إنشائيّة الخطاب في الرّواية العربيّة الحديثة- د. محمّد الباردي

دراسة- من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

3/ الموت والبحر والجرذ لفرج الحوار: تغييب العالم/ تشخيص المكتوب.

يواجه قارئ رواية "الموت والبحر والجرذ" لفرج الحوار (1) نصّاً أدبياً متبجّحاً، ينفي لكي يؤسّس ويقوّض لكي يبني، وإذا كان موضوعه المحوري كاتباً يتمرس بالكتابة لكي يؤلّف قصّة بوليسيّة أو ما شابهها، فإنّ هذا العمل يتضخّم شيئاً فشيئاً لكي يبني ذاته مدّعياً أنّه متفرد أوحد بين الكتابات السّابقة
(2)..

والقارئ يجد نفسه ـ شاء أم أبى ـ تجاه خطاب ذي مستويين متمايزين رغم تشابكهما: مستوى المصرح به يقول الكاتب في مقدّمته أو يمارسه قائل نصّه أو راويه أو بعض شخوصه، يتعلّق ببعض مسائل الكتابة الإبداعيّة ومستوى مالي مسرّحاً به، يتمثّل في الممارسة الإبداعيّة في حدّ ذاتها، قوامها شخصيّة أساسيّة هي شخصيّة محمد الجرذ: هذا الكاتب الجديد المنفعل مع محيطه المادّي من خلال خوضه تجربة الكتابة. ولذلك رأينا أن نحلّل كلّ مستوى من مستويي الخطاب على حدة لأسباب منهجيّة.

المستوى المصرح به: من النّادر أن نقرأ في أدبنا العربيّ الحديث نصّاً دعيّاً متبجّحاً كهذا النصّ. كأنْ مؤلّفه يخشى عليه الإخفاق في الصّمود أمام نصوص أخرى قرئت وفق الطّقوس والمعايير المعروفة الّتي تجعل من النصّ رواية. فهو لا ينفكّ، منذ التمهيد والتّمهيد مدخل النصّ ورأسه ـ والأوراد السّبعة على لسان القائل والقائل هو المؤلّف ـ يعرف نصّه ويقدّمه إلى قارئه وكذا فعل ناشره وقارئه الأوّل، كاتب مقدّمته، فقد تظافرت إذن جهود المؤلّف والنّاشر والمقدّم في مستوى البثّ في سبيل التّأثير في القراءة وتوجيهها، بالرّغم من المفارقة الواضحة بين إرادة المؤلّف من ناحية وإرادة النّاشر، والمقدّم من ناحية أخرى. فمقدّم الكتاب يقدّم النصّ على أنّه رواية، وهي "رهان مقبوضة على أنها من "عيون المعاصرة"(3).. والناشر يعده مغامرة روائية طريفة، "جدد فيها فرج الحوار أعجوبة المسعدي الأسلوبية بروح مبدعة".. (4).. في حين يكتفي المؤلف المبدع بتعريف إبداعه على أنه نص أدبي ويهمنا في هذا الإطار العناية بالمؤلف وأطروحاته النظرية، فمنذ البداية نلاحظ أنه يحدد للقارئ مجال قراءة نصه. فالأثر الذي بين أيدينا هو نص اصطلاحاً (5)، ذلك أن هذا المصطلح يتواتر بدرجة غريبة (4)، وهذا التواتر العجيب يحيلنا بدون ريب على تلك المفاهيم التي راجت في أعقاب الخمسينات في فرنسا، وطرحت إشكالية النص في حد ذاته في مستوى ماهيته وحدوده، ولعل أهمّ هذه المفاهيم يتعلق بنظرية الكتابة النصية التي حددها ف.سولير Philippe Sollers مؤسس مجلة "telquel" (6) ورأس جماعة النقاد والمبدعين الذين ذاع صيتهم باسم هذه المجلة الأدبية.. فهو يعرف نظرية الكتابة النصية في بيانه Programme (7). بأنها "نظرية تحدد قبل كل شيء على أساس أنها قراءة (8)، ولكنها أيضاً "تُصاغ من خلال حركة ممارسة هذه الكتابة (9)، فالكتابة النصية تنفي إذن الحدود الفاصلة بين الأنواع الأدبية، فماذا يهم أن نسمي مجموعة العلامات التي يرسمها كاتب رواية أو قصيدة أو دراسة نقدية، وماذا يفيد أيضاً الرجل الذي ينتجها وأثرها الأدبي؟ إن ما يفيد هو النص (10)، وعلى هذا الأساس يتسع مصطلح رواية ويتمطط إلى درجة أنه يصبح يعني كل كتابة نثرية، تتميز بصفة مكشوفة على أنها من باب الخيال (11) ففي حقل علامات موحد تصبح الرواية نقطة وصول هذه العلامات وقصتها (12)، ودعمها أيضاً الناقد المعروف R.Barthes وكتابه "لذة النص" غني عن التعريف. في ضوء هذه الأطروحات الأدبية التي يتبناها "فرج الحوار" يصبح نصه مجرد قول قد صيغ ويصبح أثره كتاباً نصاً (13)، وبالتالي يصبح قصة العلامات Les signes قصة الشخصيات والأحداث قراءة وكتابة أفلم تكمن القراءة الأولى، غير سبر لأغوار العلامة الموشومة على جبهة الأفق، وصمة على سهل الورق لا تزول (14)، أو ليست الكتابة رسماً للعلامة بالرّغم من أنّ النصّ يفلت من حدّ اليراع وقبضة العين (15)، واختباراً بين العلامات (16)..

وإذا كان "ف. سولير".. يؤكد أنّ نظريّة الكتابة النصيّة الّتي تحدّد على أساس أنّها قراءة، (ولكنّ هذه القراءة لا تكون ممكنة إلاّ بواسطة كتابة تعترف بالقطيعة (7) فإنّ نصّ الموت والبحر والجرذ يعلن عن ذاته نصّاً مؤسّساً متفرّداً متميّزاً رافضاً لما سواه من نصوص، حاملاً راية التجديد بالعلامة وحدها فوليمة الأحداث الّتي يزخر بها خوان الدّنيا أصبحت دون جوع الجائعين رغم وفرتها ودسمها لهذا ، تعذّر الصبّر وتعذّرت المعاناة وتعذّرت الجودة (18) فهل من يراع بارع مبدع يدحض تفاهات اللّغة المدّنسة، ويبحث في الشباك عن حصيلة الأوجاع ومطمح الروح الباكية (19)، فهو نصّ نبض (20)، حق معجز يتألّق وجه الجدّة فيه بالبراهين"(21)، في حين وقفت "نصوص أخرى عاجزة على الابتسام وعلى الدّعوة"(22)..

وهو في تفرده وتميّزه يعلن عن معاداته للواقعيّة مذهباً أدبيّاً يلاحق الواقع وينقله، ذلك أنّ الواقعيّة المحض، انتحرت بين فكّي التقارير، والتحاليل والفحوص أهملت معقل المرض (23)، فما جدوى الصّورة تنحت صدقاً لاهباً تتحنّط لمجرّد النّطق بها رمزاً أعرج وسهماً يلهث، وإذا انطلقنا من اقتناعنا بأنّ الواقعيّة بأشكالها المختلفة لا تزال إلى حدّ الآن فرس الرّهان في الرّواية العربيّة المعاصرة (24)، فإن هذا النصّ لواع بالمرحلة التاريخية الّتي يمرّ بها فنّ الكتابة عند العرب، ولذلك فهو يريد أن يكون في الآن نفسه نصّ تجاوز للواقعيّة كمدرسة تأسّست، ونضجت، وأكملت مهمّتها التاريخيّة، وتجاوز لأمّة الفنّ الرّوائي تبشيراً بشكل جديد هو ما بعد الواقعيّة. كما يريد أيضاً أن يكون نصّ تأسيس، ذلك أنّ الواقعية حسب اعتقاد المؤلّف لم تفرز أعمالاً روائيّة جيّدة، فلقد تعذّر الصبّر، وتعذّرت المعاناة وتعذّرت الجودة. ومعاداة الكاتب الواقعيّة، مرتبطة بمعاداته للشّكل الروائي التقلّيدي، فهذا المؤلّف في النصّ، صاحب الحلّ والعقد يعلن أنّه براء من هذه العقدة الشّائكة. الجثّة، جثّة مؤمن وافاه الأجل المحتوم على الرّمال فأجاب الدّعوة طائعاً مختاراً، استردّ الله متاعه، وهو سبحانه يقبض الأرواح متى شاء، أين الإشكال؟ أين السرّ في هذه الحكاية؟(25)، والأبطال مثل الوضاعة والإباحة والتّطاول، والأتباع لا دور لها غير متابعة الأبطال بالعين وانتظار الأمر(26)، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الأحداث الحكائية فالوليمة التي يزخر بها خوان الدنيا أصبحت دون جوع الجائعين رغم وفرتها ودسمها (27) أما المعنى فهو مهدور في النفق (28)، ذلك هو المستوى النظري المصرح به في "نص فرج الحوار"، وهو بمثابة البيان (29)، في الكتابة عامة، فيه يحدد المؤلف مفهومه للإبداع، وهو مفهوم قوامه رفض للرواية الواقعية، وللشكل الروائي التقليدي ودعاية للكتابة النصيّة عموماً. إلا أن هذا المستوى من قراءة النص يطرح بشكل ملح مسألة التناصّ، فإن كنا قد أشرنا بصفة أوكد إلى حضور بعض أطروحات "ف.سولير". في هذا النص في مستوى خلفيتها الفكرية فيجب ألا نهمل أهمية حضور البعض من أطروحات الشكلانية عامة. فمفهوم النص العلامة (30)، الذي لا ينفك المؤلف يردده في نصه، والذي يعني أن النص يوجد ذاته بذاته. أي أنه بعلاماته قائم بنفسه بمعزل عن كل العوامل الخارجة عنه، سواء تلك التي تتعلق بالمؤلف أو بالإطار الاجتماعي والثقافي الذي ظهر فيه، مأخوذ عن أطروحات الشكلانيين، أفليس تأويل نص ما في نظر رولان بارت لا يفيد في إسناد معنى ما إليه، وإنما هو استنباط لمعان جديدة يتضمنها هذا النص (31)، أو لم يقل أيضاً، أقرأ النص فإذا هذه الأنا Le moi التي تتناول قراءة النص تحمل في ذاتها مجموعة من النصوص الأخرى المتعددة التي تجمعت لديها من قراءات سابقة وهي نصوص تخضع لقوانين لا متناهية. فالنص شيء محدد معين، ولكن القراءة ليست سلوكاً طفيلياً تنتفي معه عملية الخلق، فالذات والأنا ليست مختفية في النص، ووظيفة القارئ هي تحريك النص ونقل أنظمته، ولا ينبغي أن تقف هذه العملية عند حد الذات، أو عند حدود النص. فالنص في كثافته يشبه سماء مسطحة وعميقة بلا جوانب، ولا نقاط استدلال. فالشارع يشير طوال النص إلى مناطق قراءة لكي يتسنى له تتبع صحة المعاني (32)، وإذا كان "بارت Barthes" يعتقد أن القراءة كتابة فإننا نعتقد بدورنا أن الكتابة قراءة.

إن الكاتب قارئ أيضاً وخاصة في هذا النص، فأوله "فاتحة مفتوحة على الأوجاع، والتوقعات سورة من سفر غاب (33)، والقراءة تتعثر كلما تجهم وجه المدينة، والقارئ يخفق في العثور على مكمن النبض، ويظل المعنى يهتز تصطّك مفاصله من فرط العناء(34)، فعندما نتتبع هجرة المعاني ونصف حضور النّصوص الأخرى في هذا النّص فإنّنا في الواقع نريد أن نبرز علاقة القراءة بالكتابة ومايمكن أن تحدّثه من إحراج للكاتب في عمليّة إبداعه.

مستوى ماليس مصرّحاً به:

يصرّح فرج الحوار في كتابه بـ "أخوته" للكاتب السوداني الطيّب صالح، أفليس مصطفى سعيد "أكبر إخوة" محمد الجرذ وأصدقهم قافية"(35)، لكن القراءة تكشف أنّ صلة الرّحم هذه لا تصمد كثيراً أمام نصوص أخرى ساهمت في تحديد بنية النصّ الّذي ندرسه. وهذه النّصوص يمكن حصرها في مؤلّفات المسعدي الإبداعيّة عامة، وفي رواية (الحديقة) le parc لـ"ف.سولير".

1/ دائرة التّناص الأولى: الموت والبحر والجرذ / حدّث أبو هريرة قال: السدّ:

أ ـ المستوى المرجعي:يعتمدّ "الموت والبحر والجرذ" و"حدث أبو هريرة قال: "على أرضيّة تراثيّة واحدة، نستنتجها في كتاب المسعدي من خلال عبارات التقديم الّتي توشح الكثير من الفصول الواردة في الكتاب، ومن خلال الإحالات الّتي يلتجئ إليها "فرج الحوار"، في "الموت والبحر والجرذ"، ذلك أنّ الكتابين يحيلان على شخصيّة أدبيّة تراثيّة أضحت معروفة لدى قرّاء الأدب ألا وهي شخصيّة "أبي حيان التوحيدي"، إنّ المسعدي يستفتح ثلاثة من فصول في "حدّث أبوهريرة"، قال:"بثلاث استشهادات مسندة إلى أبي حيان التوحيدي
(36)..

من جملة تسعة استشهادات لكتّاب قدامى ومحدثين ويضمّن فرج الحوار أوراده بخمس مقولات "للتوّحيدي"(37)، إضافة إلى الاستشهاد الّذي يستفتح به عبد الفتاح إبراهيم مقاله التقديمي"..

وإذا كانت صلة المسعدي بأبي حيان التوحيدي وبالنّاشرين القدامى تكاد تكون محلّ اتّفاق (38)، بين الدارسين على أساس الانتماء إلى مدرسة في الأسلوب تتمثّل في التلّقي عن كبار النّاثرين القدامى لغتهم الأثيلة" على حدّ عبارة توفيق بكّار" (39)، فإنّ فرج الحوار يؤكّد بذلك اتبّاعه لنفس المدرسة الأسلوبيّة ويخطو خطى أستاذه "المسعدي" في تجسيم حداثة النصّ عبر تأصيله أسلوبيّاً في التّراث الأدبي.

ب ـ اقتباس بعض المعاني: إنّ اتبّاع الحوار للمسعدي لا يقتصر على الأسلوب وحده بل جرّه الأمر إلى حدّ اقتباس بعض معاني "المسعدي" وصوره الفكريّة التي لا يجد القارئ صعوبة في إدراكها، وهذه بعض الأمثلة القليلة (وغيرها كثير) الّتي تؤكّد أن فضل المؤلّف لا يتجاوز إجراء تحويل طفيف على الصّورة الفكريّة في مستوى الصياغة حسب ما يقتضيه السيّاق.

محمود المسعدي

فرج الحوار

لا ميمونة، بل الكفر بالنّواميس والحدود والعراقيل وإنكار العجز والإسلام (السدّ ص23).

أميرة لماذا تجنحين إلى الكفر كلّما دعاك الدّعاة إلى الإسلام (ص82)

فإذا للجسد مسّ الجديد المعاد الخلق (ص189)، فأنا من خلق جديد.

المهمّ أن يتألّق وجه الجدّة بالبراهين (ص98)

وكنت أصبت من معاشرته ما صار لديه كلّ شيء وضّاحاً وتبرّجت له به الدّنيا تبرجاً أكثر النفس(ص103)..

وذهب بنا الوقت، هكذا يغنّي واسمع فكأنّما ينفث من روحه سحراً وعافية (ص242)..

ج ـ في مستوى بعض المواقف الفكريّة:

إلاّ أن صلة فرج الحوار بالمسعدي تتجاوز التأثّر الأسلوبي لتصبح اعتناقاً لبعض المواقف الفكرية وخاصّة فيما يتعلّق بموقف صاحب "حدث أبو هريرة قال" من الجماعة هذه بعض الأمثلة الّتي تؤكّد رأينا:

حدّث أبو هريرة قال:

الموت والبحر والجرذ

ـ فهذه يا كهلان قصّة الطّالب الكثرة صحبتهم فسألتهم روحاً فإذا هم أفرغ من نفخة إسرافيل وإذا أنا في وحشة القطرة من النّدى تغنّي على الغصن صباحاً وها أنا على صداي (ص156).

ـ قد حاولت أن أجرّد لساني من لعنة الانتساب إلى الجماعة ولعنة الحديث عن النّفس من خلال لعنة الجماعة فاعترض الخوف سبيلي وظننتني واقعاً في أحبولة الوحشيّة إذا أنّا قطعت بيد شجاعة وريد العروة الوثقى (ص96).

ـ وحسبت أنّ في العشرة سعة النّفس واليمن والنّعمة فما كان منه إلاّ خلاء الخيبة ووحشة الوحدة وارتدت إلى نفسي ضيقة حسيرة (ص162)

ـ اليوم عرفت أنّني لا أحبّ أحداً أرمي من ذلك إلى التّوحد به إلاّ كنت من الخاسرين(ص249).

د ـ في مستوى الشّخصيّة الرّوائيّة: ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ بل يصل إلى مستوى بناء الشخصيّة الرّوائية في حدّ ذاتِها، فشخصيّة "محمّد الجرذ".. هي في كثير من وجوهها شخصيّة "أبي هريرة" أو "غيلان" وهذه بعض الحالات المتشابهة التي تمر بها الشّخصيتان الروّائيتان:

محمود المسعدي

فرج الحوار

وجدنا (أبا هريرة) بفناء بيته وقد بسط فيه فرشاً خفيفاً وجلس فأطرق وسجا فسلمنا وقلنا وقد أدركنا فيه هماً باطناً.. وهو ممسك لا يمدّ يده إلى رطب وشواء ويشرب ولا يقول شيئاً (حدث أبو هريرة قال (ص117-
118)..

ـ وانهمك يتأمّل البحر كاسفاً ومضى عليه زمن لا يكلّم أحداً، لا يحلم ولا يأكل، ولا ينام
(ص211)

ـ يأخذها غيلان من يدها.. لنعلون برأسينا ولنفتح لهما في السّماء باباً

يرتفعان وقد طارت بهما العاصفة (السّد ص 147-148).

ـ ومدّ ذراعه فاختطف موجة عاتية ارتداها وانصرف(ص221)

محمود المسعدي

فرج الحوار

ـ قصد إلى راحلته فأخرج رقاً من الخمر وجاء به القوم.. أخذ الرق منّي كأنّما يريد ذلك، فإذا هو قد رفعه وصبّه على رأسي ـ (حدّث أبو هريرة، قال: (ص70-71).

ـ فعمد إلى دنّ كان في صدره ففتح عينيه واقترب من الموج فألقاه (ص241).

ـ كانت ريحانة تقول: يا أبا هريرة ذهبت ناري وتبكي. حدّث أبو هريرة قال (ص84).

ـ طلبت (بربارا) محمداً أهذي به اسماً أناديه وأسترحمه. وأشط في طلب دفئة المقرور يدثّرني
(ص242).

ـ ودام ذلك ساعة، فرحت له أريحية عذبة وصرّفني عن صديقي وهزّني الطرب (حدّث أبو هريرة قال: ص167).

ـ ضربت في الآفاق أطلب الجواب والخير فأهلكني الشرّ وما غنمت من سعيي شيئاً، وها أنا عدت يا بربارا صادياً قرماً (ص242).

ـ حثّ فرسه وأرسله كالرّيح فأسمع حوافره على الصّخور كالرّعد وغاب عنّي في اللّيل(حدّث أبو هريرة، قال).

ـ وشددت على أزراري وناديت بريحي فلبت فعوتها وأخذت بالعنان أتقد عزماً وحزماً

دـ في مستوى التقسيم الشكليّ للنصّ: نضيف إلى ذلك الشّبه الواضح في مستوى التقسيّم للنّصين (الموت والبحر الجرذ/ حدّث أبو هريرة قال)، فقد حرص "فرج الحوار".. على أن يكون لنصّه مقدّمة وتمهيداً على غرار حدّث أبو هريرة قال: "واقتبس عنوان فصله الأوّل من عنوان الفصل الأول من كتاب "المسعدي" (الفصل الأول: المهد والبعث/ الفصل الأوّل: البعث الأوّل)، كما اقتبس معاني تقديمه ممّا ورد في ما قدم به "المسعدي" كتابه وهذه بعض الفقرات التي تؤكّد لنا هذا الاقتباس المعنوي:

محمود المسعدي : مقدّمة

فرج الحوار: تمهيد

هذا كتاب كتبته منذ أحقاب، حين كنت أروم لأن أفتح لي مسلكاً إلى كياني الإنساني وأقضي حجاً إلى موطني المفقود: وفاء حنين إلى الذّات الجوهر الفرد وتوليد للعشرة من معدن الوحشة وإشهاد على أن تاج الكيان مركب من العشق والفناء.

هذا النصّ سبيل بحث سلكته وراء الهويّة والذّات والكنه المعدوم، منذ مطلّع النّور والظّلام كان يحوطني سوراً من الأشواك والأزهار والرى طعم مني وطعمت منه وأجهدني وجهدت إليه فلم أبلغه نال منّي ونلت نزراً لا يغني حتّئذ إذا واصلته كان له في فمي كطعم العلقم. مرارتها دونها اللذّة والجوهر.

وقد طرحته منذ ذلك العهد طرح الجثّة ثمّ عدت إليه بعد أن شاعت منّي في أبعاد العمر كل مهجّة فإذا هو يحدثّني بحديثه إذ ذاك، صدى منّي إلى ككلّ حيّ لا يزال: الحياة كون واستحالة ومأساة فإذا هي ارتدت ظاهرة وقراراً ورضى فهي الخسران ولعنة على الزائفين (ص12)، حدّث أبو هريرة قال.

وقد تكبدت وتكبدني أمداً من العمر لا أحسّ به لأوّل وهلة حتّى تحرك في أحشائي جنيناً يطعن رحمي طعناً دونه الطّعنة النّجلاء فطلبت إليه فيّ منفذاً وما استرحت حتّى طرحته على الورق خلقاً سوّياً ولعلّه مسخ تمثل لي به(ص31)

****

2 / دائرة التّناص الثانية: الموت والبحر والجرذ LEPARC:

إن علاقة "فرج الحوار" بـ"فيلب سولير"، تتجاوز مجرّد التّبني للأطروحة الأدبيّة لتصبح اقتباساً للشكّل الرّوائي في حدّ ذاته: فالبنية العامّة للنّصين تتمثّل في كاتب يمارس عمليّة الكتابة مختلقاً حادثة وهميّة وهي حادثة قتل، لكن النصّ يتضخّم عبر انفعالات هذا الكاتب والحالات الّتي يمرّ بها، وتظلّ قصة الحادثة منقوصة. وهذه بعض الفقرات الّتي توحي بهذا التماثل.

LEPARC

الموت والبحر والجرذ

Mais cette nuit d'automne enfin la meme et je serai encore assis. le stylo à la main pour l’unifier. la poursuivre tracer entre elle et moi cette phrase interrompue reprise jamais sure que de se suite revée . p. 39.

القلم بين يدي يهتزّ وتتوق ريشته إلى حدّ الورقة العذراء لكأنّه يهمّ بي معانقاً وكأن للكلام في صدري صوت كأنّه هزيم الرّعد (ص58).

Ce cahier à couverture orange patimment rempli surchargé de l’écriture récriture réguliére et conduite judsqu’à cette page. cette phrase. Ce point. Par le vieux stylo souvent et machinalement trempé ddans l’ encre bleu noire . p. 115.

مرّة أخرى امتشق القلم، صدقاً وصدى، وأهوى على الورق بحصيلة العناء والأرق (ص96).

تقاعس القلم من جديد فاكتفيت منه بما جاد (ص97).

لابدّ أن أرسم العلامة يا بربارا ولكن النصّ يفلت من حدّ اليراع وقبضة العين (ص195).

Déchirer le cahier d'un seul coup. En longueur. En largeur. Puis feuille aprés feuille. Minutieusement jeter les morceaux … en ramasser un pourtant Iire le commencement d'une phrase.. s'assurer qu'elle n’a riende ce que je voulais Iui donner p73.

أفسدت من ورقي عدداً وافراً لم يقع لي خلال ذلك غير جمل هزيلة شاحبة وبضعة أوهام ثمّ قذرت الورق والقلم والمكتب(ص59)..

لمّا مزقت أوراقي وقد نضجت واستقامت كتاباً غضبت بربارا (ص97).

Ecrire et imaginer ce corps. Ce cadavre depuis longtemps qui. Maintenant doit avoir atteint le dernier stade de décomposition. Squelette. Presque entiérement nettové de toute chair.

تستريح الجثّة في مثواها الأخير
(ص60).

ـ أمواج البحر تقسم أنّ الجثّة ستظلّ في الثلاّجة نسياً منسياً (ص128).

ـ من وقع على الجثة معفرة تنضج عفنا وهوانا.؟ (ص78)

جدع أنفه وقطع أذنيه وجزّ شاربيه وجانباً عظيماً من لحيته بمقصّ حديد قاطع(ص79).

Ce corps ramassé à l'autre. Transporté sur un brancard et jeté parmi d'autres dans le camion corps saillant. Disloqué . la jambe la cote . le bras gauche broyés par l’explosion . p 92.

أجمع الأهل والأقارب والأحلاف والجيران وأذهب إلى حيث أعدم الرّجل ابحثوا عن العلامة.(ص62).

 

جثّة ملطّخة بالوحل والدّم والماء، لا أثر بها لشكل أو علامة (ص82).

 

لو كان المجرم رجلاً لما جدع أنف الجثة وقطع ذكره(ص82).

تضيف إلى هذه الملاحظة الرئيسيّة ما يتعلّق ببنية السّرد في حدّ ذاتها ذلك أن "فرج الحوار" أخذ في نصّه "الموت" والبحر والجرذ"، طريقة التّركيب السّينمائي عن LEPARC فالكاتب شأنه في ذلك شأن "ف. سولير".. ينتقل من مقطع سرديّ إلى آخر بصفة فجئيّة ملغياً إلغاء تلك الأدوات المنبّهة لتقاطع المقاطع السرديّة (الأفعال المعلنة عن حالات جديدة: تساءل ـ قال في نفسه حدث نفسه أو تغيير الضمائر كالانتقال من ضمير الغيبة إلى المخاطب، وغيرها من الوسائل المعروفة في الرّواية) ففليب سولير ينتقل من مقطع سرديّ إلى آخر مكتفياً بوضع نقاط متتالية. كالانتقال من وصف حالة الشخصيّة الرئيسيّة وهو جالس في الشّرفة إلى مقطع يخرج فيه مع فتاة إلى الشّارع إلى مقطع يصف فيه مصاحبته لرجل على الشّاطئ إلى مقطع يصف فيه لوحة معلّقة على الحائط أو شريطاً سينمائياً بوليسيّاً..

كذا يفعل فرج الحوار تقريباً متراوحاً بين مقاطع سرديّة سريعة وأزمنة متقابلة وإن كان الموضوع رابطاً بينهما.

وهذه بعض الأمثلة:

العلاقة بين المقطعين

المقطع الموالي

المقطع السّابق

تعقيب على المقطع السابق.

قالت لي بربارا وهي تضحك بشارته أخافتني: قصّي على القتيل بعض أخبار الحريم ببلادكم..

كان عمّ حسن ينصت إلي مأخوذاً مبهوراً

الإخبار عن سلوك بربارا

 

ـ الأنفاس: (ص89) يتعلّق السّرد بعلاقة العم حسن بمنهجيّة).

 

تساءل عمّ حسن: أكانت هكذا دائماً تغضب وتسعد لأتفه الأسباب؟

ـ وكانت شقيّة بذلك إذا استقرّت ماتت ص 91

عادت بربارا فاستلقت إلى جانبي هل جف معين نزواتك يا بربارا؟!(ص91)

عندما وقف العسس عند رأسينا كانت صرخات بربارا تهزّ أمواج البحر هزّاً (ص98).. علاقة جنسيّة بين محمّد الجرذ وبربارا على الشّاطئ واكتشاف العسس لها).. ص 99. ـ ماذا كانت تريدك أن أختار يا محمّد؟ ـ كنت أنوي الرّحيل، وكانت لسبب مجهول تحرضني على ذلك ص 99. تعليق على المقطع السّابق ومواصلة له.

إنّ الغاية من الأمثلة الّتي قدّمت ترمي بالدّرجة الأولى إلى إبراز العلاقة بين القراءة والكتابة في الإبداع الأدبي ذلك أن الحضور المكثّف لهذه المجموعة من النّصوص تؤكد أن الكاتب عامّة لا يستطيع بسهولة التخلّص من قراءاته السّابقة. فالقراءة حاضرة دوماً لا توجّه النصّ المبدع فقط بل تسعى إلى أن تكون جزءاً منه وهي بذلك تطرح مسألة الإبداع عامّة. إنّ مفهوم الإبداع إذا نظرنا إليه من هذه الزاوية ليس خلقاً من لاشيء. فالأثر الأدبي حتّى في اللّحظة الّتي يبرز فيها، لا يظهر بمظهر الجدّة المطلقة ولا ينبع في صحراء خالية من كلّ علامة، ذلك أنّ جمهوره معد مسبقاً عن طريق مجموعة من الإعلانات والعلامات ظاهرة أو خافية.. لنمط من التقبل (41) ولاشكّ أنّ كتابات "محمود المسعدي"، على الأقلّ قد هيّأت في تونس نمطاً من التلّقي، وكانت التّربة الخصبة التي ظهر فيها كتاب "فرج الحوار" الموت والبحر والجرذ وبالتّالي فهو قد جسّم التواصل الطبيعي من حيث أراد القطيعة.

وانطلاقاً من هذا المفهوم للإبداع فإنّ الكاتب وهو يُبدع يخضع لتجاذب عنيف من النّصوص المقروءة الّتي تقع في مجال اختياره الواعي ففي الحالة الّتي ندرسها نلاحظ أنّ النّصوص المتجاذبة "لفرج الحوار" بقدر ما تعكس تلك الثنائية التقليديّة في الكتابة العربيّة المعاصرة وثنائيّة الشّرق والغرب أو الحداثة والأصالة (المسعدي/ P/Sollers) تعكس أيضاً تناغماً في القراءة. أفليست رواية المسعدي، حدث أبو هريرة قال: "نبطن توقاً إلى الخروج عن الشّكل التقليدي في كتابة الرّواية الأوروبيّة في حدّ ذاتها، إذ اعتبرنا أنّها كتبت قبل الخمسينات أي قبل ظهور ما عرف بالرّواية الجديدة Le Nouveau Roman في فرنسا لكنّ القراءة من حيث أنّها قوّة جاذبة فاعلة يمكن أن تشكّل تشكّلاً خطيراً، وبالتّالي تهدّد الكتابة في حدّ ذاتها، ففي مجال التّجاذب العنيف للنّصوص أثناء عمليّة الكتابة أين يكمن الإبداع في نهاية الأمر؟

فإذا اعتبرنا التّناص حواراً بين النصوص (42)، فإنّ الهجرة تصبح في الوقت نفسه هجرة للمعاني والأشكال، ففي هذا الكتاب الذي نحن بصدد دراسته نلمح أبرز معاني "محمود المسعدي"، إذ يطغي على النصّ ذاك النّفس الوجودي الّذي نلمسه في جلّ مؤلّفات "المسعدي" وبصفة أدقّ في كتابه "حدث أبو هريرة قال:"فشخصيّة "محمدالجرذ"، في تكوينها ومواقفها الفكريّة هي شخصيّة وجوديّة، وهي كذلك شخصية "مسعدية" في بنائها الدرامي فعلى غرار "أبي هريرة" الّذي تتجاذبه قوتان: قوّة الروح والجسد أو الرّح والمادّة أو الشّرق والغرب. وهو يخوض تجربته بين امرأتين "ظلمة" و"ريحانة" فإن "محمد الجرذ"، يظلّ هو أيضاً منشطراً بين قطبي التناقض بمدلوله الإيديولوجي والحضاري وهو يعيش بين امرأتين أميرة وبربارا: كلّ ذلك بقطع النّظر عن الأسلوب الّذي يمكن أن نعتبره إرثاً مشتركاً، قد نلتقي في كيفيّة التعامل معه.

كما أشرنا أيضاً إلى هيمنة بنية نصّ le parc فهي قصّة الكاتب الّذي يكتب نصّه وبالتّالي فإن "فرج الحوار" يقدّم صياغة عربية لشكل روائي ظهر في لغة أخرى منذ بداية الستينات ، وهكذا حاول أن يؤقلم بين نصّ عربيّ وآخر فرنسي بطريقة قد لا تخلو من طرافة ومع ذلك فإنّ إشكالية الإبداع مثل هذه الحالة تظل مطروحة، فنحن إذا سلمنا بتداخل الأشكال داخل كلّ نوع أدبيّ فإن الإبداع والخلق يكمنان في تلك الصيّاغة الجديدة وذلك التشكّل الطريف لمجموع العناصر الّتي تؤسّس الشّكل داخل النصّ الأدبي ممّا يجعل الأثر داخل نوعه تجاوزاً وتنوّعاً لا إعادة وتكراراً. وهذا مايمكن للقارئ أن يلمسه عند قراءته لنص "فرج الحوار" الموت والبحر والجرذ إذ هيمن التأثّر بالقراءة بدرجة غريبة، وعندئذٍ فإنّ الإبداع في هذا النصّ لا يتجاوز المزج بين الصياغات الموجودة من ناحية وتعميق لأبعادها من ناحية أخرى، فمسألة الأسلوب في نص "الحوار"..

مثلاً ليست مجرّد اختيار نمط من الصيانة اللّفظية بل تصبح الصياغة اللّفظيّة في حدّ ذاتها ومغازلة اللّغة أمّ القضايا في هذا النصّ بل موضوعه الجوهريّ، فالكاتب لا يقول شيئاً وإنّما يتحدّث عن اللّغة (42)، وذلك الخيطّ السّرديّ الرقيق ما هو في خاتمة المطاف إلاّ هيكل باهت تحتويه اللّغة وتطفو عليه. إنّ التّشخيص النصيّ إذن، هو تشخيص المكتوب، فالنصّ يتكاثر انطلاقاً من ذاته، وظاهرة التّشخيص النصيّ ظاهرة فنيّ تميّز الرّواية الحديثة وتجسّد كذلك نقلة نوعيّة أخرى في التّعامل مع المواد السّرديّة المشخّصة. وتعدّ الآن كتابات صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني أكثر الرّوايات العربيّة ولعاً بالتّشخيص النصيّ رغم اختلاف صيغ التعامل وأهدافها ذلك أنّ صنع الله إبراهيم ذو ولع بتشخيص النصّ الحديث والمعاصر، في حين تتّخذ جلّ كتابات جمال الغيطاني من النصّ التّراثي القديم مجالاً واسعاً للتّشخيص بأساليب متنوّعة.

لكاتب "تلك الرائحة" ولع بالصّور الفوتوغرافية الّتي يُعدُّ تشخيصها ظاهرة سرديّة أساسيّة في رواية "بيروت بيروت" فالسّارد ينقل بواسطة اللّغة ما رصدته عين الكاميرا تحت عنوان واحد هو "لبنان أيّام زمان في "أربع صفحات" (43)، أو ما رسم على بعض المجلاّت (44)، في صفحتين متتاليتين، ويحوّل الملصقة الحائطيّة إلى نصّ مكتوب (45) وكذا يفعل ببعض اللّوحات الزّيتيّة وصور اللوحات الزيتية وصور الاجتماعات السّياسيّة، لكنّ المكتوب يشخّص المكتوب في هذه الرّواية أيضاً وفي جلّ أعمال الكاتب، فهو يمنح تشخيص المكتوب صيغة وثائقيّة تسجيليّة عندما يشير إلى هويّة الجريدة الّتي يصدر فيها الإعلان وتاريخ صدورها (46) والأمثلة عديدة. كذلك يعتبر الإعلان الصّحفي مادّة سريّة رئيسيّة في بناء رواية "اللّجنة" فالسّارد يصوغ مذكّرته عن مؤسّسة كوكاكولا، اعتماداً على نُتف من مقالات صحفيّة ولكنّه لا يتردّد في ذكر عنوان الصّحيفة وتاريخها، بيد أنّ الكاتب يوسّع استعماله لهذا الأسلوب في التّشخيص في رواية "ذات" إنّ نصف فصول هذه الرّواية تشخيص لنتف من تعليقات الصّحافة المصريّة على بعض الأحداث العامّة الّتي عاشها المجتمع المصريّ مركّبة تركيباً يؤدّي دلالة خاصّة. يتقاطع هذا الخطاب النصّي المشخّص في الرّواية، مع خطاب مغاير يشخّص الواقع من خلال امرأة تدعى "ذات" ولذلك يجد القارئ نفسه إزاء خطابين: خطاب يشخّص المكتوب وفيه يختفي السّارد وخطاب تقليديّ يشخّص الواقع وفيه يبرز السّارد بروزاً مكثّفاً ويلعب مع القارئ لعبة الإيهام الساخر، والكاتب يشخّص نوعين من النّصوص مختلفين وهما: النصّ الوثائقي والنصّ التاريخي، ففي "نجمة أغسطس" يشخّص الكاتب مجموعة من النّصوص الظّاهرة هي: كتاب مصوّر عنوانه: "ميكل أنجلو نحّاتاً"، وهو كتاب يجمع رسائل ميكل أنجلو وأشعاره، ومجموعة من الكتب الأخرى، هي مراجع في التّاريخ الفرّعوني(47)، وعلى نقيض صنع الله إبراهيم، للغيطاني، ولع شديد بتشخيص النصّ التّراثي بأساليب مختلفة. فقد ألّف مجموعة من الرّوايات الهامّة الّتي تعدّ بمثابة المعارضة لنصوص أدبيّة وتاريخيّة. ولعلّ أكثر الأمثلة وضوحاً الرّواية الشّهيرة "زيني بركات" ففيها يبدو النصّ المشخّص موضوع المعارضة واضحاً جليّاً، يصرّح به الكاتب في موضعين على لسان أحد رواته (48)، وقد ضمّن الكاتب نصّه مقطعاً طويلاً من كتاب ابن إيّاس ذاته، ورد في الصيّغة التّالية، وسمح له بنقل ما كتب. يقول صاحبي ابن إيّاس"(49)، يبدو لنا تشخيص النصّ في هذه الرّواية تامّاً في مستوى المضمون والشكل، إذ نلاحظ التطابق التام بين النص الإبداعي والنص التاريخي في الوقائع التاريخية التي يقدمانها وقد أكدنا هذا التطابق من خلال المقارنة بين النصين ويتجاوز تشخيص النص التاريخي الشخوص والوقائع إلى الأسلوب الذي استعمله جمال الغيطاني في بناء روايته. فهو ينسج بنيات لغويّة تدني "الزيني بركات" من "بدائع الزّهور" تصل أحياناً إلى حدّ تضمين فقرات كاملة من البدائع ولكنّه أحياناً أخرى، يشخص بنيات أسلوبية جاهزة كتلك التّراكيب الجاهزة وتلك التّضمينات الدّينية المختلفة وأسلوب تاريخ الحدث الرّوائي، ولكنّنا عندما نتأمل في رواية فرج الحوار "الموت والبحر والجرذ"، ندرك أنّ تشخيص النّصوص ليس فعلاً إبداعياً معلناً، ذلك أنّ الكاتب يسعى إلى إخفاء نصوصه المقروءة ويرفض تسميتها على الرّغم من حضورها القوي في الرواية ومع ذلك فإن هذه الظّاهرة الفنيّة تتضاءل أمام ظاهرة تبدو لنا أجلى وهي تشخيص فعل الكتابة فحكاية الرّواية في حدّ ذاتها هي حكاية سارد يتعامل مع اللغة ويعيش تجربة المعاناة الإبداعية من أجل صياغة نص روائي وعندئذ تصبح اللغة في هذه الرواية أميل إلى تشخيص ذاتها وأبعد عن تشخيص كائن خارج عنها وهو الواقع الاجتماعي ولذلك اقترن هذا الضرب من التشخيص بخطاب أدبي مباشر ينقد الواقعية الأدبية و"يبشر" بموتها وأفولها.

وإذا كان التشخيص النصّي في أعمال بعض الروائيين المصريين (صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني على سبيل المثال) يكثف حضور الواقع يكشف عن بشاعته عبر الاستعانة بالنصوص، فإن التشخيص النصي في رواية فرج الحوار يعلن سيادة اللغة ويؤكد حضورها المستبد إذ تفيض على ذاتها وتحجب صورة الواقع فتسرد حكاية ضبابية الشخوص والأمكنة. فيغيب العالم أو يكاد وتحضر اللغة لتكون هي محور الخطاب الروائي وموضوعه.

***

الهوامش:

(1)ـ صدرت في سلسلة عيون المعاصرة ـ دار الجنوب ـ تونس 1985، وأعاد الكاتب نشرها منقحة ولكننا اعتمدنا الطبعة الأصلية الأولى في هذه الدراسة.

(2)ـ نص معجزة: "الموت والبحر والجرذ".. دار الجنوب ـ 1985 ـ ص 202.

(3)ـ عبد الفتاح إبراهيم ـ "الموت والبحر والجرذ".. دار الجنوب، تونس ص 25.

(4)ـ توفيق بكار ـ الوجه الخلفي لغلاف الرواية.

(5)ـ يقول بارت ـ "النص يعني نسيجاً"..

Le plaisir du texte “texte veut dire tissu’ Points 1973 p100.

ويقول لاروس ط 1970.

Ensemble de termes qui consitituent un écrit significatif'

(6)ـ اقرأ مثلاً: إلى الخلان جميعاً اصبروا معي صبري على النص حتى نهص (ص27) كيف السبيل إلى النص دون الغوص في كنه المعتق ـ أين النص يا بربارا؟ (ص140)، لكن النص يفلت من حد اليراع وقبضة العين (ص195)، انتظر أن يختار النص طريقة بين العلامات (ص197)، نص معجزة (ص202) والنص يفلت من قبضة العين 09ص203)، هذا النص عصي الرائحة.

(7) ـ أسس هذه المجلة سنة 1960.

(8) ـ أنظر: L’écriture et l'expérience des limites

(9) ـ نفس المرجع، ص 9.

(10) ـ نفس المرجع، ص89.

(11) ـ اقرأ:

Maurice nadeau le roman francais depuis la guerre. Collection edées. P. 204. “ l’appellation de ce roman ‘ est devenue élastique qu point de désigner tout éceit en prose qui se signale ouvertement commeune fiction’ ibid p205.

“Dans un champ unifiédes signes. Le roman devient l’arriv130e de ces signes ‘’histoire qui est la leur ‘ ibid p 206.

(14) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص 272.

(15) ـ نفس المصدر ص 294.

(16) ـ انتظر أن يختار النصّ طريقة بين العلامات. المصدر ص 97.

(17) ـ L’éceiture et l'expérience des limites..

(18) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص97.

(19) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص 150.

(20) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص222.

(21) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص..

(21) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص 229.

(22) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص222.

(23) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص45

(24) ـ نذكر كاتبين شهيرين على الأقل: حنا مينة وعبد الرحمن منيف.

(25) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص228

(26) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص228

(27) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص97

(28) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص87

(29) ـ الأوراد السبعة في نهاية الأمر مقولات بيانية:

(30) ـ يقول المؤلف وأنا واثق أن ينبض النص علامة ص 33.

(31) Le ceitique dédouble le sens. Il fait flotter qu dessus du premier langage de l’oeuvre un scond langage. C’est à dire une conhérence de signes. Critiques et vérité Ed . du seuil p 64.

(32) ـ اقرأ فصل : القراءة والنسيان.

(33) ـ هو قارئ يكتب Un lecteur qui éceit..

(34) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص203.

(35) ـ "الموت والبحر والجرذ" ص166.

(36) ـ انظر حدث أبو هريرة قال، دار الجنوب 1979، ص 75، 95، 201.

(37) ـ انظر ـ "الموت والبحر والجرذ" ص 33-48-150-52.

(38) ـ يقول محمد اليعلاوي: "إن فصاحته معجزة بالمعنى الذي ابتكره الجرجاني للقرآن: دقة في إيجاز في وضوح في إبداع جمالي، حوليات الجامعة التونسية عدد 12 ، 1975، ص 90، يقول الشاذلي القليبي: "تطالع السد، فتعجبك منه ويبهرك هذه اللغة العربية المتينة التي تذكرك بأروع عصور العربية وأفصح أساليبها، تذكرك بلغة الأصبهاني في أغانيه ولغة التوحيدي في مقتبساته وهي مع ذلك لغة فريدة في أدبنا العربيّ قديمه وحديثه، هي لغة فاتح من الفاتحين في الأدب ممن تراهم جديرين بمجد تجديد نظرة الأدباء إلى شؤون الفنّ وأساليب البلاغة، من السدّ، الدّار التّونسيّة للنّشر 1974، ص 156.

(39) ـ حدث أبو هريرة قال ص 42.

(40) ـ Pour une esthétique de la de la réception p 13..

(41) ـ راجع Novequ Roman : Hier. Augourd ‘ hui. ..

(42) ـ لعلّ البطل الحقيقي، والحقيقة الأظهر من الرّواية هو اللّغة "عبد الفتاح إبراهيم"، الرّواية، ص 11.

(43) ـ انظر "بيروت بيروت" دار المستقبل العربي 1984، ص 37-40.

(44) ـ نفس المصدر ، ص 238-239.

(45) ـ نفس المصدر، ص 21.

(46) ـ يقول مثلاً: "ولمزيد الدّلالة على ما لهذه الزّجاجة من خطر، فإنّي أحيلكم أيّها السّادة إلى المقال الّذي نشرته جريدة "لموند ديبلوماتيك" الفرنسيّة المعروفة في عدد نوفمبر تشرين الثّاني 1976" ـ انظر اللّجنة، دار الكلمة للنّشر ط2، 1983، ص 45.

(47) ـ لقد ذيّل الكاتب روايته بقائمة في هذه المراجع.

(48) ـ انظر الزيني بركات ، ص 217، ص 280.

(49) ـ انظر المصدر ذاته، ص 217-219.

***

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244