|
الخطاب الواقعي الجديد: موضوعية العالم حياديّة السّارد
من أهم الإشكاليات التي تطرحها حركة الحساسية الروائية الجديدة في مصر(1) ما يتعلق بمسألة التشخيص، فقد اعتمد بعض النقاد في مصر هذه المسألة للتمييز بين الحساسيتين القديمة والجديدة حسب تعبيرهم وبهما يقصدون الاتجاهين التقليدي والحديث في الرواية المصرية الحديثة. فقد رأى صبري حافظ أن "النص الروائي الذي لا يستطيع أن يحقق درجة كافية من الانفصال عن الواقع الذي صدر عنه يظل محصوراً في دائرة الكتابة منتمياً إلى الحساسية القديمة (2) في حين أن النص المنتمي إلى الحساسية الجديدة هو ذاك الذي "يحقق درجة كافية من الانفصال عن الواقع، تكفل له ، حال استيعابنا لقواعد وحدته أن يتحول إلى استعارة كلية أو صورة استعارية شاملة عن الوضع البشري أو حتى عن بعد واحد من أبعاده المتراكبة والمتداخلة" (2) على أساس أن الأعمال الأدبية "لا تصنع من تجارب الحياة ولكنها تصنع من التقاليد الفنية التي تستكشف مقدرة اللغة وإمكانياتها الشعرية (2) ولئن كانت علاقة الأدب بالواقع تعتبر مسألة عامة فإنها في الرواية تكتسي أهمية خاصة ذلك أن الأساليب الروائية باعتبارها أساليب تشخيصية لكائن غير لغوي تتمايز فيما بينها -إضافة إلى إنشائياتها المختلفة - بدرجة تشخيصها للواقع ونوعيته. ومهما كانت هذه الأساليب الروائية فإن علاقتها بالواقع - في إطار إشكالية التشخيص- تظل قائمة. فمنظور الرواية التي تلتجئ إلى الخارق من الأحداث والـ -ما فوق طبيعي- يدافعون عن "واقعيتها" أي عن حضور الواقع فيها. لقد عرف تودوروف "الفانطاستيك" قائلاً: "إن الفانطاستيك هو تردد كائن لا يعرف سوى القوانين الطبيعية أمام حادث له صبغة فوق طبيعية (3) وفيه يمتزج الواقعي باللاواقعي كمتناقضين يتصادمان تصادم ثنائية الإيجاب والسلب- في تحديد نسبي- وليس الأساس من سينتصر، لكن الشيء المتعين هو تشخيص هذا الصراع والاقتحام وتصوير إفرازاته المرحلية" (4) ويعرف كذلك تودوروف "الأدب الفانطاستيكي بأنه أدب يقبل وجود الواقع والطبيعي والعادي ليستطيع فيما بعد دحضها جميعاً(5) ومهما كانت أهمية هذه المقولات فإن درجة حضور الواقع ومدى تباعده وتقاربه يتدخلان في تحديد الأنواع السردية، فعندما تنقطع الرواية عن محاكاة العالم تشخص ذاتها وهي تحاكي ما تقرأ أو تقع في ضرب من التشخيص المضاد وهي تناقض ما تقرأ (6) ولكنها في الحالات الثلاث لا تستطيع أن تخرج عن الواقعية ما لم تخرج عن الطبيعي والمعقول والمنطقي والمحتمل وما يمكن شرحه وقبوله ولكن الواقعية بهذا المعنى وباعتبارها أسلوباً في الكتابة الروائية (7) تجد نفسها قادرة على احتواء أنماط التشخيص المختلفة وامتصاص بعض أساليب الكتابة التي توظفها أنواع أدبية كالأدب العجائبي والأدب الغرائبي والأدب الفنطاستيكي دون أن تفقد مقوماتها الأساسية.
إن أهمية هذه المقدمة وبعض المسائل التي طرحت فيها، في صلتها الوثيقة برواية "صخب البحيرة" للكاتب المصري محمد البساطي(7) فالكاتب يدرجه نقاد الرواية المصرية الحديثة ضمن اتجاه الحساسية الروائية الجديدة وقد تميزت كتاباته بأسلوب خاص لأنه "استطاع أن يخلق أسطورته الخاصة من خلال اكتمال التجربة الفنية واحتياجاتها إلى أقل ما يمكن من الإشارات أو الإحالات على الواقع الخارجي ذلك لأنه استطاع أن يخلق لعمله ذاكرته الفنية وبناءه الفني المتساوق وقوانينه المحكمة ومنطقه المتميز وأن يبلور مجموعة من المستويات الدلالية والعلاقات الشائقة بين الأحداث والصور والشخصيات"(8).
تتمثل أهمية رواية "صخب البحيرة" لمحمد البساطي في مساهمتها الأكيدة في تطوير الخطاب الواقعي في الرواية العربية الحديثة ولذلك سنحاول من خلال تحليل إنشائية خطابها ودلالته أن نبرز منزلتها ضمن حركة الحساسية الروائية الجديدة في مصر ودورها في تأسيس خطاب واقعي متميز يمكن أن نسميه بالواقعية الغرائبية وكل ذلك في إطار انشغالنا بمبحث عام هو إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة.
1-الواقعية الغرائبية في رواية "صخب البحيرة"
لمحمّد البساطي : غرائبيّة العالم/ صمت السّارد:
1-صخب البحيرة: البنية العامّة:
أقام المؤلّف روايته على أربعة مقاطع سرديّة تحمل العناوين التالية: صياد عجوز، نوّة، براري، ورحلوا. وهي مقاطع متقاربة من حيث المساحة السردية التي يحتلها كل مقطع باستثناء المقطع الأخير "ورحلوا" فهو لا يتجاوز صفحتين من صفحات الرواية وهي مقاطع مستقلة قائمة بذاتها إذ لا يكاد يجمع بينها إلاّ الكرونوتوب، لكنّ الوقائع والشخصيات تختلف من مقطع إلى آخر. كذلك تنتفي العلاقة السببية التي يمكن أن تربط بين هذه المقاطع بعضها ببعض إذ لا علاقة حديثة مباشرة يمكن لها أن تربط هذا المقطع بالمقطع الأخير وهذا يعني أنّ لكلّ مقطع سردي حكايته الخاصّة باستثناء المقطع الأخير وهو أقصر المقاطع الذي يمكن أن نعتبره مواصلة للمقطع الأول ولكن رغم هذا الانقطاع بين النّواتات السرديّة المقطعية فإنّ الإطار العام الذي تجري فيه الأحداث والّذي لا يتغير من فصل إلى آخر يشدّ هذه المقاطع إلى بعضها بعض شدّا غريباً، ولذلك تبدو لنا هذه المقاطع السردية أشبه بلوحات أربع متراكبة تجمع بينها تيمة واحدة وتؤسّس حكاية كبرى هي حكاية المكان وهي حكاية بحيرة تنجز في ستة عشر فصلاً هي فصول الرواية كلها.
1-1/ المقطع الأوّل: قوامه حكايتان، حكاية الصياد العجوز وحكاية المرأة والحكاية الأولى تتضمن الحكاية الثانية، وتأسّس على مجموعة من الوظائف السرديّة الأساسيّة هي: ظهور صيّاد عجوز في قاربه في البحيرة - بناؤه عشّة بعد حضور وغياب - استقدامه المرأة صحبة ولديها للعيش في العشّة- موت الصيّاد العجوز في قاربه- قدوم الأغراب وقطرهم لقارب العجوز وفيه المرأة والولدان. وعندما كان الصياد العجوز يحتضر روت المرأة حكايتها وهي بذلك تقوم على مجموعة من الوظائف السردية الأساسية هي: مصاحبة مقاول الأنفار للعمل لدى الحاج عمران في البندر -اغتصابها في الطريق- تحولها معه وهما في الطريق إلى بعض أقاربه وتعرضها في الأثناء للاغتصاب- استقراره معها في بيت من بيوت البلدة- هجره إياها عندما علم أنها حامل من غيره لأنه غير قادر على الإنجاب -علاقتها بالأغراب الذين يجيؤون البلد.
1 .2/ المقطع الثاني: نوة يتأسس على الوظائف السردية التالية: قدوم الأغراب من الجزر لجلب الماء وبيع عجولهم -اقتحامهم البيوت مع ظهور النوة - خروج جمعة وزوجته لالتقاط الأشياء التي تخرجها النوة على شاطئ البحيرة - هوس جمعة بالأشياء التاريخية التي يعثر عليها- حكايته مع الصندوق الغريب الذي عثرت عليه زوجته- رحيله صحبة الصندوق - عودته بعد سبع سنوات مع رجل غريب ليموت في بيته وقد أضاع صندوقه.
1 .3/ المقطع الثالث: براري وهو كذلك يقوم على مجموعة من الوظائف السردية هي استمرار الأغراب في نهب البلدة والضاحية - الضرر الذي لحق بالبقال وصاحب المقهى عفيفي وكراوية - التحول الذي طرأ على سلوكهما ونظرتهما للحياة- رحيلهما - مشاهدتهما صحبة الأغراب في غاراتهم على البلدة والضاحية - ظهور جثتيهما على شاطئ البحيرة في النوة.
1 .4/ المقطع الرابع: ورحلوا - وقوامه الوظائف السردية التالية: قدوم الأغراب إلى شاطئ البحيرة- نصب الخيام - قدوم المرأة وولديها وقد تقدمت بهما السن - النبش في الأرض واستخراج عظام جثة الصياد العجوز والصندوق - رجوعهما.
1 .5/إن هذه الأفعال السردية في المقاطع الأربعة تجري في فضاء البحيرة وما يحيط بها ويكاد الفضاء لا يتغير من مقطع إلى آخر إلا بإضافة بعض الجزئيات التي تحمل دلالة زمنية تشير إلى أن السرد انتقل من مرحلة زمنية إلى أخرى قريبة منها. ففي المقطع الأول كان شاطئ البحيرة خالياً من الحضور الإنساني وتجلياته المختلفة فالسارد يصف هذا الفضاء قائلاً "ظل المكان زمناً طويلاً غير مطروق، كان البحر مجهولاً من الصيادين، لم يخبروه"(9) ويبدأ السارد المقطع الثاني بالتركيز على ما طرأ على المكان من تغير قائلاً" زحف العمران شمالاً باتجاه البحيرة، بيوت صغيرة من دور واحد، نبتت على عجل من المسلح بمصاطب عريضة وأحواش ضيقة وسقوف لم يكتمل الكثير منها"(10) وكذا الشان بالنسبة إلى المقطع الرابع والأخير الذي يبدأ بهذه الجملة السّرديّة: "كانوا قد جاؤوا من قبل، نصبوا خياماً على الشّاطئ وأقاموا سدّا من الخرسانة على فوهة المضيق من ناحية البحر وبعد أيّام أقاموا سدّ آخر وراءه.. ضحل المضيق وركدت مياهه وتعرّى جانباه بما فيهما من فجوات كثيرة وشقوق وأحجار سوداء تفوح منه رائحة عطن وتملأ طحالب تنفذ منها من حين لآخر" (11). إنّ هذه التغييرات الجزئيّة التي تطرأ على الفضاء هي الّتي تضع الأفعال في سياق تاريخي وتمنحها دلالتها الزّمنيّة.
ثمّة عنصر ثان ذو دور أساسي في تطوير الأفعال السّرديّة في كلّ مقطع وهو عنصر الأغراب الذين لا يقدّم السرد عنهم أيّة معلومة تتعلّق بهويتهم أو انتماءاتهم أو طبيعة أفعالهم إضافة إلى الالتباس الذي يتعمد السرد إضفاءه عليهم فمنهم المختون ومنهم هؤلاء القادمون من الجزر لجلب الماء ومنهم أولئك الذين يأتون من الجزر كذلك للنّهب ولكنّ السّرد لا يميّز بين أولئك وهؤلاء ولا يستطيع القارئ كذلك أن يفعل ذلك، فهم بمثابة القوّة الجبّارة التي تحرّك حياة أهل البلدة والضواحي إنّهم يمثّلون إذن هذا العنصر الّذي نجده في كلّ مقطع ولكنّه يتلوّن من مقطع إلى آخر.
ففي المقطع الأوّل كانوا يأتون البلدة للسّهر وكانوا يمرّون ببيت المرأة: كانوا أغراباً لم ترهم في البلدة وحتّى لو رأتهم ما كانت لتعرفهم، يأتون من البحيرة في اللّيل، لم يكن لهم موعد وقد تمرّ أيّام طويلة ولا تراهم" (12) ومن قبل كان أجدادهم ثمّ آباؤهم يأتون البلدة(13) ولكنّ البلدة كانت ترفض قُدُومهم ذلك أنّ الخالة "سكينة" كانت تروي قصة الجدّ الّذي طاردته البلدة وتسبّبت في مقتله (14) وفي المقطعين الثّاني والثّالث، يتطوّر سلوكهم إزاء سكّان البلدة والضوّاحي فيصبحون أكثر عدوانيّة وتقترن عدوانيتهم بصخب البحيرة في "النوّة" في المرّات الأولى كانوا يكتفون بالضاحية الجديدة ينطلقون من المضيق إليها، يجوسون خلالها ويخرجون، يقضون في الخلاء تعصف بهم الرّياح والأمطار ومياه البحر تتدفق بين أقدامهم.. تستمرّ غزوتهم حتّى يظهر الضوء الأغبش خلف الغيوم الثقيلة في الأفق فيتحلّقون بألواحهم ويمضون"(15) ثم نراهم في المقطع الأخير يعودون ينصبون خيامهم على شاطئ البحيرة ثم يمضون ولكنهم هذه المرة، حملوا معهم ترسانة الإسمنت والحديد ليمنعوا ماء البحر عن البحيرة ف" ضحل المضيق وركدت مياهه "وفي كل الحالات يصمت السارد ولا يحدد لنا ما يقصد بهؤلاء الأغراب، ومع ذلك فإن ظهور الأغراب المتكرر داخل المقطع الواحد أو من مقطع إلى آخر يحدث في الرواية إيقاعاً تكراريا خاصاً يجعل القارئ يشعر كأن السرد لا يتقدم بقدر ما يحوم حول نفسه.
وثمة ظاهرة ثالثة تجمع بين هذه المقاطع السردية في مستوى حركة الشخوص فكلهم يحركهم حافز مشترك وهو حافز الرحيل في اتجاه البحر الذي منه يأتي الأغراب. ففي المقطع الأول أبحرت القوارب ذات ليلة قطرت القارب الأسود وبه المرأة والولدان واختفت في عتبة البحيرة الواسعة (17) وفي المقطع الثاني يرحل جمعة حيث لا يعرف أحد مكانه وستعد له امرأته رغيفين وقطعة جبن وبصلتين (18) وفي المقطع الثالث رحل عفيفي وكراويه "ذات صباح باكر، ظن من رأوهما أنها إحدى جولاتهما في البحيرة وكانا يحملان ما اعتادا أن يأخذاه كل مرة، عفيفي معه قلة ماء وكراوية معه لفة العيش الطري والغموس"(19).
كذلك يلقي هؤلاء الشخوص، في رحلتهم، المصير ذاته، فقد عاد جمعة مع الرجل الغريب ليموت في بيته (20) وقد عاد كذلك عفيفي وكراويه، بعد رحيلهما في النوة "يطفوان متباعدين وقد التصق كل منهما بجانب من البركة تغمرهما دفقات المياه، الهلاهيل التي يلبسانها مشمورة إلى الكتفين"(21) وقد همت الخالة سكينة بالرحيل لكنها عادت لتموت في بيتها(22).
إن قانون التشابه إذن هو القانون المتحكم في العلاقة بين المقاطع السردية التي تتبني عليها رواية "صخب البحيرة" لمحمد البساطي في حين تنتفي العلاقة العمودية السببية التي تربط عادة بين المقاطع السردية في الرواية التقليدية إذ لا تؤسس الأفعال فيها حبكة تقوم على التتابع الزمني فهي أشبه كما أسلفنا بلوحات تتغير أغلب عناصرها ولكن العلاقة بين هذه العناصر تظل متشابهة.
2-المفاهيم الإجرائية الأساسيّة التي تنظمّ فضاء السرد:
2 .1- مفهوم التّشخيص: إذا اعتبرنا أنّ الرّواية جنس تشخيصيّ بالضرورة فالسّؤال الذي يطرح على رواية "صخب البحيرة" ما هو العالم الذي تشخّصه؟ وللسّؤال وثيق اتصال بعلاقة المتخيّل بالواقع باعتباره معطى تاريخيّاً تسعى الرواية التقليديّة إلى تشخيصه وتمثيله. إنّ من يقرأ هذه الرّواية يُدرك أنّ الإحالات على العالم الخارجي عن طريق اللّغة شحيحة وقد أدرك الناقد المصري صبري حافظ هذه الحقيقة في بعض الأعمال الأخرى التي كتبها محمّد البساطي عندما تحدّث عن مغامرته التعبيرية حيث يتحوّل نقل العالم إلى تجربة شعريّة متكاملة لها بناؤها الخاصّ الّذي يوشك أن يكون مستقلاً عن أيّة إحالة على الواقع الخارجي برغم عدم انفصاله كلّية عنه"(23)، فعندما نستقرئ "صخب البحيرة" نلاحظ أنّ المتخيّل لا ينقطع كلّية عن العالم الخارجي، فالسّارد يذكر العاصمة في حديثه عن الصيّاد في جملة سرديّة قصيرة قال أحدهم يوما وقد سافر للعلاج من عضّة كلب مسعور أنّ قارب الصيّاد يشبه قوارب النّيل الّتي شوهدت بالعاصمة (24) كذلك يذكر السّارد البلدة ولكنّه لا يقدّم عنها المعلومات الكافية الّتي تحدّدها جغرافياً واجتماعياً، فهو يكتفي بإشارة واحدة إلى تطور الأوضاع الاجتماعيّة فيها وازدهار تجارة الأراضي(25) ويشير إلى بعض العلاقات الاجتماعيّة الجديدة نتيجة تطوّر الأوضاع الاقتصاديّة من خلال صورة مقاول الأنفار.
وتتميّز هذه الإحالة على العالم الخارجي بظاهرتين أساسيتين:
2 .1.1: قلّة المعطيات التاريخية والاجتماعية والسيّاسية، فالسّارد لا يطنب في وصف حياة البلدة وطريقة عيشها ولا يهتم كثيراً بوصف الفئات الاجتماعية التي تقطنها وهو يتمثل الصوت الجمعي وينطق باسمه ولا يحدّد لنا الجماعة التي ينتمي إليها ويكتفي بمثل هذه التعابير: "يأتي أهل البلدة ليتزودوا بالمياه من ترعتنا (26) "نجلس على عتبات البيوت أيّاماً طويلة، نصنع أقفاص الحديد وأواني الفخار ونبحث لها عن زبائن، ننظر للرّايح والجاي، نحسّ الحرّ الشديد والبرد الشديد"(27).
2. 1.2: إنّ أغلب الأحداث الّتي يقوم عليها السّرد لا تندرج ضمن الممكن والعادي والنموذجي، بل على العكس من ذلك تماماً تتسم بضرب من الغرابة فهي بسعيها إلى التفرّد تنأى عن المرجع الواقعي الذي يمكن أن تحيل عليه. إنّ الأمثلة على ذلك عديدة، فكلّ الحكايات التي تروى في المقاطع الأربعة هي حكايات تشذّ عن المرجع (حكاية الصياد العجوز والمرأة ولديها، حكاية الغرباء مع أهل البلدة والضواحي، حكاية جمعة وامرأته، حكاية عفيفي وكراويه) وتعرض على القارئ كأنّها تقع لأول مرة بدون أن تخرق الطبيعي والعقلي ولكنّها تندرج في إطار الشّاذ وغير المألوف، فهي إذن أحداث طبيعية لا ينكرها العقل ولكنّها تحدث مفارقة عنيفة مع الحياة المألوفة بدون أن تتحول إلى أحداث غرائبية أو عجائبية أو فانطستيكية بالمعنى الاصطلاحي الذي حدّده منظرو إنشائية الأدب الخارق (28) ومن بين هذه الأحداث يمكن أن نذكر على سبيل المثال ما يتعلق في المقطع الأول بحكاية المرأة ومقاول الأنفار وهي حكاية ترويها المرأة على الصياد العجوز المتحضر ذلك أن الفعل الجنسي الذي يتكرر مع المرأة وهي في طريقها مع مقاول الأنفار إلى مؤجرها الجديد يخرج عن المألوف في طبيعته والظروف المحيطة به (29) وكذلك صورة هذا الرّجل وهو يصاحب المرأة مترجلين ويمرّ بأخواته الأربع ليلتقط من كلّ واحدة شيئاً من أشيائه يضعه في الصندوق "العجيب" الذي تحمله المرأة على رأسها (30)، كما يمكن أن نستشهد كذلك بقدوم الأغراب إلى البلدة مسالمين أو مهاجمين أو ما يتعلق بالأحداث التي يعيشها جمعة مع الأشياء التي يلتقطها من البحر ومع الصندوق العجيب الذي عثرت عليه زوجته ومنذ عثرت امرأته على الصندوق تغيرت أحواله، لم يعد جمعة الذي ألفوا أن يروه، حكت امرأته فيما بعد لو عرفت أنّ كلّ ذلك سيحدث لتركت الصندوق تعيده الأمواج إلى البحر"(31) وكذلك حكاية عفيفي وكراويه وسفرتهما الغريبة إلى الجزر مصطحبين عنزاً وكارتونا من الحلاوة الطحينية وعودتهما جثتين طافيتين على شاطئ البحيرة بعد النوّة (32) وصورة سكان الجزيرة وقد جاؤوا متفرقين من خلف البيوت حيث الظلّ، كانوا عرايا ضامرين، سيقانهم كأعواد الحطب، يسترون أنفسهم بخرق تلتف بين أفخاذهم (33) أو كيفية تصرفهم مع كارتونة الحلاوة(34).
هكذا، يتضح لنا إذن أنّ العالم الرّوائي بمكوناته الحديثة لا يحيل إلاّ على ذاته ولا ينتج معناه إلاّ عبر البحث عن العلاقات التي تربط بين مكونّاته الأساسيّة ولا من خلال إحالته المرجعيّة وبالتّالي فإنّ الرّواية بمقارنتها مع ما يكتب في مصر تسعى إلى ضرب من التشخيص المضادّ عندما ترفض ما تقرأ فهي - في هذا السيّاق- إذ ترفض التشخيص التقليدي الّذي تتكثف فيه الإحالات المرجعية وتحوّل الرّواية إلى أشبه بسجل للأحداث التي يعيشها الناس، ترفض كذلك الخارق الذي توظفه الرواية العربيّة الحديثة في بعض اتجاهاتها (35) أو التناص(36) حيث يسعى "صخب البحيرة" عندما تحدثوا عن الأسطورة الخاصّة الّتي يسعى محمّد البساطي إلى إنتاجها في كلّ رواية من رواياته.
2 .2- مفهوم العذريّة:
2 .2. 1: لقد اختار الرّوائي فضاء جديدا، يتحرّك فيه الشّخوص وتقع فيه الأحداث وهو فضاء البحيرة والجزر وراءها والغابة التي من شاطئها. ويقدّمه لنا السّارد منذ بداية الرّواية على أنّه فضاء خال من الحضور الإنساني ومن تجليات المدنية الحديثة، فالصيادون بقواربهم البدائية يطمئنون إلى البحيرة يهابون البحر (37) وقد ركز السارد على الفضاء الطبيعي ليجعل منه الإطار الذي تدور فيه الأحداث وإن أشار إلى البلدة فإنه لا تقف عندها ليصفها ويحدد مكوناتها الفضائية، وهو بذلك يتسم بضرب من العذرية يلح عليها السرد إلحاحاً.
2. 2. 2: إن العذرية لا تبدو فقط في طريقة عرض الفضاء بل تبدو أيضاً في علاقة الشخوص الروائيين به، فالصياد العجوز الذي نصب عشته على شاطئ البحيرة ثم استدعى إليها فيما بعد المرأة وولديها كان يبحث عن الجمال والبهجة بعيداً عن قسريات السوق وهروبا من الاغتراب الذي تحدثه المدنية الحديثة، فقد جاء البحيرة بحثاً عن حريته الذاتية بعيداً عن الحضور الإنساني بما يحمل من دلالات اجتماعية "يقولون إنه كان مقطوعاً من شجرة فلم يروه يوما مع أحد، يتجول ليلاً ونهارا بقاربه في البحيرة وحين يهده التعب ويشتاق للأرض يرمي بالهلب لأقرب مكان ويستغرق في النوم"(38) وهو بذلك يتحاشى الموافقات الاجتماعية ويجد في البحيرة وشاطئها رمزاً للعذرية المفقودة، وهو في علاقته الاجتماعية متحرر من قسريات الشوق، فهو يصطاد السمك ولكنه لا يبيع ما يصطاد بل يبادله بما يقتات أو يمنحه ويكتفي بما يقتات(39)، وهو يبتعد عن العمران، فقد زار البلدة مرتين لتأمين بعض حاجاته ولكنه كان يخفي أشياءه في بعض الجزر أو الشواطئ الخيالية من الحضور البشري (40). وعندما استقدم المرأة صحبة ولديها لم يكن يبحث إلا عن الصحبة الطيبة، فكان يعطي بلا مقابل مادي من المرأة أو من ولديها في انتظار لحظة الموت(41).
والشخصية ذاتها تصرح بأنها تكتشف البحيرة للمرة الأولى من خلال هذه الجمل من حوار بين عفيفي وكراويه " لم أدخل البحيرة من قبل -حتى في صغري لم أقترب منها حتى في صغري لم أقترب منها- مثلما الذي عمل من صغره لم يذهب لا هنا وهناك حتى البحيرة القريبة منا لم نرها إلا كل سنة ومن فوق الشط"(42).
وعندما يطأ عفيفي وكراوية تربة الجزيرة يدر كان أنّها خالية من الحضور البشري وأنّهما أشبه برائدي كوكب القمر وهما يمشيان فوق ترابها "ربّما كنّا أوّل من يمشي عليها كتل من الطّين علقت بأقدامهما وكانت تعوق خطواتهما"(43) يقعان في مياهها(44).
2 . 2. 3: وفي نفس السياق يمثل بعض الشخوص الإنسان البدائيّ: فالرّجال السبّعة الذين يلتقيهم عفيفي وكراوية في الجزيرة متشابهون "ملامحهم تكاد تكون واحدة، تجاعيد الوجه الكثيرة، عيون صغيرة غير مستقرة، شعيرات خفيفة برؤوسهم، ويعيشون مع أطفالهم شبه عراة ويصفهم السّارد على هذا النّحو "ظهر سبعة رجال عجائز، كانوا عرايا ضامرين، سيقانهم كأعواد الحطب، يسترون أنفسهم بخرق تلتفّ بين أفخاذهم (45)، الأولاد وراءهم عرايا يمسكون عيداناً من العناب الأخضر"(45) وتلوح عذريتهم على تصرفاتهم، فهم يواجهون مظاهر الحضارة والتمدن وإنتاج السوق بمظاهر الدهشة (46)، إنها المواجهة الأخرى بين البدائية والتمدن والهامش والمركز ولكن الغلبة للهامش من منظور السارد.
2. 2. 4: تمثل الأشياء في رواية "صخب البحيرة" حيزاً هاماً من النص قلما يكون لها في الرواية العربية الحديثة فللأشياء وجود قائم بذاته وينتج دلالته الخاصة، والأشياء لا تؤدي بالضرورة وظيفة سردية محدودة كما لا يمكن أن نعتبرها عنصراً تزيينياً يتصل بالمكان أو الشخصية قد يساهم في تحديد ملامحها الجغرافية أو الفزيولوجية أو النفسية وبقطع النظر عن حضور الأشياء حضوراً عاماً في كل مقاطع الرواية فإن المقطع الثاني الذي يحمل عنوان "نوة" يكتسي أهمية خاصة للمنزلة التي تحتلها الأشياء فيه لانخراطها في نسيج الدلالة العامة للنص.
والأشياء في المقطع هي تلك التي يلفظها البحر وتطفو في مياه البحيرة عقب النوة. وقد اعتادت امرأة جمعة أن تخرج إلى الشاطئ أيام النوة، كانت قد عثرت في صباحها الباكر على أسورة من الفضة وسط الركام الذي لفظه البحر، علقتها بمعصمها ولم تفرط فيها ورغم ما يزيد على العشرين عاماً، ظلت محافظة على عادتها ولم تفتها نوة واحدة"(47)، والأشياء هي أشياء "الخواجات" و"رغم أنها أشياء عادية مستعملة بل أنهكها الاستعمال: أصداف مجوفة ومسطحة، حجارة صلبة بألوان زاهية، زجاجات بأشكال وألوان مختلفة، فوارغ علب، ملاعق وأطباق وسكاكين، أجزاء من مقاعد وقوارب من المطاط ممزقة (4)، بيد أن السارد يعرضها كأنها أشياء عجيبة ترى لأول مرة إذ يصف كيف يتفاعل نساء البلدة مع امرأة جمعة وهي تحمل أشياءها فوق جسدها فهي مرة تلبس خفاً من الجلد مزيناً بوردة، الجلد مشقق والوردة تهشمت جوانبها غير أنه كان يخطف البصر في قدميها بعد أن دعتهما بالحجر"(48) ومرة أخرى رأينها تلف رأسها بطرحة ملونة شفافة ناعمة الملمس، هن لم يرين في حياتهن غير الطرح السوداء، تحسسنها في دهشة (48) و"رأين عقود الخرز أشكالاً وألواناً على صدرها ودبابيس شعر لم يرين مثلها من قبل، مرة على شكل ورقة ومرة على شكل قارب وسمكة" (48) ويصف السارد كذلك كيف تنبهر نساء البلدة ببعض اللباس الداخلي التي كانت ترتديه امرأة جمعة (49). والأشياء في أغلب الأحوال لا تؤدي وظيفة محددة شأن النظارة البنية اللون التي يضعها جمعة على عينيه أو الساعة التي يضعها على معصمه وهي تترجرج بالماء تحت زجاجتها أو المقعد الصغير الهزاز الذي "يصلح لغلام ووضعته امرأة جمعة على عتبة البيت وقالت إنه يصلح للزينة (50)، وعندما تعرض هذه الأشياء في السوق، يخرج أغلبها عن استعمالاتها الأصلية ويوظف لغايات أخرى، فالزجاجات التي تجذب الأنظار بألوانها وأشكالها التي لم يألفوها، بعضها بأذنين أو أذن واحدة وبعضها أشبه ببرميل صغير بيد من الجانب تكون للزينة على قواعد النوافذ والمناضد بحجرات الضيوف، والأصداف تستعمل لإطفاء السجاير والعلب الفارغة لشراء الغاز والزيت من الدكان والولاعات وأقلام الحبر التي لا تستعمل يكفي شكلها (51).
بهذا المعنى تستعيد الأشياء عذريتها في علاقتها بالإنسان وتخلق معه علاقة حميمة فقدتها بحكم تحولها إلى مجرد بضاعة استهلاكية يرميها الخواجات في البحر بمجرد انتهاء وظيفتها بيد أن هذه العلاقة مع الأشياء تتطور في مرحلة ثانية في هذا المقطع السردي، ذلك أن جمعة ملتقط هذه الأشياء (صحبة زوجته) لم يعد كما كان. كانوا يرونه مبتعداً، منطوياً ينصت لهم شارداً ويقول كلمة أو كلمتين بلا معنى متخذاً سمة العاقل الحكيم"(52) وقد أصبح يختار الأشياء التي تخصه والتي لا يمكن عرضها للبيع وبذلك تحول "جامع القمامة إلى محاكاة بدائية لمنقب أثري ويتحول بيته إلى متحف كما تلتف امرأة بملابس مختلفة الطرز فتتراكم العصور فوق جلدها" (53) وتنبثق من الرجل الذي كان العمل الشاق قد استعبده وأمرضه إلى شخصية فنان يتخطى المنفعة والربح في تعامله مع الأشياء، من خلال الأشياء يعود جمعة إلى العصور القديمة، ذلك أن الأشياء أضحت كائنات غريبة تكاد تترجم عن ذاتها بالكلام. يقول جمعة "حين أنظر إليها طويلاً يخطر لي أنها ستنطق، تتكلم مثلنا، آه، مثلنا تريد أن تتكلم لربما لو انتظرنا عليها قليلاً (54) وهي آثار الإنسان القديم تترجم عن حياته وتحكي أيامه "يعملون بمزاج" نقوش، ليس أي كلام عنهم وعن أيامهم"(55) فالسيف والدّرع يعبّران عن صراع الإنسان القديم من أجل الحياة، وعلى الإناء الخزفي، المهشّم الأذنين، وعلى بعض القدور المكسورة الحافّة أثر احتكاك الملعقة وربما الأظافر أو احتراق الأكل على النّار (56) ومن خلال التعويذة التي كانوا يعلقونها برقابهم لتمنع الأذى ينبثق أناس كانوا يعيشون وسط الأشجار وفوقها وتحتها، وسيوف وغدّارات وحيوانات
(56) ومن خلال النيشان الّذي كان من الفضّة في حجم الرّيال (57) تنبثق حروب وانتصارات وسيوف تلمع وتطيح بالرؤوس (57) والحجر سجلّ عاشقين أو وعاء سرّهما" ويلصقانه بصخرة ويمضي كل لحاله"(58).
هكذا تنبثق من الأشياء التي يجمعها جمعة في "متحفه" العصور البدائية الأولى، تحمل عرق أصحابها(59) وبذلك تنفصل الأشياء عن وضعها ودلالتها في سرد الأيديولوجية السائدة وفي قصتها عن العالم المعاصر وعلى هذا النحو ينزع عنها السارد ألفتها الخادعة وتعرض على القارئ والشخصية الروائية معاً كما لو كانت ترى للمرة الأولى.
2 . 3- مفهوم المتاهة: تقترن بنيتا المكان والشخصية في رواية محمد البساطي بصورة المتاهة، ذلك أن المكان يقوم على طرق متشابكة ومغارات وقنوات وأشجار متشابكة وجبال وممرات مائية وغير ذلك من المسالك الملتبسة والمتداخلة وكذلك الشأن بالنسبة إلى الشخصيات التي تقع في المتاهات النفسية فتراودها الحيرة والشك فلا تجد طريقاً سوية تتسللها ولا نبراساً تهتدي به ولا تشذ رواية "صخب البحيرة" عن هذا التصور العام في بنيتي المكان والشخصية.
2. 3. 1: يحدد السّارد المكان تحديداً موقعياً، فهو يبدأ الرواية بتحديد موقع البحيرة بين البحر والغابة واصفاً الطرق المتداخلة التي تربط بينها والمسالك المتشعبة التي تصل بين هذه الفضاءات المختلفة (60) ثم يصف الغاب والعشب اللذين يتصلان بالبحيرة (61) وبذلك يقترن شكل الممرات ولونها في رسم صورة المتاهة التي تتيح للصياد "العجوز" قدرة عجيبة على التسلل فقد "كانوا دون أن يحسوا به يجدونه فجأة يمر على بعد مجداف منهم وما أن ينشغلوا عنه حتى يروه قد أبحر بعيداً"(62).
هكذا تتخذ البحيرة صورة المتاهة عندما يصفها السّارد قائلاً: "إنّ البحيرة تبدو سهلة لمن لا يعرفها وهي غدارة مثل كلّ المياه وكثيرون تاهوا فيها ولم ينقذهم غير أهل الجزر"(63) لأنّ لها أكثر من منقذ يصلها بالبحر والدّوامات هناك لم تر عين مثلها، تبلع قارباً بما يحمله"(63) ولذلك عندما أبحر عفيفي وكراويه بحثاً عن الأغراب تاها وغيّرا اتجاها آخر (63) وقد التجأ الصيّاد العجوز إلى أن يغرز عصا قصيرة ثمّ أخرى ليحدّد له موقعاً على شاطئ البحيرة(64).
2. 3. 2: لا يمثل المكان إذن، في علاقته بالشخصية، عنصر استقرار أو انتماء، كما يبدو لنا ذلك في الرواية التقليدية ذات الخطاب الواقعي الوصفي، فثمة في مستوى بنيتي المكان والشخصية في رواية "صخب البحيرة" لمحمد البساطي"، موازاة واضحة بين المسارين، فإذا كان الفضاء متاهيا فإن مسيرة الشخصية نحو المصير الذي ينتظرها هو كذلك أشبه بالمتاهة، إن مسيرات الشخصيات في الرواية متشابهة. لقد كانت حياة الصياد العجوز بين البحيرة والبحر والجزر بمثابة الدوران في حلقة مفرغة لا مستقر لها ويظل قاربه أحياناً كثيرة شارداً في البحيرة وهو راقد بداخله (65) وعندما غرز عصاه على بعد خطوات من ضفة المضيق بعد غياب وحضور تكرر ثلاث مرات، فقد حدد مصيره وأعلن موته ونهاية متاهته.
|