إنشائيّة الخطاب في الرّواية العربيّة الحديثة- د. محمّد الباردي

دراسة- من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الخطاب الواقعي وإنشائية الرّواية البوليسية ثبات العين الواحدة/ شرعيّة اللاّقانون

3،1. اللصّ والكلاب لنجيب محفوظ:‏

لقد كتب نجيب محفوظ رواية "اللصّ والكلاب" قبل أن يكتب رواية "الشحاذ"(1) وفي الفترة الفاصلة بين كتابة الرّوايتين ظهرت روايتان أخريان لا تقلان أهمية في مسيرة نجيب محفوظ الإبداعية هما "السّمان والخريف" و"الطّريق" ولكنّ رواية "اللصّ والكلاب" تظلّ ذات دلالة خاصة، فهي تدشّن مرحلة جديدة في رحلة كاتبها الفنية، فهي في الوقت ذاته تعلن عن رؤية جديدة للعالم عن ولادة بطل روائي مغاير ولكنّها تظلّ محافظة على بعض ملامح المرحلة السّابقة ونقصد بذلك ما يتعلّق بالحبكة ومستلزماتها الفنيّة عندما استفادت من بعض الخصائص الفنيّة التي تتّصف بها الرّواية البوليسيّة.‏

تعتبر رواية "اللصّ والكلاب" رواية ذات بطل إشكالي، وقد ذهب البعض إلى أنّ البطل في هذه الرّواية هو بطل مركّبٌ إذ يحمل وجهين متّصلين متناقضين شخّصهما نجيب محفوظ عبر شخصيتين روائيّتين هما "سعيد مهران" و"رؤوف علوان".. فقد قال غالي شكري: "كان (سعيد مهران) قيمة منحويّةً بعمقٍ في واقعنا العاري الممزّق، لذلك كان سعيد مهران من أحد جوانبه هو رؤوف علوان القديم الممثّل لقضية الحريّة والشّعب(2) ولكنّ نصّ الرّواية في حدّ ذاته يدعّم هذا الضّرب من القراءة أفلم يصرّح السّارد بهذه العبارة البليغة" أليس عجيباً أن يكون علوان على وزن مهران"(3) وبهذه العبارة الوصفيّة "ما حياته (سعيد مهران) إلا امتداداً لأفكار هذا الرجل الضاحك في التلفون (رؤوف علوان) فإذا كان قد خانها فالويل له"(4)، فليس عجيباً إذن أن تكون شخصية البطل شخصية مركبة بهذا المعنى. ذلك أنّ سعيد مهران يضمر في أصوله ملامح رؤوف علوان القديم ورؤوف علوان بالنّسبة إليه "ليس مجرد صديق انتهازيّ خان ماضيه المكافح بالحاضر البرّاق، هذا هو الوجه المباشر لشخصيّة رؤوف ولكنّه على الوجه الآخر هو أحد الجوانب الخفيّة من شخصيّة سعيد إذا امتزجت قيم رؤوف بنفسه امتزاج المعاناة حتّى أصبحا شخصيّة واحدة، هي شخصيّة منقسمة حقاً تعاني مرارة الصّراع الهائل الذي أحدثته التّجربة الجديدة"(5) ومهما يكن تأويلنا لشخصيّة سعدي مهران في علاقتها مع رؤوف علوان فإنّ سعيد مهران يتحوّل بعد خروجه من السّجن إلى شخصيّة إشكاليّة عميقة.‏

يوجّه سعيد مهران إلى رؤوف علوان تهمتين رئيستين، فهو أوّلاً قد تنكّر لمبادئه السّابقة، فبعدما كان طالباً ثائراً أو ثورة في شكل طالب(6) يعمل محرّراً بمجلّة النّذير الملتزمة بقضايا الحريّة والعدالة أصبح الآن يدير جريدة شهيرة تدافع عن النّظام القائم. وبعدما كان يتحدّث عن الفقراء وينقد الأغنياء، أصبح الآن في ركنه اليومي يتحدّث عن الموضة ومكبّرات الصّوت ويقدّم الحلول للمشاكل الزوجيّة(7) والأنكى أنّ رؤوف علوان الذي يتنكّر للمبادئ السّابقة ليس مجرّد رجل عادي بل هو "صاحب العقل والتّاريخ"(8) وهو ما يعمّق إشكاليّة سعيد مهران.‏

وهو كذلك من وجهة نظر سعيد مهران -رجل انتهازيّ، فالانتهازية وحدها تبرّر سلوك رؤوف علوان الجديد، فقد زال تماماً ما كان ينغّص صفو الحياة(9) وبالتّالي فإنّ حياة الحاضر تختلف عن حياة الماضي ولئن لم تشر الرّواية إلى ما طرأ من تغيير في الحياة السّياسية إشارة صريحة فإنّها تلمّح إلى أنّ الثّورة التي كان يحلم بها رؤوف علوان قد تحقّقت، فسعيد مهران ذاته يستفيد من الاحتفالات بعيد الثّورة النّاصرية ولكنّه ليس قادراً على أن يفهم التحوّلات الاجتماعية والسياسيّة القائمة.‏

وهكذا تتّخذ إشكاليّة سعيد مهران بعداً مأساوياً عندما يتنكّر الأستاذ لتلميذه معلناً أنّ المعايير نسبيّة وأنّ رؤيتنا للأشياء متغيّرة لأنّها رهينة الظّروف والملابسات وأنّ الزّمن ليس مطلقاً وهو يفعل في الحياة والقيم. فقد واجه الأستاذ تلميذه بهذا الموقف العنيف: "ليس اليوم كالأمس، كنت لصّاً وكنت صديقاً لي في ذات الوقت لأسباب أنت تعرفها ولكنّ اليوم غير الأمس، إذ عدت إلى اللّصوصيّة فلن تكون إلا لصّاً فحسب"(10).‏

إنّ إشكاليّة سعيد مهران تتمثّل في أنّه فقد المبررات الثورية للخروج على النظام وللعمل الإجرامي الذي كان يقوم به قبل أن يدخل السّجن وقد كان الأستاذ رؤوف علوان هو الذي يصوغ هذه المبررات من خلال مجموعة من الشّعارات الثّوريّة على نحو: "سرقت؟ هل امتدّت يدك إلى السّرقة حقاً؟ برافو كي يتخفّف المغتصبون من بعض ذنبهم، إنّه عمل مشروعٌ يا سعيد، لا شكّ في ذلك"- سعيد، ماذا يحتاج الفتى في هذا الوطن؟ إلى المسّدس والكتاب، المسدس يتكفّل بالماضي والكتاب للمستقبل، تدّرب واقرأ"(11) ولكنّه ما أدرك أن الزّمن تغيّر وأنّه كفيل بإفراغ هذه الشّعارات من محتواها وبإلزام "الأستاذ" بمراجعة تشريعاته القديمة لينصهر من جديد في النّظام. وهكذا تغيّر مفهوم الثّورة لدى سعيد مهران. فقد كانت ثورة تخلو من مضمون واضح وضوحاً دقيقاً إذ لا يتجاوز مجموعة من الشّعارات: "الشّعب، السّرقة، النّار المقدسة، الثّورة، الجوع، العدالة ال؟؟؟؟(12) لكنه ما أن شرع في السّرقة تحقيقاً حسب اعتقاده لهذه الثّورة التي تعلّمها من أستاذه رؤوف علوان حتّى دخل السّجن ولما خرج منه تغيّر مضمون الثّورة فأصبح تصحيح القيم الأخلاقية السائدة فـ "لكي تصفو الحياة للأحياء" يجب اقتلاع الخبائث الإجرامية من جذورها"(13) لأنّ "الدّنيا بلا أخلاق تكون بلا جاذبية" فهي إذن ثورة على "النّواميس، والسّلطة والشّرائع والقوانين"(14) وهي ثورة "على الفساد والظلم وعلى الاحتلال الاجتماعي وفي طليعته الخيانة"(14).‏

وقد كان "المسّدس والكتاب" أداتي تحقيق هذه الثّورة التي آمن بها سعيد مهران، فحيثما يستعمل المسدّس يكون استعماله شرعيّاً، لذلك اعتبر البطل السّرقة عملاً مشروعاً. لقد كان التنظيم السّياسي الذي كان يتزعّمه رؤوف علوان تنظيماً فوضويّاً يدعو إلى العمل الفردي المعزول عن القاعدة الجماهيريّة وحالما خرج سعيد مهران من السّجن عاد يعتنق مبادئه القديمة فالتجأ إلى العمل الفردي الإرهابي في سبيل تحقيق أهداف إنسانية سامية. وقد حاول غالي شكري تبرير الطرق التي استعملها سعيد مهران فسعيد مهران حسب رأيه "ليس فوضويّاً من أولئك الذين عرفتهم بعض الحركات السياسيّة في أوروبا بل هو تجسيم لأزمة المنتمي العربي في مصر حيث تعزله اللاّديمقراطية عن جماهير الشعب وحين تعزله اللاّحرية عن التنظيم السياسي المتكامل"(15) فهو يتحول حينئذ إلى أحد مستويات التمرّد السّطحي السّاذج الذي يعتمد أساساً على البطولة الفرديّة ذلك أن معركة سعيد مع القيم هي معركة المنتمي مع قيم فاسدة يريد أن يستبدلها بقيم صالحة غير أنّه في ظلّ الأزمة التي يعانيها يصارع هذه القيم بمنطق المتمرّد البعيد عن الثّورية. فلم تكن إذن ثورة سعيد مهران غاية ووسيلة، فهي محاولة تمرّد إذ "لم تكن إلا هذا الاحتجاج الدامي المناسب الذي جاء يمهد للعمل المنظم يبشر بالفجر القريب قبل أن يفقد الناس آخر أمل وسط كل ذلك الظلام والصمت والركود والملل المحيط بهم"(16).‏

وهكذا وجد سعيد مهران نفسه في مجابهة دامية مع النّظام منذ بداية مغامرته، فمنذ اتّصاله برؤوف علوان تعلّم أنّ "المسدّس أهمّ من الرّغيف"(17) فكانت السّرقة وسيلةً فرديّةً لمقاومة النّظام وما أن خرج من السّجن حتى وجد النّظام بمخبريه يناصبه العداء، فقد أراد أن ينتقم من زوجته ومن "علّيش سدرة" لكنّ السّلطة الأمنية كانت في حماية الخائن والخائنة(18) وأراد كذلك أن ينتقم من رؤوف علوان الذي خانه وخان مبادئه -هكذا يعتقد- لكنّ رؤوف علوان وراءه البوليس والسّلطة(19) وهو تستعمله السّلطة لكي يتدخّل في شؤون مذهب الشّيخ علي الجنيدي(20) وهكذا ما كاد يصوب طلقته الأولى بعد خروجه من السّجن حتّى وجد نفسه في مجابهة حادّةٍ مع السّلطة السياسيّة بأجهزتها القمعية تسدّ عليه شوارع المدينة ومنافذها(21).‏

وهكذا تتأكّد ملامح البطل الإشكالي في رواية "اللصّ والكلاب":‏

إنّ رحلة البطل الرّوائي في "اللصّ والكلاب" هي رحلة البحث عن المعنى ذلك أن سعيد مهران عبر التمرّد على النّظام القائم والشريعة السائدة يسعى إلى العثور على معنى لأفعاله. فها هو يخاطب أستاذه رؤوف علوان قائلاً: "لكي يكون للحياة معنى يجب أن أقتلك"(22) وقد توهّم أنه في الخروج على النّظام عثر على معنى حياته عندما يقول: "وجدت في السرقة مجدي وكرامتي"(23) لكنّ هذا الوهم سرعان ما سقط عندما أدرك أن أفعاله كلّها تفقد معناها: "فالجسم الذي سقط لم يكن جسم الخائن علّيش سدرة وإنما كان جسم شعبان حسين العامل بمحل الخردوات بشارع محمد علي"(24) ولم يقتل أستاذه الذي خانه رؤوف علوان و"لكنّ البوّاب المسكين سقط"(25) وهكذا تناقض الأفعال معانيها. فقد كانت غاياتها نبيلةً وهي غايات أخلاقيّة لا تخلو من بعد سياسي ذلك أن "الحكومة تتحيّز لبعض اللّصوص دون البعض"(26) ولكنّ نتائجها إجرامية إذ لا مبرّر لقتل الأبرياء.‏

إنّ إشكاليّة البطل الأخلاقية تنتهي إلى إشكالية وجودية تتعلق بمسألة الحرّية والالتزام. فقد تخلّى رؤوف علوان عن التزامه الفكري والسياسي ولكنّه عرّض تلميذه النجيب للضّياع إذ لم يستطع أن يتخيّل أنّه يمكن أن يعيش بدون قيمته محددة ورؤوف في حد ذاته قيمة بالنّسبة إلى تلميذه ولذلك عبر عن مأساته هذه على هذا النحو: "تخلقني ثم ترتدّ، تغيّر بكلّ بساطةٍ فكرك، بعد أن تجسّد في شخصي كي أجد نفسي ضائعاً بلا أصل وبلا قيمة وبلا أملٍ(27) وهكذا تداخلت القيم فانطبعت آثار العيد والحب والأبوة والجريمة فوق أديم واحد"(28) وانتهى الفعل إلى ضرب من العبثية الوجودية فيطرح على نفسه هذا السؤال "أي جريمة بلا جدوى"(29) ليجيب عنه السّارد في النهاية واصفاً رحلة البطل قائلاً: "وقالت حياته كلمتها الأخيرة بأنها عبثت"(30).‏

هي رواية "اللّص والكلاب" حافظ السّارد على تماسك الحكي وجعل منه عنصراً أساسيّاً عليه تقوم جمالية الرواية. ويتأسّس تماسك الحكي بالتجاء السّارد إلى أبرز مقومات الحبكة البوليسية، فثمة في الحكاية جريمة تتكرر بواسطة أفعال القتل والسّرقة وثمّة مجرم خرج على النظام والقانون عن طريق ممارسة الجريمة وثمّة باحث جنائي لا يصرح باسمه ولكنّه أمر بملاحقة المجرم والقبض عليه وهو ما يحدث في نهاية الرّواية عندما يقول السّارد: "وغاص في الأعماق بلا نهاية ولم يعرف لنفسه وضعاً ولا موضعاً ولا غاية وجاهد بكل قوّة ليسيطر على شيء ما، ليبذل مقاومة أخيرة، ليظفر عبثاً بذكرى مستعصية، وأخيراً لم يجد بداً من الاستسلام فاستسلم بلا مبالاة "بلا مبالاة"(31) وفوق ذلك كلّه يجد البطل نفسه منذ بداية أحداث الرّواية في مواجهة مؤسّسة العدالة التي عليها المحافظة على النظام وسلامته، فالمخبر كان ينتظر سعيد مهران ليذكره بأنّه كان في وضعيّة الخارج على النّظام قبل دخول السّجن، فالأموال التي تركها في بيته بالنّسبة إلى المخبر مسروقات أنكرها في المحكمة(32) فالسرقة هي السرقة ولا مبرّر لها والأستاذ رؤوف علوان الذي كان يدعو إلى التمرّد على النّظام أصبح الآن جزءاً منه وهو يشرف على إحدى مؤسّساته الإعلاميّة التي تعتبر سعيد مهران لصّاً محترفاً ولن يهدأ "حتى يطوق عنقه بحبل المشنقة ومعه القانون والحديد والنّار"(33).‏

في الرّواية البوليسيّة يسعى رجل المباحث إلى تكريس مبدأ احترام القانون والعودة إلى النّظام، ولذلك سعى المخبر في "اللّص والكلاب" إلى إقناع "سعيد مهران" بضرورة عرض إشكالياته الاجتماعية التي تتمثل في علاقته بابنته وكفالته لها، على مؤسسات النظام. فمؤسسة العدالة -من وجهة نظر المخبر وهو إحدى أدواتها- هي وحدها الكفيلة بالحسم في القضية ["دع القرار للقاضي- قال عليش: الأمر لا يخصّني في شيء ولكنّ أمّها لن تفرّط فيها إلا بالشّرع- قال المخبر: كما قلت أول الأمر، كلمة واحدة لا ثاني لها، وهي المحكمة"(34)، بيد أنّ سعيد مهران لم يعترف بالنّظام وبمؤسسة العدالة ولم يبحث عن طريق مستقيم يأكل لقمته(34) وتتلاحق أحداث الرّواية في شكل مواجهة بين حماة النظام والخارجين عنه وعاد سعيد مهران إلى اللّصوصية والإجرام: "لا سبيل إلى الترّدد، فمهنتك هي مهنتك، صالحة وعادلة وخاصة عندما تطبق على فيلسوفها، وعندما أفرغ من تأديب الأوغاد فسأجد في الأرض متّسعاً للاختفاء، هل يمكن أن أمضي في الحياة بلا ماض فأتناسى نبوية وعليش ورؤوف لو استطعت لكنت أخف وزناً وأضمن للرّاحة وأبعد عن حبل المشنقة ولكن هيهات أن يطيب العيش إلا بتصفية الحساب(35) ولذلك سيعيش سعيد مهران في قطيعة عدائية مع سدنة النظام ولن يستطيع التواصل مع الخارجين عنه [طرزان مروج الحشيش والسلاح ونور العاهر] ونستثني من هؤلاء الشيخ علي الجنيدي. فهو لئن كان رجلاً تقياً فشريعته غير شريعة الناس: "لأنني لا أسمع كثيراً لا أكاد أسمع شيئاً"(36) وككل رواية بوليسية تنتهي الأحداث في "اللّص والكلاب" بإلقاء القبض على المجرم وتحقيق العدالة وعودة النظام إلى انسجامه إذ لا يتحمّل النّظام وضعيّة تمرّد لا حلّ لها. لقد وقع سعيد مهران في يدي العدالة بالأساليب البوليسية المعروفة، فلكي يقع المجرم في الخطّة التي رسمها رجل الأمن لابد من خطأ يرتكبه، وقد وقع سعيد مهران في خطأ قاتل، فعبثاً حاول تضليل العدالة عن طريق التنكّر أو انتحال شخصيّة ضابط الأمن، فقد نسي بدلة الضّابط التي كان قد ارتداها وعندئذ أصبحت هذه البدلة إحدى أدوات الجريمة التي يمكن أن توصل إلى كشف المجرم والقبض عليه وعلى هذا النّحو اهتدت إليه الكلاب ودلّت عليه رجال الأمن. ومع ذلك يثير تعامل رواية "اللّص والكلاب" مع حبكة الرّواية البوليسيّة إشكاليّة كبرى تتعلق بالسّارد وبالرّواية التي يتبنّاها في التّعامل مع المسرود. ففي الرّواية البوليسيّة التقليديّة تكون عادة وجهة النظر ثابتة ويكون الإدراك خارجياً ذلك أنّ السّارد لا يمكن أن يتبنّى وجهة نظر "المجرم".‏

في رواية "اللصّ والكلاب" يستعمل السارد الضمائر الثلاثة: الغائب والمتكلم والمخاطب، فالغائب يستعمل عادة لسرد الأحداث ويستعمل الضميران المتكلم والمخاطب لاستبطان الشخصية المركزية أي شخصية سعيد مهران أو عند العودة إلى الوراء والاسترجاع بواسطة الومضات الورائية ولكن وجهة نظر السّارد في الحالات الثلاث تظلّ ثابتة لا تتغيّر وهي وجهة النّظر المصاحبة لوجهة نظر البطل الرّوائي، فمنذ الصفحة الأولى من الرّواية يبدو لنا السّارد متبنيّاً لوجهة نظر سعيد مهران فهو يصف الإطار الخارجي الذي يحيط بالبطل وهو يخرج من السّجن ليمارس حرّيته من جديد من وجهة نظر الحالة النفسيّة التي كان عليها وليس من وجهة نظر موضوعية ومحايدة كما يوهم بذلك عادة استعمال ضمير الغائب: "مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية، ولكن في الجوّ غبار خانق وحر لا يطاق، وفي انتظاره وجد بدلته الزّرقاء وحذاءه المطاط وسواهما لم يجد في انتظاره أحداً. هاهي الدّنيا تعود، وهاهو باب السجن الأصم يبتعد منطوياً على الأسرار اليائسة، هذه الطرقات المثقلة بالشمس، وهذه السّيارات المجنونة، والعابرون والجالسون، والبيوت والدكاكين ولا شفة تفتر عن ابتسامة(37) وأحياناً كثيرة تتداخل الضمائر فلا يمكن أن نفصل بينها دلالياً إذ تستبدل في المقطع السّرديّ ذاته دون أن يكون لهذا الاستبدال دلالة محدّدة: "كان (رؤوف علوان) شهماً في جميع الأحوال، وكنت تحبه كما تحب الشيخ علي الجنيدي وأكثر.. ثم اختفت أمي، وكدت تهلك بسبب مرضها كما لابد أن يذكر رؤوف علوان.. ودلوه على الطبيب الشهير وهو خارج من غرفة فجرى إليه بجلبابه وصندله صائحاً "أمي" الدم..."(38) ولئن بدا للقارئ أن أصوات السارد على هذا النحو تتعدّد فإن تعدّدها يظل ظاهرياً يبطن رؤية أحادية ثابتة للمكان والأشياء والعالم عموماً. وهكذا يمكن أن نقول إنّ السّارد يتبنّى رواية بطله جملةً وتفصيلاً إلى درجة أنّنا أحياناً كثيرة لا نستطيع أن نميّز بين صوت السّارد وصوت البطل الرّوائي. شأن هذا المقطع: "هذا هو رؤوف علوان، الحقيقة العارية، جثة عفنة لا يواريها تراب، أما الآخر فقد مضى كأمس أو كأول يوم في التّاريخ أو كحبّ نبويّة أو كولاء علّيش.. سأجد نبويّة في ثياب رؤوف أو رؤوف في ثياب نبويّة أو علّيش سدرة مكانهما..."(39) كذلك لا نستطيع أن نميّز بين خطاب السّارد والحوار الباطني الذي يكون عادة صوت البطل الداخلي "يا له من سحر، ماذا يقصدون؟ لكنّك شعرت بأنّهم يعبرون عن حالك على نحو ما.."(40) فهل قائل الجملة الأولى هو قائل الجملة الثانية؟ إن هذا الأسلوب في السّرد أسلوب سائد يهيمن على الرّواية كلها، فهو أسلوب يتبنّى فيه السّارد رؤيةً مصاحبة تستبطن الشخصية المركزية وهي شخصية سعيد مهران التي تطفح على العالم الخارجي وتغرقه إغراقاً كلياً، فالفضاء لا يصور إلا بعين الشخصيّة المركزيّة التي هي عين السّارد: "والقدم تعبر من آن لأن، نقرة مستقرة في الطوار، كالمكيدة وضجيج عجلات الترام يكركر كالسبّ ونداءات شتى تختلط كأنما تنبعث من نفايات الخضر، أشهد أني أكرهك، الويل للخونة، في هذه العطفة ذاتها.."(41) وكذلك الشّخصيّة الثانويّة لا تعرض إلا من خلال عين البطل: "دخل عليش سدرة في جلباب فضفاض منتفخ حول جسم برميلي.."(42).‏

إنّ هذا الأسلوب في السّرد يحدث مفارقةً غريبةً في النصّ الرّوائيّ وفي بنيته السّردية العامة، ذلك أنّ السارد في الرّواية البوليسيّة التقليّدية يكون عادة محايداً إن لم يكن أقرب إلى رواية الباحث الجنائي الذي يبحث عن الحقيقة ويسعى إلى تحقيق العدالة والمحافظة على النظام. بيد أنّ السّارد في "اللّص والكلاب" يكتفي باستظهار الشّخصيات الثانويّة في حين يتعمّق في استبطان الشخصيّة الرئيسيّة ويجعل منها محور السرد ويتبنّى رؤيتها للعالم والأشياء. ولهذا الأسلوب دلالتان: دلالةٌ فنيّةٌ وأخرى أيديولوجية تتجاوز النصّ إلى كاتبه نجيب محفوظ.‏

إنّ تعامل نجيب محفوظ مع الحبكة البوليسيّة وقد حضرت في الحكاية جل عناصرها [المجرم -الجريمة- الباحث الجنائي- أدوات الجريمة- الملاحقة البوليسية] كان من منطلق معارضة الرّواية البوليسيّة، فسعيد مهران مجرم من وجهة نظر سدنة النّظام ولكنّه ليس مجرماً من وجهة نظر الشّخصية ذاتها ومن وجهة نظر السّارد، فتصبح كالجريمة في الحكاية محلّ خلاف وتصبح المسألة نسبيّة إذ تتّخذ أبعاداً أخلاقيّة وسياسيّة عميقة ذلك أنّ عدالة النّظام مشكوك في أمرها وما يعتبره الباحث الجنائي جريمة هو من وجهة نظر السّارد وبطل الرّواية فعل مشروع لتحقيق العدالة وإن سقط أبرياء فذاك عبث الأقدار.‏

إنّ هذه الرؤية المهيمنة على النصّ تعكس موقفاً أيديولوجياً تقليدياً عرف به نجيب محفوظ فتتحوّل الرّواية إلى ما يشبه محاكمة النّظام السياسيّ القائم في مصر وهو نظام ثورة 23 يوليو 1952 فهو نظام "يتحيّز لبعض اللّصوص دون البعض" وتكون رواية "اللصّ والكلاب" تدشيناً لمجموعة من الروايات اتخذت من هذه الثورة موقفاً نقدياً قاسياً وإن لم تصرح به تصريحاً ومنها رواية "الشحاذ".‏

3،2. دنيا لمحمود طرشونة:‏

على هذا النحو كان نجيب محفوظ في "اللصّ والكلاب" وفيّاً إلى حدّ بعيد للنّمط الذي حددته الرواية البوليسية التقليدية لكنّ الرّواية الأوروبية استفادت أيضاً من جمالية الحبكة البوليسيّة ولكنْ بطريقة مغايرة، ففي سياق الخروج على النمط البلزاكي وظّفت الرواية الفرنسية الجديدة مثلاً الحبكة البوليسية على سبيل المعارضة فظهرت نصوص لا يمكن أن نعتبرها رواية بوليسية ولكنّها أقامت حبكتها على تحطيم الحبكة البوليسية وإفراغها من دلالتها الاجتماعية عندما يتحوّل مثلاً رجل المباحث، حامي النظام وراعيه إلى مجرم خارج على النظام. ومن غريب الصدف أننا نلاحظ هذه الظاهرة الفنيّة الجديدة في بعض الروايات العربية الحديثة ولعل أبرز مثال نذكره دائماً هو ما كتبه محمد يوسف القعيد في السبعينيات والثمانينات من هذا القرن وأبرز رواية له في هذا السياق "يحدث في مصر الآن" عندما تصبح الجريمة تشريعاً للنّظام وتصبح مهمّة المحقّق الذي يحيط بعناصر الجريمة تغطية المجرم وإزالة الأدلّة التي تحيل على الجريمة وبذلك يكون يوسف القعيد قد استفاد من الحبكة البوليسية على سبيل المعارضة، ففي مجتمع طغى فيه الفساد ففقد معناه وانقلبت فيه القيم السياسيّة والاجتماعية، فقدت الجريمة معناها وأصبحت في قلب الشرعية الاجتماعية وعنصراً من عناصرها. وقد تعاملت كذلك الرّواية التونسيّة الحديثة مع الحبكة البوليسية بطريقة أو بأخرى. فالرّواية الأولى التي كتبها فرج الحوار "الموت والبحر والجرذ" وكذلك الشأن بالنسبة إلى روايته "المؤامرة"(43) استفادتا من عناصر حبكة الرواية البوليسية، لكنهما لم تطرحا إشكالية محددة بيد أن رواية "دنيا"(44) لمحمود طرشونة تظلّ من أبرز الرّوايات التونسيّة التي لوّنت خطابها الواقعي بعناصر إنشائية تسم الرّواية البوليسيّة. فقد قدّمها محمد الهادي الطرابلسي قائلاً: "هذه القصة جريمة قتل كشف مدبّروها والمستفيدون منها منذ الفصل الأول من الرّواية ولم يعثر لها على دليل بل لم يبحث لها عن دليل حتى آخر فصل من فصولها فلم يحظ المتضرّرون بالإنصاف"(45). تقوم بنية الرّواية على عناصر الحبكة البوليسية، فالجريمة قائمة وهي تتلخّص في قتل عامل يدعى "حسن العيارى" عندما كان يشتغل في حظيرة البناء قتلاً واعياً ومقصوداً ومدبراً وسببها يصرح به النصّ وهو يتمثّل في أنّ الضحيّة كانت وجهاً نقابياً يعرض مصالح صاحب العمل للخطر وأداة الجريمة مكشوفة، فقد باع عامل يدعى "الطاهر" ضميره إلى صاحب العمل، فزيّف ربط الأخشاب وأوقع زميله في خطر قاتل والمجرم رجلان اشتركا إلى حد ما، في حبك خيوط الجريمة، وهما صاحب العمل "سعيد الشابي" ومساعده "الهادي" والشاهدون على الجريمة أحياء يرزقون وهم أطراف عديدة محيطة بالجريمة (نورة -سالم- عائلة سعيد الشابي) ولكنّ الحكاية تنتهي نهاية غريبة في الرّواية البوليسيّة. فقد شاءت إرادة السّارد ومن وراءه المؤلف أن يلقي أحد طرفي الجريمة- وهو الهادي- حتفه في حادث مرور ولا يلقي القبض على الطرف الثاني وهو سعيد الشابي- صاحب العمل، فتصبح الجريمة بلا عقاب.‏

*غياب رجل المباحث:‏

تتميّز الحبكة البوليسية في رواية "دنيا" بغياب الباحث الجنائي باعتباره سلطة رسميّة تمثّل النّظام الاجتماعي وتحميه من الجريمة ولا يعوز السارد تبريره لغياب عنصر أساسي من عناصر الحبكة البوليسية وهو تبرير غريب كما وصفه السّارد نفسه "والغريب في الأمر أن لا أحد فكّر في العدالة، كلهم تجنّبوا اللّجوء إليها كأنهم يائسون من عدالتها أو عاجزون عن السّير في مسالكها المتشعّبة أو غير مطمئنين إلى إنصافها أو ليس في مقدورهم تحمل هفواتها(46) ثم يواصل تبريره تغييب المحقق في موضع آخر من الرّواية يتّهم فيه المؤسسة القضائيّة والقانون: "قانونياً، تلك هي المعضلة، كنت أظنّ أنّ القانون في حماية العدالة، فإذا هي سيف مسلّط في خدمة الجناة"(47) ولكنّه في حقيقة الأمر تبرير أيديولوجيٌّ لا تشخّصه الأحداث والوظائف السّردية إذ لا دليل في الحكاية على أن القانون ليس في خدمة العدالة. بيد أنّ غياب رجل المباحث في دلالته وليس في وظيفته ذلك أنّ شخصيّة رئيسيّة في الحكاية تؤدي وظيفة المحقق والباحث الجنائي وهو سامي -هذا الشّاعر القروي الذي جاء العاصمة يبحث عن قاتل أبيه، وهو في بحثه يستعين بأطراف عديدة (صديقته أو عشيقته -نورة- بعض أطراف عائلة الجاني) وهكذا تتّخذ الرواية شكل التّحقيق أو البحث الجنائي إذ تقوم الحبكة فيها على الصراع الظاهري أو الخفيّ بين مجرم ارتكب جريمة وسعى إلى إخفائها وبين رجل الأمن الذي يتبع آثار الجريمة سعياً إلى الاهتداء إلى شخصية المجرم وإلقاء القبض عليه ولكنّه تحقيق مآله الخيبة إذ "لم يبق مجال" للتّحقيق بعد موت الهادي" و"المستندات وشهادات البيّنة" لا تثبت تورط صاحب العمل في الجريمة والقضية حفظت والعدالة لا تكون بدون أدلّة وإثبات. لقد عوّضت شخصية الابن الباحث الجنائي وتحوّلت قضيّة التحّقيق الجنائي في الرّواية البوليسيّة إلى قضيّة أخذ بالثأر. فالابن هو الذي يبحث وحده عن قاتل أبيه ليأخذ بثأره من الجاني. وقد صرح السّارد على لسان إحدى شخصياته بذلك "سترى أن طموحاتك لا تتجاوز الشغل ونشر الديوان والانتقام من قتلة أبيك"(48) وهو ككل منتقم وطالب ثأر تعرض عليه الديّة والدّية أن يعوّض الهادي في تسيير بعض شؤون الشركة، وكيف يقبل الابن أن يشغل منصب قاتل أبيه حتى ولو كان في أشدّ الحاجة إلى مورد رزق وبذلك يعوض سامي المجرم ويصبح أوديباً جديداً قاتل أبيه ولكن نهاية هذه الحكاية البوليسيّة تتّسم بضرب من الغموض يبدو لنا في الملاحظات التالية:‏

إنّ السّارد لم يحدد لنا تحديداً واضحاً مسؤولية صاحب العمل وهو الذي أطلق يد منظوره ليتصرّف في شؤون العمل والعمال وهل يقتنع القارئ بالتبرير الذي قدّمته "نورة" في دفاعها عن سعيد الشابي وقد كانت عشيقة له "سعيد لم يكن على علم بما دبّره الهادي في الخفاء، إني متيقّنة من ذلك، أنت تعرف أن سعيداً كان يبوح لي بكل شيء وقد أكّد لي مرات أنّ تصرفات الهادي تقلقه وأنّه لا يعلم نواياه إلا بعد تنفيذها"(47) ثم كيف سيتعاون ابن القاتل [إن كان قاتلاً باعتباره في كل الأحوال شريكاً في الجريمة] مع ابن القتيل في كشف الحقيقة.‏

ثم هل يكفي أن يقتل الهادي وأن يسجن الطّاهر المنفذ الفعلي للجريمة بإرادة السّارد حتى تحفظ القضية في حين أن كلّ الشّخصيات في الحكاية على علم صريح بحقيقة الجريمة وشخصيّة الجاني، فهل هذا يعني أن حكم القضاء أو حكم الإرادة الربّانية سبقا حكم المجتمع والقانون والنّظام في حين تقوم جمالية الحبكة البوليسيّة على أنّ شريعة المجتمع هي التي تسود في النّهاية.‏

وإلى جانب ذلك يهيمن الخطاب الأيديولوجي أو بعبارة الإنشائيين يبالغ السّارد في تدخلّه السّافر مفسّراً أو معلّلاً و موضّحاً سواء كان بلسانه الخاص أو بلسانه الشخصيات التي رسمها فيكثر ضرب الأمثال ورسم الصّور المجرّدة وبذلك يهيمن الخطاب البلاغي الشعري على حساب الخطاب الحكائي أو النثري ولعل الحبكة البوليسية لا تتحمل من الشعر ولا من الصور البلاغية ما ورد في الرواية، بل هي إلى تجسيد الأحداث وتصوير الوقائع وتعقيد مسارب التحقيق أميل ومع ذلك فنحن نعتقد أن قيمة "دنيا" طرشونة في حبكتها البوليسية، فكل ما كان خارج هذه الحبكة من باب التزيين والتّطريز ونحن نقصد بذلك تلك العلاقة بين "نورة" وابن الضحية، وتلك الخطابات البلاغية التي ترفع في أحيان كثيرة الخطاب الروائي إلى مستوى الشعر ولكنه تزيين يثير في حقيقة الأمر إشكالية كبرى وملامحها تتمثّل في ما يلي:‏

0خطاب الرّواية البوليسيّة وشعر القلب:‏

من يقرأ رواية "دنيا" يدرك هذه الثنائية التي أشرنا إليها. فهي من ناحية تقوم على حبكة بوليسية واضحة العناصر والحبكة البوليسيّة هي حبكة روائية اعتبرت في كثير من الأحيان مبتذلة الأفعال لاتصالها بعالم الجريمة وتنزيلها في نثرية الحياة الاجتماعية إلى أدناها ولكنّ الخطاب السرديّ يرتقي في مستوى الرّواية شاعريّة والصّور البلاغيّة تقرّب الخطاب الرّوائي من تلك الخطابات الأدبية الكلاسيكية. والشّخصية الرّوائية في حدّ ذاتها تعكس هذه الثنائية، فسامي الذي يسعى إلى التحقيق في حادثة مقتل أبيه ويستعين بأطراف عديدة من أجل الوصول إلى الحقيقة وهو بذلك يؤدي وظيفة المحقق الجنائي، هو في الرّواية شاعرٌ يسعى إلى نشر ديوانه، يحلم بعالم مثالي كما تتهمه بعض الشخصيات الأخرى بصفة الشاعر المثالي: "أنت إذن شاعر، كان عليك أن تقول ذلك منذ البداية، خذ حقيبتك واخرج فمثلك لا يهتم بشيء مما يتكالب عليه الناس، أعرف أن زاد أمثالك خيال وأوهام"(50).‏

ومع ذلك فإنّ الخطاب الرّوائي البوليسيّ ذو دلالة اجتماعيّة عميقة، فالجريمة في الرّواية البوليسيّة هي ابنة المدينة الكبيرة حيث يمّحي أثر الفرد في زحام الكتل الكثيرة المتراصة، والجريمة في هذه الرّواية التّونسية تقع بدورها في إطار مدنيّ، فالأحداث تجري جلّها في العاصمة وبعضها القليل في مدينة أخرى ولعلّه من غريب الصدف أن تكون جلّ الشّخصيات الرّوائية شخصيّات وافدة على المدينة الكبيرة، بل هي من أصل ريفيٍّ استقطبتها العاصمة وانخرطت في نسيجها الاجتماعي والاقتصادي وهي كذلك تقع في مكان العمل خارج الشقّة، الإطار المفضّل في الرّواية البوليسيّة.‏

وإذا نظرنا إلى المسألة من وجهة نظر اجتماعية تاريخيّة يعتبر البطل الرّوائي النتاج الفنيّ لتطوّر المؤسّسة الاجتماعيّة في علاقتها برأس المال منذ بداية القرن التاسع عشر خصوصاً. "لقد بدأت الرّحلة والطّريق انتهى" إنها رحلة البطل الإشكالي في الرّواية الأوروبية منذ القرن التاسع عشر ورحلة عبرها جسّدت الرواية الأوروبية في مستوى خطابها تطوّر المجتمع الرأسمالي الأوروبي. لقد وجد البطل الرّوائي نفسه منذ نشأته في مواجهة النّظام بمؤسساته المختلفة وهو عبثاً يحاول أن يجد له طريقاً فحرّيته محددة وإرادته قاصرة. على هذا النّحو يمكن أن نقول إنّ رواية "دنيا" لمحمود طرشونة، يمكن اعتبارها معارضة فنيّة للرّواية البوليسيّة بقدر ما نعتبرها تشخيصاً لوضعية اجتماعية. فالحبكة البوليسيّة كما أسلفنا قائمة وباستثناء ما لاحظناه من مجانية التحقيق الرسمي وانسياق التّحقيق في مسار العلاقات الخاصة حين تتدخل القرابة والصداقة والحب، ويحافظ الخطاب الرّوائي على مقتضيات الحبكة البوليسية وتمرّ بمراحل التدرّج الضّروريّة تأزيماً للحدث الرّوائي وسيراً به نحو الحلّ النّهائي الذي يظلّ في الرّواية ناقصاً فالنصّ ينتهي والحكاية تظلّ مفتوحة. وقد تعاملت الرّواية العربيّة والحديثة مع الحبكة البوليسيّة على سبيل المعارضة الفنية فأشرنا إلى ما كتبه يوسف القعيد في مصر، فعندما يصبح المحقق الذي يمثل السّلطة هو الجاني في رواية "يحدث في مصر الآن" وعندما تسير الحبكة في اتجاه معاكس إذ أن المحقّق لا يحقّق من أجل كشف الحقيقة (وهي معروفة) وإنما من أجل طمسها، يمكن أن نقول إنّنا إزاء معارضة فنية للرواية البوليسية الأوروبية في مجتمع مختلف لا يحترم القانون.‏

في رواية "دنيا" النظام قائم وغائب في آن واحد، وتسير الحبكة البوليسية على هامش النّظام لأنّها عادة تجسّد حضور السّلطة وإن كان الخطاب الأيديولوجي في مستوى التّصريح اللّفظي يتّهم العدالة والقانون فإن حبك الأحداث والوظائف السّردية يعطي انطباعاً مغايراً. فالشّخصيّات تحرّكها جذورها الاجتماعية العميقة فسامي وهو ابن الرّيف جاء من قريته ليثأر من قاتل أبيه وهو متمسّكٌ بقانون البادية في مجابهته لمشاكل المدينة وكل مواقفه من العدالة والقانون هي من باب التّبريرات التي يغطّي نزعته البدويّة وقد نمت في نفسه فكرة الأخذ بالثأر والانتقام من قاتل أبيه، ويفهم رشيد "ابن القاتل، منطق سامي فيعرض عليه ما يشبه "الدية" وهو كذلك شاعر تحرّكه مشاعر الوجدان والمشاعر والخيال ويرفض سلطة العقل ولذلك يجد نفسه أمام هذه الازدواجية وهي إمّا أن يخضع لمشاعره ومثله وخيالاته ويؤدي الأمر بنفسه أو أن يخضع لسلطة العقل وعندئذ عليه أن يلتجئ إلى سلطة القانون وهو باعتباره شاعراً ومن أصول ريفية يرفض أية سلطة للعقل والقانون وعندئذ يجد نفسه غير قادر على الوصول إلى غايته، "فالطريق بدأت والرحلة انتهت. إنه بهذا المعنى شخصية إشكالية، فهو بين طريقين مختلفتين يحددها السارد تحديداً واضحاً في الرّواية وهما طريق الثّورة والرّفض بما تحويه من قيم مثالية نابعة من القلب والوجدان أو طريق الثّروة بما فيها من ابتذال وتعرّض للفساد وقبول للعبة الطرابيش، فذلك هو الخيار الذي يعرض في النّهاية على الشخصيّة المركزيّة وإذا لم يصرح سامي بموقفه فإنّ القارئ يمكن أن يتخيّل أنّ تلك الطّريق هي طريق العصر والسّياق العام في الرّواية كله يوحي بذلك، فهي طريق الخلاص "لكل أولئك المثقفين الذين عاشوا في وقت ما، تجربة الثّورة الحالمة ولكنّ العالم أنهى دوره ودخل أخرى وإذا بكل تلك القيم النبيلة التي تجسد الخلاص الذي يسعى إليه المثقفون تنهار وتصبح الآن لا تاريخيّة بالنّسبة إلى كل عاقل لا يعترف إلا بسلطة الواقع".‏

ولذلك تصبح الحبكة البوليسية في هذه الرّواية تجسيداً للاختيار الأول، فعملية البحث والتّحقيق بالنّسبة إلى سامي. ليست عملية قضائيّة قانونيّة بقدر ما هي عمليّة وجوديّة تحقق ذاته وتؤكد تعلّقه بعالم القيم والرّفض والثّورة وهو لا يريد أن يكشف قاتل أبيه بقدر ما يريد أن يحقّق ذاته فتصبح عملية البحث فعلاً سياسيّاً فرديّاً على طريقة الشخصيات الإشكاليّة التي تجد نفسها وحيدة في طريق يستحيل عليها بلوغ نهايتها. ثمّ إنّ خيبته لا علاقة لها بمقتل أبيه، فهو قد مات وقاتله معروف ولكنّ الفشل في إثبات البيّنة إعلانٌ عن خيبة البطل الرّوائي في تأكيد ذاته.‏

**‏

الإحالات:‏

(1) صدرت رواية "اللص والكلاب" عام 1961 وصدرت رواية "الشحاذ" عام 1965.‏

(2) غالي شكري، "المنتمي": دراسة في أدب نجيب محفوظ دار المعارف، مصر 1969.‏

(3) "اللص والكلاب" مكتبة مصر ص 36.‏

(4) المصدر ذاته ص41.‏

(5) انظر غالي شكري "المنتمي" دراسة في أدب نجيب محفوظ ص 270.‏

(6) "اللص والكلاب"، ص124.‏

(7) نفسه ص34.‏

(8) لكن ذنبك أفظع يا صاحب العقل والتاريخ، تدفع بي إلى السجن وتثبت أنت إلى قصر الأنوار والمرايا "اللص والكلاب" ص48.‏

(9) نفسه ص41.‏

(10) نفسه ص44‏

(11) نفسه ص 62.‏

(12) نفسه ص124.‏

(13) نفسه ص76.‏

(14) نفسه ص142.‏

(15) المنتمي، دراسة في أدب نجيب محفوظ، ص270.‏

(16) إياد ملحم -المأساة الوجودية في "اللص والكلاب" مجلة الآداب، عدد 10 (1962) ص5 2.‏

(17) "اللص والكلاب"، ص62.‏

(18) نفسه، ص19-20.‏

(19) نفسه، ص52.‏

(20) نفسه، ص 82-83.‏

(21) نفسه، ص149.‏

(22) نفسه، ص125.‏

(23) نفسه، ص124.‏

(24) "اللص والكلاب"، ص86.‏

(25) نفسه، ص146.‏

(26) نفسه ص93.‏

(27) نفسه ص47.‏

(28) نفسه، ص 93.‏

(29) نفسه، ص47.‏

(30) نفسه، ص171.‏

(31) نفسه، ص175.‏

(32) نفسه، ص15.‏

(33) نفسه، ص123.‏

(34) نفسه، ص19.‏

(35) نفسه، ص48.‏

(36) نفسه، ص23.‏

(37) نفسه، ص7-8.‏

(38) نفسه، ص112.‏

(39) نفسه، ص47.‏

(40) نفسه، ص61.‏

(41) نفسه، ص9.‏

(42) نفسه، ص13.‏

(43) صدرت عن دار المعارف للطباعة والنشر، تونس، 1992.‏

(44) رواية صدرت عن ديميتير تونس 1993 ومحمود طرشونة روائي وباحث ويعد من أبرز أساتذة الجامعة التونسية.‏

(45) انظر "دنيا" ص11.‏

(46) المصدر ذاته، ص84.‏

(47) المصدر ذاته، ص85.‏

(48) المصدر ذاته، ص186.‏

(49) المصدر ذاته، ص171.‏

(50) المصدر ذاته، ص169.‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244