الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث- محمد بلوحي

(دراسة فـي نقد النقد)-من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القراءة البنيوية

1 - التزامن والتطور.

أ - البنية الذهنية والبنية الفنية.

ب- صيرورة تحول الكتابة الشعرية.

2 - الفضاء الشعري للظاهرة العذرية.

أ - تعريف الكون الشعري.

ب- الصراع بين الرغبة والعفة ومحاولة التجاوز.

ج - المرجعية الدينية للظاهرة العذرية.

د - من الانعكاس إلى التماثل.

هـ- العفة: شعر أم حقيقة؟..

3 - الزمرة الاجتماعية.

تجلى تطبيق المنهج البنيوي التكويني على الظاهرة العذرية في دراسة "الطاهر لبيب" والتي عنوانها "سوسيولوجيا الغزل العربي (الشعر العذري نموذجاً)" وهي قراءة تقارب الشعر العذري برؤية متميزة مخالفة للقراءات السياقية.

فالبنيوية التكوينية في نظر "الطاهر لبيب" تمكن القارئ من رؤية العالم رؤية خاصة، ومن داخل النص، بعد أن يعزله عن سياقاته المختلفة، والتي قد تضلل القارئ إذا أخذ بها، وجعلها مرجعاً أساسياً لقراءته. وبذلك يطرح الباحث في دراسته قضية المنهج وعلاقته بالقراءة النقدية، فحاول أن يقترب من ظاهرة الغزل العذري اقتراباً بنيوياً تكوينياً، متعاملاً مع النص العذري على أنه وثيقة فكرية، لا وثيقة إبداعية أو جمالية، واهتم بدلالات النص الفكرية والاجتماعية أكثر من أنه بنية وصورة جمالية، وبذلك طرح قراءته في عدة محاور سنعرض لها بالوصف والتحليل وإبداء الرأي في هذا الفصل، حتى نتمكن من الإحاطة بالقضايا التي طرحها والنتائج التي توصل إليها، محاولين عرض المنطلقات النظرية التي استند إليها في قراءته لظاهرة الشعر العذري.

1 - التزامن والتطور:

حاول "الطاهر لبيب" مناقشة مسألة الثبات والتكوين، وتحديد المنطلقات المنهجية والأدوات الإجرائية التي سيوظفها في قراءته لظاهرة الشعر العذري وفق منهج "البنيوية التكوينية" "لوسيان غولدمان" الذي قام بتطبيقها على بعض الأعمال الإبداعية منها مسرح "راسين" وخواطر "باسكال" في كتابه "الإله الخفي".

"فالثبات" يرادف "التزامن" يقصد به " العقاب"، فالظاهرة الأدبية تتجاذبها ثنائية التزامن والتعاقب في تكوين بنيتها الفنية وبنيتها الفكرية.

أ -البنية الذهنية والبنية الفنية:

يبدأ "الطاهر لبيب" بتحديد مفهوم بسيط للبنية "إذ المقصود بكلمة بنية مجموعة من العناصر الأساسية التي تقوم فيما بينها شبكة من العلاقات المتبادلة بحيث أنه إذا تغير أحدها أو زال تغيرت دلالة العناصر الأخرى بصورة موازية، وتتنوع هذه البنية من عمل إلى آخر، كما يمكنها أن تتنوع داخل العمل الواحد"(1)، وهذا مايفرض علينا بدوره تحديد مفهوم الإنتاج الشعري "لأن الإنتاج الشعري الذي نحن بصدده يشكل كلية متماسكة وبالتالي سيتم اعتبار التناقضات والتعارضات وكأنها تندرج ضمن عمل واحد أنتجه شاعر واحد، وهو افتراض غير مغال، مادام من المحتمل دائماً بالنسبة لأي شاعر أن يعارض قصائده، بل وأبياته، بعضها ببعض"(2). فالظاهرة ينبغي النظر إليها في كليتها المتماسكة وعدم الاهتمام بجزئياتها، حتى وإن كان هناك تعارض بين الجزئيات "البنيات الصغيرة"، فالقراءة تنطلق من بنيات شاملة ذات دلالة موحدة في بنيتها الفنية والفكرية. لذلك لا يجب المبالغة في الاعتناء بالشكل على حساب المضمون أو العكس. وإنما إثارة العلاقة الموجودة بين الكون الأدبي والعالم الواقعي، وبالتالي رفض مقولة "الانعكاس" من منظورها الماركسي الدوغماتي والتي تربط ربطاً ميكانيكياً بين الواقع والعمل الأدبي، لأنّ مفهوم الانعكاس يفرط في التركيز على السياقات التاريخية والاجتماعية للعمل الأدبي ويهمل النص الإبداعي ذاته، وهذا ما يجعله يفضي بالقراءة إلى الوقوع في حلقة مفرغة، لذا "نرى الاختلاف الكبير الذي يفصل بين سوسيولوجيا المضامين والسوسيولوجيا البنيوية، فالأولى ترى في المبدع انعكاساً للوعي الجمعي، أما الثانية فترى فيه على العكس أحد العناصر المقومة الأهم في هذا الوعي.... لذا تتكشف لنا سوسيولوجيا المضامين أكثر فاعلية حينما نكون بصدد مبدعات من مستوى متوسط في حين تتكشف السوسيولوجيا الأدبية البنيوية التكوينية، على العكس، أكثر عملية عندما نكون بصدد دراسة المبدعات الكبرى في الأدب العالمي"(3)، وهذا هو الفرق الجوهري الذي يفصل بين القراءة الاجتماعية والقراءة البنيوية التكوينية. فهذه الأخيرة حاولت أن تعيد للنص اعتباره في القراءات النقدية.

إنّ نقد "الطاهر لبيب" للمقولات التي تهمل البعد الاجتماعي جاء كرد فعل على التطرف، الذي قوبلت به القراءات السياقية عند الشكلانية، حتى وصل بها الحد إلى القول بموت المؤلف- كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك من قبل- وهذا ما جعله يذهب إلىأنّ الأجناس الأدبية تنطلق من كون تخيلي مبني على التماثل البنيوي للأدب مع الواقع وليس انعكاساً له.

فالتماثل الذي يقر بوجود المسافة بين المبدع والواقع. لأنّ "الأجناس الأدبية بما فيها الأكثر واقعية تفضي إلى كون خيالي ينبغي البحث لا عن تطابقه في التجريبي بل عن تماثله البنيوي معه"(4)، ففلوبير "يقرر أنّ الفن يقوم على المبالغة لا على الانعكاس وهذا مايذهب إليه النقد العربي القديم في القول" بأعذب الشعر أكذبه" تأسيساً لمقولة "الوعي الممكن"، التي يبني عليها "الطاهر لبيب" قراءة للظاهرة العذرية. لكن النقد العربي ظل ينظر إلى الأعمال الأدبية رؤية امتثالية لا رؤية تماثلية انطلاقاً من إيمانه بأنّ العمل الإبداعي تطابقي، وذلك ما أفرزه تاريخ الأدب العربي.

ثم ينتقل "الطاهر لبيب" بعد مناقشته لمفهوم البنية، إلى تحديد مصطلح "الزمرة الاجتماعية" ويلاحظ أنه على الرغم من أنّ مصطلح الزمرة الاجتماعية ينتمي إلى المعجم السوسيولوجي الابتدائي إلا أنّه لم يرسخ له في دراسة الأدب العربي قديماً وحديثاً. وهذا ما يؤكد قصور الدراسات الاجتماعية في البحث عن اجتماعية الشكل الأدبي، "فالشكل (المسمى أسلوباً)، أفرط النقاد في شخصنته، ودون مناقشة التماثل الممكن بين الأشكال الاجتماعية والأشكال الأدبية"(5). فالمبدع إذا كان فرداً فإنه لا يستطيع أن يصور "رؤيا العالم" التي تتجسد من خلال الأعمال الإبداعية، هذه الأعمال التي تحمل الكون الشعري الذي "لايمكنه أن يكون إلا نتيجة لنشاط مشترك يقوم عدد من الأفراد الذين يجدون أنفسهم في وضعية متماثلة، أي أن الأفراد الذين يشكلون زمرة اجتماعية ذات امتياز، والذين عاشوا لزمن طويل وبطريقة مكثفة مجموعة من المشاكل وجدوا في البحث عن حل ذي دلالة لها"(6)، لذلك يجب أن تتوافر استقلالية مطلقة للعمل الأدبي، وتنتفي نظرة الانعكاس التي أخذ بها النقد الماركسي في دراسته للأعمال الأدبية، وتصبح موضع السؤال، فالمضمون يستحيل إدراكه إلا في "سياق صيرورة طويلة ومعقدة على وجه العموم"(7)، وبذلك يؤسس صاحب "سوسيولوجيا الغزل العربي" من خلال هذه الطروحات للمنهج الذي سيتناول من خلاله الظاهرة العذرية، باختيار النوع الأدبي المبني على مضمون الوعي الجمعي الذي ينتمي إليه المؤلف. وأنّ عامل الزمن ضروري حتى يتحدد الجنس الأدبي وموضوعه وذلك أمر أساسي في تاريخ الأفكار. وبذلك يلح على أن ظهور العذرية كان حتمية تاريخية في هذه الفترة، لأن المضمون المتعاقب والمتجدد هو الذي فرض على العذريين إبداع صورة من التعبير خاصة بهم أفرزتها التراكمات الزمنية. فالشعراء العذريون يشكلون زمرة اجتماعية عبرت عن "رؤيا العالم" وهذا بديل للنظر إليهم كأفراد، وذلك ما تقتضيه الرؤية الاجتماعية، وهي نتيجة تتضح من خلالها الرؤية التي سيتناول من خلالها "الطاهر لبيب" الظاهرة العذرية. بجعلها تعبيراً عن زمرة اجتماعية وليس عن المجتمع كما ذهبت إلى ذلك القراءة الاجتماعية.

ب - صيرورة تحول الكتابة الشعرية:

يؤكد "الطاهر لبيب" العلاقة القائمة بين البنية الفنية والبنية الذهنية، هذه العلاقة التي تؤدي دوراً أساسياً في تشكيل الكون الشعري للظاهرة الإبداعية، فلا يمكن أن يحدث التحول في الكتابة الشعرية إلا إذا مس هذا التحول البنية الفنية والبنية الذهنية للكون الشعري. فالتفاعل بين البنيتين هو الذي يشكل "رؤيا العلم" وعليه: "فإن التفاعل بين البنية والذات يرجعنا إلى الطبيعة التكوينية للبنية، أي الحضور الكامن للصيرورة، ومن ثم إلى "دالية" السلوك الإنساني"(8)، هذا السلوك الذي يعبر عن جوهر رؤيا العالم لدى المبدع.

ينطلق صاحب "سوسيولوجيا الغزل العربي" في مناقشته لصيرورة تحول الكتابة الشعرية العربية من الطابع الملحمي إلى الطابع العذري، حيث يوجد تباين الرؤية للعالم بين العصر الجاهلي والعصر الإسلامي، فرؤيا العالم لظاهرة الحب والموت في الشعر الجاهلي تختلف عن رؤيا العالم التي يجسدها الشعر الإسلامي. إذ انتقلت العلاقة بين الخوف من الموت في رؤيا الجاهلي في سبيل تحقيق الحب، إلى أن يصبح الموت سبيلاً لتحقيق الحب عند العذري. وهذا مايدفع "بالطاهر لبيب" إلى القول بأن رؤيا العالم في الشعر الجاهلي أفرزت شكلاً أدبياً نسميه بالملحمي حيث الفرد فيه غير مندمج في عقيدة الزمرة الاجتماعية. "فالبطل الملحمي كما عرضناه وخلافاً لبطل الإسلام وهو شخصية منفردة وسط زمرته الاجتماعية وخارجها، وعندما يتأثر بعداء هذه الزمرة يتخذ موقفاً سادياً"(9)، بخلاف الفرد في الإسلام الذي أصبح لا يتكلم إلا بلسان الجماعة، إذ ذوبته العقيدة الإسلامية في إطارها العام الذي سيفرز في ما بعد ظاهرة أدبية تشكل في نظر المؤلف الكون العذري. ومفهوم الكون هنا يحمل دلالات الرؤية الإسلامية التي منحت خصوصية لهذا الشعر العذري الذي نجد له أصولاً في تاريخ الشعر العربي الجاهلي، وبخاصة فيما كان يطلق عليه بالنسيب، ولكن مع تحول جوهري لرؤيا العالم بين النسيب الجاهلي والكون العذري.

وانطلاقاً من الفروق الجوهرية بين النسيب الجاهلي، والكون العذري، يواجهنا تساؤل مشروع يطرحه كل من يتأمل هذين الكونين: لماذا لم يتحول النسيب من اتجاه شعري إلى ظاهرة كالظاهرة العذرية؟ وهنا نلقى أنّ التحليل البنيوي التكويني يلجأ إلى مقولة "رؤيا العالم" التي طورها "لوسيان غولدمان" من خلال فلسفة هيجل وماركس ولوكاتش و كوفلر، لكي يضفي على الظاهرة العذرية بعداً اجتماعياً يراعي الخصوصية الفردية التي تحمل الهم الاجتماعي لزمرتها، وتحاول البحث عن التماثل بين البنية الفنية والبنية الذهنية. ومن هنا فإن النسيب في الشعر الجاهلي اتسم بالطابع الملحمي الذي يتجلى من خلاله الانفصال بين الفرد والجماعة. فالشاعر الفرد "كعنترة بن شداد" يريد أن يحقق ذاته من خلال البطولة الملحمية التي تكون المرأة باعثاً لها، وفي الوقت نفسه دافعاً لتجنب الموت والخوف منه في لحظة الاتصال التي تعمل على تصعيد التوتر الدرامي، وما أن ينفصل عنها، ويجد نفسه في مواجهة الموت حتى تعود صورة المرأة الحبيبة لتكون حافزاً لتأجيج غريزة القتال لديه "ومع ذلك ينبغي أن نضيف بأنّ هناك تعارضاً بين السلبية الطبيعية للمرأة وبين الصورة التي يكونها البطل عن حبيبته، فذكرى الحبيبة، تبعاً لهذه الصورة، تحفز غريزة القتال وتشجع البطل، وبعبارة أخرى، فإن طبيعة البطل، تقتضي أن يتحدد التفاوت بين الفراق والاتصال، بشكل ما، من قِبل هذا البطل وكما هو الحال بالنسبة إلى عروة، فإن الحب يصبح إشكالياً بالنسبة لعنترة على الطريق التي تؤدي إلى تحقيق العمل البطولي:

بَكَرَتْ تُخَوِفُنِي الحُتُوفُ كَأَنَّنِي

 

أَصْبَحْتُ عَنْ غَرَضِ الحُتُوفِ بِمَعْزِلِ

فَاْقْنَي حَيَاءَكِ لاَ أَبَا لَكِ وَاعْلَمِيْ

 

أَنِّي امْرُؤٌ سَأَمُوتُ إِنْ لَمْ أُقْتَلُ

لكن ما أن يبتعد البطل، حتى "يستدعي" صورة حبيبته التي كان من قبل قد أبعدها عن طريقه، والتي يصبح "حضورها" فعالاً في ساحة القتال بالضبط. وحيث تعارض المطالب الذكرية فإن شهادة تلك التي تعجب بالشجاعة تحمل كثيراً من العزاء"(10)، بخلاف الرؤية الإسلامية التي غيرت من صورة المرأة في الكون الشعري. إذ انتقلت من صورة فردية خالصة إلى صورة المرأة المثالية، تعادل حوريات الجنة التي وعد الله المؤمنين بها. لذا أصبحت درجة الإقبال على الموت أكثر عنفواناً في الكون العذري منها لدى الشاعر الملحمي القديم. وبذلك تحولت صورة المرأة بفعل الرؤيا الإسلامية إلى طاقة عارمة، ومطلقة لم تختلف في نظر العذري على الفاتح الإسلامي، الذي تحول بينه وبين الجنة ظلال السيوف.

وهكذا يخلص "الطاهر لبيب" إلى إقامة الحدود بين الرؤيتين "الملحمية الجاهلية والعذرية والتمييز بينهما على أساس تحولات العقيدة، وتغيير الأنظمة الاجتماعية، ومن هنا نلاحظ أن التعارض بين الرؤيتين هو "تعارض مفهومي بين عالم قائم على تنافس المفاخر الفردية تسكنه صورة موت يجب أن يبحث عنه في ذاته ولذاته كي يخفف من مأساته، من جهة، وعالم مغلق مفهومياً (الأمة) ومادياً (دار الإسلام) من جهة ثانية... هكذا عارض العذريون تلك القدرة الملحمية القديمة. الموازية لقدرة الله. ونحن نقول موازية ولا نقول لاحقة"(11). وكل ذلك نشأ بفعل اختلاف الرؤيا التي كان يحملها كل من الجاهلي والعذري والتي جسدها من خلال صورة المرأة الحبيبة، وأحدث تحولاً واضحاً في الكتابة الشعرية. وهي خلاصة نابعة عن رؤريا عارفة بخصائص العالمين، وتثبت مدى خصوبة المنهج الذي طبقه "الطاهر لبيب" في قراءته للشعر العذري والتي لم تقف عندها القراءات السياقية.

2 - الفضاء الشعري للظاهرة العذرية:

بعد أن حاول "الطاهر لبيب" مناقشة قضية "التزامن والتطور"، وضبط المنطلقات المنهجية التي سيتعامل بها مع الظاهرة العذرية، مع الإبانة عن العلاقة الجدلية القائمة بين البنية الفنية والبنية الذهنية وصيرورة تحول الكتابة الشعرية، أراد التفصيل في الجزئيات التي تكوّن الفضاء الشعري للكون العذري، ليفصل في المكونات الذهنية والفنية لهذا الكون، والتي سنعرض لها بشيء من التوسع في العناصر التالية:

أ - تعريف الكون الشعري:

يعترف "الطاهر لبيب" من البداية بصعوبة الإحاطة بكثير من المفاهيم والمصطلحات، بخاصة وأنّ تحديد المفاهيم عمل إجرائي تتطلبه كل دراسة منهجية، تصبو لأن تأخذ بحظ وافر من العلمية، التي يجب أن تتوافر لكل قراءة جادة. لذا يؤثر المؤلف قبل تعريف الكون العذري أن يحدد الكون الأدبي، على الرغم من أنّ تعريفه يزداد صعوبة مع تقدم النقد وتطوره، وذلك كعمل إجرائي قبل الخوض في مكونات الكون الشعري العذري.

يقرر صاحب "سوسيولوجيا الغزل العربي" منذ البداية بأن التعريفات الجديدة، لم تعد قادرة على إغفال البعد السوسيولوجي للعمل الأدبي، لأنه "واقعة
اجتماعية "(12)، وأن الاختلافات التي نلاحظها في تعريف العمل الأدبي منشؤها نابع من تأويل مفهوم الاجتماع، وهي إشارة من المؤلف إلى تشعب مفهوم "الاجتماعي" ذي الدلالات المتعددة سواء أكانت سوسيولوجية أم سيكولوجية أم لغوية، على اعتبار أنّ اللغّة في حد ذاتها تعد ظاهرة اجتماعية و"نظاماً اجتماعياً مستقلاً عن الفرد" (13)، كما ذهب إلى ذلك "دي سوسير" في تمييزه بين اللغة والكلام. فاعتبار "الطاهر لبيب" العمل الأدبي واقعة اجتماعية إشارة واضحة منه إلى محاولة التعديل من نظرة البنيوية الشكلانية التي نظرت إلى العمل الأدبي بأنه بنية ونسق من التحولات له قوانينه الخاصة، لذلك نادت بقراءة النص قراءة محايثة، تنصب على البناء الداخلي دون الالتفات إلى السياق الذي واكب النص الإبداعي، وبذلك نادت بفكرة موت المؤلف.

فالمنطلق المنهجي "للطاهر لبيب" مبني في أسسه المعرفية على طرح "لوسيان غولدمان" الذي حاول أن يوفق بين النظرة الشكلانية والنظرة السياقية، معتبراً أنّ العمل الأدبي بنية وسياق معاً. لذلك يجب مراعاة "البنية والذات الجماعية والتماثل لأن العمل الأدبي كون رمزي تنشئه زمرة اجتماعية يمثلها المؤلف، ولها موقف مشترك اتجاه هذا الكون الذي ترتبط بنيته، إن كانت متماسكة بالقدر الكافي، بعلاقة تماثل مع بنية عالم الزمرة الواقعي"(14)، فالعمل الأدبي لا هو بالسياق ولا هو بالبنية المستقلة عن الحيثيات التي أوجدتها، وإنما هو نتاج لبنية فنية وبنية ذهنية، علاقته بالواقع ليست علاقة انعكاس، وإنما علاقة تماثل للتعبير عن الوعي الممكن.

إنّ تعريف "الطاهر لبيب" للعمل الأدبي أفضى به إلى تعريف الزمرة التي تعد "نسقاً من العلاقات ذات الدلالات التي يستند إليها أفراد الزمرة في تأويل علاقتهم مع الآخرين، وأنّ اندماج الفرد داخل الزمرة يكون بالتماهي"(15)، هذا التماهي الذي يشكل الأساس الأول لتكوين الوعي لدى المبدع، الذي لا يمكن له أن يكون إلا إذا كانت الزمرة واقعية. فالعمل الأدبي بنية فنية وبنية ذهنية، هذه الأخيرة التي يتجسد من خلالها الوعي الممكن للزمرة الاجتماعية.

إنّ الظاهرة العذرية من الظواهر الأدبية التي قرئت قراءة تعميمية، بجعلها تعبر عن المجتمع الأموي في عموميته، وقد تجسد ذلك بخاصة في القراءة الاجتماعية التي انطلقت من التصور الذي يرى أنّ "الأدب تعبير عن المجتمع" كما سبق وأن بيناه، لذلك يرى المؤلف ضرورة قراءة العذرية "بمتابعة الرمز العذري بالمضي من العام إلى الخاص، من الطابع الكوني إلى الإيديولوجية العربية الإسلامية، ثم إلى زمرة تاريخية يكشف عنها على الصعيد النظري، ذلك التفاوت القائم بين الشعر والواقع"(16)، فالتفسير بالجيل هو الذي عرَّضَ قراءة العذرية إلى مخاطر استخدام الكثير من المفردات مثقلة بتصورات جديدة لا مداليل تاريخية لها. فربطها بالكورتيزيا الغربية مثلما يظهر عند "فادي" في مؤلفه "الحس العذري في الشرق"، وبالتصوف الإسلامي مثلما يظهر عند "غنيمي هلال"، وبالتفسير الأسطوري مثلما يظهر عند "علي البطل" والذي سبق وأن أشرنا إليهما في الفصل الذي خصصناه للقراءة التاريخية، لكن على الرغم من عمومية هذه القراءات إلا أنّها تبرز أمراً يجب التنبيه إليه وهو أنّ "العمل العذري في كليته المتماسكة وجدناه يقترب لا من واقع معيش مباشر بل يقترب مما يدعوه "غولدمان" بالحد الأقصى للوعي الممكن. وقد اكتسب العذريون هذا الحد الأقصى عن طريق الرفض وهو رفض يقتضيه التعامل مع العفة"(17)، فالنص العذري بعفته يحمل "رؤيا للعالم" جسدها الوعي الممكن الذي كانت تحمله هذه الزمرة المحدودة في الزمان و المكان، ولذلك فمن المخاطر أن نقرأ الظاهرة العذرية على أنها تعبير عن المجتمع في كليته.

ويخلص صاحب سوسيولوجيا الغزل العربي إلى أنّ تعريف الحب العذري يحيل إلى التعريف الذي عرف به العمل الأدبي، إذ يعتبر فيه أنّ العذرية "كون زمري وليس انعكاساً مباشراً للقطاع الديني"(18)، لأنها تعاهدت على العفة باعتبارها تجسيداً للصراع بين مبدأ اللذة وبين مبدأ الواقع، ولكنّها لا تشكل في كليتها تعبيراً عن المجتمع وإنما تشكل تعبيراً عن زمرة منعزلة في المجتمع العربي الإسلامي، وكذلك يجب أن ينظر إليها.

ب - الصراع بين الرغبة والعفة ومحاولة التجاوز:

إنّ التمييز الذي وقف عنده "الطاهر لبيب" والذي بين من خلاله رؤيا العالم عند الجاهلي، ورؤيا العالم عند العذري فخلص فيه إلى أنّ رؤيا العالم عند العذري نابعة من هذا الأخير الذي لا يتكلم كفرد كما كان عليه الجاهلي، وإنّما يتكلم بلسان الجماعة النابعة من تصور الأمة الذي أصبح جزءاً من سلوك المسلم بعد تشبعه بالعقيدة الإسلامية.

ومن النتيجة السابقة ينطلق صاحب سوسيولوجيا الغزل العربي لمناقشة مسألة "الصراع بين الرغبة والعفة ومحاولة التجاوز". فانتماء الكون العذري إلى عالم مغلق من الناحية التصورية "مفهوم الأمة" ووجود عالم مفتوح سابق له، المتمثل في البطولة الملحمية ماقبل الإسلام بخاصة في نموذج "عنترة وعبلة"، بيّن تباين بين الكونين الجاهلي والعذري. من هذه الرؤية ينطلق "الطاهر لبيب" في مناقشة مسألة "محاولة التجاوز" عند العذري، فامتناع الكون العذري عن العودة إلى العالم المفتوح لأسباب عقائدية، جعل العذري في هذه الحالة يبحث عن أسباب للتجاوز تخلق حالة من التصدع في النفس، كما يسميها "توينبي" لأن العذري يطمح للتعبير عن عاطفته الملتهبة من جهة، ويصطدم بالعالم المغلق من جهة أخرى.

لكن الذي يصطدم به مذهب "الطاهر لبيب" في مقولة "العالم المغلق" هو ضبابية هذا المفهوم، إذ يجد القارئ صعوبة في الوصول إلى إدراك الجانب المغلق في العالم الإسلامي. هل هو انغلاق على مستوى العقيدة؟ أم هو انغلاق على المستوى السياسي والاجتماعي؟

فالمتأمل للعالم الإسلامي، وللمفاهيم التي يتألف منها كونه، يبدو له انفتاح هذا العالم وتسامحه على مستوى العقيدة، إذ تعامل مع كل الديانات السماوية التي سبقته وترك حرية التدين لأهلها (لا إكراه في الدين)(19)، وانفتاحه على المستوى السياسي والاجتماعي والحضاري، إذ تعامل مع المجتمعات والحضارات السابقة له، دون إقصاء، بل تفاعل معها وفق مبدأ التأثير والتأثر.

إنّ "الطاهر لبيب" لا يركز على الجانب التوثيقي لأخبار الشعراء العذريين، كما ركزت على ذلك القراءة التاريخية وبخاصة في اهتمامها بظاهرة النحل والانتحال- التي أشرنا إليها في موطنها- ولا على التعلق بالشعر المنحول وانتساب الشخصيات الأسطورية-كما يسميها- خاصة شخصية المجنون- إلى مخيلة القصاصين. لأن هذا لا يقلل في نظره من أهمية الكون الشعري العذري على اعتبار أنه كون رمزي، مثله في ذلك مثل "محمد لطفي اليوسفي" الذي ينظر، هو كذلك إلى الظاهرة العذرية نظرة رمزية "فالحرص الصريح على إقصاء الجسد وترويضه يتخذ في أغلب الأحيان طريقه في الحظور أكثر تكتماً وأشد تستراً، ويندس في الحكايات والأخبار على نحو موغل في التخفي. ويكفي هنا أن نعود إلى كتاب الأغاني وننظر في أخبار جميل ووضاح اليمن حتى ندرك أنّ واضع الأخبار لم يكن بريئاً إطلاقاً. إنّ جميلاً ينجو من الموت لأنه رفض الامتثال لنداء الجسد. أما وضاح فقد لبّى نداء الجسد فمضى إلى حتفه. وها هنا أيضاً علينا أن نقرأ الأخبار في معناها الرمزي، لأنها إنّما ضمنت بقاءها وأمنت استمرارها فاعلة فينا إلى اليوم بمستواها الرمزي لا بما نفهمه منها على أنه حقيقة وواقع وحدث تاريخي، لا سيما أنّ هذه الأخبار إنما تلح على أن الخلاص مشروط بإقصاء الجسد"(20)، هكذا يفسر "الطاهر لبيب" مسألة الانتحال بقوله "إنّما يدعي انتحالاً كلياً ليس سوى تأويل جماعي لهذا الكون الشعري تأويل تزداد أهميته بالنسبة لنا كلما ابتعد عن النقد الرسمي الذي يركز اهتمامه الأساسي على الجانب البلاغي مما يعني في النهاية أنّ الجوّ الروائي يمكنه أن يهيئنا، أن يقربنا من الشعر نفسه"(21)، وهذا لا يعني أنّ المقاربة البنيوية التكوينية للشعر العذري لا يهمها السياق التاريخي في شيء، وبخاصة ما تعلق بصدق الرواية أو بطلانها، بل إنّ الروايات التي تتحدث عن الشخصيات الأسطورية وما يرافقها من شعر منسوب أو منحول من قبل الرواة، يسهم في نظر هذه المقاربة في إبراز خصائص القراءة الجماعية لهذا الكون الشعري، وهو في حدّ ذاته قضية بالغة الأهمية.

إنّ مسألة النحل والانتحال التي طرحها النقد القديم بخاصة عند الشعراء العذريين، تطرح لدى الباحث تساؤلاً مهماً، يتمحور حول الإشكالية التالية، لماذا عدت شخصيات مثل "عمر بن أبي ربيعة" و"نصيب العرجي"، شخصيات تاريخية بينما عد بعض شعراء العذريين شخصيات أسطورية منحولة؟

وللإجابة على هذا التساؤل ينبغي الانتقال من المنحول إلى الأنثروبولوجي الذي يراه "الطاهر لبيب" أمراً صعباً، وفي غاية التعقيد. "فشخصية العذري تتقمص واحداً من أولى مساعي التجريد أو التجاوز لبعض القيم التي سادتها في ظروف العصر الأموي الجديد. إنّه البشري المماثل لذاته. الأمر الذي يفسر مثلاً، لماذا وجد العذريون أنفسهم لا عمر بن أبي ربيعة"(22)، ولتأكيد ظاهرة التجاوز في الكون العذري يلجأ المؤلف إلى المقارنة بين الرواية العذرية ورواية "تريستال" وهو يهدف من وراء ذلك إيجاد أوجه التشابه بين الروايتين، ليخلص من المقارنة إلى أنّ الرواية العذرية تقوم على فكرة قدرية فحواها الإحجام العفيف الذي يصعب على العذري تجاوزه، إنّه الصراع بين اللّذة ومبدأ الواقع (صراع بين اللذة والعفة)، بحيث يغيب العقل نتيجة لهذا الصراع يقول جميل:(23)

وَلَوْ تَرَكَتْ عَقْلِيْ مَعِيْ مَا طَلَبْتُهَا

 

وَلَكِنْ طلابيها لِمَا فَاتَ مِنْ عَقْلِي

وهذا الكلام يصوره "الطاهر لبيب" يشبه في نظرنا الصراع الدرامي الذي صورته الكلاسيكية الجديدة من خلال مسرحيات "راسين وكورناي".

ثم لاحظ المؤلف أنّ السبيل الوحيد للخروج من الصراع بين الرغبة والعفة في الكون العذري إنّما هو الجنون. وعلى هذا المستوى يتحقق التجاوز "على أكثر المستويات تنوعاً من مستويات السياق الجديد الذي وجد فيه العذريون أنفسهم في ظل الإسلام على اعتبار أنّ هذا عقلاني... فالعفة نتيجة منطقية لفقدان العقل وهي ليست ناجمة عن تعفف ديني لا يقوم فيه العذري بغير الامتثال عن وعي للتعاليم الإلهية"(24). أنّ الملاحظة التي تثير الانتباه أنّ "الطاهر لبيب" في تحليله لفكرة التجاوز يعتمد في تفسيره على مراجع استشراقية من أبرزها مؤلفات "بلاشير" و"ماكسيم ردونسون" و"جاك بارك". والواقع أنّ التفسير الذي يعطيه المؤلف للمرأة المثال في الكون العذري يبدو غير مقنع، لأنّ هذه الصورة عرفها تاريخ الشعر العربي. والسؤال المطروح: هل العالم المغلق كما يسميه "الطاهر لبيب" هو الذي دفع هؤلاء إلى إعطاء المرأة بعداً ميتافيزيقياً، وجردها تجريداً محاولاً من خلال ذلك أن يحقق فكرة التجاوز بين الرغبة والعفة؟ لكن لماذا لم تتكرر هذه المسألة في تاريخ الشعر الإسلامي، وكانت وقفاً على قبيلة بني عذرة؟ حاول "الطاهر لبيب" الإجابة على هذا التساؤل بأن أعاد هذه المسألة إلى تعليل تاريخي. وهنا نلاحظ أنّ المنهج الذي سلكه يسقط فيما حاول أن ينفيه عن نفسه، من الاعتماد على الوثائقية بالإشارة إلى فكرة المازوشية التي تفرزها ظاهرة الصراع بين الرغبة العفة والطموح للتجاوز. وهي قراءة تعتمد على الإشارة إلى مسائل لها علاقة بالتحليل السيكولوجي، وأخرى لها علاقة بالنقد التاريخي، مما يجعلنا نلاحظ أنّ صاحب سوسيولوجيا الغزل العربي على الرغم من حرصه على الإخلاص للمنهج البنيوي التكويني إلا أنّه يخلط في الاعتماد على معطيات لا تخدم المنهج المتبع، مما يجعله يسقط فيما حاول أن يعيبه على المناهج السياقية، ينضاف إلى ذلك أنّه كان وثائقياً أكثر مما كان متعاملاً مع الكون الشعري العذري.

ج- المرجعية الدينية للظاهرة العذرية:

إنّ رفض مقولة الانعكاس والقول بعلاقة التماثل، يقصد من ورائها "الطاهر لبيب" الإقرار بوجود الاستقلال الذاتي للعمل الأدبي. هذا الاستقلال الذي لا يسقط في النظرة التزامنية البحتة، والتي رسختها البنوية الشكلانية، على الرغم من أنّه يحيل على أسبقية البنية على السياق من خلال العودة إلى "ميشال فوكو"، والنظرة إلى الشاعر العذري على أنّه يمثل زمرة اجتماعية تعاني من الانفصال عن الكون العذري الذي يصفه النص الشعري. وقد سبق لنا الحديث عن هذا الانفصال من خلال التطرق إلى فكرة "الصراع بين الرغبة والعفة". ولهذا فإن العذري يقوم بتحوير الواقع أو التشويش عليه حسب " ميشال ريفتاتير". وهكذا يعارض "الطاهر لبيب" نتيجة رفضه لمقولة الانعكاس التفسير الديني للغزل العذري الذي يذهب إليه "شكري فيصل" كما بينا ذلك في القراءة التاريخية، إذ يعتبره تفسيراً يقوم على العلاقة السببية والتفسير الآلي الذي ينحصر في الفكرة القائلة بأن الحب العذري انعكاس للتربية الإسلامية في سموها وتعاليها، وهو "تعبير عن وضع طائفة من المسلمين كانت تتحرج وتذهب مذهب التقى، وتؤثر السلامة والعافية على المغامرة والخاطرة وترى أنّ النفس أمارة بالسوء.. وأنّ النار قد حفت بالشهوات... ولذلك آثرت هذه الطائفة أن تعدل عن شهواتها فكانت مثلاً واضحة للتربية الإسلامية في سموها وتعاليها"(25) ومثل هذه القراءة تجعل من الغزل العذري يسقط في التفسير الآلي الذي يهمل طبيعة الكون العذري من حيث هو حامل لرؤية تعبر عن الوعي الممكن لزمرة اجتماعية. إنّ رفض "الطاهر لبيب" لطرح "شكري فيصل" من منطلق أنّه طرح آلي، جعله يحاول أن يجد ربطاً بين الفكر المانوي(26)* الداعي إلى النقاء في الحب العذري وخصوصاً الأوروبي منه، لذلك نجده يدعو إلى البحث عن مقترحات جديدة يمكن لها أن تضيف شيئاً جديداً، يفيد في إعطاء تصور جديد يساعد على قراءة الكون العذري إذ إنّ "تاريخ الأدب العربي قد لجأ دوماً إلى استدلال أفضى به إلى خلاصات قطعية حول العلاقة السببية بين الإسلام الوليد والحب العذري. ولا وجود على حد علمنا لمحاولات دقيقة هدفها استبعاد هذا الاستدلال. لهذا نتوجه نحو أفكار غربية بهدف أن نستخلص منها بعض المقترحات التي قد تكون مفيدة بالنسبة لنا"(27). إنّ المقترحات التي تقدم بها "مارو" ترفض الربط الميكانيكي بين الفكر المانوي المسيحي والكون العذري الغربي، لأن القول بالقداسة لا يقتضي دوماً ورعاً وعفة، وذلك ما لم تدركه قراءة "شكري فيصل".

إنّ الحديث عن المرجعية الدينية للظاهرة العذرية هو الذي جعل "الطاهر لبيب" يربط بين عقيدة التوحيد وفكرة الحبيبة الوحيدة، على أساس أنّ عقيدة التوحيد من الناحية الإيديولوجية تحويل للعالم من طابع التعدد في العبادة إلى طابع التوحيد" وقد نما بالتوازي مع هذا الإيمان بوحدانية الإله، عبادة للحبيبة الوحيدة لدى العذريين وليست كلمة عبادة بمبالغة، ما دام من الممكن مقارنة أوصاف المحبوبة بالأوصاف التي تشير إليها سورة الإخلاص"(28) فصفات المثالية تستحق في نظر الكون العذري الابتهال وطلب الرحمة، لذلك كانت مرجعيتها العقيدة الإسلامية التي تدعو إلى الإخلاص للإله الواحد وتحارب التكبر، وهي معان نجد لها أساساً في تكوين الكون العذري.

والملاحظة على قراءة "الطاهر لبيب" إنّها تنتقي النصوص الشعرية التي تخدم وتؤكد طرحها مثل التفسير المادي الذي يطرحه بخصوص علاقة التكبر ودعوة الرسالة الإسلامية إلى التواضع والتنازل حتى عن الجانب المادي في الكون العذري ويستشهد لذلك ببيت جميل: (29)

إِنِّي إِلَيْكِ بِمَا وَعَدْتِ لَنَاظِرُ

 

نَظَرَ الفَقِيِر إِلىَ الغَنِيِّ المُكْثِرِ

ولهذا يخلص إلى أنّ الحلم هو الخلاص الوحيد في هذا الإعلاء الذي تبلغ فيه المرأة مستوى مأمثلاً جداً، في حين يبقى الرجل بشرياً بمنتهى التواضع. فالحبيبة وحدها هي التي تشغل قلب الحبيب، وهو الموضوع الرئيسي للكون العذري، لهذا لا يفكر العذري في أي علاقة مع امرأة أخرى، وهو نذر نجد له صوراً كثيرة في الشعر العذري لصفة "الصمد" التي وصف الله بها نفسه، والتيتشكل جوهر عقيدة التوحيد الإسلامية وتمثل "حركة الإنسان نحو الله، وكمال وحدانية العلي الآمر الناهي الذي يتعذر على الفكر البشري أن يحيط به بمعنى من المعاني"(30). ففكرة الحركة نحو ما لا يستطاع الإحاطة به الممزوجة بالفراق، يوحي بها الكون الشعري عند العذريين، بل هي الجوهر المركزي له. لذلك نلفي أن ما يعذب العذري هو الجمود العاطفي الذي يقابل به من قبل الحبيب، والتعذر الذي يجده في ملاقاة الحبيب ولو بالنظر. فالنظرة عند العذري إضناء للذات، وارتداد من المتعالي إلى البشري، وهي فكرة جوهرها مستمد من عقيدة التوحيد، لذلك تطرح فكرة عدم الزواج على أنّها نابعة من صفة التوحيد "لم يلد" وبذلك يعارض "الطاهر لبيب" "جلال العظم" الذي يعتبر العذرية تحطيم لمؤسسة الزواج. فالحبيبة لا يجب أن تلد ولذلك يمتنع الزواج لتمتنع الولادة "ولئن بدا الاندفاع طبيعياً أثناء الفراق، فإن الابتعاد الذي سينشأ كنقيض للوصال يتعارض بوضوح مع التقدير الاجتماعي الديني للتناسل، فهو نفي للتوالد"(31). فأمثلة المرأة حتى الوصول بها إلى درجة التأليه هي التي جعلت العذري يرى فيها الحبيبة المخلوقة المتعذرة، المثال، حتى تبقى غريبة لأنها أسمى من أن تصبح زوجة. فالحبيبة لا تهرم، أما ما هو فيهرم، لها صفة التوحيد الذي لا يؤثر فيه الزمن الذي هو سير نحو الموت، فهو منعدم بالنسبة للحبيبة كما أنّه منعدم بالنسبة للصمد.

إنّ قراءة "الطاهر لبيب" تريد إخراج الظاهرة العذرية من ذلك الإطار الذي وضعته فيه قراءة "شكري فيصل" لتؤكد صفة التماثل بين حقيقة التوحيد والحبيبة الوحيدة. وهي نتيجة فرضتها طبيعة المنهج الذي يؤمن بالتماثل لا بالانعكاس.

د- من الانعكاس إلى التماثل:

إنّ رفض "الطاهر لبيب" لمقولة الانعكاس والقول بالتماثل -والذي سبق وأن أشار إليه كمنطق منهجي في قراءته للظاهرة العذرية- هو الذي يجعله يثير إشكالية دلالة العلامة وتطورها من عصر إلى آخر وتبدل الدلالة تبعاً للوظيفة التي تمنح لها، وتبعاً لاستعمالها أيضاً، فركز على البعد الأنثروبولوجي في تفسير ظاهرة الحب العفيف مثل ربطها بما أطلق عليه بالألوهية الأنثوية الكبرى السابقة على الإسلام. وأرجعها إلى إلهام التوحيد اليهودي المسيحي الغامض التي حاربها الإسلام بعقيدة التوحيد. فالحبيبة عند العذريين تجسد التركيب القائم على اللات (الإلهة) والعزة (المطلقة القدرة) ومناة (إلهة القدر والموت) وبذلك حاول أن يقف على الأساس الأنثروبولوجي للحب ما قبل الإسلام، والذي له دور كبير في بناء الكون الشعري العذري، لكنه لم يقف عند هذا الحد، بل ذهب ليحفر في الظاهرة الشعرية العذرية من خلال العودة إلى ما قبل الإسلام، حيث أشار إلى إلهة بني عذرة التي كانوا يعبدونها وتسمى بالشمس. وبذلك لم يهمل "الطاهر لبيب" البعد الميثيولوجي في تفسير ظاهرة التسامي العذري، فانصرف إلى الأخذ بتعليلات النقد الأسطوري.

انطلاقاً مما سبق يقر "الطاهر لبيب" بعامل التوحيد الإسلامي في تهذيب مفهوم الحبيبة الواحدة، وهو يرفض ربط مفهوم الحبيبة الواحدة بالتوحيد كعقيدة. ويعلل ذلك بأنّ العلاقة بين الإسلام من حيث هو رسالة، وبين العذري المحدود إحصائياً باعتباره مؤمناً، ليس بينهما غير علاقة واحدة ممكنة هي امتثال العابدين التقاة. ولعل العلاقة التالية تبين التماثل القائم بين الكونين:

أ) الجهاد في القرآن ب) الشهيد في القرآن

أ) الجهاد في شعر جميل ب) الشهيد في شعر جميل

يقول "جميل": (32)

يَقُولُونَ: جَاهِدْ يَا جَمِيلُ بِغَزْوَةٍ

 

وَأَيُّ جِهَادٍ غيْرَهُنَّ أُرِيدُ

لذلك فالمقارنة بين العفة الدينية وعفة الشعراء العذريين تستلزم التسليم بصدق إيمان العذريين دون أن تكون النتيجة هي نفسها من الوجهة الدينية، وذلك ما ينفي القول بالانعكاس ويوجب القول بالتماثل لكي لا يشوه إدراك الشاعر للرسالة الشعرية.

إنّ الشعر العذري الذي يقوم على فكرة الحبيبة الواحدة لا يعكس صورة الإيمان لدى الشعراء العذريين بالرسالة التوحيدية أو تأثيرها فيهم، وهي نتيجة يصل إليها "الطاهر لبيب"، وللدفاع عنها يلجأ إلى تطبيق النقد المحايث للنص الشعري، ويحذر من اللجوء إلى التفسيرات الخارجية في قراءة الظاهرة لأنها ستبعث على الشك. وفي واقع الأمر أنّ دعوة "الطاهر لبيب" للنقد المحايث هنا هو تبرير للتفسير السابق، في حين أنّه لجأ إلى التفسير الأنثروبولوجي والميثيولوجي والوجودي في مواضع أخرى. ولم يبد الشك في نتائجها، لكنه عندما أراد أن ينفي فكرة الانعكاس سواء في منحاها العام التي طبقها "شكري فيصل" أم في منحاها الخاص كما تذهب إلى ذلك الدراسات النقدية الماركسية، نجده يتذرع بالنقد المحايث من أجل استبدال فكرة الانعكاس بفكرة التماثل. وعلى الرغم من ذلك نجده أيضاً يبدي تحفظاً حيال المسألة النظرية التي ناقشتها قبل حين عندما رأى بأن التماثل الذي وضع خطاطته السابقة "لا تستبعد بدوره احتمال حضور كثيف لإله أوحد متعال لدى العذريين، وإنما يوضع موضع الشك والتساؤل، هو دوماً ضرورة هذا الحضور في شعرهم باعتباره علامة على الإيمان الصادق"(33)، وهذا التحفظ فيه شيء من الصواب لأن شعر العذريين لا يمكن أن نجزم بأنه يصدر عن إيمان قوي بتعاليم الإسلام وإن كان صدى لها وإقرار بتعاليمها.

هناك صعوبتان -في نظر "الطاهر لبيب"- تواجهان "التصور العذري المطلق.

الاستحالة الفعلية لإحلال الحبيبة الخارقة للعادة محل الإله والعجز عن بلوغ الإله الواحد الصمد الذي بلغ العالم الأنثروبولوجي فوق ذلك في إبعاده لدى البدو"(34)، وهذا ما أفرز تصدعاً داخل النفس، وهي فكرة اقتبسها "الطاهر لبيب" عن "كنوبي" وطبقها على الشعر العذري، لأن التمزق الذي يعانيه العذري هو نتيجة مطامع متناقضة كحضور الله والحبيبة معاً في الصلاة. قال
جميل(35).

لِيَ الوَيْلُ مِمَا يَكْتُبُ المَلَكَانِ

 

أُصَلِّي فَأَبْكِي فِي الصَّلاَةِ لِذِكْرِهَا

وهو تصدع نابع عن عدم التوفيق بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع لدى العذري. إنّ التصدع داخل النفس لا يمثل وعياً دينياً لزمرة من الزمر الاجتماعية، بل يمكن أن يكون موافقاً ذاتياً، ولكن "التقديس الشعري للمرأة والذي يمضي من التضمين الدلالي إلى الشرك لا يطابق الروح السنية، ونحن نعرف أنّ التصوف ذلك والذي هو تمجيد حسي للعشق الإلهي قد أدين باسم الدين، والحال وأنّ العذريين -وإن كانوا قد ألهموا المتصوفة- فإنهم يتغنون بالحبيب ويلحون على وجودها التاريخي"(36). فالملاحظ أنّ "الطاهر لبيب" يعطي الأولوية للعذرية في تأثيرها في التصوف لا العكس. وهي فكرة نقيضة لما يراه "غنيمي هلال" الذي يذهب إلى أسبقية الصوفية وتأثيرها في العذرية، "إذ لا شك أنّ للحالة الاجتماعية أثراً في ترغيب كثير من الناس في الزهد في العصر الأموي، إذ يئس القوم من الوصول إلى المثل الدينية التي كانوا ينشدونها في حكامهم. فضاقت نفوسهم بالحياة ذرعاً. وقد كان لهذا الاتجاه في الزهد صدى لدى الغزليين من العذريين إذ عفوا عن الملذات الحسية، وأدركوا الحب على نحو جديد يتمثل في الزهد في المتع الجسدية. وكان هذا الإدراك وليد عصرهم والدعوة الدينية إلى الزهد فيه"(37). كما أنّ طابع التقديس الذي أحيط بالمرأة في الشعر العذري يتعارض مع الروح الإسلامية، لأن فكرة تجسيد العشق الإلهي مرفوضة دينياً. ومن ذلك نستخلص أسباب رفض "الطاهر لبيب" لتفسير شكري فيصل. وهو الشيء الذي لا يستطيع أن يتجنبه.

إنّ الذي لا يستطيع أن يتحاشاه صاحب سوسيولوجيا الغزل العربي في قراءته ذلك التناقض بين دعوته إلى النقد المحايث من جهة، ولجوئه إلى السياق التاريخي في تفسير الظاهرة العذرية من جهة أخرى، مثلما نلفيه يعود "لابن الجوزية" ويورد رأيه في عفة العذريين، ويظهر التناقض بين الحب والعقل أي بين الهوى والإيمان الديني، كما أنه يعود إلى صاحب الأغاني ليقتبس نصاً يؤيد به ما يريد أن يثبته، ولا سيما إضفاء الطابع المأساوي على رؤيا الشاعر العذري.

يطبق "الطاهر لبيب" مقولة التماثل على العمل الأدبي الذي يحدده ككون رمزي تنشئه زمرة اجتماعية يمثلها المؤلف، إذ تتحول فيه المرأة الحبيبة إلى رمز وسيط يتخذ شكلاً غامضاً ومشتتاً في بيئة بدوية، لا يمكن الاعتقاد بأنها تدفع الإنسان إلى إعمال العقل الواقعي والعملي في الطبيعة الإلهية والتأمل فيها. وهذا هو السبب الذي جعل رسالة الإسلام في نظر "الطاهر لبيب" تنطلق من المدينة بدل البادية، لهذا صعب على البدوي فهمها "وهنا كان على العامل البئوي أن يملي وسيلة تشكيل" وعي ممكن" يستطيع الإيمان الديني أن يتخذ له مكاناً فيه"(38)، وهكذا يعود مرة أخرى إلى السياق التاريخي في مقاربة الظاهرة، كأن يركز على عامل البيئة في نقده، وهذا يذكرنا بمنهج "تين"(39) الذي يركز على عامل "البيئة والجنس والعصر" ويدخل ذلك في إثبات دور البيئة في تفسير الكون العذري المحدد هنا في الصحراء، وما يتصل بها من ظمأ. "فهل يمكن القول بأن هذه الرغبة المطلقة تولد حقاً عن وضع بئوي؟ نعم إلى حد ما"(40). وهذا الجزم يدل على أنّ قراءة "الطاهر لبيب" لا تتمتع بالصفاء المنهجي الذي حاولت أن تحتفظ به. وقد حصلت من خلال الأخذ بعامل البيئة في مقاربة الكون العذري، إلى أنّ الظمأ الذي يصوره الكثير من العذريين له صلة بالرغبة الجنسية التي تتحول في حالة الإخفاق إلى المازوشية.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244