية في حدود وعي البرجوازية الصغيرة - هي أكمل تعبير في الفلسفة والآداب والفن عن تناقضات المجتمع الرأسمالي الناهض"(49)، لذلك حرصت على تصوير التجارب الأساسية للفرد، الذي يقف وحيداً في مواجهة العالم والمجتمع وقيمه، وما يقال عن الرومنسية يقال عن كبرى الحركات الإبداعية العالمية، كالانطباعية والطبيعية والعبثية "فالسمة المشتركة بين جميع الفنانين والكتاب المرموقين في العالم الإسلامي هي عجزهم عن الملائمة بين أنفسهم وبين الواقع الاجتماعي المحيط بهم، فالفن عندهم احتجاج ونقد وثورة"(50)، لأن المبدع أدرك أنّ حريته وامتلاء الحياة التي كان يمكن أن يستمتع بها قد سرقت منه، وأثار ذلك تحولاً عنيفاً لدى كل من لديه شيء من التطلع إلى الآفاق.

فالاحتجاج لدى العذري ضرب من الاحتجاج الذي يكون السمة الأساسية للمبدعات الكبرى، وهي سمة استطاع أن يقف عندها "يوسف اليوسف" مبرزاً بعدها التمردي بوصفه تمرداً، "يستند إلى رفض قاطع لتعد لا يطاق، وإلى يقين مبهم بوجود حق صالح،وبصورة أصح إلى اعتقاد المتمرد أنّ له حق في أن... فلابد للمتمرد من أن يكون مقروناً بشعور المرء بأنه على حق بصورة ما، وفي مجال ما"(51)، ولكن ليس إلى الحد الذي يحاول "يوسف اليوسف" أن يصور به العذرية تصويراً أقل مايمكن أن يقول فيه، أن فيه مبالغة كبيرة على الرغم من أنّ هناك جوانب إيجابية في تفسيره لهذه الظاهرة.

5 - هدم مؤسسة الزواج:

الزواج مؤسسة اجتماعية، سارت عليها كل المجتمعات حتى البدائية منها، وعملت من أجل الحفاظ عليها، حفاظاً على النوع. فحظيت باهتمام الأديان والتقاليد والأعراف منذ أقدم العصور. مما أضفى عليها صفة القداسة، التي يجب أن لا تنتهك، وكل من يسعى إلى تحطيم أركانها أو العمل من أجل النيل منها فهو فرد خارج عن النظم الاجتماعية، يجب الوقوف ضده ، والحيلولة دون هدفه.

والظاهرة العذرية من الظواهر الأدبية التي طرحت قضية الصدام مع مؤسسة الزواج، باعتبار أنّ جوهر العذرية قائم على علاقة الرجل بالمرأة بواسطة نمط من الحب، عرف بالحب العفيف.

ولئن تشبعت القراءات للظاهرة العذرية سواء كان ذلك من رؤية تاريخية أم نفسية أم اجتماعية، إننا نلقي إحدى هذه القراءات ذات الاتجاه الاجتماعي حاولت أن تربط هذه الظاهرة بمؤسسة الزواج، وتمثلت في مؤلف "جلال العظم" "في الحب والحب العذري" الذي سنقدمه هنا.

ينطلق "جلال العظم" في قراءته للظاهرة العذرية من أنّ جل القراءات خاصة التاريخية منها، تثبت صفة العفة والنقاء والطهارة مع الحرمان واليأس لدى الشعراء العذريين، وأنّ هذه الميزات أضحت وكأنها صفات ملازمة للعذرية، فلا يمكن التشكيك فيها، وهذا هو عين الخطأ في نظره.

فالغزل العذري "من خصائصه الأولية أنّه قائم على الزنا، وخرق فاضح لمؤسسة الزواج... فهو ضد مؤسسة الزواج وما تعنيه، وهو يبقي على نفسه بالرغم عنها، ويتحداها تحدياً مباشراً ومستمراً، ومع أنّ الحبر سال في الكلام عن عفة هذا الحب وطهارته ومثاليته، وكان العاشق العذري يزور عشيقته المتزوجة في عقر دارها، ويقضي الليالي مختبئاً عندها بالرغم من أنف زوجها وأهلها. ومن طرائف قصص هذا الحب أنّ الزوج كان يخرج دائماً وكأنه الشخصية الشريرة في القصة وتتم الأحداث دوماً على حساب شخصيته وكرامته"(52)، وهذا الرأي يبدو أنّ صاحبه يضعه في مرتبة المسلمات.

ويبني "جلال العظم" قراءته على جملة من الأسس أهمها: أنه "من المعروف أنّ العادات القبلية، وقيود الحياة الاجتماعية عند العرب، كانت تحرم الغزل والتشبيب بالبنات حتى أنه إذا عرفت القبيلة أنّ شخصاً عرض لذكر فتاة من فتياتها في حديثه أو شعره، حرموا عليها الزواج منه ومنعوه من رؤيتها أبد الدهر، وهنا نتساءل لماذا لم يكتم جميل حبه لبثينة، إن كان في الحقيقة يحبها، ويبغي الرباط المقدس بينه وبينها، ليقدم على خطبتها تماشياً مع الأعراف القبلية؟ عوضاً عن أن يفعل ذلك جميل، راح يشبب بها ويتغزل حتى اشتهر بها، واشتهرت به، فمنعا من الزواج ولم يعد باستطاعتها اللقاء إلا خلسة، لاشك أنّ جميل فعل كل ما في وسعه لعرقلة الوصول إلى "الرباط المقدس" مع بثينة، كما أنّ بثينة سلكت سلوكاً مشابهاً حين كانت تعتز بهيامه ونسبه بين أترابها، مما جعل أي علاقة طبيعية وفق العادات القبلية، بينهما مستحيلة"(53)، وهو المذهب نفسه الذي تبناه العقاد في دراسته لشخصية "جميل" إذ يتساءل "لم نسب بها - يعني جميل- وهو يعلم أنّ النسيب يحول بينهما وبين الزواج، كما جرت سنة البادية التي لاتخفى عليه؟ أغلبته النزعة الفنية فحجبت عنه الغاية من غرامه؟ أم هي نزوة أخرى من نزوات ضعف رأي ومطاوعة الغواية العاجلة؟ أم كان حديث العشق والغزل غرضاً مقصوداً لذاته، لا يفكر معه في زواج ولا اتصال؟ وقد حيل فعلاً بين جميل وبثينة فلم يتزوجها، طلبها للزواج، وتزوج بها رجل آخر قيل في وصفه أنه ذميم أعور، وظهر من أخباره في قصة جميل أنه كانت له زوجة قبلها، وأنّ بثينة لم تعش معه طوال حياتها، وذلك هو "نبيه بن الأسود العذري"،(54)، الملاحظ أنّ فكرة العقاد هي التي يرددها "جلال العظم".

ويتضح لنا بعد أن طرحنا تساؤلات "العقاد" وتبني أحكامها النقدية انطلاقاً من التساؤلات نفسها التي طرحها "العقاد". لكن مايميز قراءة العقاد عن قراءة "جلال العظم"، هو أن هذه الأخيرة حاولت النظر إلى العذرية على أنها تحطيم فعلي لمؤسسة الزواج المقدس، أما العقاد فكان يريد إثبات عقدة المازوشية والسادية لدى "جميل" من الوجهة النفسية، وقد سبق لنا أن فصلنا فيها الحديث.

وفي هذا الإطار نفسه نجد "عبد القادر القط" يقرر أنّه (55) "من العفة التي كان يواكبها الدين، ومن الحب الذي كانت تواكبه الغريزة، ومن هذا كله كان الحب العذري... ولنا أن نقول إذن، أنّ الغزل العذري هو المظهر الفني للعواطف المتعففة والملتهبة في آن معاً، والتي وجدت أنّ هذا التعويض هو خير ما تطفئ به لهبها، وتتسامى به عن غرائزها... وهؤلاء الشعراء بعد ذلك كله لم يكونوا "أعفة تقاة" بالمعنى الكامل. فما أكثر ما احتالوا ليدخلوا بيوتاً غير بيوتهم، فيقضوا فيها وجهاً من الليل أو طرفاً من النهار، يسمرون ويتحدثون مع من يحبون في بيوت أزواجهن، وما أكثر ما أرسل أحدهم صاحبه رسولاً إلى صاحبته، فالذي يروي عن سعي "كثير" بين "جميل وبثينة"، و"قيس بن ذريح" بين "المجنون وليلى"، وذلك سلوك يبدو بعيداً عن التقوى بالمعنى الدقيق، وإن كان هذا لا ينقض ما عرف عن هؤلاء من عفة وتقوى في حدود صلاتهم بمن يحبون"، ندرك بعد ذلك أنّ "عبد القادر" يلاحظ أنّ العذرية بقدر ما فيها من العفة والنقاء، فيها ضرب من المجون والشبقية، ولكن لا يذهب مذهب "جلال العظم"، من أنّها إباحة وتطاول على مؤسسة الزواج، وإنّما جوهرها عفة ونقاء، لأنها إفراز ومذهب "طائفة من المسلمين كانت تتحرج، وتذهب مذهب التقوى، وتؤثر السلامة والعافية على المغامرة والمخاطرة، وترى أن النفس أمارة بالسوء، وأنّ النار قد حفت بالشهوات... ولذلك آثرت هذه الطائفة أن تعدل عن شهواتها، فكانت مثلاً واضحاً للتربية الإسلامية في سمّوها وتعاليها"(56)، وهو مذهب تؤكده الكثير من الروايات التاريخية في تراجمها للشعراء العذرية حيث روى "أبو الفرج"(57)، "أن أمة سعت لبثينة بها إلى أبيها وأخيها، وقالت لهما: أنّ جميل عندها الليلة، فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالساً حجرة منها يحدثها ويشكو إليها بثه، ثم قال لها، يا بثينة، أرأيت ودي إياك وشغفي بك ألا تجزينيه؟ قالت: بماذا؟ قال: بما يكون بين المتحابين، فقالت له: ياجميل، أهذا تبغي، والله لقد كنت عندي بعيداً عنه، ولئن عاودت تعريضاً بريبة لا رأيت وجهي أبداً. فضحك وقال: والله ماقلتُ لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه، ولو علمت أنك تجيبيني إليه لعلمت أنك تجيبين غيري، ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي، ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد، أو ما سمعت قولي:

لَوْ أَبْصَرْهُ الوَاشِي لَقَرَتْ بَلاَبِلُهُ

 

وإنِّي لأَرْضَى مِنْ بُثَيْنَةَ بالَّذي

وبِالأَمَلِ المَرْجُوِّ قَدْ خَابَ آمُلُهُ

 

بِلاَ وَ بأَنْ لا أَسْتَطيْعُ وَبالمُنَى

أَوَاخِرُهُ لا نَلْتَقِي وَ أَوائِلُهُ

 

وَبِالْنَّظْرَةِ العَجْلَى وَبِالحَوْلِ تَنْقَضِي

قال: فقال أبوها لأخيها: قم بنا، فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها فانصرفا وتركاهما"، وهي رواية تؤكد عفة العذريين وطهارتهم، وتنفي عنهم الشبقية التي نسبها إليهم "جلال العظم"، وسعيهم إلى هدم مؤسسة الزواج، وإن كانت تشير إلى العلاقة التي تنم عن ريبة، ولكنها لا تصل إلى درجة الشك في نقاء العذرية وصفائها، بل تؤكد هذه العفة والطهارة. ينضاف إلى ذلك أنّ هناك من الروايات التي تنفي الأساس الذي بنى عليه "جلال العظم" قراءته من أنّ العذريين كانوا يقصدون إلى التشبيب بمحبوباتهم، حتى يشيع ذلك في القوم فيحرم عليهم -حسب العرف- الزواج منهم. فهناك من الأخبار التي تؤكد أنّ "جميل" مثلاً خطب بثينة قبل التشبيب بها، فمنع -فقام فشبب بها حتى اشتهر وطرد. روى "الأصفهاني"(58) "عشق جميل بثينة وهو غلام، فلما بلغ خطبها فمنع منها، فكان يقول فيها الأشعار، حتى اشتهر وطرد، فكان يأتيها سراً، ثم تزوجت فكان يزورها في بيت زوجها في الحين خفية إلى أن استعمل "دجاجه بن ربعي" على وادي القرى فشكوه إليه فتقدم إليه ألا يلم بأبياتها، وأهدر دمه لهم إن عاود زيارتهم، فاحتبس حينئذٍ"، وهي رواية تؤكد أنّ التشبيب وقع من جميل بعد أن خطبها فمنع من الزواج منها.

والملاحظ أنّ قراءة "جلال العظم" للظاهرة العذرية لم تنطلق من النص العذري لتؤكد ما تذهب إليه، إنّما تعاملت مع الروايات التاريخية وبخاصة ما ورد من قصص وأخبار في تراجم الشعراء العذريين، والذي نقره -كما سبق وأن أشرنا إليه في القراءة التاريخية- أنّ القصص العذري، والكثير من الأخبار التي وردت في الترجمة لشعراء العذرية فيه من النحل والإضافة الشيء الكثير، والتي كان لخيال الرواة الدور الأساسي في صنعها، مما يجعل الدارس يدرك أنّه ليس كل ما نقل من أخبار العذريين موثوقاً فيه، خاصة وأننا نلاحظ أنّ الكثير من هذه الأخبار تنطوي على تناقضات في أحداثها، لذلك تذهب إلى الحكم بنفي العفة والطهارة عن العذريين، والقول بأن غرضهم كان يهدف إلى هدم مؤسسة الزواج، وهو حكم يحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر، مما يجعله لا يصمد أمام الكثير من الانتقادات، ولاسيما وأنّ القراءة التي تنطلق من السياق الخارجي العام وتهمل النص الأدبي، قراءة لا تقف على الكون الشعري للظاهرة والرؤيا التي يعبر عنها. فالقراءة الجادة يجب أن تلغي محاكمة الظاهرة الإبداعية على ضوء المواقف السياسية والسياقات التاريخية والعودة إلى قراءة النص بدلاً من قراءة السياق التاريخي، فوعي المبدع يحدد من البنية الدلالية للنص والبنية الذهنية المصاحبة لها، لذلك لا يجب أن تضحي القراءة بالعمل الأدبي باسم الدلالة الاجتماعية العامة، أو الدلالة السياسية المصاحبة لها.

ولئن ركزت القراءتان السابقتان للظاهرة العذرية على السياق التاريخي والنفسي للظاهرة، حيث بحثت القراءة التاريخيةفي مشكلة الوجود التاريخي لشعرائها وقصصهم ونصوصهم الشعرية. كما انكبت القراءة النفسية على البحث في الجوانب العصابية للعذريين، ومدى تأثير "مبدأ اللذة ومبدأ الواقع"، في تكوينهم النفسي، والفضاء الشعري لنصوصهم، فإننا نلفي القراءة الاجتماعية- والتي كانت مدار البحث في فصلنا هذا- قد اهتمت بإبراز الجوانب الاجتماعية للظاهرة العذرية، وأسسها الفلسفية المبنية على مقولة "الأدب تصوير للحياة" أو انعكاس للواقع.

إنّ الإضافة التي قدمتها القراءة الاجتماعية لهذه الظاهرة وتأكيدها أنّها ليست إنتاجاً فردياً- كما حاولت القراءة النفسية التركيز عليه-بل هي مظهر من مظاهر الإفراز الاجتماعي. وأنها متأثرة بأوضاع المجتمع التاريخية في العصر الأموي، وما صاحب ذلك من تحولات وتغيرات شهدها المجتمع العربي الإسلامي في هذه الفترة التي كانت إفراز للسياسة الأموية.

تلك هي المنطلقات التي اتكأت عليها القراءة الاجتماعية في دراستها للظاهرة العذرية، والتي فرضت عليها الرجوع إلى ملابساتها التاريخية حتى تخلص إلى النتائج المرجوة. فاهتمت بالسياق، وأهملت النص الإبداعي، علماً أنّ النص الإبداعي هو الذي يجب أن ينكب عليه الاهتمام. وهذا ما جعل القراءة الاجتماعية تسقط في الاهتمام بأثر السياق الاجتماعي التاريخي في الظاهرة. وتظل علاقة "الانعكاس" هي المهيمنة على القراءة، لتصل إلى أنّ العامل الاجتماعي التاريخي يؤثر مباشرة أو بالضرورة في العمل الأدبي، ويجعل منه تعبيراً واضحاً وصريحاً عن الواقع الاجتماعي، وانعكاساً له، وللوعي الجمعي. وبذلك غلب على القراءة الاجتماعية الاهتمام بالجانب الوثائقي، أصبح النص وثيقة اجتماعية لا تحمل أي دلالة انزياحية عن الواقع الذي نشأت فيه.

إنّ تشبث القراءة الاجتمعية بمقولة المرآة أو الانعكاس في دراسة الظاهرة الأدبية، وأنّ الأدب تعبيرعن المجتمع. هو الذي أدى بها إلى التعامل مع السياق التاريخي، وليس مع النص الأدبي مباشرة. وهذا ما حذا ببعض النقاد إلى الثورة على المنطلقات الرئيسية لهذ القراءة والقول: "أنّ العمل الفني ليس انعكاساً وإنما هو إضافة حقيقية إلى الظروف الاجتماعية، ومن ثم يسهم في تكوين المجتمع، وبعبارة أخرى أننا نتحدث عن المنابع الاجتماعية للأدب، ومن باب أولى أن نتحدث عن المنابع الأدبية للمجتمع وظروفه"(59)، وبذلك بدأت الإرهاصات الأولى لتجاوز القراءات السياسية تظهر على الساحة النقدية العربية.

إنّ غلو القراءات السياقية [التاريخية والنفسية والاجتماعية] في التعامل مع الملابسات التاريخية التي أحاطت بالأثر الأدبي، وإهمالها للنص الأدبي، هو الذي دفع ببعض الدراسات النقدية للدعوة إلى ضرورة العودة بالنقد الأدبي إلى داخل النص. فظهرت محاولة جادة حاولت قراءة الظاهرة العذرية قراءة تزامنية محايثة دون أن تهمل الجوانب التاريخية والاجتماعية وحتى النفسية.

كان "لطاهر لبيب" في دراسته "سوسيولوجيا الغزل العربي الغزل العذري نموذجاً" الفضل في إخراج الظاهرة العذرية من إطار القراءات السياقية ليلج بها إلى القراءات البنيوية مستفيداً من منهج "لوسيان غولدمان"، "البنيوية التكوينية" الذي يرى أنّ الظواهر الإبداعية هي انسجام البنية الفنية والبنية الذهنية التي تتشكل منها "رؤيا العالم"، التي تحملها زمرة اجتماعية محدودة في الزمان والمكان. فالظاهرة العذرية عند "الطاهر لبيب" تحمل "رؤيا العالم" لزمرة اجتماعية تخضع لملابسات تاريخية موحدة، وأنّ النص العذري يشكل كوناً شعرياً له دلالته المتميزة وهذا ما سنتعرض له بالتفصيل في الفصل اللاحق، محاولين إبراز المنطلقات الفكرية لهذه القراءة "البنيوية التكوينية"، والإضافات النوعية التي أضافتها للقراءات السياقية، التي تعرضنا لها في الفصول السابقة.

الهوامش:

1- طه حسين- تقليد وتجديد- ص: 30-31.

2- المرجع السابق- ص:39.

3- *- مصطلح الطبقة عند "طه حسين" لا نقصد به المفهوم الدقيق عند الماركسية والذي يتمثل في الطبقة الفوقية التي تمثل النخبة الفكرية التي تنظر انطلاقاً من صراعها مع الطبقة التحتية التي تشكل طبقة العمال و إنّما المقصود بالطبقة عند "طه حسين" في بعدها الاقتصادي. طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء.

4- عبد المنعم تليمة- مقدمة في نظرية الأدب- ص:210.

5- الأغاني - ج8/130.

6- الأغاني - ج2/20.

7- عبد الفتاح إبراهيم- الاجتماع والماركسية- دار الطليعة لبنان- ط1- سنة 1980، ص5.

8- طه حسين- المجموعة الكاملة- 2/193.

9- المرجع السابق- 2/104.

10- عبد القادر القط- في الشعر الإسلامي والأموي- ص:97.

11- يوسف اليوسف- الغزل العذري دراسة في الحب المقموع- ص:9.

12- طه حسين- خصام ونقد-ص:44.

13- الغزل العذري- دراسة في الحب المقموع- ص29-30.

14- محمد شاكر- التاريخ الإسلامي (العهد الأموي) المكتب الإسلامي لبنان- ط2 سنة 1985 - 4/20.

15- يوسف اليوسف- الغزل العذري دراسة في الحب المقموع- ص: 67.

16- باساغانا- مبادئ في علم النفس الاجتماعي-تر: بو عبد الله غلام الله- ديوان المطبوعات الجامعية- الجزائر- 1983- ص:130.

17- ليلى والمجنون في الأدبين العربي والفارسي-ص:22.

18- عبد القادر القط- في الشعر الإسلامي والأموي- ص:82.

19- المرجع السابق- ص:84.

20- نفسه-ص:85.

21- * مصطلح يعود إلى تي اس أليوت.

22- يوسف اليوسف- الغزل العذري- ص:63.

23- علي البطل- الصورة في الشعرالعربي حتى نهاية القرن الثاني الهجري- دار الأندلس- ط2- سنة 1981.ص:106.

24- صلاح الغوال- علم الاجتماع المفهوم والموضوع والمنهج- دار الفكر العربي- سنة 1982، ص:110.

25- يوسف اليوسف- الغزل العذري دراسة في الحب المقموع-ص:63.

26- المرجع السابق- ص:58.

27- نفسه- ص:42.

28- عاطف جودة نصر- الخيال(مفهوماته ووظائفه)- الهيئة المصرية العامة للكتاب- سنة 1984-ص:34.

29- يوسف اليوسف- الغزل العذري دراسة في الحب المقموع-ص40.

30- المرجع السابق- ص:11.

31- علي عبد المعطي محمّد- فلسفة الفن (رؤية جديدة)- دار النهضة العربية- لبنان- سنة 1981.ص:149.

32- الغزل العذري- دراسة في الحب المقموع-ص:11.

33- يوسف اليوسف- الغزل العذري -ص:74.

34- المرجع السابق- ص:6.

35- نفسه- ص:63.

36- نفسه-ص:67.

37- الديوان-ص:46.

38- يوسف اليوسف- الغزل العذري - ص:37.

39- مصطفى سويف- الأسس النفسية للتكامل الاجتماعي دراسة ارتقائية تحليلية- دار المعارف- مصر- ط4- د.ت.ص:287.

40- محمّد حافظ دياب- النقد الأدبي وعلم الاجتماع- مجلة فصول- العدد 1 سنة 1983- ص: 66.

41- عبد المنعم تليمة- مقدمة في نظرية الأدب دار العودة لبنان-ط2 سنة 1979-ص:210.

42- يوسف اليوسف- الغزل العذري - ص:56-57.

43- المرجع السابق- ص:176.

44- غالي شكري- المنتمي دراسة في أدب نجيب محفوظ دار الآفاق الجديدة- لبنان- ط3-سنة 1982-ص:85.

45- يوسف اليوسف- الغزل العذري-ص:26.

46- المرجع السابق- ص: 32.

47- نفسه-ص:41.

48-مصطفى سويف- الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة- دار المعارف- ط4- د.ت.ص:124.

49- إرنست فيشر- الاشتراكية والفن -دار القلم- لبنان- ط1- سنة 1973، ص: 84-85.

50- المرجع السابق- ص:163-164.

51- غالي شكري- المنتمي دراسة في أدب نجيب محفوظ- ص:271.

52- جلال العظم- في الحب والحب العذري- منشورات عيون المحمدية- المغرب- ط3- سنة 1993-ص: 80.

53- المرجع السابق-ص:79.

54- العقاد - المجموعة الكاملة- 16/268.

55- في الأدب الإسلامي والأموي- ص:78-79.

56- المرجع السابق- ص:78.

57- الأغاني- 8/105.

58- المصدر السابق- 8/109.

59- مصطفى ناصف- دراسة الأدب العربي- ص:99.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244