|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:47 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
4. 2. الشخصيّة الروائيّة والقناع في أعمال جبرا إبراهيم جبرا: 1. 1-هل يمكن الحديث عن حداثة النصّ الروائيّ العربيّ وهو بطبعه يقطع مع السلسلة الثقافية العربية التقليدية ليكون وجهاً من وجوه تحديثها وهو البذرة المزروعة في رحمها تزعزع مفاهيمها وتعرضها للقلق والحيرة وفضول السؤال؟ لكن حداثة السّرد لا ينحصر في شكل واحد أو نموذج محدد، ذلك أنّ الكتابة الرّوائية العربيّة أفرزت اتجاهات عديدة ومتنوعة اختيارات فنية وخلفيات ثقافية وفكرية ومؤثرات أجنبية، وقد استطاع عدد من المبدعين الّذين مارسوا هذا الفن السردي صياغة تجارب متميّزة ومخالفة في إطار احترام روائيّة النصّ السرديّ السائد الّذي لا يطرح على نفسه رفض النّمط والنموذج وعندئذ يكون فضل الروائي في الإضافات الّتي يقدمها وفي التّنويعات الّتي يجريها في إطار النموذج الواقعي المتطور على الدوام، فيصوغ بذلك أنموذجه الخاص داخل الأنموذج العام ويكون بدوره صوتاً جديداً يضاف إلى الأصوات العديدة التي تبني مجتمعة أركان حركة أدبيّة هي خلاصة جهد جيل بأكمله على نفسه بناء أسس رواية عربية حديثة تبتكر تقنياتها من تجربتها الخاصّة ولكنّها تضيف إلى الإرث العالمي وتتعامل معه أخذاً وعطاءً. 1. 2عندما نتأمل المشهد الرّوائي العربي، الآن، يتبيّن لنا أنّ رموزاً إبداعية كثيرة تركت بصماتها على الإبداع الروائي العربي وأنجزت مشاريعها الإبداعية، فلا أحد يشك في أن نجيب محفوظ هو الآن صاحب أسلوب خاص في كتابة الرواية العربية بدأت تتضح معالمه مع "القاهرة الجديدة" لكي يبلغ أوجه مع الثلاثية ثم يتخذ منعرجاً جديداً مع مجموعة من الروايات تبدأ بـ "السمان والخريف" و "اللص والكلاب"(1) ومهما كانت التنويعات داخل التجربة المحفوظية، فإن الواقعية اتخذت مع نجيب محفوظ شكلها الخاص الذي يميزه، كما اتخذت مسيرة السرد عنده نهجاً لا يتكرر إلا لدى من يسعى إلى المحاكاة التي تبطل الخلق والإبداع. كما لا يشكّ أحد في أهميّة تجربة كاتب كحنا مينه الّذي لون الواقعيّة الرّوائيّة بأسلوبه الخاصّ المتميّز وقد بدأ تجربته متأثّراً إلى حدّ بعيد بكاتب "القاهرة الجديدة" من خلال روايته الأولى "المصابيح الزّرق" ولكنّه سرعان ما سلك نهجاً متميّزاً هو ضرب من "الواقعية الاشتراكيّة" في صيغتها العربيّة تأخذ من الواقعيّة النقديّة شيئاً ومن الرومانسيّة شيئاً آخر ومن الطبيعية أشياء ولكنّها على كلّ حال واقعيّة اشتراكية(2) تجسّدت في أعمال كثيرة أرقاها رواية "الياطر" وميّزت كاتب "حكاية بحّار" وجعلت منه رمزاً بارزاً من رموز الكتابة الرّوائيّة العربيّة الحديثة ويمكن أن نقول الشيء ذاته بالنّسبة إلى كتاب كثيرين مثل البشير خريّف أو الطيّب صالح أو الطاهر وطّار أو غيرهم، إنّهم جميعاً أصوات متمايزة ومتواشجة ومتقاطعة في الوقت ذاته في إطار حركة أدبيّة بدأت مع الأربعينات وهي مستمرة إلى الآن. بين هذه الأصوات الرّوائيّة المتمايزة، تقف تجربة الشّاعر والنّاقد جبرا إبراهيم جبرا تجسّد قدرة فائقة على الخلق والإبداع وتؤكّد أنّ الإبداع ممكن في إطار الثوابت الكبرى، إنّها روايات أربع "السّفينة"(3) و "البحث عن وليد مسعود"(4) و "الغرف الأخرى"(5) و "يوميات سراب عفان"(6) تتواشج وتتقاطع وتتباعد في آن واحد ولكنّها معاً تبني أنموذجاً سرديّاً خاصّاً له جماليته الخاصّة هو أنموذج جبرا إبراهيم جبرا(7). 1. 3.في هذه الرّوايات باستثناء واحدة هي "الغرف الأخرى" تتّخذ طريقة السّرد أسلوباً خاصّاً، يغيب السّارد، هذا الكائن الخارق الّذي يبتدعه المؤلّف ويتّخذ منه قناعاً ليشرح ويفسّر ويؤول ويرتّب الأحداث ويقدّم ويؤخّر لتتقاسم الشخصيّات مهمّة سرد الوقائع والأحداث وتحدّد مصائرها بنفسها بدون الواسطة التقليديّة المتمثّلة في هذا السّارد العالم بالمصائر والمدرك لخفايا النفوس والمؤرّخ لمسيرة الشخصيّة الرّوائيّة، إن الظّاهرة الفنية لا تلفت الانتباه بحضورها فهي واردة في بعض الرّوايات العالميّة ولكنّها تعدّ ظاهرة متميّزة بتواترها، ولذلك فهي تعدّ أنموذجاً سرديّاً متوالداً اختاره المؤلّف ليكون نهجه في سرد الوقائع وترتيبها. 2. 1.في "البحث عن وليد مسعود" تتقاسم المقاطع السرديّة الاثنتي عشرة ثماني شخصيّات على النّحو التالي: د. جواد حسني: ثلاثة مقاطع -عيسى ناصر: مقطع واحد- وليد مسعود: ثلاثة مقاطع- الدكتور طارق رؤوف: مقطع واحد- مريم الصفار: مقطع واحد- وصال رؤوف: مقطع واحد- مروان وليد: مقطع واحد- إبراهيم الحاج نوفل: مقطع واحد. من خلال هذا التّوزيع ندرك أنّ شخصيتين رئيسيتين تستبدّان بفعل السّرد وهما د. جواد حسني ووليد مسعود، فالثّاني هو محور الأحداث وموضوعها كما يدلّ على ذلك عنوان الرّواية ذاته أمّا الأوّل فهو يتميّز بعلاقة خاصّة تربطه بوليد مسعود(8) وهو بحكم هذه العلاقة الخاصّة يؤلّف عنه كتاباً بعد غيابه(9) في حين تكتفي الشخصيّات الأخرى بمقطع سردي واحد بالنّسبة إلى كلّ واحدة منها، بيد أنّ شخصيّات أخرى لا تقلّ أهمية في الرّواية لا تضطلع بمهمّة السّرد منها كاظم إسماعيل وسوسن عبد الهادي على الرّغم من العلاقة المتميّزة الّتي تربط الشخصيّة المحوريّة ببعضها(10) ومع ذلك تبدو الشخصيّات مستقلّة عن بعضها بعض، فلكلّ منها عالمها الخاصّ ورؤيتها الذاتية للكون والأشياء ولكنّها كلّها تلتقي حول موضوع واحد وهو شخصية وليد مسعود الّتي تصبح بهذا المعنى نقطة التماس الّتي تلتحم عندها الشخصيّات ثمّ تتوزّع في اتّجاهات مختلفة، وعندئذ لا يقوم المعمار الفنّي الّذي ينهض وفقه العالم الرّوائي في "البحث عن وليد مسعود" فقط على مبدأ التكامل بين روايات الشخصيّات بل على مبدأ التباين والاختلاف أيضاً. 2. 2.إنّ المقطع السّردي الأوّل الّذي يرويه د. جواد حسني قد حدّد الإطار العامّ الحدثي للرّواية ورسم الملامح العامّة للبنية الرّوائيّة، ليس لأنّه يعتبر المدخل الأوّل لعالم وليد مسعود (إذ أعلن عن اختفاء الشخصيّة المحوريّة وعن بعض صفاتها وبعض علاقاتها الاجتماعيّة) بل لأنّه يتضمّن مقطعاً سردياً يكتسي أهميّة خاصّة وهو المقطع الأوّل الّذي يرويه وليد مسعود نفسه واستمع إليه أصدقاء وليد مسعود في بيت عامر عبد الحميد وقد أكّدت الشخصيّات ذاتها على أهميّة هذا المقطع(11). فهو إذن يحدّد الهيكل الحدثي العامّ الّذي تنبني عليه الرواية كلّها إذ يشير وليد مسعود إلى أبرز الشخصيّات الّتي أقام معها علاقات خاصّة فيذكر إبراهيم وهو إبراهيم الحاج نوفل وجواد حسني وعامر عبد الحميد وكاظم إسماعيل وابنه مروان ويذكر من النساء ثلاثاً هنّ ريمة وهي زوجته ومريم وهي فتاة صغيرة عرفها في شبابه الأوّل لكن الاسم في حدّ ذاته يوحي بشخصيّة هامّة في حياة وليد مسعود وهي شخصيّة مريم الصفّار(12) وامرأة ثالثة وهي شهد وهو اسم امرأة مستعار قد تجد فيه كلّ امرأة من نساء وليد مسعود ذاتها لكن القارئ يكتشف في نهاية "البحث.." أنّها وصال رؤوف، تلك الّتي عاشها وليد في طفولته وشبابه. ولذلك يمكن أن نقول إنّ البناء الحدثي ناجز منذ المقطع السردي الأوّل وفضل المقاطع السرديّة الأخرى في أمرين أساسيين هما: أوّلاً توسيع الوظائف السرديّة عن طريق تحليل أبعاد الشخصيّات الّتي ذكرها وليد مسعود وتحديد طبيعة علاقتها بها وتوسيع الأحداث الّتي ذكرها أو أشار إليها مجرّد إشارة وثانياً إضافة مقاطع سرديّة جديدة تتعلّق بأحداث أو شخصيّات غائبة في النصّ المضمن (المسجّل) كشخصيّات عيسى ناصر وطارق رؤوف ومريم الصفار في علاقتها بالشخصيات المذكورة أو شخصيّات أخرى لم تذكر (كاظم إسماعيل وسوسن عبد الهادي) وفي الحالتين تبدو المقاطع السرديّة مقاطع شبه مستقلّة وناجزة حدثيّاً، فالمقطع الّذي يرويه عيسى ناصر (13) يمسح زمنيّاً المدّة الّتي عاشها وليد مسعود كاملة، فهو يبدأ بصورة دفن "مسعود فرحان" (أبي وليد مسعود) وينتهي بالإشارة إلى وضعيّة ريمة زوجة وليد وهي في مستشفى المجاذيب في بيت لحم وهو على علم بغياب وليد مسعود أو موته(14) وبين الحدثين (حدث دفن الأب وحدث غياب الابن) تعريج على مجموعة من الأحداث والوقائع أكثرها يهتّم بسيرة الأب وبعضها القليل يتّصل بسيرة وليد مسعود (ولادته/ سفره إلى إيطاليا/ تغيير اسمه/ ترك اللاهوت/ التحاقه بجيش الإنقاذ/ زواجه من ريمة) جنون ريمة (إقامتها في مستشفى المجانين) وما يجمع بين هذه الأحداث هو المكان. فالسّارد الّذي هو أصيل بيت لحم (عيسى ناصر) لا يمكن له بطبيعة الحال أن يروي أحداثاً خارج الإطار المكاني الذي عايش فيه بشكل من الأشكال وليد مسعود ولذلك فيمكن القول إنّ المقطع السّردي ناجز حدثيّاً وروائيّاً إذ بدايته ونهايته الّتي هي بطبيعة الحال نهاية الحدث الرّوائي برمّته. إنّ المقطع السّادس الّذي يرويه وليد مسعود ذاته هو عودة إلى المقطع الّذي رواه عيسى ناصر فهو لا يضيف حدثاً جديداً بل يعمق من الأحداث ما أشير إليه في الفصل الًّذي إليه أشرنا إذ يفصل في ثلاثة أحداث رئيسيّة وهي طفولته في بيت لحم وحياته في روما الّتي حوّلت مسيرته من راهب إلى موظّف في البنك واتّصاله بالحياة الفدائيّة أثناء غزو فلسطين. أمّا المقطع الثّاني وراويه أيضاً وليد مسعود فهو كذلك لا يضيف شيئاً بل يعمق بعض الأحداث ويقدّم في شأنها تفاصيل جديدة لم تذكر في المقاطع السرديّة السّابقة فهو يصف حدثين هامين هما عملية فدائيّة أدّاها سنة 1948 وكان قد أشار إلى عمله الفدائي في المقطع السرديّ السّابق والتحقيق الّذي أجري بعد وقوع هذا الحدث سنوات عديدة أي بعد زواجه ومرض زوجته ريمة ودخولها المصح وما تعرض له أثناء ذلك من تعذيب انتهى بإبعاده إلى بغداد وهكذا يبدأ كلّ مقطع سرديّ بحدث ما في حياة وليد مسعود لينتهي بحدث من الأحداث الّتي عاشها في آخر حياته. 2. 3. وإذا اعتبرنا أنّ الرّواية في حدّ ذاتها تبني سيرة شخصيّة روائيّة هي شخصيّة وليد مسعود فإنّ المقاطع السرديّة الّتي تقوم عليها لا تتابع تتابعاً حدثيّاً ولا تتساوى زمناً روائيّاً إذ تنطلق من وقائع متفاوتة في ترتيبها الزمني ولكنّها تتوازى وهي في توازيها تختلف في نقاط ارتكازها. فالحدث الّذي يشير إليه المقطع السردي الأوّل مجرّد إشارة يعود إليه المقطع السردي الثّاني ويعمقه ويشير في نفس الوقت إلى أحداث أخرى وهكذا دواليك إلى نهاية الرّواية نصيّاً لأنّها حدثيّاً تعتبر منتهية منذ فصلها الأوّل. إنّنا نستثني من هذه المقاطع السّرديّة المقاطع الثلاث الّتي رواها الدكتور جواد حسني، فالمقطع السّردي الأوّل هو مقطع التقديم إذ أنّه يعرض علينا الإشكاليّة المركزيّة وهي إشكاليّة فنيّة إذ يعلن أنّه سيروي لنا على سبيل الاسترجاع حكاية شخصيّة إشكاليّة مشيراً إلى قصور الذّاكرة عبر عبارة نسبها لوليد مسعود "تمنّيت لو أنّ للذاكرة إكسيراً يعيد إليها كلّ ما حدث في تسلسله الزمني واقعة واقعة، ويجسّدها ألفاظاً تنهال على الورق(15) وهي حياة قائمة على محطّات عديدة استعار لها السّارد هذه العبارة "أربعون غرفة لنا أن ندخلها كلّها ولكنّنا نصرّ على دخول الغرفة الوحيدة الّتي أغلقت دوننا، لا بأس، سندخلها"(16) وفعلاً ستكون مهمّة الرواة ولوج الغرف الأربعين وكشفها بحثاً عن شخصيّة وليد مسعود، وفي المقطع السرديّ الأخير ينهي جواد حسني الحكاية وقد أدرك أنّه من الصّعب ولوج حياة إنسان بكلّ تفاصيلها وعمقها فالأحداث "تتنامى دونما وقفة كما تتنامى الفصائل في أرض سديمية تتعاقب عليها الأمطار والشّموس، فتكبر وتتداخل وتتكاثف وإذا هي غابة لا تخترق إلاّ في مواضع، الأشجار والأدغال سامقة يلتفّ بعضها على بعض والبحث سير عسير من خلالها" تلك هي حياة وليد مسعود وإذا كانت هذه المقاطع السرديّة بمثابة المرايا العاكسة، فإنّ الشخصيّات السّاردة تحمل ازدواجيّة وظيفيّة تصرّح بها الرّواية ذاتها على لسان د. جواد حسني" بعد أن يقول الأشخاص ما يقولونه، بعد أن يبرزوا عن تصميم أو غير تصميم ما. يبرزونه ويخفون عن تصميم ما يخفونه، يبقى لنا أن نتساءل عمن هم في الحقيقة يتحدّثون؟ عن رجل شغل في وقت ما عواطفهم وأذهانهم أم عن أنفسهم، عن أوهامهم وإحباطاتهم وإشكالات حياتهم؟ هل هم المرآة وهو الوجه الّذي يطلّ من أعماقهم أم أنّه هو المرآة ووجوههم تتصاعد من أعماقها كما ربما هم أنفسهم لا يعرفونها(18) وبذلك تتّخذ الرّواية شكل رواية الرّواية إذ تكشف بعضاً من خفاياها الفنيّة ووجهاً من وجوه لعبتها الجماليّة. والحقيقة إجابة عن السؤال المشكل الّذي طرحته الرّواية -أنّ الشّخصيات السّاردة توهم باستقلال عالمها الدّاخلي أحياناً ولكن مركز اهتمامها هو الشخصيّة القطب (وليد مسعود)، فالمقاطع السرديّة كلّها الّتي ترويها بالتناوب هذه الشخصيّات تستجيب للحدث المركزي في الرّواية (اختفاء وليد مسعود) ولذلك فهي إما تنطلق من الإشارة إلى هذا الحدث لتعود إليه على نحو ما فعل إبراهيم الحاج نوفل(19) أو تنطلق من حدث ما يتعلّق بصلة الشخصيّة السّاردة بوليد مسعود لتصل إلى الحدث المركزي وتتجاوزه وتعود إليه كما فعلت وصال رؤوف فهي تبدأ الحديث عن صلتها بوليد مسعود عندما هاتفته ثمّ التقت به في بيته لأوّل مرّة ثمّ عن تطوّر علاقتها به لتعود في آخر المقطع السّردي إلى حادثة اختفائه أو كما فعل أيضاً أخوها طارق رؤوف الّذي يبدأ سرده بوصف خصائص برج الجدي الّذي ولد فيه وليد مسعود (20) وينهيه بالإشارة إلى الحدث المركزي" وهكذا عبر وليد طيراً مهاجراً وفي عبوره رماه صيّاد لا ندري به ولعلّ الصيّاد لا يدري أيضاً أي طير رمى بناره"(21) بعدما عرج على بعض التفاصيل المتعلّقة بحياة وليد مسعود الشخصيّة والّتي كان على علم بها، لكن بعض المقاطع تبدأ بداية مغايرة، فمريم الصفار مثلاً تبدأ سردها بالحديث عن شخصيّة أخرى وهي شخصيّة ناجي عبد الحميد وتدرك أنّها ابتعدت عن موضوعها(22) ولكنّها سرعان ما تقع في حبال وليد مسعود سرديّاً إذ يتحول إلى بؤرة مركزيّة بعدما وقعت في حباله في واقع الحياة(23). بيد أن هذه الشخصيات في حقيقة الأمر مرايا عاكسة إذ تحمل شيئاً كثيراً من شبق وليد مسعود وحيرته وتناقضاته ومأساته. فكلّ شخصيّة من هذه الشخصيّات السّاردة أو المسرودة أصابتها بطريقة أو بأخرى لوثة وليد مسعود ولا نستثني في ذلك الرجال من النساء رغم العبارة الصّريحة الّتي تقول "كلّ امرأة اتصل بها (وليد مسعود) أصيبت بالجنون أو الهستيريا(24) وهذا يعني أن تعدّد السّاردين لا يرتبط بتعدّد الرؤى ذلك أنّ المقاطع السرديّة تلتقي حول رؤية واحدة للشخصيّة الموضوع وهي بذلك مجموعة من المراثي المنسجمة والمتعاطفة مع وليد مسعود الّذي "رثي نفسه قبل أن يرثيه الآخرون"(25)، إذ هم في الجملة متفقون على طبيعة شخصيّة وليد مسعود وأبعادها النفسيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والأخبار الّتي يروونها عن وليد مسعود لا تتناقض فيما بينها ولكنّها تتكرّر حيناً ويتمّم بعضها بعضاً حيناً آخر، فالقارئ يعلم من خلال هؤلاء الرواة أنّ وليد مسعود بدأ حياته فدائيّاً وأنهى حياته فدائيّاً ويعلم أيضاً من خلالهم شبقهُ وعشقه للجسد والنّساء ونجاحه في عالم المال والتّجارة وإبحاره في الكتابة إلى غير ذلك من السّمات الّتي تجعل من وليد مسعود شخصيّة عميقة الأبعاد متعدّدة الوجوه إلى حدّ التناقض حيناً ولتجعل منه شخصاً "غير عادي"(26) هو ذلك الفلسطيني النموذجي" أو "برجوازيّاً يجعل من الإنسانيّة قناعاً يخفي به خوف طبقته من الانهيار نشأ في أحضان النّعمة ويرى الحضارة من منظور غائم يخشى فيه على الحريّة خشية أهل التّرف وينسى أنّ ضرورة الخبز تفوق الضرورات الأخرى"(27). 2. 6.ولكن السؤال الّذي يظلّ مطروحاً: إذا كان الأمر على هذا النّحو فما دلالة تعدّد الروايات والسرد وما وظيفته المفيدة في هذه الرّواية؟ إنّ تعدّد الرّواة يرتبط في هذه الرّواية بلعبة القناع، فالرواة ليسوا حياديين إذ تربطهم بالشّخصيّة المركزيّة علاقات متعدّدة وعميقة الأبعاد فمنهم أصدقاؤه وأقاربه وعشيقاته، فهو الّذي يشدّهم إلى بعضهم البعض بوثاق قوامه الحب الجارف الّذي يبلغ حد التناقض الغريب كعلاقته بكاظم إسماعيل(28) ولكنّهم لا يتكاشفون حقائقهم للوهلة الأولى ويظلون طوال النص الروائي يمارسون لعبة وضع القناع ورفعه وأول من يضع القناع وليد مسعود نفسه، بطل الرواية أو شخصيتها المركزية، فهو منذ بداية حياته يغير اسمه(29) وهو بهذا الاسم الجديد (وليد) يضع القناع على وجه هذا الرجل القروي الفقير الذي عاش ليكون راهباً وهرب من الدير يطلب العزاء في البرية ثم سافر إلى إيطاليا ليدرس اللاهوت ولكنه يعود باسم جديد موظفاً في بنك(30) وتاجراً ثرياً في بغداد، وبذلك يظل السؤال مطروحاً أيهما الحقيقة وأيهما القناع، هل هو هذا الفلسطيني المسيحي الذي وهب نفسه للأرض يحميها ويفنى في ذاتها أم هل هذا الفلسطيني الناجح المقبل على الحياة إقبال النهم "يتجول بأعماله وأفكاره بين بغداد وأقطار الخليج ويكتب"؟ هل هو ذلك الفلسطيني الرافض، الرائد، الباني، الموحد، العالم، المهندس، السيكولوجي أم هو ذلك القلق الحائر المتألم المقبل على تجربة الجسد والباحث عن الحقائق الحسية(31). لقد استعملت إحدى الشخصيات الساردة في وصفها لوليد مسعود عبارة القناع"... ما ذلك كله إلا زيف وخداع كما يقول فيرميكوس بدون تحفظ قناع وهو يحجب وليد مسعود الحقيقي(32)" وهو ما يلمح إلى أن الاستراتيجية السردية في حد ذاتها هي استراتيجية كشف القناع. تبلغ لعبة وضع القناع ورفعه أقصاها في هذه الرواية مع شخصية شهد، فالاسم في حد ذاته استعارة أو كنية عن هذه المرأة التي عشقها وليد مسعود (وكم من النساء عشق) أهي مريم الصفار التي بلغ بها الشّبِقُ إلى حد الركض بين أشجار الحديقة عارية دامية(33) خادعة متحدية من خلال لعبتها مع طارق رؤوف(34) أم هي جنان ثامر التي تدعي أن رسالة وليد مسعود موجهة إليها(35) أم هي سوسن عبد الهادي التي كانت لها علاقة مع وليد أيضاً(36) أما في النهاية وصال رؤوف التي عشقته إلى حد النخاع ولبست عليه السواد كأنه رجلها أو زوجها، وتظل اللعبة السردية كلها بين أخذ ورد نحو كشف القناع عندما يكتشف الساردون أو بعضهم صحبة القارئ أن شهداً لا يمكن أن تكون إلا وصال رؤوف إذ هي تشير بنفسها إلى ذلك في بداية الرّواية دون أن تذيع الخبر اليقين فيظلّ المتلّقي داخل النصّ وخارجه على لهفته "هب أنّي أخبرتك من هي شهد، ما الذي يكون قد اكتشفت(37)" وعندئذ تبدأ الشكوك تحوم حول وصال- شهد(38) ثمّ تكشف وصال اللّعبة في النّهاية وترفع القناع من خلال اعترافات وليد مسعود لها وهكذا مع السير باتجاه كشف القناع تخضع الشخصيات الساردة أو المسرودة إلى عمليّة تعرية جماعيّة فيكشف البعض ويفضح البعض البعض(39). إنّ إوالية السّرد ذاتها وغائيتها عينها، تبدوان لنا في رواية "السفينة" إذ يتغيّر المكان وكذلك الموضوع العام وأسماء الشخصيّات ولكن اللّعبة السرديّة واحدة. هي شخصيّات ثلاث (عصام السلمان ووديع عسّاف وإيميليا فرنيزي) تتقاسم سرد مقاطع النصّ، يروي عصام السلمان منها خمسة مقاطع ويروي وديع عساف أربعة وتروي إيميليا فرنيزي مقطعاً واحداً. ولكن الغريب أن الشخصيات الّتي تستقطب الأحداث أكثر من غيرها لا تسرد، ونقصد بصفة خاصّة الدكتور فالح الّذي توج أزمته النّفسية بعمليّة انتحار وزوجته لمى، هذه المرأة الّتي أحبّت رجلاً آخر غيره ولكنّها لم تتزوّجه، فهل هما هذه المرة موضوع الحكاية وسببها فوجب أن ينظر إليهما من الخارج عبر شخصيات ترتبط بهما وثيق ارتباط؟ والحقيقة أن الشخصيات الروائيّة أطراف رئيسيّة في الحكاية فإذا أمكن الحديث عن نواة صمّامها الدكتور فالح وزوجته لمى فإنّ أذرعها هي عصام السلمان ووديع عسّاف وإيميليا فرنيزي، فالحكاية تنمو وتتطوّر من خلال روايتهم المقاطع السرديّة اللامتكافئة عدا ذلك أن لعصام السلمان حباً قديماً نحو لمى لا يزال يتنامى ولاميليا فرنيزي هذه الإيطالية العائدة من لبنان، علاقة قديمة بالدكتور فالح تتحوّل إلى حب عنيف ويظلّ وديع عسّاف شاهد عيان على أحداث وقعت في السفينة يرويها ويعلّق عليها أو يصف بعض الشخصيّات الرئيسيّة كحديثه عن عصام السلمان(40) أو يكشف عن العلاقة القائمة بين عصام السلمان ولمى أو بين الدكتور فالح وإيميليا فرنيزي (41). في السفينة ليس هناك حكاية تروى وبالتالي يمكن للشخصيات الساردة أن تتقاسم الأدوار فيها بل هناك علاقة يبدو في الظاهر أنها تبني شيئاً فشيئاً وعندئذ تصبح وظيفة الشخصية الساردة كشف جانب من هذه العلاقة إذ تبدو للوهلة الأولى أن الصدفة وحدها هي التي جمعت بين شخصيات لا سابق معرفة بينها أو كانت بينها معرفة قديمة ولكن القارئ سيكتشف عبر رواية وديع عساف أن إرادة مشتركة هي التي استدعت الشخصيات على ظهر السفينة وعبر هدير البحر وتوتر العلاقات وانفراجها إلى عملية مكاشفة ويصبح الفعل السردي في حد ذاته قائماً على إوالية رفع القناع، لقد ركبت الشخصيات السفينة وهي مسافرة عبر البحر في رحلة سياحية متباطئة تتيح للركاب استراحات على أرض بعض المدن المواني، ولكن علاقات قديمة تكشف شيئاً فشيئاً ويرفع الشخوص أقنعتهم وعندما يتعرون تنتهي الرحلة بمأساة تتمثل في انتحار الدكتور فالح عبد الواحد. 3. 3.تضع ايميليا فرنيزي قناعها وتخفي علاقتها القديمة مع الدكتور فالح عبد الواحد وقناعها علاقتها بعصام السلمان "أنا أيضاً لم أرد أن أثير الشك حول صلتي به نزولاً عند مشيئته وأسعفتني صداقة عصام في البقاء قريبة من فالح بعض القرب، أحدثه عبر الآخرين خلسة ومواربة(42) ويتخذ عصام السلمان بدوره من إيميليا فرنيزي قناعاً يخفي حبه لزوجة الطبيب لمى عبد العزيز" فرحت كذلك لاهتمام عصام بي، اهتمامه بي؟ أنا أعلم أنه يشغل نفسه بي عن زوجة الطبيب" واستمرت اللعبة معاً- لعبة القناع" هذا الماكر يمكر بي وأمكر به، نتبارز بالكلمات، كما يتبارز خصمان بمسدسات غير محشوة والقبلات التي استرقناها ما استكثرتها عليه أو على نفسه، كلانا يستجيب لذة اللعبة الضرورية لحبه"(43) وتتحول لمى إلى جسد شيطاني "لفظته الأمواج من قمقم قديم(44) وهي ترقص على أنغام أغنية لأم كلثوم ولكنها في حقيقة الأمر كانت عبر رقصتها القناع تخاطب عصام السلمان" ما هذا الاضطهاد، ما هذا الاضطهاد؟ فليضطهدها كما يشاء أو فلتضطهده هي، لن يهمني من ذلك شيء.. ولكن لماذا تضطهدني(45)؟" وتراوغ زوجها فلا تذهب إلى "كابري" لترافق عصام السلمان إلى "نابولي(46)"، وشيئاً فشيئاً تنكشف اللعبة ويرفع القناع، فيكشف الدكتور فالح عبد الواحد العلاقة بين زوجته لمى وعصام السلمان(47) ويكتشف عصام السلمان أن الدكتور فالح اتفق سراً مع إيميليا فرنيزي على القيام بهذه الرحلة(48) ويكتشف وديع عساف أن الرحلة قد دبرتها خطيبته مها باتفاق مسبق مع إيميليا(49) وأن سفر الدكتور فالح قد هيأته مسبقاً زوجه لمى" لأنها كانت تعلم أن عصام (السلمان) قد حجز لنفسه مكاناً" في الباخرة(50) وهكذا لم تتحكم الصدفة في هذه الرحلة بل يعود وجود الشخصيات كلها "في السفينة إلى توقيت منشأه رغبة مهندس عراقي يدعى عصام السلمان في قضاء بضعة أيام على البحر بعيداً عن بلاده في طريقه إلى منفى بعيد(51)" بيد أن لعبة القناع تبلغ أقصاها في رواية "يوميات سراب عفان" وهي رواية تقل فيها الشخصيات فتكاد حكايتها تقوم على شخصيتين أساسيتين هما سراب عفان ونائل عمران فهما اللذان ينسجان خيوط حبكتها البسيطة الغامضة معاً. وهما اللذان يتقاسمان وظيفة السرد تقاسماً متساوياً وعادلاً إلى حد بعيد إذ تروي سراب عفان المقطعين السرديين (الأول والثالث) اللذين يمسحان بدورهما مائة واثنتين وثلاثين صفحة ومع ذلك تبدو الحبكة التي تجمع بين الشخصيتين رغم بساطتها معقدة. فالساردة الأولى تلعب لعبة الحقيقة والخيال إذ هي تعيش وجوداً مزدوجاً: وجوداً خيالياً عبر مذكراتها ووجوداً حقيقياً كما تعيشه في الواقع ولكن الموضوع واحد في الحقيقة والخيال وهو يتعلق بالكاتب المعروف نائل عمران ولكنها أرادت أن تحول الخيال إلى واقع إذ تريد أن تعيش مع الرجل لعبة الوقائع التي تخيلتها بفعل الكتابة(52) وفعلاً يتداخل الخيال مع الحقيقة" غريب أليست هذه الباء الحقيقية تشبه كثيراً تلك الألف "الخيالية(53)؟" وعندئذ تحقق معادلتها إذ هي خيال مع حقيقة أو خيال في حقيقة. إن لعبة القناع هي الوشاج البنائي الذي يربط بين المستويين، إذ تبدو لنا سراب عفان من خلال مذكراتها وهي تتخيل علاقة معينة مع الكاتب نائل عمران يعيش لعبة القناع إذ تخاطب نائل عمران عبر قناع اصطنعته بنفسها ممثلاً في شخصية خيالية لا علاقة لها بالواقع، وهي رندة الجوزي، فعندما جاء الكاتب المعروف للموعد الذي ضربته له سراب عفان (وهذا اسمها الحقيقي) وكان لا يعرفها من قبل، استقبلته بهوية مغايرة وهي هوية امرأة ابتدعتها لنفسها (رندة الجوزي) ثم تواصل معه لعبتها والقناع على وجهها عن طريق الهاتف لتحادثه عن نفسها، ثم تنتهي اللعبة -في الخيال- بكشف القناع عندما تتوهم كيف أعلنت هويتها لنائل عمران وقد استقبلها في بيته على أنها رندة الجوزي" أدرت وجهي ما استطعت نحو شفتيه وهمست أنا سراب عفان (54) بيد أن هذه اللعبة التي "ابتكرتها ولعبتها مع نفسها في كتابة مذكراتها أياماً طويلة(55) تتحول إلى حقيقة إذ ترحل سراب عفان لكي تنخرط في بعض المنظمات الفدائية وإذا هي تستقبل نائل عمران بقناع الواقع إذ تنكر أنها تعرف هذا الكاتب الشهير الذي أحبته وأحبها(56) والقناع هذه المرة اسم مستعار كذلك هو "سلوى علي عبد الرحمن"(57) ولكنها لم تحكم وضع القناع إذ سرعان ما أسقطه نائل عمران(58) وهكذا يخرج القناع من الوهم ليتحول إلى حقيقة، يخرج من تصورات الأدب ليصبح جزءاً من الواقع المعيش في هذه الرواية. 5 .1تمثل رواية "الغرف الأخرى" تواصلاً واستثناءً في نفس الوقت، إذ تنقطع صيغة التناوب السردي التي مارسها جبرا في رواياته الثلاث التي حللناها ليعود إلى صيغة السرد الأحادي، إذ نحن إزاء سارد واحد يعيش الحدث لا شك مع مجموعة من الشخصيات الأخرى الغربية، ولكن لا أحد يشاركه هذه الوظيفة الأساسية الممتعة وهي وظيفة حكاية هذه الأحداث وسردها وتفسيرها وتبريرها ولذلك لا تؤدي الشخصيات في هذه الرواية من خلال فعل السرد وظيفة التكاشف والتفاضح ورفع القناع إذ ليست في وضعية متكافئة، فالسارد الذي لا نعرف اسمه الحقيقي -إن كان يحمل اسماً حقيقياً- يمارس سلطة السرد فنحن لا نتعرف على الأحداث إلا من خلال روايته لها ولكنه في نفس الوقت يخضع لسلطة رهيبة يفقد معها أية قدرة على الفعل والتفكير وهي سلطة غامضة لا يمكن فهم طبيعتها وتفسير طبيعة أفعالها. "إن الرجل الذي أنبئ بأنه متهم يقاوم مقاومة متصلة دون أن يوفق أبد الدهر لمعرفة من أوقفه وأين أوقف ولماذا أوقف وما من إنسان شرح له إن في الموضوع خطأ وانتقاماً..(59) "إنه رأي رم ألبيريس في رواية "القضية" لكافكا وهو بصيغته هذه لا يتعارض أبداً مع محتوى هذه الرواية التي كتبها جبرا وفيها يدخل سارده ومن وراءه قراءه في عالم كابوسي كفكاوي ولكنه لا يفقد تقنيته السردية المفضلة وهي تقنية القناع. فالشخصيات كلها هي شخصيات قناعية والعبارة ذاتها وردت على لسان إحدى الشخصيات "كفى كفى سيدي الأستاذ، إنه يراوغ، إنه يلبس قناعاً آخر، دكتور عادل، ضع عنك قناعك الآن، لدقيقتين أو ثلاث وأفرغ ما بذهنك مرة أخرى(60) وهي تتعامل مع بعضها البعض أو مع الشخصية الساردة بأقنعتها المادية الحقيقية، فالطبيب الجراح يضع على رأسه ووجهه قناعاً ليخفي شخصيته الحقيقية وهي شخصية عليوي(61)، ثم إن الأسماء ذاتها مجرد أقنعة إذ لا اسم يكشف عن حقيقة صاحبه(62) وكذلك الوجه إذ لم يعد يعكس هوية حامله(63) بيد أن هذه الأقنعة لا تسقط في نهاية الرواية وعندئذ يتصل القناع بمفهوم الغموض وهو انتقال ذو دلالة هامة في هذه الرواية عندما نقارنها بالروايات السابقة. 6. 1من خلال هذا التحليل يتضح لنا أن أسلوب القناع أسلوب قار في هذه الروايات التي كتبها جبرا إبراهيم جبرا إذ لا يكاد يختفي في رواية أو أخرى وهو بالتالي يميز صياغة الأحداث وبناءها في روايات كاتب "البحث عن وليد مسعود" ولكن بقدر ما يكون هذا الأسلوب أسلوب تمايز في السردية العربية الحديثة بقدر ما يسم البنية الروائية في هذه الأعمال بضرب من النمطية، فيكاد يكون الأسلوب البنائي الذي يتوخاه الكاتب واحداً لا يتغير ولكنه في ذات الوقت أسلوب ذو دلالة مفيدة تحتاج إلى تحليل وتفسير. يؤدي القناع في هذه الأعمال الروائية وظيفة فنية أساسية إذ عليه تقوم الحبكة الفنية للأحداث إذ تبلغ درجات توترها عبر القناع، فثمة دائماً في هذه الأعمال في مستوى بناء الأحداث والعلاقة بين الشخوص ضرب من الغموض الذي تبدأ به الرواية -فسراب عفان- من خلال يومياتها -تعيش زوبعة عاتية خارجة عن سياق الزمن(64) وتقدم على مغامرة تبدو منذ البداية متوترة" رنده يا قناعي المأساوي، يا قناعي الكوميدي، لماذا لا تتسترين علي(65)" يختلط فيها الخيال بالواقع. وتبدأ السفينة بتقديم شخصيات متعبة متوتّرة ضمتها رحلة سياحيّة عبر المتوسّط توحي برائحة الانتحار(66) لكن الغموض يبلغ أقصاه في "البحث عن وليد مسعود" وفي "الغرف الأخرى"، ففي الرّواية الأولى يتحوّل الغموض إلى ما يشبه اللغز(67) إذ لا أحد يخرج بحقيقة ثابتة عن قصّة اختفاء وليد مسعود وفي "الغرف الأخرى" يتحوّل إلى كابوس لأنّ الأحداث تغرق في الغرائبيّة ولا تخرج منها. 6. 2والغموض في روايات جبرا ليس اختياراً فنيّاً بقدر ما يعتبر عنصراً من عناصر الحبكة الروائيّة إذ يساعد على توتير الأحداث كلما كان القناع قاتماً وكبيراً ما تبدأ الحكاية في روايات جبرا متوتّرة على خلاف الرواية الكلاسيكيّة الّتي يطول التمهيد في مقدّمتها ثمّ تتوتّر الأحداث فيها شيئاً فشيئاً، ومن الطبيعي إذن أن تنتهي الرّواية عند جبرا، بضرب من الانفراج الحدثي الّذي لا يصاحبه انفراج نفسيّ إذ تكشف الحقيقة ولكن الواقع النفسي لا يتغيّر، إذ يدرك نائل عمران أنّ سلوى عبد الرّحمن هي سراب عفّان ولكن اكتشافه لا يغيّر من الواقع إذ أنّ سراب عفّان التزمت تنظيماً فدائيّاً ولا يمكن أن تعيش معه رغم حبّه لها وقد اكتشفت لمى عبد الغني أنّ الدكتور فالح عبد الواحد كان يحبّ إيميليا فرنيزي ولكن اكتشافها هذا لا يغيّر شيئاً من الواقع بعدما انتحر الزوج وقد اكتشفت شهد (وصال رؤوف) أنّ وليد مسعود قد عاد فدائيّاً أو هكذا تتوهّم ولكن اكتشافها هذا لا يؤثّر في الوضعيّة النهائيّة إذ اختفى وليد مسعود ولن يعود إليها وتظلّ رواية "الغرف الأخرى" استثناءً إذ لا تنفرج الوضعيّة ويظلّ "القناع" قائماً. 6. 3ومع ذلك فنحن نعتقد أن (أسلوب القناع- في روايات جبرا إبراهيم جبرا- دلالة أكيدة، فالشخصيّة القناع حاملة لمعنى العالم، فهي لا تستطيع أن تحيا العالم حقيقتها ولا تستطيع أن تتعاطى علاقتها فيه إلاّ عبر القناع وحالما يسقط القناع تصبح الحقيقة لا معنى لها، فلا حقيقة إذن إلا حقيقة القناع فالواقع كابوسي ولا يمكن معايشته إلاّ بالقناع والقناع وَهْمٌ شأنه شأن الحقيقة ذاتها، إنّه لعالم يخرج جبرا إبراهيم جبرا من مطبات الواقعيّة ذات البطل الإشكالي الّتي صاغها كتاب عديدون نحو ضرب من واقعيّة شعريّة تدنو من اللّغز والكابوس وتحطم حدود الواقعية التقليدية وتجعل من كاتب "السفينة" روائياً متميزاً في مسيرة الرواية العربية الحديثة. هكذا نلاحظ التمايز الواضح بين هذين الاتجاهين داخل الخطاب الواقعي الوصفي وهما اتجاها التوثيق والنقد، إن وجه التمايز في صورتي السارد والمشخص. ففي الاتجاه الأول يبدو الشخص شفافاً، قابلاً للحصر والعد، ثرياً قابلاً للوضع وتبدو اللغة متماسكة قادرة على وصف العالم ومن ثمة يبدو السارد عالماً عليماً بمشخصه، حريصاً على سلامة الرسالة وقادراً على أداء وظائف عديدة: وظيفة التوبوغرافي، والمؤرخ، والأنترويولوجي، والمحلل النفسي إلى غير ذلك من الوظائف التي تؤكد سلطة السارد على القارئ، فيضحي هذا النوع من الخطاب الروائي في علاقته بالقارئ خطاباً سلطوياً يؤسس علاقة لا متساوية بين سارد عارف، عالم بيداغوجي ومسرود له غير عارف، جاهل، في وضع المتلقي للمعرفة. إن هذه العلاقة السلطوية تتبدد تبدداً واضحاً في الخطاب الواقعي النقدي. فالعالم -في الخطاب الواقعي النقدي- لم يعد قابلاً للوصف إذ زالت حدوده وتاهت نتوءاته وانحسرت عين السارد واستعارت عين شخصيته وبالتالي أضحى العالم في حاجة إلى التحليل والفهم وأضحت الرسالة مرتبكة ميالة إلى الغموض إذ فقدت وضوحها وشفافيتها وهكذا استبدل السارد وظيفته الإعلامية التربوية بوظيفة تحليلية واستبدل نزعته الوثوقيّة والحقائقيّة بنزعة التباسية ميّالة إلى الشكّ ونتجت عن ذلك مجموعة من الظواهر الفنية حللناها في الفصول السابقة ونختزلها في ما يلي: الغموض: يعتبر التوق إلى إحداث التباس في سياق السرد قد يتحول أحياناً إلى غموض عنصراً أساسياً في إنشائية الخطاب وقد سجلت هذه الظاهرة الفنية في التعامل مع ضمائر السرد في روايتي "الشحاذ" لنجيب محفوظ و "الأشجار واغتيال مرزوق" لعبد الرحمن منيف وفي الخلط بين صوتي السارد والشخصية في رواية "الوشم" لعبد الرحمن مجيد الربيعي وفي أسلوب الشخصية "القناع" لجبرا إبراهيم جبرا. * الشخصية الإشكالية، تعد الشخصية الإشكالية هي الصورة المثلى في بنية الشخصية فثمة دائماً في الخطاب النقدي شخصية محورية تتعاطى علاقة مأزومة مع العالم وتحول بقية الشخصيات المحيطة إلى مرايا تعكس مظاهر متعددة لأزمتها. * تفقد الشخصية صلتها الوثوقية بالمكان الّذي يتحوّل إلى فضاء تيه. * يخضع السرد في مستوى تعامله مع الزمن إلى تقطيع حاد متواصل إذ يفقد السّرد تماسكه الناتج عن التتابع الحدثي. * يرتقي مستوى اللغة، فتدنو لغة السرد من الشعر. * يحول الخطاب النقدي الخطاب الروائي إلى خطاب استقطابي أحادي الصوت. ** الإحالات: (1) انظر مثلاً محمود أمين العالم، تأمّلات في عالم نجيب محفوظ- الهيئة المصريّة العامّة القاهرة 1970. (2) انظر كتابنا "حنّا مينة كاتب الكفاح والفرح" دار الآداب 1993. (3) صدرت طبعتها الأولى سنة 1970- ط1، دار الآداب 1990- بيروت. (4) صدرت طبعتها الأولى سنة 1978-ط1، دار الآداب 1981-بيروت. (5) صدرت طبعتها الأولى سنة 1986- عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت.. (6) صدرت طبعتها الأولى سنة 1992- عن دار الآداب بيروت. (7) لم نعتمد في هذا التحليل إلا الروايات التي صدرت باللغة العربية. (8) وجدتني بعد قليل أنخرط في مجتمعه، أدخلني فيه وليد وكأنه يريدني أن أكون مؤرخاً له" ص43. (9) "أخبرتني مريم أنك تكتب عنه كتاباً، لعلك تعرف أنت عنه حتى في تلك الأيام أكثر بكثير مما أعرف أنا" ص23. (10) نشير إلى العلاقة المتناقضة التي كانت تربط وليد مسعود بكاظم إسماعيل، انظر الرواية ص59-66. (11) شعرت أن وليداً أراد تضليلنا جميعاً بهذا الشريط الأخير أم أنه أراد وللمرة الأخيرة أيضاً أن يصارحنا جميعاً ويضع أوراقه على الطاولة، أين الوجه وأين القناع؟ أي الاثنين عرفت منه طوال عشرين سنة طارت وكأنها يومان "البحث" ص19. (12) قالت مريم "الغريب أن اسمي يرد وإذا هو اسم طفلة كان يعرفها أيام طفولته" البحث ص35. (13) عيسى ناصر يشهد موت مسعود الفرحان بعد أن عاصر بعضاً من حياته. (14) ينتهي المقطع على هذا النحو "كيف، كيف نخبرها بالذي حدث؟ أما من قرارة لهاوية الأحزان هذه ص110. (15) الرواية ص11. (16) الرواية ص20. (17) الرواية ص363. (18) الرواية، نفس المصدر. (19) أفتقده كل ليلة، أذكره كل يوم، أراه في كل عين، أبصر فيها نظرة حب، معي هو في حوار مستمر وفي خصام مستمر والخصام معه أطيب من الانسجام مع أي إنسان" البحث... ص307. (20) انظر البحث.. ص137. (21) البحث.. ص174. (22) لماذا أريد أن أتحدث عن وليد فأتحدث عن عامر عوضاً عنه؟ هل هما وجهان لعملة واحدة وهما على هذا التناقض؟ الحديث عن الواحد عندي يجر إلى الحديث عن الآخر فلا ضرورة للتساؤل عمن يسبق ومن يلحق" البحث، ص205. (23) ولكن وليد أوقعني (أم أنا أوقعته؟) في دوامة لا أستطيع التحدث عنها بالشكل الذي يرضيني" البحث، ص205. (24) البحث، ص291. (25) البحث، ص34. (26) البحث، ص348. (27) البحث، ص291. (28) راجع البحث، ص 65 خاصة. (29) فبعدما كان يدعي خميساً أطلق على نفسه اسم وليد. (30) انظر ص 189-190. (31) انظر البحث ص 193. (32) انظر البحث ص 138. (33) انظر البحث ص228. (34) انظر البحث، ص167. (35) انظر البحث، ص142. (36) انظر البحث، ص335. (37) انظر البحث، ص37. (38) ما حدث لطارق رؤوف مع مريم الصفار ووليد مسعود، البحث، ص165. (39) "لا أكتفي بهذا العشق لأنني من روعة الحياة كلها، لا أرضى إلا بك أنت، شهد ص277. (40) انظر السفينة، ص42. (41) انظر السفينة، ص128. (42) انظر السفينة، ص184. (43) انظر السفينة، ص184. (44) انظر السفينة، ص96. (45) انظر السفينة، ص97. (46) انظر السّفينة، ص157. (47) انظر السّفينة، ص187. (48) انظر السّفينة، ص202. (49) انظر السفينة، ص 227. (50) انظر السّفينة، ص228. (51) انظر السّفينة، نفس الصّفحة. (52) انظر يوميات سراب عفّان، ص25. (53) انظر يوميات، ص39. (54) انظر يوميات، ص42. (55) انظر يوميات، ص252. (56) انظر يوميات، ص 253. (57) انظر يوميات، ص256-257. (58) انظر يوميات، ص 268. (59) تاريخ الرواية الحديثة، منشورات عويدات ص 243. (60) الغرف الأخرى ص97. (61) انظر الغرف الأخرى ص100. (62) انظر الغرف الأخرى ص85. (63) انظر الغرف الأخرى ص69. (64) انظر يوميات سراب عفان ص14. (65) انظر يوميات سراب عفان ص14. (66) "أنا هنا للهرب كانت هناك فتاة إيطالية عائدة من لبنان صممت على أنها هي أيضاً هاربة" السفينة ص6. **** |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |