|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الدقلة في عراجينها للبشير خريف ثراء العالم / استبداد السارد: 1-إننا نعتبر الدقلة في عراجينها "للروائي التونسي البشير خريف(3) أنموذجاً بليغاً، فيه تتحقق إنشائية الخطاب الواقعي في الرواية العربية الحديثة، في شكله الوصفي. وسنحاول من خلال تحليل أبرز الظواهر الفنية المهيمنة في هذا النص أن نحدد ملامح هذا الخطاب ومكونات الإنشائية الأساسية. 1.1."الدقلة في عراجينها "عنوان من العناوين ذات الدلالة العميقة في الخطاب الواقعي الوصفي، فمن حيث الصيغة هو جملة إسمية تقريرية تثبت حقيقة لا تحتمل الشك أو الالتباس. فالدقلة (نوع من التمور) لا تكون إلا في عراجينها وهذا يعني أن الرواية تواجه القارئ بعنوانها الإخباري إذ ينقل إلى القارئ انطباعاً بالأمانة العلمية، فهو أشبه بعناوين الدراسات العلمية بحكم أنه يزيل التباس التأويل الذاتي وهو يصلح عنواناً لبحث علمي أو جهاز بيداغوجي فتكون الإحالة بذلك موضوعية وعندئذ يتحول العنوان إلى شفرة إخبارية أولى تدعمه داخل النص شفرات عديدة، فالدقلة تحيل إلى النخل والنخل يحيل على بلاد الجريد وبلاد الجريد تحيل على الناس في بلاد الجريد. يتدخل السارد ليحدد موقع هذه النخلة ذات الدقلة في عراجينها تحديداً جغرافياً وهو بلاد الجريد قائلاً: "أما بلاد الجريد فإنها في آخر نقطة في الجنوب الغربي في البلاد التونسية كمنزل في زنقة حادة لا يصلها إلا من يقصدها لذاتها".(4) والتشبيه في هذه الجملة الوصفية وسيلة بيداغوجية لتقريب المعنى إلى قارئ النص وصورة حسيّة لتثبيت موقع بلاد الجريد على خارطة البلاد التونسية. ثم يصل النخلة بالموقع باعتبارها أصل المعاش فيه وسببه: "فلا مورد سوى النخلة، هذه الشجرة المباركة التي لا تشبه أية شجرة أخرى وكم لها من شبه بالإنسان "ثم يطنب السارد في وصف هذه الشجرة فيذكر صفاتها المميزة كأن وصفها غير معلوم عند قارئ لا علم له بالشجرة ولا معرفة: "لا فرع لها ولا أغصان، تنطلق من الأرض مستقيمة جبارة فتنفتح في السماء والنّور ويتفرع جريدها من القلب منقوشاً متناظراً، أخضر باسقاً في دائرة كأنّها فوّارة خضراء، يلين سعفه ويرق حتى ليكاد أن يكون في نعومة الريشة …"(5) ثم يصف التمرة التي تنتجها النّخلة ملحاً على الظّروف الطبيعية والمناخية الملائمة لإنتاجها وصف العارف الملمّ فالمراد شمس حامية بمقدار ورش رقيق بمقدار وندى لطيف بمقدار"(6). إن مثل هذه المقاطع السردية كثيرة في الرواية حيث يتدخل السارد ليقدم معلومات تتعلّق بجغرافية المكان وعمرانه ومعاشه وأخلاق أهله وهي معلومات لا تخدم السرد وإنما تقدم لذاتها، فهي بمثابة الشفرات التي تتضاعف وهي تتصل اتصالاً وثيقاً بالعنوان الذي نعتبره الشفرة الأولى للولوج إلى العالم الروائي ثم إن واضع العنوان هو المؤلف، فهو بالتالي يقدم نفسه على أنه يملك معرفة وتكون مهمته عبر سارده مضاعفة التشفير لنقل خبر حول "الدقلة في عراجينها" وترقيته من الوجود المرجعي إلى الوجود الأدبي وهذا منذ العنوان يبدو لنا الخطاب الواقعي في رواية "الدقلة في عراجينها" موسوماً بنزعته الإخبارية أو الإعلامية.1.2. الرواية هي حكاية أسرة، هي أسرة سالم بن عبد العالي، يصفها السارد بأنها أسرة عريقة عراقة "دينية"(7) وعراقة علمية(8) يخضع أفرادها في ممارستهم للسلطة العائلية إلى تراتيبية عشائرية، فالجدُّ الأكبر من أولياء الله الصالحين (سيدي عبد العالي)، والشيخ عبد الحفيظ بن سالم بن عبد العالي كبير أسرة سيدي عبد العالي، وبحكم وضعيته العشائرية هذه سيظل يلعب دوراً بارزاً في سير الأحداث. أما بقية الوظائف السردية، فقد جاءت لخدمة هذه الحكاية المركزية وشخصياتها. 1.2.1. يقسمُ السارد حكايته إلى ثلاثة مقاطع سردية كبرى متخذاً من النخلة استعارة بنائية، فالعائلة شأن النخلة "جريدية" وللعائلة شأن النخلة عراجينها، فكأن عبد الحفيظ وديجة والمكي والعطراء العراجين، فتقوم كلها على ثلاث وظائف سردية مشتركة هي اللقاء والصراع والفراق وهي وظائف متتابعة قائمة على منطق جدلي. العرجون الأول/ المقطع السّردي الأول: ديجة
العرجون الثاني / المقطع السردي الثاني: المكي
العرجون الثالث/ المقطع السردي الثالث: العطراء
1.2.2 يؤدي بنا هذا الجدول إلى الاستنتاجات التالية: أ- إن بنية الحكاية بنية مركبة (# بسيطة)، فالحكاية العامة هي حكاية أسرة ولكن داخل هذه الحكاية هناك مجموعة من الحكايات المتوازية حينا والمتقاطعة أحياناً، فحكاية المولدي وتبر هي حكاية موازية لحكاية ديجة وزوجها وفي المقطع الثاني يتقاطع المحور الأول مع المحورين الثاني والثالث والمحور الثالث في المقطع الثالث هو تتابع للمحور الثاني والمحور الثاني تتابع للمحور الأول وهكذا دواليك وهذا يعني أن الحكاية في الخطاب الواقعي تميل إلى أن تكون حكاية مركّبة وتنأى عن أن تكون بسيطة. ب- إن بعض الوظائف السردية تبدو لنا متشابهة وأبرزها وظيفة الموت، إذ تنتهي حكاية المولدي وتبر بالموت الثنائي وكذلك حكايات ديجة والمكي والعطراء فمآل هذه الشخصيات الموت.. ج- إن المسافة بين نواتات السرد الوظيفية ضيّقة وهذا يعني أن النصَّ في الخطاب الواقعيّ نصّ مستعجل، فهو يطرح السؤال وسرعان ما يعطي الجواب ويصدر الأمر وسرعان ما يحدث القبول وللسبب نتيجته القريبة وسرعان ما يعقب الذهاب الإياب وهذه أمثلة: سؤال/ جواب: توصي تبر ديجة ألا تعلم أخاها "حفّة" بما حصل لها مع زوجها (ما تسمعيشي خلاص، قل له جيت نطل ص48) ولكن خديجة تجيب حفة بعد صفحتين (سألها عن السبب فلم تجد مناصاً من إعادة أمر الخلخال عليه ص51). تتساءل ديجة عن الرأي الذي استقر عليه زوجها (أعملي روحك ماشيه لحوش بوبه عربية وشوفيه واش يخمم- قال يرجى في الصوارد- هاني سمعت شري الخلخال- تواما ثم حتى رسمي، كان شراه يبعثه وكان ما شراش ولاش ع نمشي؟ (ص52) وفي الصفحة الموالية جاء الجواب على لسان تبر (ولما كانت العيشة وخرج، أقبلت عليها تبر مستبشرة وأخبرتها أن أخاها التقى بجماعة اللمامشة فخاطبهم في أداء ما عليهم وهدد أَرْمَزهم وأنه سيتسلّمه ويشتري لها الخلخال وأنه لم يشأ أن يعلمها حتى يتحقق من نجاح سعيه ص58-57)- أرسل إليه (المكي) بواسييه الذي ارتقى إلى رتبة مدير الشركة وسأله عن الدبنجق وحركاته فأجابه عن حقيقة الاجتماعات ص204). أمر/ قبول: قال المولدي صباحاً لامرأته: إنَّه ذاهب إلى توزر ليتصل باللموشي لعله يدفع ما عليه فلمست رقبته وقالت له: -ما تمشيش، عليك الحمو. لم يذهب يومها ولم يذهب من الغد ولم يذهب البتة قرر الدبنجق إنشاء حبس لكل مارق عن حكم الجماعة فيقيم ليله مُكَبَّلاً ويطلق من الغد عند صياح العياطة فأصبحت ليلة الأحد كأنها ليلة عيد.. بعد أربعة أشهر قرأ أحدهم جواباً وحده أتاه من أهله، فكانت فرحته لا تقاس وعزم على الجماعة أن يتغدوا عنده وذبحوا جدّياً وقضوا ليلة في مرح بات الدبنجق آخرها في سجنه (ص207). سبب / نتيجة: إن موت المولدي أدَّى مباشرة إلى موت تبر (وبقيت تبر كحمامة قطع جناحها فلم يعد يصلح جناحها الباقي إلا لتلوح به من الألم.. وأعانتها عادة خبيثة … وذلك أن على الأرملة في الجريد أن تلبس قميص زوجها فتجد الجراثيم عوضاً عن جسم الراحل، التحقت بصفيها، بعد أيام قلائل (ص58).ذهاب / إياب: ذهبت ديجة إلى بيت زوجها وعادت (وبعد المغرب، التحفت وسارت وراء العجوز إلى الزبدة وسبقتها المكي- سمعت خديجة أخاها يدخل- بالحق مشيت لولد زينب (ص95). سفر / عودة: سفر المكي إلى المتلوي وعودته منها مريضاً ومطروداً. الإشكال وحل الإشكال: تعقد مقاضاةً علي الزبيدي ويظلّ الإشكال قائماً (هاو في يدي سيدنا ربي يبقيه يقول "ونأمر كل أعوننا" نمشي نجيب الباي أناتو …؟" بيد أن هذا الإشكال سرعان ما يُحلّ "من نتائج موت ديجة انقلاب الوضع العدلي في قضية حفّة وعلي الزبيدي، أصبح الزوج يستحق الربع في مخلفها وابنها البقية وبطل توكيل حفة وذهبت مساعيه أدراج الرياح" (ص115).إن ضيق المسافات الفاصلة بين النّواتات السردية يهدف بلا ريب إلى تحقيق التماسك المنطقي الكلّي للخطاب فهو يسعى إلى إنقاذه من الترهّل الذي يمكن أن يقع فيه بحكم تدخل السارد واستطراداته الكثيرة التي قد تباعد بين النواتات السردية وبحكم بنية الحكاية في حدّ ذاتها إذ هي جماع "ميكرو حكايات" وبحكم غياب العقدة الكبرى وغياب الذّرى. وتدعيماً لهذا المسعى الاستعجالي يميل السرد كذلك إلى استعراض التعارضات المنطقية كتعارض الفقر بعد الغنى عندما يفلس علي الزبيدي وابنه المكّي بعد بحبوحة عيشهما وتعارض الهزيمة بعد النصر كهزيمة حفّة في معركته مع علي الزبيدي أو في معركته مع العروسي أو هزيمة العمّال في معركتهم مع الإدارة الاستعمارية أو كذلك هزيمة المكّي في علاقته الإدارية أو التعارض الناتج عن "تعاقب الأعالي والسّفوح" إذ تتراوح الحركة السردية بين الحوش الفوقاني والحوش اللوطاني وبين الغابة والبلاد" أو تعارض الأحياء أو القبائل كالتعارض بين الزبيدي والميعادي أو بين الجريدي والمتلوّي أو بين الفلاحة والصناعة أو التعاقب بين السعادة والفاجعة كموت المولدي وتبر بعد سعادتهما وكذلك موت المكي والعطراء وقد عاشا أحلاماً لذيذة أو في النهاية التأرجح بين موضوعيْ الخير والشرّ. د- إن هذه الملاحظات المتعلّقة بالوظائف السردية تجعل بنية السرد عامّة بنية نمطية. 1/ الشخصيات: 3.1) شخصيات "الدقلة في عراجينها" وبالتالي الخطاب الواقعي الوصفي، شخصيات نمطية، فإلى جانب الشخصيات الرئيسية التي تشكّل النّواة السردية (أفراد العائلة) يعوّل السرد كثيراً على الشخصيات الثانوية فهي ذات أهمية قصوى في تشكيل الخطاب الواقعي وهي شخصيات نمطيّة ذات ثقافة إعلامية إذ تكون الشخصية دالة على وضعيتها في المجتمع وعلى دورها فيه. من هذه الشخصيات بنت باسي وهي ممن يقمن في العرش بمهمة السفارة بين المحصنات والشيخ عبد الصمد فقيه العرش وهو نموذج السلطة الدينية وعيشة الشقماء ساحرة الأزواج(9) والمؤذن حمة بن علي(10) وسي الطيب بن الأزهاري وهو رجل من الحشاشين(11) والمقمش المحارب القديم والدبنجق(12) النقابي والشخصية العاهرة (غرسة والزينة المنانة) والعدل وهو رجل القانون المتواطئ. 3.1) ثم إنّ الأسماء التي تحملها الشخصيات ذات مضمون مجتمعي، فبعضها يحمل معنى الانتماء الجهوي (منطقة الجريد) كعبد الحفيظ وقد اشتهر بكنيته "حفة" و"خديجة" وقد شهرت "ديجة" وبعضها الآخر يحيل على المهنة التي تمارسها الشخصية، "فالطرايور" اسم مقتبس من الكلمة الفرنسية ( TREUILLAGE) وهو المشتغل في نقل الأثقال بواسطة آلة ثقيلة (treuil) والدبنجق كنية مقتبسة من الكلمة الفرنسية (Dépilage) وتعرفه الرواية بأنه "كان في الأصل لغماجيا" ص189 (13) إنها أسماء توحي بدلالة اجتماعية وتتضمن محتوى اجتماعياً والسارد ذاته يمنح شخصياته تبريرات اجتماعية، فهو يقول في شأن حفّة "وكان يطلق على عمه هذا اللقب عكوْ بفتح الكاف وسكون الواو... وإنما هو من تلك الألقاب التي يطلقها أهل الجريد على بعضهم للتهكم أو التحقير أو التشبيه أو التذكير بحادثة مخجلة أو مضحكة فيكون مطابقاً لمسماها قد فرضها ذوق العامة إذا اجتمعت لها شروط المطابقة من تصوير وجرس"(14) ويعلق على شخصية الشريك قائلاً" وكلمة شريك في الجريد تدلُّ على الخماس وكأن روحاً اشتراكيةً عميقةً جعلت له هذه التسمية"(15) وكذلك يصف حمة بن علي فيقول "هو مؤذن المواعده وبهذه الصفة لا يسمح لمؤذن آخر أن يؤذن قبله…"(16) ويسمي الطاهر المكانجي بمهنته ومن هذه الشخصيات نستثني بعضها القليل الذي تعكس أسماؤه سمة جسدية كعمار الأعمى وحمودة العايب.إن الشخصية في رواية "الدقلة في عراجينها" هي شخصية مدنية، تعشق الحياة الجماعية وتحبذ الحياة بين الخلان والأصدقاء ونادراً ما تعيش منفردة وهي بالتالي لا تشعر بالفراغ وتنظم العلاقة بين الشخصيات في شبكتين رئيسيتين. الشبكة الأولى تجمع بين شخصيات تربط بينها علاقات عائلية (حفة، ديجة، المولدي، تبر، علي الزّيدي، العطراء، المكي، العربي، الحفناوي). والشبكة متوالدة فالعطراء والعربي هما ثمرة العلاقة الزوجية السعيدة بين المولدي وتبر والعطراء والمكي هما ثمرة تربية خديجة وحبها العميق لهما والحفناوي هو صورة لوالده حفة، ثم تتطور هذه العلاقة العائلية إلى علاقة اجتماعية أوسع كالصداقة والحب اللذين يجمعان بين المكي والعطراء والعربي وتتصل هذه الشبكة الرئيسية بشبكة من مستوى أدنى هي شبكة الشخصيات الثانوية المساعدة إذ يتمثل دورها في إزالة التوترات التي قد تنتج بين شخصيات هذه الشبكة الرئيسية (بنت باسي/ سي الطيب الأزهاري، حمّة صالح، عمار الأعمى، الطيب سالم) وهي شخصيات الشارع أو الحياة العامة. أما الشبكة الرئيسية الثانية فهي تجمع بين شخصيات تربط بينها علاقات مهنية نضالية وهي شخصيات المتلوي (الدبنجق، المكي، لادات، الناصر، إبراهيم بن الرومية، بواسيه) وهي شخصيات يجمع بينها الانتماء المكاني أو الجهوي أو المهني وتساعدها شخصيات ثانوية في حالات توتّرها (الخضراء، الزينة المنانة …) وتتقاطع هذه الشبكات الرئيسية والثانوية فيما بينها بحكم تناهي السّرد في المكان والزمان).بيد أنّ الإشكال يتعلّقْ بتصنيف هذه الشخصيات إذ لا يمكن الحديث عن "بطل" أو عن شخصيّة مركزيّة بارزة بطرق كيفية (اسم- كنية- صفات خلقية- صفات نفسية) وبطرق كمية (تواتر ظهور البطل في النص) وبطرق وظيفيّة إذ تؤدي هذه الشخصية المركزية (البطل) وظيفة العامل الذي يتطلب مساعدين ومناوئين، إضافة إلى أن البطل هو الشخصية التي تنظم الفضاء الإيديولوجي للمحكي إذ تمرّ عبره أيديولوجية السارد أو المؤلف. إنّ إشكالية رواية "الدقلة في عراجينها" المتعلقة بمفهوم البطل هي إشكالية الخطاب الواقعي الوصفي وهي تتمثل في أن أي إفراط في التركيز تفاضلياً على شخصية بعينها تثقلص الوهم الواقعي ويعرض النص إلى الخروج من الخطاب الواقعي (الوصفي) للدخول في الخطاب الملحمي أو العجائبي وعندئذ يلتجئ الخطاب إلى طرق عديدة لتجاوز هذا الإشكال من أهمّها التنويع الدائم لوجهات النظر ومحاولة إنصاف الشخصيات عند توزيع المناصب العواملية والنّعوت المفيدة بينها. إنّ الرواية في الخطاب الواقعي الوصفي تقتل البطل دائماً. إنّها مقولة لا تعارض بنية الشخوص في رواية "الدقلة في عراجينها". إذ لا يمكن الحديث عن شخصية مركزية واحدة. فقد بنى المؤلف (وفق منظوره) روايته على ثلاث شخصيّات محورية متوالدة (ديجة- المكي- العطراء) وشخصيّات أخرى لا تقلّ أهميةً (حفة، المولدي، الدبنجق، الحفناوي) وهي نماذج اجتماعية مختلفة ومتباينة وتعكس هذه البنية حيادية الشارد إذ لا يركزُ على شخصية بعينها ليعبر عن أيديولوجيته أو أيديولوجية مؤلفه). 1.4 إن الشخصيات في رواية "الدقلة في عراجينها" هي كينونات اجتماعية مستقلة وقائمة بذاتها ولا يتجسدُ هذا التعدد في مستوى الشخصيات الرئيسية وحدها بل يتعداها إلى الشخصيات الثانوية، فهي ليست صدى يعكس ملامح شخصية محورية، بل هي تتحاور وتتصارع انطلاقاً من مصلحتها المستقلة ومن موقعها المتباين بل هناك في الرواية شخصيات لا تلعب دوراً رئيسياً في بناء الأحداث أو تطورها ولكنها تبدو مجرد أصوات اجتماعية يصرُّ السارد من خلال دورها الثانوي على أن تكون أصواتاً اجتماعيّةً يريد إثباتها وتأكيد وجودها، فالطيب الأزهاري كينونة اجتماعية قائمة بذاتها (رجل مقبل على الحياة، يعشق الأدب والفن، له رؤيته الخاصة والمغايرة للكون والوجود) والطالب عمّار الأعمى هو صوت اجتماعي مستقل ومغاير هو صوت الدّين في مجتمع تسوده التناقضات وتتقاطع فيه الأصوات الاجتماعية ولذلك يجد القارئ نفسه إزاء حشد هائل من الشخصيات بمثابة الكينونات القائمة بذاتها أو الجزر المستقلة. إن المظهر الخارجي للشخصية في هيأتها وسلوكها تختزل رؤيتها الخاصة للحياة وموقفها الاجتماعي الذاتي وهو أسلوب في تصوير الشخصية كثيراً ما يلتجئ إليه السارِدُ في هذه الرواية "أخذ من الطاقة دفتراً مرتوقاً بالخيط ومضافة إليه أوراق أكبر منه وأنشأ يراجع ويقيد فيه ما دخل إلى المخزن وما خرج منه وما كان ليتيمي أخيه المولدي وحسب رسماً ثم بأصابعه فظهر عليه الرخاء وأخذ حكةً وشمّ نفةً ومسح أنفه في محرمته المعقودة في جبته والتقط غبرة التبغ التي وقعت على برنوسه ونشقها ونادى، الحفناوي... يالحفناوي …".(1)2.5 العلاقة بين الشخصيات: الحوارللحوار في رواية "الدقلة في عراجينها" وظيفتان: وظيفة تعليمية وأخرى جدلية وهما وظيفتان تميزان الخطاب الواقعي الوصفي. 2.5.1 لقد حدد الإنشائيون شروط الحوار التعليمي في الخطاب الواقعي وهي الآتية: في الحوار التعليمي لا يكون المتحدّثان في وضعية خطابية متساوية إذ يملك أحدهما معرفة أو خبراً يسعى الطرف الآخر بدوره إلى امتلاكهما وعلى هذا الأساس يكون الترابط المهيمن بين أفعال الكلام من نوع سؤال وجواب فأحد المتحاورين يسأل والآخر يجيب وعندئذ غالباً ما ينتهي المتحاوران في نهاية الحوار إلى وضعية واحدة وهي قبول الطرف الذي لا يعرف الخبر أو المعرفة عن طريق التراضي وبذلك يزول عدم التساوي الذي كان يسود الوضعية الخطابية في آخر الحوار. إن الأمثلة التي تعرضها الرواية التي نحن بصدد تحليلها كثيرة ومنها هذا المثال: قال المقمّش: -حفة! اليوم جاءت قائمة العسكر أطل خديم الشيخ وقال: -السلام عليكم، العربي بن المولدي هنا؟ انتفض الفتى وأجاب: -نعم -بره للشيخ، هاوينه اسمك ظهر، باش تقابل في محل النظر -دع يهزوني قال المفتش: -لاه تو؟ الولد هتر، تمشي كان بعد شهرين ولا ثلاثة.. -دخل سي العروسي المعلم، فسلم وخصّ المبارك بسلام حار وجلس فسأله بلخديري -من هم اللي ظهروا في القائمة آسي العروسي؟ أجاب: -من أولادنا ظهر العربي وعلي الْخَنُ قال المقمش: -علي الخَنْ ما يقبلاش الطبيب، ما يشوفش سأل العربي -وأنا يقبلني الطبيب؟ أجابه: -إنت تبارك الله عليك واش يخصّك؟ -يا حليلي يا وخياني! واش نعمل؟ لو كان نَعوِرْ روحي(18) من خلال هذا الحوار تظهر شخصيات عارفة بخبر محدد ومطلعةٌ عليه وهي شخصيات المقمش وخديم الشيخ والعروسي المعلم في مقابلة مع شخصية واحدة جاهلة بالخبر وغير ملمة به أما الخبر فهو يتعلّق بالإعلان عن قائمة العسكر وظهور اسم العربي على القائمة الرسمية ثم ينتهي الحوار باطلاع العربي على الخبر وما يحف به وبذلك استوفى الخطاب شروطه. 2.5.2. أما في الحوار الجدلي فإن المتحاورين يكونان عادة في علاقة متكافئة ويشتركان في القيم ذاتها فهما يكونان عادة في وضعيّة جهلٍ بالخبر أو عدم الإلمام بالموضوع إلماماً كلياً وعندئذ يكون ترابط أفعال الكلام على سبيل السؤال/ الجواب أو الإثبات والتقويم في نفس الوقت ثم إن المتحاورين لا يختصان في فعل كلام بعينه ولكنهما ينتهيان في نهاية الحوار إلى اتفاق أو إلى معرفة مشتركة بالخبر أوبالموضوع الذي قام عليه الخطاب. وكذلك تتكاثر الأمثلة في رواية الدقلة في عراجينها ومنها هذا المثال. تكلم المقرعش على الفرق بين العامل الإفرنجي والعامل العربي وما يتمتع به الإفرنجي من مسكن محترم ومنح وعلاوات واحترام وما ينال العربي من بخس: -أنا نخدم قد قندولف مرتين ولاه يخلص أكثر مني مرتين؟ -كيف ولدها كيف ربيبها! -موشو فرنسيس، راهو طليان. -الكل كفار -ياخي ماك كنت خمَّاش، تقعد بالشهرين ما تشوفش المطبوع. أجابه: وما كنت مخصوص في حتى شيءْ وكيف تجي في يدّي هاك الأربع صوردي تمشي في طريقها، هنا الكل ماشي في القهوة والقمار والشهاوي والنسا ولا ياخي، فضلتش إنت حاجة؟ -فلوس الكبانية ما فيهاش بركة …(19)إنّ الحوار في هذا المشهد بين عاملين متساويين في وعيهما بظروفها الاجتماعية ويعتقدان معاً في ضرورة تغييرها وقد ترابطت أفعال الكلام بينهما على سبيل إثبات بعض الحقائق وتقويم بعضها الآخر وهما ينطلقان من الجهل المشترك بالمخرج من هذه الوضعية التي هما عليها وينتهيان إلى وعي تام بوضعهما الاجتماعي ويعرفان طريق الخلاص "هنا لا ثم لا أبا ولا يمه تكون ذيب لا تأكلك الذياب"(20). وهكذا تصبح الشخصية في الحوار حاملة للأمانة العلمية وموظفاً منتدباً للتحدث الواقعي. والحوار لا يخرج عن هاتين الوظيفتين الرئيسيتين (الوظيفة التعليمية والوظيفة الجدلية) مما يدعم توليد المركبات السردية النمطية في النص وهو ما يميّز الخطاب الواقعي الوصفي بصفة خاصة. 3) إن الرواية بطبيعتها فن زمني وهي خطاب بما أنها تتابع وحركة، إن البنية السردية في رواية "الدقلة في عراجينها" بنية تتابعية وزمن السرد في الجملة زمن خطي إذ تتابع الوظائف السردية تتابعاً زمنياً وتقل الومضات الورائية التي لا تستعمل إلا مرة واحدة في مقطع سردي طويل نسبياً يتعلق بخروج ديجة من بيت الزوجية غضبى ويتضمن كذلك حكاية المولدي وتبر كاملة (21) ولذلك عندما نقارن بين زمنيْ الخطاب والحكاية نجدهما متوافقين باستثناء مقطع سردي واحد وعندئذ لا يتشظى السرد ولا ينقطع الزمن كما يغيب الاستباق غياباً كلياً وتهيمن أفعال ماضي الحكاية الدالة على حاضر زمن السرد هيمنة كلية. 3.1. إن زمن المغامرة- بالنسبة إلى زمن الكتابة- هو الماضي وهو ينتشر على امتداد عشرين سنة قبل العشرينات وبعدها فهناك في النص علامات زمانية تتمثل في بعض الأحداث المؤرخة تؤطر هذا الزمن وهي انتصار كمال أتاتورك وإلغاء الخلافة (1923-1924) وهزيمة عبد الكريم الخطابي (1926) والإضراب الذي وقع في المناجم (نوفمبر 1929) وهو زمن ذو بعدين: بعد كونولوجي يُرتب مراحل الحياة التي عاشتها العائلة وبموتها تنتهي الحكاية وبعد اجتماعي يتمثل في الأحداث الاجتماعية والسياسية التي عرفتها بلاد الجريد أو البلاد التونسية عامة أو العالم بصفته أعم (مظاهر الحياة الاجتماعية العديدة، إلغاء الخلافة، هزيمة عبد الكريم الخطابي، هزيمة حركة محمد علي النقابية) وبين الزمن الخاص والزمن العام، موازاة في الحدث والتقاء في دلالته إذ يناسب هزيمة حركة محمد علي النقابية موت المكي والعطراء، وعندئذ ما يستفيد منه السرد في مستوى الزمن الاجتماعي (العام) يخسره في مستوى الزمن الخاص إذ يكثر الاختزال أو التلخيص وكثيرةٌ هي الأحداث الجسيمة التي تعرض في بضعة أسطر(22) وفي ذات الوقت يوازي زمن المغامرة زمن الكتابة فكأن الكتابة تسعى إلى النموّ زمنياً في نفس الاتجاه الذي ينمو فيه زمن المغامرة بحكم قلة العودة إلى الوراء وكثرة الاختزال. 3.2. وفوق هذا كله يبدو الزمن في رواية "الدقلة في عراجينها" زمناً مفعماً بالدلالة الاجتماعية والسياسية إذ يؤرخ الأحداث والوقائع الكبرى ويصوّر مظاهر الحياة الاجتماعية في المدن وفي مواقع العمل ويركز على رسم التقاليد الاجتماعية في بلاد الجريد في فترة ما بين الحربين. والخلاصة التي نريد أن نؤكدها هي أن البنية الزمنية في الخطاب الواقعي الوصفي بنيةٌ نمطية بدورها فثمة في مستوى المغامرة (أو الحكاية) زمنان يستند أحدهما إلى الآخر ويبرر أحدهما الآخر إذ لا معنى للزمن الخاص بدون زمن عام فالزمن العام يبرر الزَّمَن الخَّاصَ ويمنحه معناه بل وينتجه أيضاً بحكم الفكر الوضعي الذي يهيمن على رؤية السَّارِدِ ومن ورائه المؤلف. 4)إن "الدقلة في عراجينها" هي رواية المكان إذ تجري الأحداث في بلاد الجريد ثم تتفرع تفرَّعات محدودة إلى المتلوي بحكم انتقال المكي إليها وصفاقس وقفصة ومع ذلك تظل بلاد الجريد الإطار المركزي الذي تدور فيه الأحداث. 4.1. إن المكان في الخطاب الواقعي الوصفي وبالتّالي في هذه الرواية النموذجية يُسمى، أي أن السارد لا يتعامل معه باعتباره مجرد فضاء تتحرك فيه مجموعةٌ محددة من الشخصيات بل إنّه يتعامل معه تعامل الموثق أو التوبغرافي الذي يقف عند الحدود ويضع النقاط ويجسُ النتوءات والمنخفضات فلكلّ موقعٍ تتحرك فيه الشخصية اسم محدد وسماتٌ وتاريخْ فمنذ الجمل السردية الأولى يجابه القارئ بمجموعة من المواقع "كان يحب السير وراء كيفان الطين الحمراء.. هو ذلك الطريق يلتوي إلى المواعدة حيث المرح والحنان، ترك وراءه دار أبيه بالزبدة.. وصل إلى كاف سيدي سالم فهب نسيم بارد من ورد النعام ذي الرمال البيضاء.. وظهرت الغابة في رؤوس العيون …"(23) وقد لاحظنا أن الكاتب التجأ إلى الهامش لينبه إلى أن المقصود بهذه الأسماء أمكنة بعينها وسيكرس السرد هذا الأسلوب في كامل الرواية وهذا يعني أن وصف المكان من الغائيات الأساسية في الكتابة الروائية عند البشير خريف منخرطاً بذلك في إنشائية الخطاب الواقعي الوصفي.4.2. إن المكان محدد جغرافيا وتوبغرافيا إذا كان مفتوحاً وهو مؤثَّث إذا كان منغلقاً "عاد من المسجد ودخل غرفته فأخذ من خزانته مفتاحاً عظيماً كأنه شفرة فأس عليه كغبرة الحناء من الصدأ ورجع إلى السقيفة، أزال أمام المخزن لحفته المتدلية على جانبي وجهه ولفها على رقبته وأولج المفتاح في الزكرم ليفتحه.." إنّ مثل هذه الجمل السردية وهي كثيرة في النص تقدم صورة بليغة عن حوش حفة وعن هندسته وأشيائه وهو ما يمثل كذلك غائية أساسية في النص ويواجهنا السارد بلائحة طويلة تتضمن محتويات مخزن حفة في الأرض أكوام من الفواكه والخضر الجافة قد كساها الغبار: الفرماس والرمان اليابس وغرار القمح وبطائن التمر وجرار الزيت وجلود السمن وقصادر الشحمة وفوق ذلك كله طاسات مختلفة الأحجام يتخذها رب الدار ومكاييل في الحائط أشكاك الثوم وأزواج القرنيط وفي طاقة ميزان صنعه بنفسه وصروف جعلها من الحجارة وفي السدّة جزات صوف وصناديق الشمع والقهوة والسكر والكتان"(24). وهذا يعني أن المكان في الخطاب الواقعي الوصفي ليس إطاراً محايداً بل يحمل دلالة اجتماعية عميقة وهو معرف تعريفاً اجتماعياً، فهو إطار للمعاملات العامة حيث "يستيقظ الجريد النائم على أبواب الصحراء، يبدأ خرص الغلال والمساومات وتتألف الشركات، فيقترضون ويقبضون العرابين، فتتجمع بين أيديهم رؤوس أموال منها الحقيقي ومنها الوهمي ويعقدون المؤامرات ويتجسسون …"(25) إن الخطاب الواقعي الوصفي من خلال هذه الرواية يُشَخِّصُ مكاناً مخصوصاً له أصوله وتاريخه وعاداته وتقاليده وحياته الخاصة وهو بالتالي يعبق براعة الحضور الإنساني.4.3. بين طبيعة المكان من حيث هندسته وبعده التاريخي والاجتماعي وملامح الشخصية الروائية انسجام كلي. إذ لا يمكن للشخصية أن تعيش خارج مكانها فهي ملتصقة به أشد الالتصاق وحتى وإن غادرته فيكون خروجاً مؤقتاً في انتظار العودة النهائية فالمكي على سبيل المثال يغادر بلاد الجريد إلى المتلوي حيث يغامر ولكنّه يعود لكي يموت في بيته في نفطة ولعلنا من بين الشخصيات نستثني العطراء، فقد كانت أمنيتها "مشية للمدينة"(26) وقد استجاب الله لهذه الأمنية، لكنها رغم المغامرة الجميلة، تظلّ العطراء سجينة مكانها إذ تموت في نفطة شأنها شأن المكي. للمكان إذ في الخطاب الواقعي الوصفي من خلال هذه الرواية سلْطَتْهُ على الشّخْصِيَّة، والشَّخْصِيَّةُ تبعاً لذلك هي نِتَاجُ مكانها وهي من خلال بِنْيَتها الفزيولوجية وسلوكها الاجتماعي وتصرفاتها النفسية تعد اختزالاً لنمط الحياة في مكان مخصوص. 5)إنّ السّارد في رواية "الدقلة في عراجينها" ليس مجرد واسطة بين المؤلف والقارئ يقدم عالماً بأكمله من موقعه الخاص ومن وجهة النظر التي يختارها وهو وإن لم يتصل بالأحداث اتصالاً مباشراً فهو قائم الحضور وهو كائن مستقل وضمير متكلم يزيح قناعه ويسمع صوته من خلال جمل سردية كثيرة من نوع "فقد نسيت أن أذكر من جملة الإنشاءات حانة ومحلاًّ عمومياً". 5.1. إن وظيفة السارد الأساسية في هذه الرواية تشخيص الواقع بيد أنه يرفض ترتيب الأولويات، فهو لا يميز بين التفصيل الجزئي والعرضي والتفصيل النموذجي. إن إعداد الشاي والكاوكاو وعودة حفة من المسجد وركوب الصبية الأحمرة والخصام بين ديجة وزوجة أخيها حول الطماطم والفلفل والحوار بين ديجة وزوجها أو إفلاس علي الزبيدي أو موت المكي هي جميعاً أفعال متساويةٌ فكلّ فعلٍ اجتماعي عنده قابل للتشخيص والواقع بكلّيته مصدر الإيهام المرجعي وهو لا يميز بين الحقيقي والقابل للتحقيق، بين رحلة الحفناوي إلى جامع الزيتونة وبين الانضمام إلى عصابة البشروش والمهيدي وخريف والشابي على سبيل المثال(28). 5.2. ثم إنَّ السَّارِدَ يُخْضِعُ كلّ فعل سرديّ إلى تبرير دقيق، فالعالم المشخَّصُ يخضع إلى قوانين وتصرفات الشخصيات وقيام الأحداث وتطورُها محكومة بقوانين (روجتها الرّواية الطبيعانيّة) ويمكن أن نشير إلى قانونين يعتمدهما السارِدُ مُصَرْحاً أو مُلَمْحاً وهما قانونا البيئة والوراثة، فحفة هو نتاج نموذجي للبيئة فهو فلاح، مالك للأرض في طبيعة قاسية غير مأمونة المستقبل وبالتالي فكل سلوكاته الاجتماعية والنفسية مبررة بيئياً ومحدودة ما قبلياً (على هذا النحو يمكن أن نفهم تلك الاستطرادات التي يصف فيها السّارد حياة النّاس في الجريد)، والعطراء وقد عاشت تلك المغامرة في طريق العودة من صفاقس إلى بلاد الجريد إنّما ترث البعض الكثير من ملامح شخصية أبويها اللّذين يعشقان الحياة ويمارسان الحبّ في ضرب من الفطرية المناوئة للطّقوس الاجتماعية القاسية(29) والمكّي نفسه ألم يكن في مصيره وارثاُ لنكد أبيه ومأساته؟. 5.3. إنّ السّارد وَصَّافٌ وهو في الخطاب الواقعي الوصفي، يعتقد أن العالم قابل للوصف، سهل التسمية على عكس السّارد في الخطاب الخارق الذي يرى أنّ العالم غير قابل للوصف والتّسمية فهو يصف المكان وصفاً شاملاً، فبلاد الجريد في رواية "الدقلة في عراجينها" توصف من جوانبها المختلفة الجغرافيّة والعمرانيّة والاقتصادية ويصف الشخصية في مظهرها الخارجي وعلاقاتها الاجتماعية وأفعالها وسلوكاتها. والسؤال الذي يهمّنا يتعلق بموقع الوصف داخل الخطاب الواقعي في رواية "الدقلة في عراجينها" وإجابة عن السّؤال نُقَّدِمُ أمثلة ثلاثة: المثال الأول : مقطع سرديّ، عبد الحفيظ في المخزن(30): إن الوظائف السّرديّة الّتي ينتظم وفقها المقطع هي التّالية: دخول عبد الحفيظ المخزن- فتح الباب- وصف الأشياء الموجودة في المخزن- وصف الحياة العامة خارج المخزن- الخروج من المخزون والإعلانية في توزيع مؤونة الشّهر- توزيع المؤونة. المثال الثاني : مقطع سردي، غضب ديجة(31) وهو ينتظم وفق الوظائف السّردية التّالية: خروج ديجة غاضبة+ دخولها دار أخيها- الترحيب- الحديث عن المرأتين- وصف أثاث البيت- عودة إلى الحوار الوظيفي. المثال الثالث : مقطع سردي: العطراء تمشط شعرها(32): وهو ينتظم بدوره وفق الوظائف السردية التالية: مجيء بنت باسي- اختلاؤها بالعطراء- وصف أدوات المشط- وصف جمال العطراء- ضحك الفتاة (والفتاة تضحك لنفاسة ما منحتها الطبيعة). تبنى إذن هذه المقاطع السردية على النحو التالي: حديث سردي- حديث وصفي- حديث سردي. وهذا يعني أن الحديث الوصفي يؤطر بحديثين سرديين مترابطين يجعلانه محتملاً، ولئن يشرع الحديث الوصفي لوجوده بذاته فإنه يجب أن يكون مؤطراً بالأحاديث السردية حتى يكون قابلاً للقراءة. ثم إن للحديث الوصفي نمط استعمال داخليّ خاص، إذ يميل إلى وصف المحسوس وما تراه العين ذلك أنَّ السَّارد مبصر وفي غالب الأحيان يسمي الأشياء التي يبصرها بأسمائها بدون ميل إلى المجاز كهذا المثال: "بالحجرة أربعة فرش، ذلك الذي جلس عليه الولدان، فراش المبارك، فوقه مرفع يحمل كتباً مغبرة وفياقة ومن تحته يومية جعلها الذباب مرتعاً له وملأ حواشيها نفطاً وبالركن المظلم فراشان متقابلان... وبجانبه في الحائط عرجون تمر لم تبق إلا قنوطة ومنقالة كبانية كبيرة معلقة بسلسلة معدنية"(33) رغم بعض التشابه والاستعارات القليلة(34). وكثيراً ما يتدخَّلُ السَّاردُ ليبرّرَ وصْفَهُ كأنَّ الجملةَ الوصفيَّةَ لا تكتفي بذاتها فتحتاج إلى تدخل السَّارِدِ للإفهام والإيضاح (في التاسعة حَدَّرَ إلى السّوق وهو شارع من الحوانيت، طويل منعرج، كل حانوت تضع نصف سلعتها خارجاً وتلك من وسائل الإشهار والتكاثر والتباري ….(35).4.5. إن لتدخل السارد في الخطاب الواقعي الوصفي وظيفةً أساسيَّةً هي مضاعفة التّشفير فكأنَّ الساردَ يخشى ضبابيةَ لا يريدها أن تكون وهو المتمسك بشفافية الخطاب ولذلك كثيراً ما يتدخَّلُ ليتحوَّلَ إلى مُفَسِرٍ ولعلَّ الظَّاهرةَ اللافتةَ للانتباه في رواية "الدقلة في عراجينها" هي ظاهرة الهوامش إذ تكثر تعليقات المؤلّف خارج المتن لتفسير بعض المفردات العامية استناداً إلى المعجم الذي أعده "مصطفى خريّف" في هذا الشأن (الصيش: أصل هذه الكلمة شيص قلبت في الدارجة ولكنها احتفظت بمعناها وهو التمر الذي لا يشتد نواه والسبب فيه عدم وضع ثمر الفحال على العرجون (مخ) …) بيد أنّ المتن بدوره يتضمّن مثل هذه التعليقات وهذه بعض الأمثلة: (لأن يوم المايو بترقيق الميم وتشديد الياء الذي يوافق الرابع عشر من شهر ماي الإفرنجي، يوم يحتفل به أهل الجريد احتفالاً فلاحياً جميلاً: ص25- بدأ يعالج الباب ليفتحه لأنه من خشب البرقوق الصلب.. وما الزكام والمفتاح من الكماليات ص25- يعيش بوتشا أي حامل أدوات ملحقاً بناظر مكلف بالإصلاحات الميقانية حيثما وجب الإصلاح-155-) كما يلتجئ إلى التّواريخ ليوهم بشفافيّة خطابه ومصداقيته كأن يؤرخ لفليب طوما واكتشاف الفسفاط وتأسيس شركة صفاقس قفصة في آخر القرن الماضي (1887) (ص143).فالمتلّقي الّذي لم يستوعب الشَّفْرَة(أ) سيستوعب الشَّفْرة(ب) كما يمكنه كذلك إدراك الخبر بواسطة طرائق بيانيّة داخليّة كالإحالة غير المباشرة على الفنون السمعية فمن ذلك تأكيد السّارد على بعض مظاهر شخصية سي الطيب بن الأزهاري بالاستشهاد ببعض الأغاني الشعبية (يا طويره ماك تعليت/ ثّمش ما رايت/ كأنك على مولى بيتي/ رحل ما ولاشي). ولكيْ يكون السّارِدُ شفَّافاً في إبلاغ الخبر، على الرّسالةِ أن تكون مُحايدةً. لاشك أنّ المؤلف في الخطاب الواقعيّ الوصفي ملزم بالتدّخل خِلْسَةً عبر سارده إمّا بشكل غير مباشر بصفته مُنَظِّماً لتجاور رسالته أو بصفته مُوَثِّقاً للخبر الذي ينقله (ذلك أنّ للخطاب أيضاً وظيفةً توثيقيَّةً لترويج المعرفة) ضماناً للتّماسُكِ الدَّاخِليِّ لرسالته ومن مظاهر تحييد الرّسالة رَفْضُ كلّ موضُوعةٍ مُفْرِحةٍ (وصف مشاهد غرامية أو مشاهد أسروية مؤثرة، نشوة عاطفيةً، شخصيات أطفال مثيرة للعطف …) وكل موضُوعَةٍ مُحْزِنَةٍ (موت مشهدي، أزمات عاطفية…). إنّ لكلّ الموضوعات في رواية "الدقلة في عراجينها" مسحة اجتماعية فالموضوع الخاص (طلاق ديجة- ذهاب العربي إلى الجندية- زواج المكي- موت المكي...) يصبح موضوعاً اجتماعياً عاماً وتفقد التّيماتُ المحزنة حزنها بِتَحوُّلِها إلى ضرب من المقايضات الاجتماعية كموت المكي وما أحاط بها من رهانات الرِبحِ والخسارة بين الأخ والخال، أما التيمات المفرحة كزواج المكي والعطراء فهي كذلك لا تكون إلا عندما يبلغ الصِّرَاعُ الاجتماعيُّ أقصاه بين الأقارب فيختلط الفرح بالحزن ويفقد كلاهما معناه (ارتد العروسي مرتاعاً، هذا ما يقضي على كل آماله، فالولد لا يبقى له من التركة شيء، عاد مسالماً وجعل يقول إنه لا دافع له إلا الشّفقة على هذه المرأة التي ستبقى وقفاً على خطيب ربما طال به المرض، لكنّ الشّيخ فهم أنّ العروسي استطاب فكرة الاستحواذ على المخلف فقبلها"(36).5.5. والخطاب الواقعي ينزع إلى أن يكون خطاباً تأكيديّاً تدعيماً لشفافيته فتغيب عادة المزدوجات والأفعال والعبارات أو الفضلات التكميلية (مثل ربما، من المحتمل، بعض، نوع ما، يبدو أن تقريباً، يظهر أن. يعتقد … وهي صيغ يؤثرها الخطاب التهكمي أَوْ خطاب الرعب أو خطاب الخيال العلمي) وهو خطاب يؤثر الأسلوب التقريري والفعل الماضي الناجز وإقرار الحقائق الجاهزة ويحبّذُ الرّبط بين الجمل وتؤدي فيه حروف العطف وظائفها المعروفة فتتضاءل إمكانيات التأويل (أصبح الولدان في المتلوي يتجولان بتطلع واهتمام في قرية جديدة وقد سمعا عنها الكثير/ الأرض لأولاد بويحي، تقع على ثمانين كيلو متراً شمال نفطة ص143) إلى درجة أنّ السّارِدَ أحياناً يرفع قناعه ليخاطب القارئ مباشرة قصد الإقناع (وهذا البيت كما ترون أقرب إلى الشعر التجريدي منه إلى الشعر فقط ص87).5.6. بيد أّن السَّارِدَ مع ذلك متعدّدُ الخطابات، فهو جمع في صيغة المفرد، فهو أحداث خطابية عديدة وهو بحكم حياديته لا يعرض أيديولوجيَّةً مُحَدَّدَةً بل يستعرض خطاباتٍ متعّدِدَةً وهي الخطابُ الاجتماعيُّ ويبدو في تلك المقاطع الطويلة التي تصف نمط الْحَيَاة الاجتماعية الذي يميّزُ بلاد الجريد والخطابُ التاريخيُّ عندما يُذَكّرُ ببعض الوقائع التاريخية الهامة كالحديث مثلاً عن كمال أتاتورك وعبد الكريم الخطابي والخطابُ الفنيُّ من خلال الموشّحاتِ وصوتِ ابن الفارض والخطابُ الذي يذكر محمد علي وحركته النقابية والخطاب الأدبيُّ من خلال صوت الجاحظ، فهو إذن خطابٌ شامِلٌ أو خطاب متعّدِدٌ في شموليته. ولتعدُّدِ الخطاب مظهرُهُ اللّغَوِيُّ إذ تتعدد مستوياتُ اللّغة فتتراوح بين فصيح مهيمِن على النصّ وعاميّ ويبدو خاصة في الحوارات القصيرة والطويلة وبعض الجمل السردية المضمنة وعاميّ فصيح فاللغة تُشَخّصُ الواقع في تمظهراته المختلفة وهي أيضاً تُشَخِّصُ ذاتها في إطار هذا الواقع. ومع ذلك فإن الخطاب الواقعي يتميز بسعي طوباويّ نحو أحادية معنى الألفاظ والوحدات يستعملها المحكيُّ بغية تقليص غموض النص وتجسيد الرفض لكل مظاهر الالتباس الحقيقي أو المجازي فيتقلَّص بذلك في النصِّ الروائيّ التعبيرُ المجازيُّ وكذلك اللُغَةُ الشعريَّةُ الإيحائيَةُ لفائدة أساليب التعبير المباشر والخطاب العاري (أقيمت للمهندسين الفرنسيين مغان وبساتين وأقيمت للعملة الإيطاليين واليونان دور وبنوا مستشفى وكنيسة ومدرسة وزمجرت المحركات وجرى التيار الكهربائي فبعث النور والحركة وصدرت العربات مشحونة بالسماد الثمين إلى مخابر أوروبا ومعاملها ووردت مشحونة بالبضائع الجيدة والمعاش الرفيع والثلج والأجهزة العصرية الفاخرة"(144) ويجد كذلك هذا الأسلوبُ تبريراً له في رهان الدّقّةِ (العلمية) الذي يسعى إلى تحقيقه، فكل شيء محدَّد ومقيس "قال إن لصاحبهم راتبَ كلّ ثلاثة أشهر قدره ستمائة وخمسون فرنكاً واشترى نفقَةً بثلاثة فرنكات ومحرمَةً لامرأته بعشرين وأصلح بابوره بفرنك …"(ص29) فيتماهى بذلك الخطاب مع الخطاب العلمي ويحاكيه إذ ينبني على مقولة الصَّوابِ والخطأ فلا يترك مجالاً للالتباس أو التأويل "في مسجد سيدي عبد العالي يشرح الشيخ الصادق الأجرومية وفي سيدي أحمد ميعاد يقرئ الشيخ محيي الدين ابن عاشر وفي الجامع الكبير يقرئ الشيخ بن حمد المعلقات التسع ويطالع سي الطيب بن الأزهاري في علوه رسائل إخوان الصفاء(38) كما يلتجئ الخطاب تدعيماً لغائيته "العلمية" إلى تقديم الأمثلة فوَصْفُ سلوك العربي وسَهَرِهِ إلى آخر الليل يُضْرَبُ كمثال على الصّراع بين الأجيال(39) ويصف ظروف العامل في عمله ليدلل على الوضعية العامة التي يعيش فيها العّمال "فما بالك بالواحد يكدح جملة عامه كدحاً مستمراً ليحصل مقداراً من العيش يُقَتْرُه على نفسه تقتيراً وإذا به يعزق الجبل فيثاب كل نصف شهر بما يكفيه لنفقة ثلاثة أشهر"6)إن "الدقلة في عراجينها" تُمثّلُ أنموذجاً بليغاً للخطاب الواقعيّ الوصفيّ في الرّواية العربية الحديثة باعتباره تشخيصاً للنصّ الدنيويّ أي الواقع المعيش. إن الإيهام المرجعيّ يبلغ أقصاه في هذه الرواية فالأفعال السردية والفضاء والإطار الزمني والشخوص والمؤثثات كلها توحي بحقائقية العالم المسرود والموصوف في هذه الرّواية كما تُمَثّلُ هذه الرّوايةُ أيضاً أنموذجاً فنّياً بليغاً إذ من خلالها تتجلَّى مقومِّاتُ إنشائية الخطاب الواقعيّ التي نختزلها في العناصر التالية: * تُجَسّدُ الرّوايةُ قدرة اللغة على أن تقول شيئاً فهي إذ تُشَخِصُ ذاتها تؤكد أنها قادرة على تشخيص عالم بأكمله. * تلوّن الخطاب بنزعة إخبارية واضحة وشفافيّة إعلامية. * حرصه على تماسكه المنطقيّ عبر مجموعة من الآليات رغم غياب العقدة وتقلّص الذرى المنتجة لعناصر التشويق. * أهميّة السّارد إذ لا يبدو مجرّد منظم لأعوان السّرد بل يبدو كائناً اجتماعياً يعيش بين شخصياته وفي فضاءاتها ويربط مع القارئ صلة سلطوية. إنها كلها مكونات إنشائيّة واقعيّة تجذّرت معالمها في مصادر الرّواية العالمية ولاسيّما الرواية البلزاكية التي أثّرت لاشكّ في رواية البشير خرّيف "الدقلة في عراجينها". الإحالات: انظر الرواية ص144. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |