إنشائيّة الخطاب في الرّواية العربيّة الحديثة- د. محمّد الباردي

دراسة- من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

2)حنا مينه وجمالية النموذج: تشابه العالم/ انغلاق الشارد

لقد أصدر حنا مينه إلى حد الآن واحداً وعشرين نصاً روائياً، وهو يكاد يكون الروائي العربي الوحيد المنتظم في إصداراته، إذ يظهر للناس في كل عام رواية جديدة، ولا أحد يشك في أهمية التراكم الإبداعي في الجنس الواحد ولدى الكاتب الواحد والمبدعون المعترف لهم بقدرتهم الإبداعية، من المقلين، قلائل ومع ذلك فلوفرة التراكم أيضاً إشكالياته الإبداعية وعوائقه الفنية، فالتراكم -ضرورة- إضافة فنية نوعية، وهو تجاوز للتجربة الإبداعية الذاتية وتجاوز للسائد من المفاهيم والرؤى المتصلة بالإبداع. على هذا النحو نستقبل تلك النصوص الجديدة التي كتبها حنا مينه ولم يسبق لنا أن تعرضنا إليها في كتابنا "حنا مينه: كاتب الكفاح والفرح"(1) وهذه النصوص نحصرها في العناوين التالية مرتبة حسب تواريخ صدورها: حمامة زرقاء في السحب (1988)- نهاية رجل شجاع (1989) الولاعة (1190) فوق الجبل وتحت الثلج (1991) - الرحيل عند الغروب (1992) النجوم تحاكم القمر (1993).‏

وعلى الباحث في أدب حنا مينه يلح سؤال عميق: إلى أي مدى استطاع حنا مينه وهو ذو تجربة إبداعية عميقة أن يتجاوز ذاته في هذه النصوص الجديدة ويتحرر فيها من النماذج السردية التي صاغها بنفسه ونحتها من خلال نصوص إبداعية، أصبحت الآن شهيرة؟. لا يمكن للباحث المختص أن تفوته ملاحظة وردت في آخر ما كتب حنا مينه أي ذاك النص الذي يحمل عنوان "النجوم تحاكم القمر"(2) فلأول مرة يخص الكاتب قراءه بصفحة يوضح فيها نهجه في كتابة رواية جديدة فهو يقول: "هذه رواية ومسرحية معاً، فمن شاء أن يقرأها رواية ففي وسعه ذلك ومن شاء أن يقرأها مسرحية ففي ميسوره أن يفعل وهو مشكور على الحالين- إن التجريب، مع الابتكار، ليس صرعة قصدية بالنسبة إلي، بل هو هدف أسعى إليه مجتهداً، وقد تعدد وتنوع في رواياتي العشرين التي كتبتها حتى الآن وصدرت كلها عن دار الآداب، ويمكن الرجوع إليها أو إلى بعضها، خاصة الذي صدر في السنوات الأخيرة، ليتأكد مما قلته في مناسبات سابقة عن تقلص مساحة السرد في رواياتي، ليتسع مجالها للحوار الذي أرى فيه تعبيراً أعمق عن الذات، وهذا النهج ليس إتباعاً للرواية التي دعا إليها توفيق الحكيم وإنما هو محاولة في الرواية تمزج السرد بالحوار، وتعطي للشخصيات أن تقول سريرتها في مكاشفة تنبني على أرحب مدى من الحرية"(3) إن أهمية الملاحظة تكمن في أن حنا مينه يذكر لأول مرة عبارة "تجريب" بمعناها الإيجابي، فرغم محاولة التمييز بين التجريب والابتكار كأن التجريب ليس إبداعاً متواصلاً وابتكاراً مستمراً، فإنه على كل حال ينبه إلى أنه لم يعد يتعامل مع هذا المفهوم تعاملاً يحمل معنى الرفض أفليست روايته الجديدة هذه النجوم تحاكم القمر- في بعض وجوهها وكما يراها الكاتب- تحمل بعداً تجريبياً، وكذا الشأن بالنسبة إلى الروايات العشرين السابقة كما يتصورها مؤلفها. لقد استقبل حنا مينه من قبل، كل الحركات الأدبية في الرواية، التي تنأى عن الواقعية الخلاقة"(4) أي الواقعية الاشتراكية بروافدها المختلفة ووفق النموذج الذي صاغه لها، بضرب من النقد القاسي الذي يتحول في كثير من الأحيان إلى رفض واضح، فكل الأشكال الأدبية التي تزيغ عن الواقعية كالوجودية والعبث وحتى الرواية الجديدة، تتصل حسب الكاتب بالمد الرجعي في الوطن العربي ويعتبرها من نتائج هزيمة العرب في حزيران 1967، وهو إذ يرفض "الرواية الجديدة" باعتبارها رواية شكلانية فهو كذلك يمتعض من مناهج النقد الحديث كالبنيوية والمنهج الاجتماعي، فالنقد الأدبي هو حسب اعتقاده -إبداع يعقلن الأثر الأدبي ويقوده، وهو في هذا السياق يتهم المثقفين المغاربة لأنهم -حسب اعتقاده- يروجون هذه الاتجاهات الأدبية الجديدة(5) ونحن لا نريد أن نجادل الكاتب في أفكاره، فهو مبدع ومن حق المبدع أن يفكر بالطريقة التي يراها بيد أن دلالة الموقف الجديد تهمنا لأنها تثير قضايا جديدة بالنسبة إلى الكاتب والباحث معاً.‏

إن دلالة الموقف تتمثل في أن حنا مينه وقد بلغ أوج مراحل العطاء الأدبي أصبح الآن يدرك أهمية التجاوز، فالخطر الذي يمكن أن يهدد المبدع هو انغلاقه على ذاته فيصبح النموذج الذي غدا مكتملاً منذ الأعمال الأولى متحكماً في عملية الإبداع، يحدها ويقلص طاقتها التخييلية ومن ثمة يكون التجريب عند بعضهم، تحريراً متواصلاً لطاقة الخيال وتجاوزاً مستمراً للسائد من نماذج أدبية وفنية مختلفة ورفضاً للنمط داخل تجربة المؤلف الواحد وخارجها.‏

بيد أن ممارسة حنا مينه للتجريب من خلال نصه الأخير "النجوم تحاكم القمر.. تبدو لنا ممارسة محدودة، فهي لا تخرج عن تغليب الأسلوب المباشر على الأسلوب غير المباشر أو على حد تعبير المؤلف نفسه "تقلص مساحة السرد.. ليتسع مجالها للحوار"، فمنذ القديم أخذت الرواية عن المسرح أسلوبه الحواري ولكن الرواية تظل دائماً جنساً تشخيصياً في حين تظل المحاكاة قوام المسرح، لكن الحوار في هذا النص الجديد تجاوز حده إذ قلص دور السارد فضاقت تلك الفسحة التي كانت تسمح له بالوصف والتأمل والنظر والتعمق في سبر أغوار الشخوص وتبرير تصرفاتهم.‏

وإذا استثنينا الصفحات الأولى من النص حيث يقدم السارد البطل "عناد الزكرتاوي" في رحلته إلى بيت منعزل وهو كاتب روايات يحيل على المؤلف "حنا مينه" نفسه، إذ يذكر السارد في سياق الرواية تاريخ ميلاده وشخصيات رواياته.. ورواياته التي كتبها ويعرفها القارئ، فإن الحوار يظل قوام النسيج السردي عبره تقوم الأفعال وتنمو وتتطور ولكن أهمية الحوار لا تشرع لهذا النص السردي خرق النموذج ولا تمنحه سمته التجريبية فالقارئ العربي وهو يقلب صفحات هذه الرواية الجديدة لحنا مينه، يجد نفسه -ضرورة- يفكر في نص مسرحي شبيه من حيث بنيته الفنية وحبكته العامة رغم مفارقته من حيث الفكرة والموضوع وهو نص "الطعام لكل فم" لتوفيق الحكيم، ثم إن تقليص السرد في بعض الروايات الأخيرة وخاصة في "النجوم".. يقرب النص السردي من المسرح لا شك ولذلك فهو يخرجه من جنسه -وهو جنس الرواية- ليدخله جنساً مغايراً وهو المسرح ومثل هذه العملية الإبداعية لا تثير إشكالية خاصة بطبيعة الجنس على أساس أن الجنس الروائي -كما أسلفنا جنس تشخيص هجين بقدر ما تعكس رغبة المؤلف في الخروج من حدود الجنس وإشكالياته للارتماء في أحضان جنس بديل معروف.‏

إن المحاولة التجريبية الوحيدة في أعمال حنا مينه تتمثل في رواية -مأساة ديمتريو(6) وللرواية في حد ذاتها قصة، فقد كان هذا العنوان في البداية عنواناً لقصة قصيرة حررها المؤلف سنة 1971 وصدرت ضمن المجموعة الأولى.. "الأبنوسة البيضاء" والنص الكامل لهذه الأقصوصة تحول في الرواية إلى الفصل الأول تحت عنوان "الصوت الأول" وقد صدر برمته في مجلة الآداب‏

(7) كما صدر الفصل السادس من الرواية في مجلة المعرفة السورية ويهمنا بصفة خاصة الفصل الأول من هذه الرواية أو القصة القصيرة في حد ذاتها لأن التوسيعات التي أجراها حنا مينه في هذه القصة القصيرة وحولتها إلى رواية أبطلت بعدها التجريبي وأعادتها إلى النموذج السردي الذي بناه حنا مينه من قبل.‏

في هذه القصة القصيرة تنسج الوظائف السردية حكاية موسيقي يوناني الأصل يدعى ديمتريو يعيش تمزقاً حاداً بين العقل والقلب وفي لحظة من حياته أدرك أنه أصبح واقعياً أكثر من اللازم فاستغرق في عملية استبطان عميق، واكتشف أنه يحب أم تلميذه الذي يعلمه الموسيقى، وبذلك يجد ديمتريو العقلاني نفسه في مواجهة توأمه ديمتريو العاشق فقد اكتشف العاشق ابتسامة المرأة الجميلة مرسومة على الورق ولكن التوأم يتهمه بعقله ومنطقه ويؤكد له أن علاقة عشق بين موسيقي فقير وامرأة غنية تسمح لنفسها بأن تخص ولدها بمعلم للموسيقى لا يمكن أن تتحقق ولكنه عبثاً يحاول أن يمحو الابتسامة على الورق، وهكذا قرر ديمتريو أن يعالج عقله حتى يعالج قلبه، وهكذا استخرج مخه من جمجمته وفحصه لعله يجد فيه مرضاً ظاهراً يداويه وبذلك يستطيع أن يلقي درسه في الموسيقى دون أن يضعف أمام المرأة الجميلة، لكنه اكتشف أن عقله سليم سلامة قلبه ولم يعثر فيه إلا على ابتسامة مرسومة على شفة. وهكذا أصبح حبه حقيقة لا يمكن إنكارها فأدرك ديمتريو أن المرء لا يمكن له أن يفر من ذاته وينكرها.‏

في هذه القصة يقطع حنا مينه مع تشخيص الأفعال النموذجية ذات البعد الواقعي ليبني أفعالاً سردية يتداخل فيها اللاواقع والرمز وتدنو من العجائبية بما هي إدخال عنيف لغموض في إطار الحياة الواقعية إذ تعرض القصة شخصية عادية تعيش في العالم الواقعي حيث توجد ثم توضع فجأة أمام ما لا يمكن شرحه، وهكذا يصبح الفعل السردي قطيعة مع النظام المعترف به وبروزاً مفاجئاً لما لا يمكن قبوله في قلب الشرعية اليومية التي لا تتغير ولكن تحويل هذه القصة القصيرة التجريبية إلى رواية أحدث في النص الجديد مفارقة غريبة بين مقطع سردي مخالف ومقاطع سردية أخرى مؤالفة بين مقطع يقطع مع الواقعية التقليدية ومقاطع تؤكدها وترسخها.‏

كذا الشأن بالنسبة إلى رواية "النجوم تحاكم القمر"، فهي كذلك تحمل مفارقة لا تقل غرابة عن تلك التي أشرنا إليها في "مأساة ديمتريو" ففي حين يسعى الشكل ولو نسبياً إلى الخروج عن الأسلوب الذي عرف به حنا مينه في رواياته الأولى المعروفة عبر تغليب الأسلوب المباشر وتقليص دور الأسلوب غير المباشر، يسعى المضمون من خلال الأفعال والشخوص إلى تثبيت النماذج ومنحها شرعية لا تاريخية في مسيرة المؤلف، فالرواية في حقيقة الأمر هي حكاية شخصيات متخيلة كان المؤلف قد ابتكرها، تقيم محاكمة تقاضي فيها خالقها ومبدعها. وهي في أغلبها شخصيات الرّوايات الأولى: المصابيح الزّرق، الشّراع والعاصفة، الياطر، ثلاثيّة البحر والرّبيع والخريف، والمؤلّف لا يكاد يذكر من شخصيات الروايات الّتي صدرت في السّنوات الأخيرة إلاّ "مران الطوراني" بطل رواية "فوق الجبل وتحت الثّلج"، لكن دلالة هذه "الرّواية" بالنّسبة إلى الباحث في أدب حنّا مينه عميقة، فكأنّ المؤلّف يريد من كتابة هذا النصّ الجديد، أن يحتفي بنماذجه الرّوائية فيقيم لها مجلساً خاصّاً ويترك لها المجال الواسع للتّعبير عن ذواتها فمنها القاضي والمحامي ونائب الحقّ العامّ والشّهود وغير ذلك من وظائف المقاضاة وهي بذلك لم تعد مجرد شخصيات أدبية خرجت من مخيلة المؤلف، بل أصبحت نماذج اجتماعية مكتملة تدافع عن حياتها ووجودها وإن كنا لا ندرك في هذا النص الجديد مآل المؤلف في هذه المحاكمة التي اصطنعها فإننا على يقين أن هذه الشخصيات النموذجية لا تريد أن تحرر المؤلف بل تظل تلاحقه في كامل وعيه وفي مسيرته الإبداعية على أساس أنها شخصيات اكتسبت شرعيتها الفنية في مراحل محددة من تجربة الكاتب ولكنها تصر كذلك على أن تغتصب شرعية لا تاريخية إذ ترفض أن تكون شخصية المرحلة بروافدها الإبداعية ودلالتها الاجتماعية والزمنية. والفكرة ذاتها راودت المؤلف منذ زمن بعيد يسبق صدور هذا النص السردي. ففي كتابة "هواجس في التجربة الروائية"(8) يخصص فصلاً وهو الفصل الحادي عشر من الكتاب عنوانه "محاوراتي.. مع أبطالي "يستهله بشرح يبرر فيه اهتمامه ببعض شخصيات رواياته والأسباب التي دعته إلى العودة إليها بطريقة جديدة بعد انتهاء تجربة الخلق، فيقول: "العلاقة بين الروائي وبطله علاقة طريفة حيناً، مزعجة حيناً، غير عادية في كل حين بالنسبة لي، تتأزم هذه العلاقة حتى تشكل كابوساً على صدري، والغريب أن هواجس الرواية التي تنقلب أحياناً إلى كوابيس، لا تأتيني في الليل وحده، بل تهاجمني في النهار أيضاً وتفرض علي نفسها وتقيم معي حواراً بالرغم عني، يتعبني، ويضجرني ويخرجني عن طوري أحياناً.. وإذا كان أبطال الروايات يصبحون أحياء تماماً بالنسبة إلى القراء، فهم أكثر حياة بالنسبة إلى المبدعين الذين عليهم، مهما تهربوا أن يواجهوا مبدعيهم وأن يؤدوا أمامهم حساباً عن الظروف التي أبدعوهم فيها وأشكال هذا الإبداع ومبرراته وصحته وضرورته ومدى الإنصاف فيه ومبلغ ما لحقهم من ظلم ومن تشوه ومن أذى جراء كشف أسرارهم ونشر قصصهم وإعلان فضائحهم التي كانوا يريدون، أن تبقى على الخفاء"(9) ما نستنتجه هو أن حنا مينه يرفض ذاك الاعتقاد السائد لدى علماء الأدب الذي يؤكد أن صلة المبدع بشخصياته الفنية تنتهي بانتهاء عملية الإبداع لتبدأ علاقة جديدة، هي هذه المرة بين هذه الشخصيات الفنية ومتلقيها وهي علاقة متجددة ومرتهنة أساساً بعملية القراءة.‏

يبدو أنّ هذا الموقف بالنّسبة إلى حنّا مينه يصبح قضيّة تتعلّق بإواليّة الإبداع في حدّ ذاتها، أفلا يحدّ هذا الكابوس الّذي أشار إليه أثناء الحديث عن علاقته بشخصياته الفنيّة من قدرته على التخييل وإنشاء شخصيات جديدة وأجواء فنية مغايرة للأجواء السّائدة الّتي كان قد صاغها في أعماله الكبرى أو بعبارة أخرى ألم يقع حنّا مينه في أعماله المتأخّرة في خطر النمذجة والتنميط باعتبارهما معاديين للتجاوز والتّجريب وعندئذ يصبح نصّ "النجوم تحاكم القمر" بمثابة الموقف الفكري الّذي يبرّر جماليّة النموذج والنّمط؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن أن نقول منذ البداية إنّ حنّا مينه في حقيقة الأمر يبرّر جماليّة النموذج. إنّ الإبداع بالنّسبة إليه، ليس بالضرورة كسْراً للنّمط وقطيعة مع النموذج. فهو توليد مستمرّ لأشكال نابعة من أشكال قديمة صاغها المؤلّف، بل هو تنويع متواصل على نغمة واحدة.‏

وإذا عدنا إلى الأعمال الأخيرة الّتي أصدرها المؤلّف نجدها مدوّنة صالحة للتنظير لجماليّة النموذج لدى كاتب ثلاثيّة البحر، فمن الرّوايات المثيرة للانتباه رواية "حمامة زرقاء في السّحب" فهي في حقيقة الأمر صياغة روائيّة لقصّة قصيرة كان قد نشرها حنّا مينه سنة 1975 وصدرت من جديد في مجموعته "الأبنوسة البيضاء" بعنوان هذا ما بقي منه(10) ومن الغريب أن نلاحظ أنّ الكاتب حافظ على القصّة كما وردت في "الأبنوسة البيضاء" بحذافيرها تقريباً فجلّ المقاطع السرديّة الرئيسيّة وردت في صيغتها القديمة وما فعله حنّا مينه هو إضافة مقاطع سرديّة جديدة وتوسيع مقاطع قديمة، فمن المقاطع الّتي أضافها، ذاك المقطع السرديّ الّذي يروي حكاية السيّدة البرتغاليّة.. مارسيل ميشيل.. المصابة بالسّرطان وابنتها "ليديا" الّتي أقامت علاقة مع البطل سرعان ما انتهت والمقطع الّذي يروي حكاية البطل في سورية بعدما أعاد ابنته المريضة من العاصمة البريطانيّة وقد يئس من شفائها، أمّا المقاطع السرديّة الموسّعة فهي تتعلّق بحكاية حياة البطل مع ابنته في لندن. بعد خروجها من المستشفى وحكاية دفن الفلسطيني الّذي مات مصاباً بمرض مستعص وبعض المقاطع التأمّليّة الّتي تصف أزمة البطل وغربته، وهكذا يتأكّد موقفنا الّذي كّنا قد أبديناه عندما لاحظنا أنّ "حنّا مينه‏

يغتال قصصه القصيرة ولا يرى فيها إلاّ مشاريع روائية ممكنة تنتظر لحظتها الإبداعيّة للإنجاز (11) ومن قبل كثيراً ما وظّف الكاتب قصصه القصيرة في رواياته الشهيرة، فبالإضافة إلى ملاحظاتنا المتعلّقة برواية "مأساة ديمتريو" أشرنا إلى أنّ الكاتب أعاد صياغة موضوع قصتّه "علبة التبغ" في رواية "الثّلج يأتي من النّافذة" ومثلث قصتا "على الأكياس" ورسالة من أمي مادة سرديّة هامة في رواية "بقايا صور" (12) ويمكن للباحث أن يجد صدى لكلّ قصة قصيرة كان المؤلّف قد كتبها في الكثير من رواياته بشكل أو بآخر إنّ المسألة في رواية "حمامة زرقاء في السّحب" لا تتمثل في مجرّد استفادة كاتبها من إحدى قصصه القصيرة بل في أن بنية الرّواية في حدّ ذاتها قد صيغت سلفاً، فحظّ الإبداع فيها لا يتجاوز ضرباً من توسيع هذه البنية بإطالة بعض المقاطع السرديّة وإضافة مقاطع أخرى، ولذلك يمكن أن نقول إنّها بشكل من الأشكال صياغة لنموذج سابق. ولكن هيمنة النموذج يبدو في بعض الرّوايات الأخرى.‏

لقد لفتنا النّظر إلى أنّ حنّا مينه استطاع أن ينحت منوالاً أخضع له جلّ رواياته وقد لخّصنا هذا المنوال في الشّكل التّالي:‏

العشيقة‏

الأب الأم‏

المعلّم‏

إن البطل في روايات حنا مينه محكوم بأربعة أطراف رئيسة هي الأم والأب والعشيقة والمعلم أو المرشد، وقد تحدد هذا المنوال شيئاً فشيئاً من خلال تجربة روائية طويلة بدأت بالمصابيح الزرق ولكنها في اعتقادنا تبدو في صورتها الأكمل والأبلغ في ثلاثية البحر (حكاية بحار- الدقل- المرفأ البعيد) وقد تتنوع صورة هذه الشخصيات الرئيسة من رواية إلى أخرى ولكنها لا تخرق هذا المنوال إلا نادراً. وهذا المنوال في حد ذاته نجده في سيرة المؤلف الذاتية كما صيغت في "بقايا صور" و"المستنقع" و"القطاف" ونختزله في الشكل التالي:‏

الأب (سكير - عربيد - لا مبال)‏

العشيقة(المعلّمة) معلّم الثَّورة (العامل- فائز‏

الشّعلة - أسبيرو الأعور‏

الأمّ امرأة مثالية‏

وليس من الغريب أن نلاحظ أنّ هذا المنوال لا يكاد يغيب في الرّوايات المتأخّرة الّتي كتبها حنّا مينه، لقد حافظ كاتب ثلاثية البحر في روايته "نهاية رجل شجاع"(13) على ملامح البطل الرّوائي كما رسمها في "الياطر" ثمّ في الثلاثيّة خاصّة وقد تجسدت من قبل في رواية "الشرّاع والعاصفة" فلمفيد الوحش -بطل رواية نهاية رجل شجاع من سمات الطروسي وزكريّا المرسنلي وصالح حزوم الشيء الكثير. لقد نشأ وفي نفسه بذرة الرّفض والتحدّي عبرت عنها الرّواية منذ صفحتها الأولى في "أحد أيّام الصيّف وكان عمري 12 عاماً، قطعت بسكين حادّة كنت أحملها دائماً، ذنب حمار أحد الجيران في ضيعتي "الخراب" انتقاماً من أولاد القرى المجاورة، من اعتداء على أملاك النّاس وسرقتها وإتلافها أحياناً(14) وهذه البذرة نمتّها غريزته الحيوانيّة الّتي لم تلق في البداية الرعاية الكاملة لتهذيبها، فقد كان رأسه "الكبير المكسو بشعر خشن كشعر القنفد لا ينفذ إليه كلام وقد خلق جسمه العملاق "للعراك ولم يخلق لنشر الأفكار (15) وهو بذلك يدرك أنه في منزلة وسطى بين الإنسان والبهيمة "الإنسان هو الإنسان والبهيمة هي البهيمة وأنا بين الإنسان والبهيمة، أتحسس الأشياء أفرح لها، أحزن من أجلها، أطير سعادة، أختنق غما، لكنني، في كل ذلك لا أستطيع التعبير ولا ترتيب مشاعري أو معرفة الحسن من السيء (16) ولكن المدينة الكبيرة بتناقضاتها الاجتماعية وبمظاهر فسادها المختلفة، ستحول هذا الريفي ذا النزعة الحيوانية إلى بطل يدخل حلبة الصراع لكي ينجح فيها "هنا في المدينة ستتعلم كيف تتعامل مع الناس وكيف سينالونك بالأذى، إذا لم تقلع عن هذه الشقاوة. فكر في أمرك، في وضعك في تدبير عمل ما وإلا مت جوعاً، هنا لا توجد كروم عنب أو تين لتسطو عليها وتشبع معدتك"(17) ولكنه قبل أن يتوج بطلاً ويصبح "طروسيا" لا بد من أن يمر بمجموعة من الاختبارات وأن ينجح في تجاوز عدد من العراقيل فكان الاختبار الأول متمثلاً في معركة مع العدو الفرنسي: "الفرنسي محتل، هو عدو إذن ومقاومة العدو واجب، لكن المعركة لم تطل حسمها تدخل قوة من الجند ولم تسفر عن قتلي" (18) ثم تأتي التجربة الثانية المتمثلة في اختبار السجن وهو اختبار أساسي لا بد أن يمر منه بطل حنا مينه "يا مفيد، يا ابني، أخلاق السجن غير أخلاق المدينة. عد على أصابعك واحد: لا تعلك وأنت في السجن، 2- لا تتولدن، 3- لا تدخن 4- لا تقرب من القمار، 5- لا تستفز السجناء ولا تتركهم يستفزونك، 6- لا تعد أيام السجن ولا تفكر كثيراً بما هو خارجه، 7- لا تتعاط النميمة أو الكذب أو التدخل في ما لا يعنيك، كن رجلاً، السجن يحب الرجال" (19) وبعد السجن يخضع البطل لاختبار التتويج فقد وجد نفسه طرفاً في الصراع الدموي القائم بين رجلين من رجال "العجوز المحتكر للعمل في الميناء، فكان لا بد من أن يدخل المعركة وأن يخرج منها منتصراً وفي المعركة، حين أهتاج، يضرب الدم علي عيني، أصبح كالأعمى، وكالأعمى أهاجم، أضرب بما تطاله يدي وقد وجدت، مصادفة، في كفي قضيب حديد.. ضربت بشدة، بقسوة، ولم يفلح أي منهم أن يمسك بي، أو ينتزع القضيب من كفي، انقلبت إلى وحش كاسر" (20) وشأن البطل في جل روايات حنا مينه يجد "مفيد الوحش" نفسه في النهاية وحيدا فهو يرفض التنظيمات والنقابات والأحزاب، فرغم انفتاحه على الآخرين تظل نزعته الفردانية مهيمنة عنده على الفعل البطولي "إذا أضربتم أنا معكم، إذا تظاهرتم سرت معكم، إذا قامت معركة وقفت إلى جانبكم، ما عدا ذلك دعوني وحدي، سأنتقم من المعلم البطحيش وحدي، وربما من العجوز إذا اضطررت إلى ذلك، أما الاجتماعات والتنظيمات فأنا خارجها"(21) وهو كذلك يبرر نزعته الفردانية ورفضه للعمل الاجتماعي المنظم تبريرا أضحى معروضاً في روايات حنا مينة إذ يبدو البطل عجولا لا يؤمن بالمسيرة التاريخية وبأن الصراع الاجتماعي محكوم بأسباب موضوعية وأن الحسم فيه يظل رهين تغير هذه الأسباب، يبرر "مفيد الوحش" موقفه قائلاً: أنا لست ضدهم وهم ليسوا ضدي، لكني لا أطيق مشية النملة، لا أريد أن أكون نملة"(22) ونتيجة لهذا الموقف، يجد البطل في النهاية نفسه يعيش عزلة تؤدي به إلى الجنون أو الانتحار تلك هي مسيرة البطل كما حددها حنا مينة في جل رواياته، بيد أن هذا البطل تتجاذبه أربع شخصيات رئيسية - أضحت تقليدية في أعمال حنا مينة الروائية وهي شخصيات الأب والأم والمرشد والعشيقة. وفي "نهاية رجل شجاع" تتقابل شخصيتا الأب والأم، فبقدر ما يبدو الأب شديداً قاسياً في التعامل مع ابنه -البطل - تبدو الأم ضعيفة وحنونا لم يكن أبي ينتظر رأي أمي ليفعل بي ما يريد أو ما يراه ضرورياً لتأديبي، كان يربطني إلى زيتونة أو شجرة توت وينزع زناره الجلدي القشاط العسكري وينهال به علي حتى يتعب.. وبعد أن يشفي غليله يدعني مربوطاً ويذهب ليستريح.. فإذا استراح واسترد أنفاسه قام إلي وعاود جلدي حتى تنهار قواه هو العملاق، فيدعني مربوطاً ساعات طويلة أو ليلة كاملة.. لكن أمي كانت تجازف وتتحمل الضرب والشتم وتأتي إلى تفك الحبل، وتأخذني من يدي بعيداً عن البيت، فنجلس معاً على صخرة أو على التراب تحت شجرة وتأخذ في ملاطفتي ونصحي" (23) وهما معاً- الأب والأم- رمزان لحضور الأسرة في مسيرة البطل، لكن الأسرة دائماً في رواية حنا مينه ذات البطل الإشكالي تمثل عبئاً ثقيلاً على البطل. فهي تثبط عزيمته وتضعف قدرته على الفعل. وبالنسبة إلى "مفيد الوحش" كان منذ البداية مدركاً لأهمية العائلة باعتبارها عائقاً لا بد من التخلص منه وتجاوزه يقول:‏

"الارتباط العائلي، كما هي حال الآخرين، كان مبتوتا في حياتي والبيت في قرية الخراب التي ولدت فيها لم يكن أكثر من وكر ألجأ إليه للنوم في الليل أو طلباً للطعام حين أجوع أو حين أعجز عن تحصيل لقمتي بنفسي"(24) بيد أن ما تفشل في تحقيقه العائلة يحققه "المعلم" أو "المرشد" فالمرشد شخصية رئيسية لا بد أن تعترض مسيرة البطل في مرحلة من مراحل حياته. وقد يكون أكثر من شخصية واحدة إذ تتبدل الشخصية بحكم تأثير عاملين أساسين هما تبدل المكان وتغير الزمان وفي كل الحالات يظل "المرشد" معينا للبطل، لأنه قبل كل شيء، حامل للمعرفة وقناة عبرها يمر الوعي الاجتماعي والسياسي وهو يفتح الطريق حتى ينغرس البطل في المجتمع المدني بعمقه الاجتماعي والسياسي، فقد كان "إبراهيم الشنكل" موزع المنشورات الداعية إلى مقاومة المحتل، المرشد الأول الذي علمه درسا لم تستطع المدرسة أن تعلمه إياه "أنت لم تخلق للمدرسة، وقد عاشرت رفاق السوء، وتستطيع الآن، أن تغير سلوكك، وتبدأ بداية أخرى طيبة، أي في وسعك أن تأكل خبزك بعرق جبينك وأن تساعد والدك، كلنا فقراء.. ولكن لا ذنب لنا في فقرنا هناك الآغوات والملاكون والدرك وكل سلطة الحكومة التي تترصدنا وتتعقبنا، تستغلنا وتعذبنا وتسجننا، أتعرف لماذا؟ ولما هززت رأسي بالنفي أجاب: لأننا نوقظ الناس، نفهمهم حقوقهم، نحركهم للمطالبة بخروج فرنسا.."(25) وبعد إبراهيم الشنكل التقى مفيد الوحش صديقه عبدوش الداشر الذي تولى بدوره تلقينه بعض دروس الحياة(26) ثم جاءت تجربة السجن لتمكن البطل من التعرف على بعض المساجين السياسيين ولكن الأستاذ ماهر فتح له باب الوعي السياسي على مصراعيه وأخرجه من الحيوانية إلى الإنسانية ليكون نافعاً لنفسه وللآخرين. قال المرشد الجديد "كن شريفاً فهيماً وستجد أنهم هم الذين يبحثون عنك لا تفسد حياتك، لا تهدر قواك. اذكر دائماً أن الحياة كفاح وأن الإنسان مكافح وأنه يملك العقل الذي يهديه. وهذا ما يميز الإنسان عن الحيوان"(27) ثم يصل البطل المرحلة الأخيرة في رحلة الوعي عنده وهي مرحلة الالتحام بالعمل النقابي. فكان برهوم الزعيم النقابي في الميناء القناة التي تصله بالعمل المنظم وكعادة البطل عند حنا مينه، يرفض مفيد الوحش التماهي مع مرشده إذ يظل بعد تجربة البحث والوعي متمسكاً بنهجه الخاص "إنك لست ضدنا ولكن ليس معنا، غايتك إظهار شجاعتك، أن تكون رجل الميناء وأشجع شجعانها، كذلك تريد أن تبقى طليق اليدين مع أننا لا نقيدك ولا نقيد أحدا غيرك، كل ما هنا لك أننا نعمل كجماعة وأنت تفضل أن تعمل كفرد"(28).‏

وشأن البطل.. كذلك في روايات حنا مينه - يمتلك مفيد الوحش عشيقته -لبيبة- جسدياً وعاطفياً- فحالما يلتقيها ثانية يتزوجها "شملتني فرحة وأنا أنظر إليها، فرحة الإنسان الذي أضاع شيئاً عزيزاً ثم فجأة وجده. لقد وجدتها، كانت ضائعة فوجدتها"(29) وعلى هذا النحو كذلك جاءت بنية الشخوص في الروايات الأخرى التي صدرت في التسعينات. ففي رواية "الرحيل عند الغروب" (30) يتخذ البطل -هاني أو فاطر- اللجاوي شخصية بحار يعود إلى البحر ليبحر عبره في ذكرياته أو ومضاته الاسترجاعية الثمانية، ولعل قارئ حنا مينه يدرك التشابه الغريب بين البنية السردية في هذه الرواية والبنية السردية في الثلاثية: حكاية بحار -الدقل والمرفأ البعيد، فالروايتان تبدآن بتأملات في البحر. يبدأ السارد رواية "الرحيل عند الغروب" بمقطع سردي مطلعه "كان يعرف البحر كما يعرف كفه تماماً، عاينه، شاطئاً من البوسفور حتى جبل طارق، زار مرافئه مرفأ مرفأ، أقام فيها كلها تقريباً(31)" ويبدأ السارد رواية "حكاية بحار" بهذه الجملة السردية: "كان سعيد حزوم يستلقي على الرمل الحار مستسلماً بكل جوارحه إلى دفئه الذي ينعش قواه: كان يفتح عينيه ويغمضهما ويشد بجسمه على الرمل كما لو أنه يود أن يغوص فيه.."(32) وتنتهي الروايتان بالرحيل المفعم بالأمل. يقول السارد في خاتمة "الرحيل عند الغروب" مشيت نحو الشاطئ ببطء والشمس ورائي إلى غروب والدنيا من حولي إلى صمت والفكر إلى شرود والبصر إلى امتداد، ففي العالي تظهر النجوم دائماً، ونجمتي التي أهتدي بها إلى ظهور لا شك فيه وهو يفكر ثم انحدر باتجاه الميناء ولما صار على ظهر الباخرة وقف عند الحاجز وأرسل بصره باتجاه المدينة، فيما الباخرة تغادر، تبتعد وسؤال كبير عنيد يلح عليه: -ترى.. يقتلعون الشجرة من جذورها هذه المرة؟ (34) في هذه الرواية -الرحيل عند الغروب- تخضع بنية شخصية البطل إلى بعض التحويرات الطفيفة، فتغيب شخصية الأب إذ لا نكاد نعثر إلا على جملة سردية واحدة متعلقة به "تهريب الآثار كان يقوم به والدي، وقد مات الآن، .. قد أقلعت عنه حتى عندما كان والدي حياً ولعلمك فإن والدي تاب أيضاً، وأقلع عن هذه الفعلة قبل أن يموت بسنوات طويلة.. والدي لم يكن قديساً ولم يكن ملاكاً أو شيطاناً..(35).‏

ومع ذلك تظل شخصيتا المرشد أو العشيقة قائمتين - فالمرشد لا بد أن يكون سياسياً أو نقابياً وقد شاءت الأقدار أو بالأحرى إرادة المؤلف أن يتلقى فاطر اللجاوي مرشده فينقله إلى الضفة الأخرى عكس التيار (36) وكان اللقاء مفاجئاً ولكنه يستجيب للخطة النفسية التي عليها البطل "هذا المستبطن الليل، في عمل سري ونافع، أنزل عني متاعبي ببساطة مذهلة، كان لقائي به مصادفة سعيدة وغير سعيدة في آن" (37) وعن طريقة يجد فاطر اللجاوي نفسه في العمل السياسي يباشره سراً فيؤدي به إلى السجن، أما العشيقة، فهي سلافة وهي في تكوينها لها من شخصية كاترين الحلوة -عشيقة صالح حزوم- الشيء الكثير، يقول السارد "وجد الحياة الزوجية قيدا، من حديد أو حرير، فلما توفيت زوجته رغب في الزواج ثانية، وتلاقى في هذه النقطة مع سلافة، لذلك اصطفاها صديقة وعشيقة وزوجة وفق شريعته لا شريعة النواميس أو القوانين" (38) وإذ يظل البطل محور العلاقة بين هذه الأطراف الرئيسية لا بد أن يمر باختيار يتوجه بطلا، ففي ليلة برد عاصف يقرر أن يدخل البحر ليصارع الطبيعة ويعلن انتصاره عليها: "بقي الإنسان والبحر، بقيت الطبيعة المستفزة والكائن البشري الذي لم يتعمد الاستفزاز لكنه اقترفه. بقي ذراعان وساق واحدة، في مواجهة هولة لها كل أذرعها وكل سيقانها وفي الأفق التمعت شرارة برق وسقط نيزك، فقال اللجاوي في نفسه: "إنها الصاعقة وأنا مانع الصواعق".." وبذلك يضع نفسه أمام الاختبار الصعب فللمغامرة جانبان: "البطولة عند الانتصار والطيش عند الفشل (39) وبعد اختيار التتويج، يمر البطل باختبار "التثبيت" وهو عادة ما يكون السجن الذي يمنح البطولة لونها السياسي.‏

وقد لا يجد القارئ مشقّة في العثور على ما يشابه بنية الشخوص هذه، في رواية "الولاعة" ففرح الأرمني أو المحزومي) هذا الفتى المقبل على الحياة بدون خبرة، يجد نفسه بين أبيه (بالتبني) وأمّه والأستاذ صبحي الذي يعطيه دروساً مستمدّة من الحياة و"فروسيا"، الولاعة الّتي تحوّلت إلى عاصفة هزّت البيت. وتنمو شخصيّة البطل عبر التّجاذب المتواصل بين هذه الشخصيات الرئيسية، من هذه الرّوايات كلّها نستثني رواية "فوق الجبل وتحت الثّلج"، فهي لا تخضع لهذه النمطيّة في بناء الشخوص، ولكنّها بدورها تحيل على نموذج روائي سابق كان قد كتبه حنّا مينه وهو رواية الربيع والخريف فشخصيّة مران الطوراني -البطل السّارد- الّذي يجد نفسه في بلد من بلدان أوروبا الشرقيّة تملك الكثير من سمات كرم المجاهري - بطل رواية "الربيع والخريف" (40) رغم بعض ملامح السيرة الذاتيّة فيه وشخصيّة بربارة، في "فوق الجبل وتحت الثلج" لا تختلف كثيراً في بناءها النّفسي عن شخصيّة بيروشكا في "الرّبيع والخريف" والرّوايتان تتّفقان في رؤيتهما للعالم وبعدهما التسجيلي، لقد اكتشف بطل رواية "الربيع والخريف" في بودابيست -باريس الصغيرة" المجتمع الاشتراكي الأوروبي اكتشاف الصديق من خلال المقهى الصغير (م-ك) الّذي يفتح على شارع لينين ومن خلال المرأة المجرية، مفتاح المجتمع في هذا البلد والمتحف الصيني في البيت، توصل إلى أن يستنتج أن المجتمع المجري "مجتمع مفتوح والتعصب المذهبي لا أثر له" (41) و"أن الروح المجرية مشبعة بحضارة عريقة، تنعكس في تصرف الناس وفي باقة الزهر التي تحرص سيدة البيت على ابتياعها.." (42) وكذلك اكتشف واقعاً مغايراً يعسر الوصول إليه، اكتشاف الصديق "فساد فساد ومن يستطيع القضاء على كل هذا الفساد كله؟ "بورانا" على حق في كرهها لهؤلاء الذين يأتون للتجارة وللدراسة وتحت غطائها يفعلون كل شيء(43) ومن خلال هذا البعد التسجيلي الذي يركز في الروايتين -بصفة خاصة، على سلوك المهاجرين والأخلاقي، تتخذ الروايتان موقفاً نقدياً دفاعياً، فهما تنقدان هذا السلوك وتدافعان عن التطبيقات الاشتراكية في أوروبا الشرقية.‏

مما تقدم نستخلص الاستنتاجات التالية:‏

إن رواية حنا مينة -عامة- ليست رواية تجريبية بالمعنى الإصطلاحي المعروف، فثمة دائماً في كل عمل جديد- ثوابت يبدو أن الكاتب متمسك بها. وقد حاولنا في هذا البحث أن نركز بصفة خاصة على بنية الشخوص ولكننا يمكن أن نكتشف هذه الثوابت في مستويات عديدة كالزمان والمكان وآلية السرد وتقنياته والبنية السردية في حد ذاتها. وهذه الثوابت تعكس اختياراً فنياً قارا وهو أن حنا مينه، يكتب في إطار الواقعية عموماً ويحبذ التشخيص الوصفي للعالم الواقعي ولذلك فعملية الإبداع عنده هي تنويع مستمر على نمط واحد فنحن نلاحظ لا شك في روايات التسعينات بعض القطع مع بعض السمات التي تميز الشخصية الروائية فلأول مرة يلتجئ حنا مينه إلى وظيفة الانتحار ليضع حداً نهائياً لبطل رواية "نهاية رجل شجاع" فمفيد الوحش يصاب على إثر خروجه من السجن بمرض عضال فيلتجئ إلى فتح دكان يبيع فيه البضائع المهربة لكنه يجد نفسه في مواجهة "المعلم البطحيش" الذي يوظف رقيب الجمارك ليتخلص منه فعندئذ لا يجد مفيد الوحش إلا حلا وحيداً وهو أن يقتل الرقيب وأن ينتحر.‏

إن هذه الخاتمة تستجيب لمفهوم البطل الروائي كما حدده سابقاً جورج لوكاش في كتابة النظري الشهير "نظرية الرواية" فهو يرى أن مآل البطل الاشكالي، في رحلة البحث عن القيم الأصيلة في مجتمع متدهور، هو الجنون أو الانتحار، وقد انتحر مفيد الوحش بعد رحلة بحث طويلة عن قيم أصيلة في مجتمع يعمه الفساد. لكن هذه الخاتمة ذاتها تثير إشكالاً فنياً يتعلق بصيغة السرد، فالسارد يستعمل في كامل الرواية ضمير المتكلم، إذ يتولى البطل الروائي سرد قصة حياته ولكنه في الصفحة الأخيرة يجد المؤلف نفسه مضطراً إلى البحث عن سارد جديد بعدما وضع حداً لحياة بطله السارد فيلتجئ عندئذ إلى إحدى شخصيات الرواية ليوكل إليها مهمة إنهاء سرد قصة حياة مفيد الوحش "أنا لبيبة الشقرق، سأروي لكم ما حدث بعد ذلك" سأقول كلمات قليلة بسيطة، مثل بساطة مفيد وقلة كلامه.."(44).‏

وقد لاحظنا كذلك في بعض هذه الروايات ميلا إلى ضرب من البوهيمية في سلوك البطل لم نعهدها في الأعمال الأولى، فبطل رواية "الرحيل عند الغروب" رغم صفات البطل البحار التقليدية عند حنا مينه، يبدو لنا رجلا غنيا "يشرب ويتفلسف، غير عابئ بالموت والجنون (45) مقبلا على الحياة بدون هدف واضح ويعيش رافضاً كل شكل من أشكال السلطة والقانون معترفاً بآثامه وخطاياه ولكنه لم يكن أبداً من المبالين (46) بيد أن هذه البويهمية تتسم أحياناً بضرب من الغرابة ولعل أبلغ مثال نذكره رواية "فوق الجبل وتحت الثلج" فالبطل مران الطوراني، يعيش كامل الرواية موقفاً غريباً، إذ يجد نفسه صحبة عشيقته "بربارة" فوق الجبل وتحت الثلج تائها وسط عاصفة ثلجية لكنه ظل يشرب ويمارس الحب في وضعيات غريبة و"يتفلسف" في الحب والحياة والموت غير عابئ بالذئاب والثلج العاصف ومن هذه الوضعية الشاذة، انبثقت الرواية كلها في ذاكرة السارد الذي روى قصة مجيئه إلى بلغاريا والتقائه بالوفد السوري، وكذلك قصة تعرفه على برباره نفسها، وهكذا قطع حنا مينه كذلك مع التشخيص الواقعي في كثير من مقاطع الرواية نحو ضرب جديد من التشخيص ألا وهو التشخيص الرمزي.‏

ومع ذلك فإن الثابت يغلب المتحول رغم إدراكنا أن حنا مينه في رواية التسعينات بدأ يدرك أن يتجاوز ذاته وأن يبحث الإبداع عنده عن مسالك جديدة حتى لا يقع في التكرار.‏

وهذا يعني أخيراً أن أعمال حنا مينه عامة تجسد تجسيداً بليغاً جمالية النموذج أو النمط إذ لا تزال مثل هذه الأعمال تستقبل استقبالاً واسعاً قراءة ونقداً رغم بروز رواية التشخيص الرمزي والتشخيص النصي في الأدب العربي الحديث.‏

**‏

1- دار الآداب، بيروت 1993.‏

2- دار الآداب، 1993.‏

3- النجوم تحاكم القمر، ص5‏

4- العبارة لحنا مينه.‏

5- مجلة ألوان عدد 55- 1983- الجزائر ص29.‏

6- دار الآداب، بيروت 1985.‏

7- مجلة الآداب عدد 10-12-1984.‏

8- صدرت طبعته الأولى عن دار الآداب سنة 1982.‏

9- هواجس في التجربة الروائية، ص111.‏

10- الأبنوسة البيضاء، دار الآداب 1981، ص223.‏

11- انظر كتابنا "حنا مينه كاتب الكفاح والفرح، دار الآداب 1993، ص151.‏

12- نفس المرجع ص117.‏

13- دار الآداب، 1989.‏

14- الرواية، ص7.‏

15- الرواية، ص45.‏

16- الرواية، ص55.‏

17- الرّواية، ص46.‏

18- الرّواية، ص70.‏

19- الرواية، ص77.‏

20- الرواية، ص235.‏

21- الرواية، ص349.‏

22- الرواية، ص349.‏

23- الرواية، ص18-19.‏

24- الرواية، ص16.‏

25- الرواية، ص45.‏

26- انظر الرواية، ص62.‏

27- انظر الرواية، ص89.‏

28- انظر الرواية، ص347.‏

29- انظر الرواية ص299.‏

30- دار الآداب، 1992.‏

31- الرحيل عند الغروب، ص5.‏

32- حكاية بحّار، دار الآداب، 1981 ص‏

33- الرّحيل عند الغروب ص297.‏

34- المرفأ البعيد، دار الآداب 1986- ص408.‏

35- الرّحيل عند الغروب ص4‏

36- انظر الرواية ص215‏

37- انظر الرواية ص42‏

38- انظر الرواية ص86‏

39- انظر الرواية ص91‏

40- دار الآداب، 1984‏

41- المصدر ذاته، ص35.‏

42- فوق الجبل وتحت الثلج، ص109.‏

43- الرواية، ص153.‏

44- الرحيل عند الغروب، ص406.‏

45- راجع الرواية، ص53-57.‏

46- راجع الرواية ص208.‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244