|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:47 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الخطاب الواقعي الاشتراكي: أدلجة العالم/ تورّط السّارد إذا كانت تلك إنشائية الخطاب الواقعي النقدي فإن إنشائية الخطاب الواقعي الاشتراكي لا تختلف عنها كثيراً. لقد كان الروائي الروسي "مكسيم غوركي" أول من استعمل عبارة "الواقعية الاشتراكية" في مقابل "الواقعية النقدية"(1) ونحن لا يهمنا تاريخ هذا الاتجاه في الأدب وما آل إليه أثناء حكم الاتحاد السوفياتي إذ "أن مفهوم الواقعية الاشتراكية، المشروع تماماً" يجد ذاته، قد أسيء فهمه كثيراً، بحيث أنه أطلق خطأ على لوحات أكاديمية تاريخية وشعبية كما أطلق أيضاً على روايات ومسرحيات قائمة أساساً على التجميل والدعاية.. (2). لقد حدد "إرنست فيشر" ERNEST FICHER هذا الاتجاه في الأدب قائلاً: "يخيل إلي أن من الأفضل استخدام عبارة "الفن الاشتراكي" فهي تصف بوضوح موقفاً، لا أسلوباً، كما أنها تؤكد على "المفهوم الاشتراكي" لا الطريقة الواقعية. إن الواقعية النقدية هي عبارة أوسع أيضاً. الأدب والفن البورجوازي بمجموعهما.. يتضمنان نقداً للواقع الاجتماعي المحيط. أما الواقعية الاشتراكية وبعبارة أوسع أيضاً، والأدب والفن الاشتراكيان بمجموعهما، فإنهما يتضمنان موافقة الفنان والكاتب الأساسية على أهداف الطبقة العاملة والعالم الاشتراكي الذي هو قيد النشوء، وواقع كون هذا التمييز ناتجاً عن موقف جديد. لا عن مجرد معايير أسلوبية جديدة، قد كان في الغالب محاطاً بالغموض بسبب أساليب التدخل الإداري في الفنون التي ظهرت زمن ستالين"(3). ومع ذلك فإنه من الصعب أن نحدد أنموذجاً ثابتاً ونهائياً يمكن أن يختزل الخطاب الواقعي الاشتراكي "فإذا كان النقيض" الواقعية النقدية/ الواقعية الاشتراكية" هو تبسيط زائد للمسألة، فهو يتضمن حقيقة أساسية، وبمقابل معنى الواقعية الاشتراكية بوصفها منهجاً أو بوصفها أسلوباً، فإن ثمة مسألة تبرز على الفور، ألا وهي: أسلوب من؟ ومنهج من؟ أأسلوب ومنهج غوركي، أم برست؟ مايكوفسكي أم إيلوار؟ إن مناهج هؤلاء الكتاب هي متباينة قدر المستطاع ولكن ثمة موقفاً أساسياً هو مشترك بينها جميعاً"(4). يمكن أن نختزل العناصر المشتركة بين التجارب الإبداعية التي يضمها الخطاب الواقعي الاشتراكي في ثلاثة عناصر: - أن يتبنى المبدع "وجهة النظر التاريخية للطبقة العاملة، وأن يقبل بالمجتمع الاشتراكي مع كل تطوراته المتناقضة، على أنها قضية مبدئية"(5). - إن "الفن الاشتراكي لا يكتفي بالرؤى الغامضة. إن مهمته لقائمة على وصف ميلاد "الغد" انطلاقاً من اليوم، مع كل ما يتعلق به من مسائل" (6). - إن الواقعية الاشتراكية هي أيضاً واقعية نقدية، تعتني بالقبول الأساسي للمجتمع الفنان، وبوجهة اجتماعية إيجابية، فشخصية الفنان لا تعود هنا ملتزمة باحتجاج خيالي ضد العالم المجاور ولكن التوازن بين "الأنا" والجماعة لم يعد أبداً ساكناً، ولا بد له من أن يرمم باستمرار من خلال التناقضات والنزاعات"(7). تلك هي المعايير الثلاثة التي اقترحها ارنست فيشر هذا المنظر الماركسي للأدب في كتابه "ضرورة الفن. THE NECESSITY OF ART وهي لا شك معايير أيديولوجية تنحصر في العقيدة الفكرية التي يحملها المؤلف والتي يمكن أن تتجلى على لسان السارد في العمل الإبداعي أو الشخوص الروائيين أو من خلال الرؤية الفكرية العامة التي تسود العمل الإبداعي. وعلى هذا الأساس نفهم لماذا يؤكد مؤلف كتاب "ضرورة الفن" على أن الواقعية الاشتراكية موقف فكري وليست أسلوباً خاصاً في الكتابة. ولكن هذا التصور العام المتعلق بالواقعية الاشتراكية يحتاج إلى تعديل ذلك أننا استنتجنا من النصوص الروائية التي تبنت هذا الاتجاه أنها سعت إلى إنشاء أسلوب يحمل معنى المفارقة بمقارنة مع الواقعيات الأخرى. فالموقف الفكري، الذي يتبناه الكاتب والمتمثل أساساً في وجهة النظر التاريخية للطبقة العاملة وقبول" المجتمع الاشتراكي" يؤثر في أسلوب التشخيص ويعدل أدوات السرد المختلفة وإذ كانت الواقعية في حد ذاتها واقعيات، فثمة بينها خطاب متميز هو الخطاب الواقعي الاشتراكي وثمة إنشائية مخصوصة هي إنشائية هذا الخطاب سنسعى إلى تحديد سماتها من خلال تحليل أنموذج دال في الرواية العربية المعاصرة يتمثل في رواية "الفلاح" لعبد الرحمن الشرقاوي. 1/ رواية الفلاح لعبد الرحمن الشرقاوي: انقسام العالم/ موقف السارد. ألف عبد الرحمن الشرقاوي أربع روايات هي: الأرض (1954)، قلوب خالية (1957) الشوارع الخلفية (1967) والفلاح (1967) وقد قدم حمدي السكوت عبد الرحمن الشرقاوي في مؤلفه الضخم.. الرواية العربية الحديثة، ببليوغرافيا ومدخل نقدي (1865-1995)(8) على هذا النحو: اهتم "الشرقاوي" بهموم الفلاحين في القرية المصرية وكانت رواية "الأرض" أول عمل ينطق الفلاحين بلغتهم الحقيقية ويقدمهم في صورة تفرض على القارئ أن يأخذهم مأخذ الجد وأن يتعرف عليهم كأناس لهم مشاكلهم وهمومهم المضنية ولهم قيمهم ومثلهم التي يضحون بالكثير في سبيلها وليسوا بالسذج ولا البلهاء كما تصورهم أفلام السينما عادة. وقد استطاعت الرواية أن تقدم صورة حية وصادقة للكثير من العادات ولأسلوب الحياة في القرية وحشد المؤلف لذلك مئات التفاصيل الواقعية الدالة ونجح بذلك في أن يقدم القرية على أنها بطلة الرواية وليست فقط خلفية لمأساة وقعت فيها كما هو الحال في "زينب" أو "في الحرام" ليوسف إدريس مثلاً. لكن الشرقاوي كان واقعاً -فيما يبدو- تحت تأثير مبادئ النقد الماركسي، ومن ثم وقع في هنات كان في غنى عنها. ومن ذلك مثلاً تقسيم القرية إلى معسكرين متصارعين، معسكر العمدة وأتباعه ومن خلفهم الباشا وهؤلاء لا تعرفهم إلاّ من خلال رأي الفلاّحين أو المعسكر العدوّ، ومعسكر السّلطة جاء كلّه شرّاً مطلقاً على حين جاء الفلاحون جميعاً تقريباً أخياراً بطبيعتهم، حتّى إذا اختلفوا وتنازعوا أو خدعوا سرعان ما يعودون لمعدنهم الأصيل متعاونين متحابين"(9) وقدّمت فاطمة موسى رواية الفلاّح على إثر صدورها مسلسلة في جريدة "الجمهورية" عام 1967 على هذا النحو: "رواية جديدة وجريئة فتح بها الشّرقاوي باباً آن أن يفتح في حياتنا الأدبيّة، لقد اقتصر الشّرقاوي في الماضي على تصوير الفلاّح في صراعه ضدّ الظلم في مجتمع ما قبل الثّورة، ولم يخرج عن هذا أيّ من كُتّاب المسرح أو الرّواية، من "الصّفقة" و "السّبنسة" و "ملك القطن" إلى "الساقية" و "شيء من الخوف" أما "الفلاح" فتصور مجتمع ما بعد الثورة، مجتمع الاشتراكية والإصلاح الزراعي وتقولها صريحة صارخة، إن أعداء الاشتراكية تسللوا إلى مناصب قيادية في القرية وما زالوا يسومون الفلاح خسفاً كما فعل أجدادهم، وما زالوا بعون الفاسدين من المشرفين يستغلون الفلاح خسفاً كما فعل أجدادهم ويحجرون على حريته ويحرمونه حقوقه التي خولها القانون، وتصور الرواية لوعة القاهري المثقف إذ تنكشف له هذه الحقيقة"(10). ثمة إذن من خلال ما كتب عن عبد الرحمن الشرقاوي تأكيد على وجهة النظر التاريخية التي يتبناها مؤلف رواية "الفلاح" وعلى قوله "بالمجتمع الاشتراكي مع كل تطوراته المتناقضة، على أنها قضية مبدئية" على الرغم من الاختلاف القائم في مستوى الحكم والتقويم. * إن عالم الفلاح كما صوره عبد الرحمن الشرقاوي محكوم برؤية تاريخية طبقية واضحة ذلك أن عبد المقصود أحد الشخوص الرئيسيين في الرواية: هو أنموذج المثقف الريفي الملتزم بقيم المجتمع الاشتراكي والمناضل من أجل ترسيخها وتأكيدها، فهو مدير المدرسة الابتدائية في القرية وعضو الجمعية التعاونية بها وهو ابن فلاح لا أرض له وهو الذي سيتزعم فيما بعد كل الأحداث التي جرت في القرية تصحيحاً "للمسار الاشتراكي" مصارعاً رزق بيه الإقطاعي الذي أراد مخالفة قوانين الإصلاح الزراعي متعاوناً مع بعض الموظفين وهو لم ينهل من معين الثقافة التقليدية ولم يكتف بالتعليم الذي تمنحه القرية لأبنائها قديماً بل انتقل إلى عاصمة الإقليم ليواصل تعليمه بمدرسة المعلمين. ثم عاد إلى القرية لكي يقوم بدوره التعليمي المتمثل في تعليم عصري يرتبط بالبيئة التي يعيش فيها طالب العلم. "أشغال يدوية عاملينها الأولاد والبنات ذات نفسهم" تعبير كده يعني عن البيئة المحلية" وعن أمل المستقبل، السد العالي"(11) وقد استطاع أن يصل إلى مراكز النفوذ في القرية، فهو إلى جانب إدارته للمدرسة الابتدائية والقسم الليلي لمحو الأمية مسؤول في الاتحاد الاشتراكي والجمعية التعاونية ولكنه من هذا الموقع الهام كان إلى جانب الفلاحين، متحالفاً معهم، يقاوم المخالفات الجسيمة "ضد مصلحة الفلاح وضد التطور الثوري وقوانين الإصلاح.(12) وهو لا يرث أرضاً لأن أباه كان فلاحاً عاملاً لا يملك، ثم إنه لا يملك أرضاً جديدة لأن قوانين الإصلاح الزراعي وزعت أراضي الإقطاعيين على الفلاحين الفقراء مثل أم سالم وعلى النقيض يبدو الشيخ "طلبة" إمام القرية، بدأ حياته يرتل القرآن بصوته الجميل وسرعان ما أصبح الحكيم الواعظ الناصح في القرية يسأله الناس الرأي والفتوى" أنا يا ابني أقرأ القرآن ولي سمعة وأنت في بطن أمك، الناس تسألني الرأي والفتوى وأنت في بطن أمك"(13) وقد ظل في خدمة الطبقة الاجتماعية التي كانت سائدة قديماً ثم دخلت مرحلة الصراع مع طبقة الفلاحين المتحالفة مع البرجوازية الصغيرة، فمنذ أن جدت الأحداث في القرية إلى أن انتهت وهو يحاول ممارسة بقايا سلطته الروحية خدمة للإقطاعي "رزق بيه" الذي سمحت له طبيعة النظام السياسي القائم بالبقاء في مراكز النفوذ في القرية، فهو يرفض فصول محو الأمية ويمنع ابنته تفيدة من حضورها و يرفض تعليم المرأة(14)، وتنطلق مواقف الشيخ طلبة من كل القضايا التي حدثت في القرية من مصالحه الشخصية ومن وضعيته الطبقية، فهي وحدها التي تحدد هذه المواقف، وإذ كان لا يملك أرضاً فهو يساند "رزق بيه" لأنه يضمن له رزقاً في بيته وبيت المشرف الزراعي. ولما تطورت الأحداث بسبب الأراضي الخصبة التي كان "رزق بيه" يبتزها من الفلاحين ويستبدلها لهم بأخرى قليل خصبها وقف يساندها (15) فإذا كان الفلاحون يدافعون عن أراضيهم التي منحها إياهم الإصلاح الزراعي. فإن الشيخ طلبة ليس فلاحاً وليست له أرض: "وأنت مالك؟ الله" واحنا مالنا.. احنا لا لنا أرض ولا لنا مصلحة بالحاجات دي، ولا بنزرع ولا بنقلع، احنا ما لنا..(16) فقد أدرك أن مصلحته انتفت مع تقلص العهد القديم عندما رفضه المشرف الفلاحي الجديد(17)، فقد تطورت الحياة وأصبح بإمكان المشرف أن يستمع إلى القرآن عن طريق "الراديو" ثم إنه جاء إلى القرية ليرعى مصلحة الدولة(18). وهكذا يعكس تواجد الشخصيتين وصراعهما الفكري المتواصل الصراع الطبقي الموجود في المجتمع فالإقطاعية لا تزال تدافع عن وجودها الاقتصادي والاجتماعي والطبقة الفلاحية الصاعدة تكرس نفوذها لأنها طبقة المستقبل وعلى هذا النحو تعرض علينا رواية "الفلاح" شخوصها فهم من خلال أفعالهم يجسدون انتماءاتهم الطبقية ويتحركون في الحكاية وفق مصالحهم الاجتماعية في مجتمع الاشتراكية والثورة فعبد المقصود رجل مبادئ في القرية وهو يستمد آراءه وممارسته من "الميثاق" ميثاق الحزب الحاكم ومن شعاراته "حتمية الحل الاشتراكي"(19) كما يوظف موقعه الملتزم في المدرسة ليجعلها في خدمة السلطة القائمة إذ يعلم الصغار والكبار مبادئ الميثاق وآراء الرئيس جمال عبد الناصر(20) ولئن دخل في صراع مع "رزق بيه" وأتباعه فلطبيعة السلطة السياسية القائمة على الصراع بين القديم والحديث والثابت والمتحول وهي سلطة تجمع بين النقيضين، بين برعي المحامي والمدافع عن بقايا الطبقة القديمة وعمار الشبيني العامل المختص المتحالف مع قضايا الفلاحين في أعلى سلطة الاتحاد الاشتراكي في الإقليم. ولا شك أن السارد نفسه وهو مثقف التزم بقضايا الحرية والاشتراكية وناضل فكرياً من أجلها، ينطلق من بعض مواقفه الأيديولوجية وهو يرى أن سر مأساة الفلاح في القرية المصرية في ستينات القرن العشرين، يعود إلى الطبقة الجديدة التي تعيش فيها مدعومة بأقربائها في المدينة والتي استطاعت أن تتسلل إلى أجهزة الدولة وجهازها السياسي لتكون جهازاً سرياً مترابطاً، يحتمي بسلطان الدولة وقانونها ليجعل حياة الفلاحين جحيماً ويضعه في وضعية أيأس من وضعيته في عهد الأحزاب فإن التحول والتقدم والتغيير أمور ضرورية بالنسبة إلى عبد المقصود والسّارد الّذي يبدو أنّه أعلى مرتبة علميّة ولكن التقدّم والتحوّل والتّغيير لا تكون إلاّ عن طريق الممارسة الدّيمقراطيّة الّتي يجب أن تعتبر مسألة تحالف المثّقفين مع الفلاّحين مسألة أساسيّة، وتلك نظريّة الحزب الّذي ينتمي إليه السارد وهو حزب ينفي نظريّة الصّراع الطّبقي، فالسّارد يوهمنا بأنّ الفلاّح "تخلّص من الاستغلال وتتلخّص مأساته في تحقيق قيم مجرّدة كالحريّة والكرامة الإنسانية"(21) اعتقاداً منه في إمكانية تحقيق حرية الإنسان وهو لا يجد لقمة العيش. وإن رأي مؤلف "الروائي والأرض" في هذا الطرح إسقاطاً لمشكلة المؤلف عبد الرحمن الشرقاوي، على الفلاح (22) وهو ينطلق من موقف حزبي واضح من خلال انتمائه القديم للحزب الشيوعي في مصر الذي كان يطرح مسألة الحريات والديموقراطية شأن أغلب الأحزاب الشيوعية في ستينات القرن العشرين، فإننا نعتقد أن مشكلة الفلاح على هذا النحو هي مشكلة المثقف المنتمي في هذه الرواية. فعبد المقصود يمثل البرجوازية الصغيرة في الريف المصري وهي التي تسعى كما يرى عبد الله العروي إلى السلطة والنفوذ وإلى كسب مواقع هامة في المجتمع الاشتراكي وهي التي يعتمد عليها الحزب السياسي (الاتحاد الاشتراكي) الذي تنتمي إليه هذه الشخصية الروائية. ولذلك فهي التي تتزعم قضية الفلاح ولكنها من خلال تزعمها لهذه القضية تسعى إلى تحقيق طموحاتها وتكريس قيمتها عن طريق هذه الكتلة الاجتماعية التي تسعى إلى تحقيقها (برجوازية صغرى+ فلاحون) مجابهة لطبقة الإقطاع والبرجوازية. إن هذه الرؤية السياسية الواضحة التي يتبناها بعض شخوص الرواية وسارد أحداثها هي رُؤية تاريخية ترى أن المجتمع الاشتراكي بصدد الإنجاز رغم التناقضات الكثيرة التي وقع فيها ولكنها أيضاً رؤية تبشيرية تعلن عن ولادة أمل في مستقبل أفضل تتحقق فيه العدالة الاجتماعية والحرية، فها هو السارد يصف تطلع شخوصه المناضلين إلى غد أفضل قائلاً: "وظللت أدير نظراتي في إكبار يخالط الإعجاب بين عبد المقصود وعبد العظيم وأم سالم وهذه الوجوه المتوترة المطمئنة مع ذلك، التي ترفض المهانة وتتحدى السخرية، هذه الرؤوس التي أخذت ترتفع وتواجه قدرها، كل هذه النفوس المتطلعة في ثقة إلى غد كأنها تصنع مصيرها وتنسج مستقبلها خيطاً بعد خيط ببراعة الأيدي الصغيرة التي نسجت السد العالي والماء الأخضر المتدفق والجرارات البخارية على المغرس الكتان، براعتها وثقتها وبساطتها، ونبالتها أيضاً.. لكم يملؤنا هذا كله ثقة بالمستقبل"(23) وتتكرر هذه النزعة التبشيرية في مقاطع سردية كثيرة(24) ولكنها نزعة تبشيرية لا يخفي فساد الواقع ذلك أن خطاب السارد يلح على ظاهرة الفساد التي تعوق تحقيق الاشتراكية وتتمثل في ظهور طبقة اجتماعية جديدة تمتلك السلطة والنفوذ وتتحالف مع الطبقة الإقطاعية القديمة لتكريس القيم الاجتماعية القديمة التي تناوئ الفلاح وتستغله وتسيء معاملته، ويكتسي في هذا السياق خطاب السارد نزعة تحريضية مباشرة: "أتثبت لهم قدرتهم على أن يضعوا الألم للآخرين.. إنهم كائنات تمارس وجودها، وتملأ الفراغ بمثل هذه الأفعال؟.. أين الحرية التي توفرها الاشتراكية للكائنات إن كان الإنسان ما زال يستطيع أن يهدد الإنسان إلى هذا الحد، وإذا كان بعض الملاك وبعض موظفي الدولة أو أصدقاؤهم ما زالوا يستطيعون أن يقهروا المواطن؟.. الخلاص من القهر، ومن الإحساس بالذل، ثم الشعور بأن الإنسان قادر على أن يمارس طاقاته، وأنه مؤمن في كبريائه وفي مستقبله.. هذا كله هو أول ما تحققه الاشتراكية"(25) وهكذا تتصل ظاهرة الفساد بقضية الحرية، فمن وجهة نظر السارد لا يتحقق مجتمع اشتراكي في غياب الحرية وأن أصل الفساد مرده قهر المواطن ومنعه من حرية التعبير عن ذاته. إن مشكلة الفلاح التي تبناها عبد المقصود في رواية "الفلاح" هي في جوهرها مشكلة حرية، فالفلاح" وإن كان قد أصبح يملك الأرض حقاً إلا أنه سلب في الواقع حرية استغلال أرضه، سلبها منه رزق بيه ومشرف الجمعية التعاونية الزراعية ومشرف الإصلاح"(26) لقد استطاع رزق بيه أن يغتصب أراضي الفلاحين التي منحها إياهم قانون الإصلاح ومنعهم من أن يتصرفوا فيها بحرية مستعملاً نفوذه وعلاقته بمن ترسلهم المدينة للسهر على مصلحة الفلاحين" بعد ثلاثة عشر عاماً من الثورة التي قامت لترد الأرض إلى الفلاح وتتيح له أن يمارس حريته وأن يسيطر على مصيره"(27) ولقد أراد أيضاً أن يعطل حرية الاختيار والممارسة الديمقراطية عندما رفض تجديد هيئة الجمعية التعاونية بل سعى بكل جهده عند الانتخابات ليحول دون الاختيار الحر لأعضاء الهيئة وليحول دون تمكين الفلاح من حرية التعبير وإبداء الرأي(28). لقد آمن عبد المقصود إذن بمبدأ الحرية في التعبير وأخذ القرار، فهو يقف في الاجتماع حازماً ليحسم بين الآراء عن طريق التصويت، ولذلك لما ضرب "رزق بيه" الفلاح سالماً، رأى عبد المقصود في ذلك مخالفة قصوى لحرية الإنسان ومواصلة لممارسة العبودية والاستغلال، فأقام الدنيا وأقعدها، وبالرغم من انتمائه إلى جهاز الحكم، عاش الاضطهاد، فسجن وعذب من أجل تحقيق حرية الفلاح في استغلال أرضه. هكذا إذن تبدو "الواقعية الاشتراكية" موقفاً فكرياً وأيديولوجياً كما يرى "إرنست فيشر" ولكن الواقعية الاشتراكية بما أنها خطاب، هي أسلوب في الحكي أيضاً. بنية الشخوص: إن بنية الشخوص في رواية "الفلاح" ومن ثمة في خطاب الواقعي الاشتراكي- بنية نمطية ذلك أن السارد يركز على التاريخ الاجتماعي الذي يتحكم في بناء الشخصية وعلى مدى علاقتها بوسيلة الإنتاج داخل المجتمع، فعبد المقصود رجل ينتمي إلى عائلة لا تملك أرضاً. فقد كان أبوه مجرد عامل والشيخ طلبة لا يملك أرضاً في حين يبدو عبد العظيم فلاحاً ملاكاً، يرث أرضه من جده وبالتالي فعلاقته بها علاقة تاريخية طويلة ومن ثمة يكون الفعل مرتبطاً بموقع الشخصية من وسيلة الإنتاج التي تتمثل في رواية الفلاح في الأرض وكذا الشّأن في رواية "الأرض" للكاتب ذاته، ثمّ إنّ تصنيف الشّخصيات في علاقتها ببعضها بعض تصنيف نمطي قوامه الصّراع الطّبقي. إنّ الأرض تحوّل الشّخصيات إلى كتلتين اجتماعيتين متصارعتين هما الإقطاعيّة الّتي تستغلّ الفلاّحين وتستعبدهم والاشتراكيّة الّتي تمنح الأرض لمن يكون في خدمتها وهكذا تتصارع الشّخصيات الرّوائية من هذا المنطلق الطّبقي ولكن نهاية الصّراع تكون لفائدة الفلاّحين الضعفاء كما تشاء أيديولوجيّة السّارد الّتي تؤمن بالحتميّة التاريخيّة الماركسيّة" فالّذي كان أجيراً مستغلاً أيّام أبيك أصبح الآن يترحّم على تلك الأيّام على الرّغم من أنّه يملك الآن أرضاً ولا أحد يستغلّه فيها بعد إنّه يملك قوام الحرية: "الانعتاق من ضغط الحاجة، ومع ذلك فرجال مثلك يسلبونه الثقة والأمن والانطلاق.. إنك باسم الاشتراكية تسحق كل ما هو رائع ونبيل في الاشتراكية: حلم الإنسان بالحرية أمام الحاجة، وبالانتصار على الخوف وبالقوة أمام المصير. شعور الإنسان بأنه سيد الكائنات وسلطان الأرض وإحساسه بقداسة كيانه وروحه.. وبأن له الحق في أن يحترم" (29) علاقة الشخصية بالمكان: إن المكان في رواية الفلاح- ومن ثمة في الخطاب الواقعي الاشتراكي- ليس في ذاته وإنما في علاقته بالشخصية الروائية ومن السهل أن نلاحظ أن السارد قلما يهتم بوصف المكان ومؤثثاته أو بمعالمه الجغرافية والعمرانية وهو نقيض ما لاحظناه في رواية الدقلة في عراجينها، فخطابها الواقعي التسجيلي- يحتفي بالمكان وبصورته المتعددة الأبعاد. ذلك أن المكان-في الخطاب الواقعي الاشتراكي، هو مجال للصراع الاجتماعي، والشخصية لا تحقق وجودها إلا بامتلاكه والهيمنة عليه، فهو عندها قيمة لا تتحقق إلا بواسطة الصراع وهي عند السارد قيمة تاريخية إنسانية لا تتغير مع تغير الزمن فهناك "شيء ما يجمع عبر الزمن بين الذين يعذبون في أرض النبي منذ قرون والذين تمزق لحومهم بالديناميت في جنوب اليمن، ودم المسيح، والذين تهتز رؤوسهم في أيدي السفاحين بفييتنام والذين طردوا من أرضهم في فلسطين، وبين سالم هذا الذي صلب بالأمس إلى جذع نخلة وضرب بأداة ضرب الحيوان"(30) تورط السارد: يبدو السارد في رواية "الفلاح" ذا علاقة بالأحداث، فقد كان عليها شاهداً ولكن تدخله فيها يظل محدوداً ولكنه يؤدي وظيفته الأساسية إذ يمثل الواسطة بين العالم الروائي وبين القارئ وإذا كان العالم الروائي قائماً على الصراع فإن السارد لا يعرض علينا هذا الصراع القائم بين الشخصيات عرضاً موضوعياً ومحايداً بل يتورط في رؤيته ليتبنى موقف كتلة اجتماعية على حساب أخرى ويرتقي خطابه إلى ضرب من الشعرية الشفافة، من خلالها، يبشر بقيم هذه الكتلة الاجتماعية ويمنحها عمقها الإنساني: "كنت مثلهم مؤمناً أن الحق معهم، وأنه من المستحيل أن يبقوا محبوسين أكثر من ساعات، ثم يدرك الذين حبسوهم بعدها خطأهم، ويطلقون سراح الرجال، ويعتذرون وإن اعتذار الدهر كله، لا يمحو ظلم ساعة واحدة، تهدر فيها حرية إنسان أو كبرياؤه، وإن كانت كل مباهج الدنيا لا تصلح عزاء عن لحظة تعذيب وفيضان من دموع الندم لا يطفئ لهب الغيظ"(31) ويتحول الخطاب إلى خطاب أيديولوجي مباشر على نحو: "ما زال عصرنا مسؤولاً أمام الأطفال والشرفاء وكل المؤمنين بالقيم الفاضلة: ما زال عصرنا مسؤولاً أمام كل هؤلاء عن إخضاع الحياة للمثل وإنقاذ الذين يدخلون بفتوتهم الجديدة إلى زحام الحياة من التمزق الذي يخلقه التعارض الحاد بين القيم الفاضلة التي آمنوا بها وبين فساد الأخلاقيات اليومية" (32). كذلك تتطابق رؤية السارد الأيديولوجية مع رؤية الشخصيات المحورية إلى درجة أن السارد في رواية "الفلاح" يندمج صوته في أصوات شخصياته الحاملة لعقيدته الفكرية فلا تُميُّزُ أحياناً كثيرة بين الحوار الباطني الذي تقوله الشخصية وبين خطاب السارد ويحل السارد أحياناً أخرى محل الشخصية ليتحول الخطاب إلى عملية استبطان تلتقي عبرها رواية الشخصية برؤية السارد وتندمج فيها: "أصبر، ورزق يعلقني إلى جذع نخلة ويضربني بأقسى مما يضرب خيله" رح هناك في سراي رزق وانظر ماذا يأكلون.. العسل.. يا حضرة الناظر.. الشهد يا عم عبد المقصود.. ونحن هنا في قرية واحدة.. آه يا سالم لم تعلم أن هناك ما هو أهم.. إن ابنك يا سالم يستطيع أن يكون رئيساً لابن الذي يقتني هذا الكلب.."(33) وبذلك يصبح السارد حامل أيديولوجيا في النص الروائي. هكذا يتضح لنا من خلال هذا التحليل أن أبرز ما يميز الخطاب الواقعي الاشتراكي عن الواقعيات الأخرى هو الموقف الأيديولوجي الذي ينتجه الخطاب والذي يشترك في إنتاجه السارد ومجموعة من الشخصيات الروائية التي تعانق رؤيتها للحياة والعالم رؤية ساردها. ويتضح لنا كذلك أن ثمة ظواهر فنية تتصل بأساليب الحكي يمكن أن تكون سمة تميز الخطاب ولكنها تظل ظواهر محدودة ذلك أن الخطاب ينهل إنشائياً من التقنيات العامة التي تؤسس الخطاب السردي الواقعي وهو شأنه شأن الخطاب الواقعي لم ينج من خطر التنميط والإشكاليات التي يطرحها وقد أسس جماليته الخاصة التي تبدو لنا في أجلى مظاهرها من خلال أعمال حنا مينه الروائية الأخيرة". ** الإحالات (1) انظر، إرنست فيشر، ضرورة الفنّ- دار الحقيقة، بيروت، د. ت. ص131. (2) المرجع ذاته، الصفحة ذاتها. (3) المرجع ذاته، ص131-132. (4) المرجع ذاته، ص134. (5) المرجع ذاته، ص 135. (6) المرجع ذاته ص137. (7) المرجع ذاته، ص139. (8) طبعة تجريبية استطلاعية محدودة، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة 1998. (9) الرواية العربية الحديثة، ببليوغرافيا ومدخل نقدي (1865-1995) ص69-70. (10) انظر فاطمة موسى، الأعمال الكاملة(2) الجزء الأول: في الرواية العربية المعاصرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب - 1997 ص184. (11) الفلاح- مؤسسات بن عبد الله، تونس 1975 ص81. (12) الفلاح، ص101. (13) انظر الفلاح، ص44. (14) انظر الفلاح، ص 45-46. (15) انظر الفلاح، ص142. (16) انظر الفلاح، ص 143. (17) انظر الفلاح، ص 170. (18) انظر الفلاح، ص171. (19) انظر الفلاح، ص94. (20) انظر الرواية، ص92. (21) انظر محمد طه بدر، الروائي والأرض. (22) المرجع ذاته، ص161. (23) الفلاح، ص91. (24) انظر مثلاً الرواية، ص 117-118 واقرأ كذلك هذا المقطع "أمل المستقبل يا أستاذ عبد المقصود.. كم من الكلمات المضيئة تنطلق هنا بغتة في يسر غريب، كشعاع فجر جديد بعد الظلمات" ص81. (25) الفلاح، ص111-112. (26) انظر، الروائي والأرض ص161. (27) انظر الفلاح، ص100. (28) انظر المصدر ذاته، ص101. (29) انظر المصدر ذاته، ص281. (30) انظر المصدر ذاته، ص63. (31) انظر المصدر ذاته، ص185. (32) انظر المصدر ذاته، ص180. (33) انظر المصدر ذاته، ص 118 *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |