إنشائيّة الخطاب في الرّواية العربيّة الحديثة- د. محمّد الباردي

دراسة- من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مقدمة

إن أبسط تعريف للخطاب من وجهة نظر لسانيّة ما ذهب إليه اللساني الفرنسي المعروف إ.بينفنيست EMILE BEN VEN VENISTE (1902 - 1976) من أن الخطاب هو كل تلفّظ يفترض متحدثاً وسامعاً تكون للطرف الأول نيّة التأثير في الطرف الثاني بشكل من الأشكال(1) ومن ثمة فهو يميز بين نظامين من التلفظ هما الخطاب والحكاية التاريخية (LE RECIT GISTORIQUE). فالخطاب وقوامه جملة الخطابات الشفوية المتنوعة ذات المستويات العديدة وجملة الكتابات التي تنقل خطابات شفوية أو تستعير طبيعتها وهدفها شأن المراسلات والمذكرات والمسرح والأعمال التعليمية يختلف عن الحكاية التّاريخيّة في مستويين اثنين هما الزمن وصيغ الضمائر. فالخطاب يوظف كل الأزمنة في حين لا يكون زمن الحكاية التّاريخيّة إلا زمنا آورستيا " AORISTE" أي ماضياً لا يمكن تحديده. كذلك يتعامل الخطاب مع صيغ الضمائر المختلفة في حين يقتصر توظيف الضمائر في الحكاية التّاريخيّة على صيغة الغائب وإذا كان مفهوم الخطاب يمكن أن يتّسع لدى إ- بنفينيست ليشمل كلّ الأجناس الأدبية التي يخاطب فيها شخص شخصاً آخر ويعلن عن ذاته باعتباره متكلّما وينظّم كلامه وفق مقولة الضمائر(1) فإن الرواية هي خطاب أدبيّ ذو شرعية كاملة، فهو بدوره يجمع بين المقولتين: مقولة الزّمن ومقولة الضمّير.‏

ولعل الإنشائيّ الفرنسيّ ذا الأصل البلغاري تودروف، استوحى تمييزه بين الخطاب والحكاية في حديثه عن مقولات الحكي الأدبي(2) من مصدرين اثنين: مصدر لساني يتمثّل في الأفكار العامة التي صاغها إ-بنفينست والتي تتعلّق بمفهوم الخطاب في علاقته بالحكاية التاريخيّة ومصدر إنشائي يتمثّل في أفكار الشّكلاني الرّوسي توماشفسكي (TOMACHEVSK)(1957-1980) الواردة في بحثه الموسوم "بنظرية الأغراض"(3) فهو يميّز بين المتن الحكائيّ والمبني الحكائيّ. فقد عرف المتن الحكائي (FABLE) بأنّه "مجموع الأحداث المتعلّقة فيما بينها والّتي يقع إخبارنا بها خلال العمل (وهو) يمكن أن يعرض بطريقة عمليّة (PRAGMATIQUE) حسب النّظام الطبيعي بمعنى النظام الوقتي والسببي للأحداث وباستقلال عن الطريقة التي نظّمت بها [تلك الأحداث] أو أدخلت في العمل "(4) ويعرّف المبني الحكائي (SUJET) بأنّه يتألّف من الأحداث ذاتها الّتي يتألّف منها المتن الحكائي "بيد أنّه يراعي نظام ظهورها في العمل كما يراعي ما يتبعها من معلومات تعيّنها لنا"(5) كذلك ميّز تودروف‏

(TODOROV) بين الحكاية والخطاب على هذا النحو:‏

"للأثر الأدبيّ، عموماً، مظهران فهو في الوقت ذاته حكاية وخطاب، فهو حكاية بمعنى أنّه يوحي بشيء من الواقع ويوحي بأحداث قد تكون وقعت وشخوص من وجهة النظر هذه، يتماهون مع شخوص الحياة الواقعيّة وكان بإمكان هذه الحكاية أن تنقل إلينا بوسائل أخرى...‏

ولكنّ الأثر الأدبيّ في الوقت ذاته خطاب فثمّة سارد يقصّ الحكاية وثمّة قارئ يواجهه، يتلقّى الحكاية. وعندئذ لا تهمّنا الأحداث الّتي تروى وإنّما تهمّنا الطريقة التي استعملها السارد ليعرفنا بها"(6).‏

وهكذا يصبح السّارد مقولة رئيسية للتمييّز بين الحكاية والخطاب في تفكير "تودروف" ولكن "تودروف" ذاته يعترف أنّه من الصّعب التمييز بين مظهري الأثر الأدبيّ رغم اعتراضه على استدراك الإنشائي الرّوسي شلوفسكي‏

(CHILOVSKI 1983) الذي أعلن أنّه من المستحيل ومن غير المفيد أن نفصل القسم الحدثي عن تنظيمه التركيبي لأنّ الأمر يتعلّق دائماً بالشيء ذاته وهو معرفة الظاهرة"(7) وفي الحقيقة لا تكون الحكاية إلاّ في مستوى التصوّرات الذهنية لأنّ أيّ أثر أدبي هو في جملته خطاب وأنّ الخطاب في الرواية هو الحكي بما أنّه الدّال أو الملفوظ أو النصّ السردي ذاته وهو "وحده الذي يمكننا دراسته وتحليله تحليلاً نصياً وذلك لسبب بسيط هو أنّ القصّة والسّد لا يمكن أن يوجدا إلاّ في علاقة مع الحكي وكذلك الحكي أو الخطاب السردي لا يمكن أن يتم إلاّ من خلال حكيه قصّة وإلاّ فليس سرديّا. إنّ الخطاب سرديّ بسبب علاقته بالقصّة الّتي يحكي وبسبب علاقته بالسّرد الذي يرسله"(8).‏

2. 1. لتجلّيات الخطاب- بمفهومه التواصلي- صيغ ثلاثة: صيغة صرفيّة وصيغة نحويّة وصيغة دلاليّة ولكنّها صيغ مترابطة ترابطاً وثيقاً لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى. فإذا تعرّضنا إلى الصّيغة الصرفيّة من خلال الحديث عن الوظائف والشّخوص وما يربط بينهما جميعاً من علاقات فإنّ ذلك لا يكون إلا في إطار علاقتها بالخطاب ثمّ إنّ الصّيغة النحويّة وتجلّيات السّارد والمسرود وصيغ الخطاب والرّؤى لا تنفصل عن الصّيغة الدلالية إذ يتّسع الخطاب ليشمل مفهوم النصّ وللنصّ كاتب وقارئ وله علاقاته النصيّة المتفاعلة والمتداخلة وعلاقاته الخطابيّة المتنوعة وبناه السوسيو لسانيّة (9). وعلى هذا النحو يمكن أن نفهم الخطاب الرّوائي الحديث في الأدب العربي وهو خطاب في غاية التركيب والتعقيد لأنّه صهر في بنيته أجناساً أدبيّة مختلفة واستدْعى خطابات متنوعة أدبيّة أو شبه أدبية.‏

2) إنّ ما يميز الخطاب الربوائي عموماً عن الخطابات الأخرى هو كونه خطاباً تشخيصيّا ومن قبل تحدّث الشّكلاني الرّوسي بوريس إيخنباوم (1886-1959) في فصله المعروف "كيف صيغ معطف غوغول(10) وفي سياق حديثه عن السرد الفكاهي المباشر عن نوعين من السرد: الحكائي (NARRATIF) والسّرد التشخيصي (REPRESENTATIF). "فالأول يقتصر على المزحات والجناسات إلخ، بينما يدخل الثاني أنساقاً ميميّة وإيماءات، مبتكراً تلفّظات فكاهيّة فذّة وإبداليّات وهيآت نحويّة شاذّة إلخ. إن السرد الأول يعطي انطباعاً بأنّنا أمام حديث متساو، أمّا الثاني فيسمح لنا باستشفاف ممثل يؤدّيه. هكذا يصبح السّرد المباشر تمثيلاً ولا يعود مجرّد تنسيق المزحات هو ما يحدّد التركيب وإنما نظام من التكشيرات المختلفة والحركة التلفّظية الفذّة (11) إنّ ما يعنيه بوريس إخنباوم بالسّرد التشخيصي هو السّرد الذي يتجلّى فيه حضور السارد بطرق مختلفة فيصبح أشبه بممثل يجسّد حضوره بوسائل لغوية ومواقف فكريّة ولكنه في كلّ الحالات يؤدّي لعبة معقدّة، يظهر ويختفي، يصرّح ويلمّح، ويهادن ويشاكس فيتموّج الخطاب تموّج حضور السّارد يتنوّع تنوّع المادة السردية التي يوظفها ويختلف اختلاف الموقع الذي منه يطل ويرى.‏

لا شكّ أن السارد يظل مقولة رئيسية في الخطاب الروائي الحديث وصورته المتعدّدة والمتنوّعة يمكن أن تحدّد المراحل الكبرى التي مرت بها الرواية العربية الحديثة، فليس السارد مجرد واسطة محايدة وقارة بين المؤلف والقارئ بل هو في حقيقة الأمر موضوع السرد برمتّه. فإذا كان المسرود يعرض بعين السّارد فإن السّارد في الرواية الحديثة موضوع السرد، فهو في روايات عديدة يشكل كائناً بشرياً متنوّعاً ينتج خطابه الخاص دون أن يكون بالضرورة طرفاً في المسرود. ولذلك لا يمكن أن نرصد تطوّر الرواية العربية الحديثة دون رصد التشكّلات المختلفة والمتنوّعة للسّارد فيها.‏

بيد أنّ الخطاب الروائي خطاب تشخيصي مرتين، تقتضي المرة الأولى مقولة السارد وعنها تحدّث بوريس اخنباوم وتقتضي المرة الثانية مرجعية الخطاب الواقعية والنصية ونحن نعتقد تبعاً لذلك أنّ التشخيص مقولة رئيسية في تحليل الخطاب الروائي الحديث. فثمة دائماً في الرواية كائن لغويّ أو غير لغويّ يشخّص وبالتالي يصبح التشخيص مفهوماً إجرائياً أساسيّاً يسم الرّواية باعتبارها جنساً سردياً ومن خلاله يمكن أن نرسم خطاً بيانياً يعكس تطوّر الرواية العربية الحديثة وتنوع اتجاهاتها.‏

2. 1. أن تكون الرواية تشخيصاً(12) فذاك ما يميّز جنسها الأدبي ويؤسّسه، فمنذ القرن التاسع عشر أقرّ بعض الفلاسفة بأنّ "الرواية بمعناها الحقيقي تقتضي أيضاً شأنها شأن الملحمة، رسم عالم بأكمله ولوحة الحياة التي تبدو موادها العديدة وعمقها المتنوّع في دائرة الفعل الخاص الذي يتوسطها"(13) وعدّها بذلك الملحمة البرجوازيّة الحديثة(14) كما عدّها البعض الآخر "ملحمة عالم بغير آلهة"(15) وقد أخذت الرواية بهذا المعنى عن الملحمة تشخيصها للعالم وطرائقه وإن اختلفت الظروف الاجتماعية وتبدّلت الشروط التاريخية. بيد أن طبيعة التشخيص في الرواية الحديثة تنوعت وتعددت فإذا كان السّائد إلى عهد غير بعيد، أن تشخص الرواية واقعاً ذلك الكيان الخارج عن اللغة فيكون النصّ بذلك انعكاساً لمعطى سابق. وتظلّ تلك العبارة الشهيرة التي كتبها ستندال (STENDHAL 1842-1889) ذات يوم "الرواية مرآة يتجوّل بها طول الطريق" شعاراً يحقّق مفهوم "الرواية- المرآة" فإنّ الرّواية الحديثة منحت مفهوم التشخيص دلالات جديدة وبذلك وهبت لنفسها أساليب في السّرد غير عاديّة(16) ومع ذلك فإنّ مسألة التشخيص لم تكن مطروحة على الرواية العربية إلى حدود "بداية الستينات، فقد ظلّ النصّ الروائي الواقعي، يفضل أحياناً كثيرة "النص الدنيوي" (17) أي التاريخ بمعناه الواسع (التصوير الاجتماعي/ قصة السيرة/ السيرة الذاتية) وقد ظلّ الروائيون العرب مطمئنين إلى أن المثل الأعلى في الكتابة الروائية هو التشخيص الأمين للواقع (كما يراه الكاتب طبعاً) وأنه الخطاب المثاليّ الحقائقي الذي يجسد الكمال الذي ينزع إليه كلّ خطاب. فالواقعيات العربية (التسجيلية/ النقدية/ الاشتراكية/ الجديدة) كما فهمها روائيو مرحلة ما قبل الستينات، تشترك جميعاً في أنّها تكتب التاريخ وتشخص الوقائع رغم اختلافها في مستوى الرؤية الاجتماعية وفي مستوى المسافة التي تفصل السّارد عن موضوع سرده. إن مقوّمات النصّ الواقعي الفنيّة واحدة ولكن الرؤية هي التي تميّز هذه الواقعية عن تلك. ولذلك انطلق كتاب الرواية الحديثة في تجربتهم الإبداعية من نقدهم لمفهوم التشخيص في الرواية السائدة. فصنع الله إبراهيم مثلاً، ينقد الواقعية الاشتراكية نقداً عنيفاً ويعتبر تجربته نابغة من رفضه هذا المذهب في تعامله مع الواقع، إذ يرى أن الكتابات السائدة في المرحلة التي كتبت فيها روايته الأولى كانت "تعزف على النغمة المعهودة فيما عرف بالأدب الواقعي الاشتراكي: عدم إغفال الصّورة الكلّية والإنجازات التي تحققت ويعتبرها دعوى يتمسّح بها الآن أكثر الكتاب تخلّفا ورجعيّة" ثم يذهب في موقع آخر إلى اعتبار "ما عرف في الخمسينات والستينات باسم الواقعية الاشتراكية ضرباً من الرومانسية الثورية"(18). ونحن نلمس ما يشبه هذا الموقف النظري لدى العديد من كتاب الرواية الحديثة في مصر وفي غيرها(19). فسارد "فرج الحوار" يعلن في متن روايته "الموت والبحر والجرذ" "أن الواقعية المحض انتحرت بين فكي التقارير والتحاليل والفحوص، أهملت معقل المرض"(20) وكذا يصنع سارد إلياس خوري عندما يقول: "الحكاية هي أننا نبحث عن حكايتنا وندعي أننا نبحث عن الحقيقة، نجد الحقيقة فنضيع الحكاية ونبدأ من جديد(21) وذلك أيضاً ما يرد في رواية "عين الفرس" للميلودي شغموم عندما يقول السارد في متن الرواية "إن الحكاية لا يمكن أن تنوب عن التاريخ ولا التاريخ يمكن أن ينوب عنها كما يمكن أن ينوب العقل عن القلب أو العكس"(22). إن إحساساً بالارتباك إزاء التشخيص الواقعي يتجلى من خلال هذه المواقف وهو يعكس سعياً إلى الانفلات من أسر العلاقة التقليدية بين الأدب والواقع ومن قواعد إحالتها إليه وقبل هذا كله" من الفهم التقليدي للعمل الفني طبيعته وآليته المعقدة وغاياته"(23). وعندئذ يصبح التشخيص وما يطرحه من إشكاليات في الرواية العربية متّصلاً اتصالاً وثيقاً بتحديث الشكل الرّوائي. ولكنّه في الوقت ذاته يظلّ إطاراً عاماً لا يمكن للرّواية أن تتحرر منه لأنه سبب وجودها ومرتكزها الجوهري.‏

2.2. بيد أن مفهوم التّشخيص ليس حكراً على الرواية فكل الأجناس الأدبية تتعامل مع هذا المفهوم ولكنّ درجته هي التي تتغيّر من جنس إلى آخر. فمنذ قديم استعمل أرسطو مفهوم المحاكاة ليعرف بعض الأجناس الأدبية عندما قال: "الملحمة والمأساة بل والملهاة والديثرمبوس وجلّ صناعة العزف بالناي والقيثارة هي كلّها أنواع من المحاكاة في مجموعها، لكنّها في ما بينها تختلف على أسماء ثلاثة: لأنها تحاكي إما بوسائل مختلفة أو موضوعات متباينة أو بأسلوب متمايز(24) ووازن بين الأدب والتاريخ في علاقتهما بالمرجع الاجتماعي مؤكداً "أن مهمة الشاعر الحقيقية ليست في رواية الأمور كما وقعت فعلاً بل رواية ما يمكن أن يقع والأشياء ممكنة" :إما بحسب الاحتمال أو بحسب الضرورة. ذلك أن المؤرخ والشاعر لا يختلفان بكون أحدهما يروي الأحداث شعراً والآخر يرويها نثراً.... وإنما يتمايزان من حيث كون أحدهما يروي الأحداث التي وقعت فعلاً بينما الآخر يروي الأحداث التي يمكن أن تقع. ولهذا كان الشّعر أوفر حظاً من الفلسفة وأسمى مقاماً من التاريخ، لأن الشّعر بالأحرى يروي الكلّي، بينما التاريخ يروي الجزئيّ.. ومن هذا كلّه يتضح أن الشاعر يجب أن يكون صانع حكايات وخرافات أكثر منه صانع أشعار، لأنه شاعر بفضل المحاكاة وهو إنّما يحاكي أفعالاً، ولو وقع له أن يتخذ موضوعه من الأحداث التي وقعت فعلاً، لظلّ مع ذلك شاعراً، إذ لا مانع يمنع من أن تكون بعض الحوادث التاريخية بطبعها محتملة الوقوع ممكنة، ولهذا السبب يكون المؤلّف الذي اختاره شاعراً(25). والتشخيص يعني في ما نستشفّه من المصطلح الفرنسي (REPRESRNTATION) إعادة الإنتاج، وبهذا المعنى يعيد الأدب إنتاج مرجعه الاجتماعي بشكل من الأشكال وإذا كان المرجع بالنسبة إلى الأدب هو الواقع الاجتماعي باعتباره معطى خارج اللغة فإن الواقعيّة، باعتبارها مذهباً في الكتابة الأدبية، هي أكثر إثارة للإشكاليّة المتعلّقة بهذا الموضوع. والواقعيّة هي في الأصل تسمية جمالية ظهرت عام 1835 لتناهض المثالية الشعريّة كما ظهرت في الرسم وتكرس مبدأ الحقيقة الإنسانية باعتبارها موضوعاً للأدب، ثم تكرّس هذا المصطلح فيما بعد، باعتباره مصطلحاً أدبياً مميّزاً عن طريق إنشاء جريدة تحمل اسم الواقعيّة عام 1851 وهي مجلّة أسّسها الناقد والروائي الفرنسي دورنتي (DURANTY 1830-1880) وقبل أن تظهر الواقعيّة مذهباً أدبيّاً، طرحت موضوعاً فلسفيّاً مفادهُ أن الحقيقة يمكن أن يكتشفها الفرد بحواسه.‏

"لقد كانت عقلية الواقعيّة الفلسفيّة العامة نقديّة، غير تقليديّة ومجددة وكان منهجها دراسة خصوصيات التجربة التي يقوم بها الباحث الفردي الذي تحرّر، حقاً على الأقلّ، من مجموع الافتراضات السّابقة والمعتقدات التقليدية وقد أضفى هذا المنهج أهميّة خاصّة على الدلالات وعلى مسألة طبيعة التوافق بين الكلمات والواقع. ولهذه السمات المميزة للواقعيّة الفلسفيّة تماثلات مع السمات المميّزة لشكل الرّواية وهي تماثلات تلفت الانتباه إلى نوع التّوافق بين الحياة والأدب، الغالب في أعمال التخييل النثريّة..(26) وهكذا تعرض الرّواية الواقعية تقليداً مباشراً للتّجربة الفردية بطريقة تفوق ما تقوم به الأشكال الأدبية الأخرى.‏

3.2. وقد طرح رولان بارت إشكاليّة الرّواية الواقعية في علاقتها بالتشخيص قائلاً "يبدو التمثيل المطلق للواقع" والقصّ المجرّد لـ"ما يحدث أو "ما حدث" كأنّه مقاومة للمعني وتؤكّد هذه المقاومة التّعارض الأسطوري الكبير بين التّجربة المعيشة (الحيّ) والمعقول.. كما لو أنّ الذي يعيش لا يمكنه أن يدلّ والعكس بالعكس..(27) وقد أجاب ريفاتير عن هذه الإشكالية إجابة غير مباشرة قائلاً: ليس التمثيل الأدبيّ للواقع أي للمحاكاة إلاّ الخلفيّة التي تجعل طابع الدلالة غير المباشر قابلاً للإدراك، وهذا الإدراك ردّ فعل على ثقل المعنى أو تشويهه أو ابتكاره ويكون النقل عندما ينزلق الدّليل من معنى إلى آخر و"تحلّ كلمة" "محلّ" أخرى، كما في الاستعارة ويكون التشويه، عندما يكون هناك غموض أو تناقض أو لغو"(28).‏

ومهما كان الأمر فإنّ الواقعيّة تنتج وهماً مرجعياً وتؤسّس واقعاً يبنى في القصّة الخياليّة وفق أنموذج محسوس ممّا يؤدي إلى وقع واقع" (EFFET DE REEL) وهو واقع احتمال وقابلية، وحقيقة هذا الوهم كما يراها رولان بارت هي أنّ الواقع عاد إلى التحدث الواقعي" بما هو دليل إيحاء" بعدما حذف منه "بما هو دليل تقرير" وذلك لأنّ هذه الجزئيات [التي تعتني بها الرّواية] إذ تعتبر مقرّرة للواقع مباشرة لا تفعل سوى أنها تدل عليه"(29).‏

ثمّة إذن في الرّواية الواقعيّة نصّ مكتوب وثمّة مرجع أو وهج مرجعي أو "نص دنيّوي" حسب عبارة ف هامون(30) ولكنّ موضوع اهتمامنا في هذه الدراسة يتعلق بإنشائية هذا النص المكتوب الذي يملك مرجعيّة واقعيّة هيّ إنشائيّة الخطاب الواقعي في نماذج من الرّواية العربيّة الحديثة. وغايتنا الأولى والأخيرة هي أن نحدّد الخصائص الفنيّة التي يتميّز بها هذا الخطاب في الرواية العربية وأن نرصد تطورها في فترة زمنيّة محدّدة تمتدّ منذ بداية الستينات إلى بداية التسعينات من القرن العشرين.‏

1) EMILE BENVENISTE, PROBLEMES DE LIGUISTQUE GENERALE, ED. GALLIMARD 1966 P.241- 242.‏

2) T. TODOROV, LES CATEGORIES DU RECIT LITTER AIRE IN L, ANALYSE STRUCTURALE DU RECIT, ED SEUIL, 1981 P.131-157.‏

3) توماشفسكي، نظريةّ الأغراض، في نظريّة المنهج الشكلي، تعريب إبراهيم الخطيب بيروت، الرباط ص175.‏

4) المرجع ذاته، ص 180.‏

5) المرجع ذاته، الصفحة ذاتها.‏

6) تودروف، مقولات الحكي الأدبي، التحليل البنيوي للحكاية، ص132.‏

7) المرجع ذاته، ص133‏

8) سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي- المركز الثقافي العربي، 1989 ص40 راجع كذلك الفصل الموسوم. مدخل إلى تحليل الخطاب الروائي" ابتداء من صفحة 13.‏

9) انظر المرجع ذاته، ص53.‏

10) انظر في نظرية المنهج الشكلي، ص153.‏

11) المرجع ذاته، ص153.‏

12) تعريباً للمصطلح الفرنسي représrntation‏

13) هيغل، علم الجمال، نصوص مختارة Hegel Esthétique, texes choisis p. u.f 1953.‏

14) المرجع ذاته، ص52.‏

15) جورج لوكاتش، نظرية الرواية: تعريب حسن سحبان، منشورات التل، المغرب 1983.‏

16) لقد تحدث جان ريكاردو عن ثلاثة مستويات من التّشخيص في الرّواية الفرنسية الحديثة.‏

هي: 1-تشخيص الرواية للواقع 2-تشخيص الرواية لذاتها ففي هذه الحالة تحيل الرواية على عالمها الداخلي، على فعل الكتابة، فتصبح بمثابة "أثر مرايا تفعل في ذاتها من كل ناحية، والنصّ يتكاثر انطلاقاً من ذاته وهو يكتب "عندما يقلد ما يقرأ.. وعندئذ تَكُونُ الغاية من الكتابة هي تحقق معجزة الكتابة ذاتها. 3-التشخيص المضاد: في هذه الحالة يتكاثر النص انطلاقاً من ذاته ولكنّه يكتب نفسه وهو يناقض ما يقرأ (انظر: POUR UNE THEORIE DU NOUVEAU ROMAN, éd du seuil 1976 وبصفة أخص الفصل المرسوم بـ: Nouveau roman, tel quel.‏

وقد استعمل فيليب هامون PH. GAMON مفاهيم مغايرة تتّصل بعلاقة الرّواية بالواقع، فتحدّث عن الواقعيّة النصّية حيث لا تحاكي اللّغة من الواقع سوى اللغة (المنطوقة أو المكتوبة) وعندئذ لا يستطيع حديث لسانيّ أن يعيد إنتاج غير حديث لسانيّ مماثل قال نفسه بنفسه (وحينئذ يكون التكّرار أو الاجترار والمعاودة هي الصّور النّموذجية لإعادة الإنتاج هذه) أو قاله سلفاً حديث لسانيّ آخر (وعندئذ تكون وجوهه البلاغية هي اللغة الواصفة: الاستشهاد، إعادة الكتابة، المحاكاة الساخرة، المعارضة) والواقعية الرمزية، حيث لا تستطيع اللغة أن تحاكي إلاّ بعض عناصر الواقع القابلة للأيقنة بالكتابة أو بالكلام الخطّي والمزدوج التشكّل (الأدب العجائبي مثلاً) والواقعيّة الوصفيّة: وهي تلك التي يكون فيها الميثاق الإرجاعي واضحاً وهي التي تشخّص الواقع باعتباره كياناً خارجاً عن اللغة. وقد حدّد فيليب هامون في هذا السيّاق ما أسماه قائمة شروط المشروع الواقعي. في كل هذا راجع كتاب "الأدب والواقع" مجموعة المؤفين، تعريب عبد الجليل الأزدي، محمد معتصم، مراكش 1992 ص69 وما يليها.‏

17) مصطلح استعمله فيليب هامون، راجع المرجع المذكور سابقاً.‏

18) انظر كتابنا، الرواية العربية والحداثة، منشورات دار الحوار، سورية 1993، ص76.‏

19) انظر المرجع نفسه، ص76 وما يليها‏

20) الموت والبحر والجرذ- دار الجنوب للنشر، 1985، ص45‏

21) الياس خوري، مملكة الغرباء، دار الآداب، المغرب 1993، ص112.‏

22) عين الفرس، دار الأمان، المغرب 1988/ ص8.‏

23) صبري حافظ، قراءة في رواية جديدة، مالك الحزين، فصول مجلد 4 عدد 3، 1984، ص189.‏

24) فن الشعر- تعريب عبد الرحمان بدوي- دار الثقافة، بيروت لبنان، د. ت. ص3-4.‏

25) المصدر ذاته، ص26-28.‏

26) أيان واط- الواقعيّة والشّكل الرّوائي في "الأدب والواقع" ص13.‏

27) أثر الواقع- في "الأدب والواقع" ص42.‏

28) الوهم المرجعيّ في "الأدب والواقع ص45.‏

29) أنظر، رولان بارت "أثر الواقع"- المرجع المذكور‏

30) انظر المرجع المذكور سابقاً.‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244