إنشائيّة الخطاب في الرّواية العربيّة الحديثة- د. محمّد الباردي

دراسة- من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الخطاب الواقعي وإشكالية التجنيس: الباب المفتوح

1/ ـ مقدمة : في حدود الجنس الأدبي:‏

1) ـ هل يمكن أن نعتبر السيرة الذاتية جنساً أدبياً مستقلاً، وقائماً بذاته؟ إنه لسؤال إشكالي حقاً. فمنذ سنة 1970، أعلن Jean Starobinski أنه "ينبغي أن نتجنب الحديث عن أسلوب أو حتى عن شكل مرتبطين بالسيرة الذاتية، إذ لا وجود في هذه الحالة لأسلوب أو لشكل ينبغي الالتزام بهما" (1)، وقد يدعم السؤال مشروعيته عندما نتأمل خانة الأشكال ذات العائلة الأجناسية الواحدة فيصعب التمييز العلمي المقنع والنهائي بين السيرة الذاتية والمذكرة والسيرة والرواية الشخصية وقصيدة السيرة الذاتية واليوميات الخاصة والرسم الذاتي أو المقالة فضلاً عن علاقة السيرة الذاتية بالرواية فقد نجد عنصراً مفارقاً في علاقة هذا الشكل بالشكل الآخر، ولكن الحدود الفاصلة قد لا تبدو مطلقة ونهائية بقطع النظر عن النظرية التي تبيح التداخل بين الأجناس الأدبية وتشكك في الحدود الفاصلة بينها (2)..‏

1.2. وقد اختص الإنشائي الفرنسي فيليب لوجون Philippe Lejeune في البحث في السيرة الذاتية وفاق طموحه العلمي في كتابه "الميثاق السير ذاتي" Le pacte autobiograghique" طبيعة النصوص الأدبية التي أخضعها للإجراء المعرفي فخرج بتعريف علمي للسيرة الذاتية مفاده أنها "حكي استيعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة"، ووضع حدوداً أربعة للسيرة الذاتية باعتبارها جنساً قائماً بذاته، وهي: شكل اللغة (قصة + نثرية) والموضوع المطروق (حياة فردية وتاريخ شخصية معينة) وموقع المؤلف (إذ لابد من التطابق بين المؤلف والسارد) وموقع السارد (التطابق بين السارد والشخصيّة الرئيسيّة)، ومنظور الحكي (يجب أن يكون استعادياً) (4)، وبذلك حوّل دراسة الأدب إلى ما يشبه المعادلات العلمية الصارمة تنفي الاختلاف والتنوع والفرضيات الممكنة وتعوزها المرونة اللازمة التي يجب أن تنظر إلى الإبداع الأدبي على أنه متطور وغير قار فهل ينفي غياب حد من هذه الحدود تصنيف أثر ما ضمن خانة السيرة الذاتية. ثم كيف يتحقق هذا الحد أو ذاك وكيف ندرك على سبيل المثال التطابق القائم بين المؤلف والسارد أو بين السارد والشخصية عندما لا يصرح طه حسين باسمه الحقيقي في كتاب "الأيام"، وهل ينفي غياب الميثاق السير ذاتي انتماء "بقايا صور"، وهي تواجه القارئ بميثاقها الروائي انتماءها إلى هذا الجنس الأدبي المخصوص؟..‏

إنها لدغمائية يعترف بها هذا الإنشائي ذاته لا يبررها طموح علمي مشروع إلى الحسم في علاقة التشابه الممكنة بين السيرة الذاتية الأجناس والأدبية القريبة منها (5).‏

1.3. بيد أن هذه الدغمائية كان قد أشار إليها من قبل نقاد آخرون لعل أبرزهم جورج ماي Georges May في كتابه "السّيرة الذاتية".. L'autobiographie (6)، فهو يعتقد:"أن المنهج السوي المتمثل في الانطلاق من تعريفات إنما يتصل بمجال العلوم الصحيحة وعلى وجه الخصوص بمجالات الرياضيات والأدب غير الهندسة(7).. داعياً إلى ضرورة اعتبار ظواهر ثقافية واجتماعية خارجة عن النص السير ذاتي في حد ذاته لتحقيق مقولات تتعلق بالجنس في علاقته بالأجناس الأخرى من أجل الوصول إلى نظرية في السّيّرة الذّاتيّة مرنة تعتمد منهج الاستقراء (8) وتحترم طبيعة النصوص..‏

2 ـ نصوص التأسيس:‏

2. 1 . عندما ألف طه حسين كتاب "الأيام" (9) وهو النص التأسيسي الأول لجنس السّيرة الذّاتية في الأدب العربي الحديث، اختلف النقّاد في تحديد هويته وقد كان عبد المحسن طه بدر أول من أثار الإشكالية المنهجية المتعلّقة بجنس هذا الكتاب. فهو من ناحية يرى أن الباحث قد يظلم طه حسين "لو اكتفى بأن يطبق مقاييس الرّواية الفنية على الكتاب ثم ينفض يده بعد ذلك من الأمر كله"، (101) ثم يلاحظ من ناحية أخرى أننا "لا نستطيع أن نعتبر كتاب "الأيام" مجرد ترجمة ذاتية للمؤلف ونقف عند هذا الحد (10) وفي الحقيقة يظل الكتاب سجالياً إلى الآن. فعندما ما نسعى إلى الاستفادة من أساليب البحث الحديثة"، نلاحظ أن الكتاب جاء خالياً من ميثاقه السير ذاتي بل لعله ميثاق ينأى بنا عن السيرة الذاتية ويدنو من الكتابة التسجيلية التّاريخية إذ تحيل أيام طه حسين لفظاً على أيام العرب في ذهن المتلقي ويعسر تأكيد علاقة التطابق بين الأطراف الرئيسية الثلاثة التي تؤسس السيرة الذاتية (السارد ـ المؤلف ـ الشخصية)، إلا عبر معادلة رياضية عسيرة نستنتجها استنتاجاً من الفصل الأخير من الجزء الأول من كتاب "الأيام" فالسّارد يرفع قناعه ويكشف عن وجهه ليخاطب ابنته ويصرح بأن الطفلة الّتي يخاطبها هي أيضاً ابنة الشخصية محور كتاب "الأيام" (الفتى) عندئذ تتحقق المعادلة التالية السّارد =المؤلف= الشخصية. نضيف إلى كل ذلك مايتعلق بضمير الغيبة الّذي يستعمله السّارد وهو استعمال استثنائي في السيرة الذاتية وتلك المقاطع الطويلة التي يترك فيها السّارد فتاه ليتحول إلى مؤرخ ينقد البيئة ويصفها ويتحدث عن التعليم في الأزهر وغيرها من المواضيع التي تهم الحياة العامة وتنأى عن الحياة الشخصية التي تعتبرها الإنشائية الحديثة حداً من حدود السّيرة الذاتية ومع ذلك ورغم ذلك فإن كتاب الأيام يظل بالنسبة إلينا النص التأسيسي الأول للسيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث.‏

2. 2 ـ بيد أن هذا الكتاب لم يرسم النهج ولم يجمع مريدين. لقد كان لعباس محمود العقاد قبل وفاته مشروع كتابة تأليف في حياته الشخصيّة "عنى " وكان يعتزم تقسيمه إلى جزئين، يتعلق الجزء الأول بحياته الشخصية، ويؤرخ الجزء الثاني لحياته الأدبية والسياسية والاجتماعية(11)، ولكنه رحل قبل إنجاز المشروع، ومع ذلك ظهر للناس كتاب "أنا" (12)، وعرض عليهم على أنه سيرة ذاتية، والكتاب في الواقع مجموعة فصول كتبت في أزمنة متفاوتة وبطلب من مجلة الهلال التي نشرت له سنة 1933، فصلاً موسوماً بـ"بعد الأربعين".. وفيه وصف حياته النفسية وحالته الفكرية في سن الأربعين وتحدث عن فلسفته بين الشباب والكهولة وعن تجاربه الشخصية بين العشرين والأربعين".. وفي سنة 1934، أصدر مقالاً بعنوان "وحي الخمسين"، تناول فيه حياته وأمثاله ممن بلغوا سن الخمسين، وما يعتور أصحابها من حالات نفسية ونظرات جديدة إلى الحياة تختلف عن نظرات أبناء العشرين والثلاثين والأربعين ونشر سنة 1947، مقالاً يحمل عنوان "إيماني" ثم مقال "أبى"، وغيرها من المقالات وقد صدرت كلها متقطعة في مجلة الهلال بطلب من محررها (الطاهرالطناجي)، وبعض المجلات الأخرى" ثم جمعت فيما بعد لتنشئ كتاب "أنا"لعباس محمود العقاد" (13).‏

إن السارد في هذا الكتاب ذو وجهين، فهو من ناحية عباس محمود العقاد مؤلف فصول الكتاب وهو من ناحية أخرى كائن أجنبي وهو طاهر الطناجي مرتب هذه الفصول، وجامعها ولذلك فهو يتخذ من ناحية شكل السيرة الذاتية إذا اعتبرنا أن العقاد يتحدث عن نفسه، ويتخذ من ناحية أخرى شكل السيرة فقط، إذ يمكن أن نعتبره كتاباً عن عباس محمود العقاد وضعه محرر مجلة الهلال طاهر الطناجي (14)، ثم إن الفصول في تتابعها لا تتخذ شكل قصة حياة شخصية بقدر ما تبدو في شكل مباحث تتعلق بمواضيع مختلفة تتصل بحياة العقاد وتجاربه في الحياة بأسلوب العالم حيناً والمحلل النفسي حيناً آخر والمفكر الفيلسوف أحياناً كثيرة ولذلك فهي أقرب إلى التأملات في الحياة والوجود من أن تكون قصة حياة شخصية بقطع النظر عن غياب المنظور الاسترجاعي المتواصل إذ تتعدد أزمنة الكتابة وتنقطع أزمنة التجربة.‏

2. 3 وعندما أصدر أحمد أمين كتابه "حياتي" (15) ـ لم تستقر ملامح السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث "فالكتاب مزيج من السيرة الذاتية ومن المذكرات اليومية في شكله العام (16)، لينتهي إلى ما يشبه الرسم الذاتي auto - portrait ذلك أن الأحداث الحياتية الخاصة تدعم الصفة الأخلاقية والجسدية ومنها تنبثق العبر ويقل السرد ويخفت ليقوى الوصف الأخلاقي والفيزيولوجي "كان هذا البيت أهم مدرسة تكونت فيها عناصر جسمي وخلقي وروحي فإذا تغيرت بالنمو أو الذبول وبالقوة أو الضعف فمسائل عارضة على الأصل. لقد كانت أمي قصيرة النظر فورثت عنها قصر النظر (17)، وتأتي الحادثة المسرودة لتدعم صفة وتقويّها.‏

2. 4 ـ إنّ للإشكال النظري الذي طرحناه ما يبرره في مدونة السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث. فمنذ النصوص التأسيسية الأولى تعددت المسارب واختلفت الأساليب فأضحى من الصعب أن نتحدث عن شكل قار ونهائي في السيرة الذاتية وبالتالي يظل السؤال الجوهري يقائماً: هل يمكن الحديث في النصوص التي تتخذ من الحياة الشخصية لمؤلفيها عن جنس أدبي متميز قائم بذاته نسمّيه سيرة ذاتية أم أن الأمر لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال التعبير يأخذ من أجناس الحكي المختلفة وهو لا يقوم بذاته؟‏

2. 5 ـ ومما تقدم نستنتج أن هذه النصوص التأسيسية الأولى كانت متنوعة في أساليبها ومختلفة في طرقها فلئن جمع بينها هدف واحد وهو إحساس في لحظة من لحظات العمر بوطأة الزمن وبضرورة تسجيل مرحلة من مراحل الحياة تأكيد الذات ودفعاً لشبح الموت، وتتويجاً لرحلة عمر أو قولاً حاسماً في بعض الآراء الجدالية التي تعرض لهذا الكاتب أو ذاك في حياته السابقة فإنها لم تعرض على اللاحقين شكلاً نهائياً واضح المعالم فعانقت الرواية حيناً ودنت من المقالة حيناً آخر ولامست الرسم الذاتي حيناً ثالثاً لتظل السيرة الذاتية في النهاية شكلاً مفتوحاً قابلاً للتجريب.‏

3 ـ في نصوص التجاوز:‏

1. 3 . وعندما نتأمل مدونة نسبية ومحدودة في السّيرة الذاتية كما صيغت في النصف الثاني من القرن العشرين (18)، ندرك أن كتابها هم في الأصل روائيون (حنا مينة / محمد شكري/ عبد الله الطوخي/ محمد العروسي المطوي/ جمال الغيطاني)، فكأن السيرة الذاتية بالنسبة إليهم هي شكل روائي يخرج بهم من موضوع عام ليدخل بهم موضوعاً خاصاً ولذلك ستظل علاقة السيرة الذاتية بالرواية إشكالية كبرى وجب النظر فيها. إن أسباب التأليف تظل واحدة لا تتغير فمنها العاطفي كالتباري مع الزمن (19) وعثور المرء على معنى وجوده (20) ومنها العقلاني كالتبرير ودفع الاتهامات تبرئة للنفس تتصل أحياناً بضرب من التباهي والأخذ بالثأر ذلك أن كتابات حنا مينة ومحمد شكري لا تخلو من تباه بل يمكن اعتبارها ضرباً من التشفي من واقع اجتماعي سياسي همش المؤلفين ـ ولكنهما ـ رغم ذلك ـ استطاعا التحرر والانفلات وأصبحا بذلك كاتبين معروفين فمالا إلى وصف حياة المهمشين قد تصل أحياناً إلى حد المبالغة كما يعتبر كتاب "سنين الحب والسجن"، تبريراً لموقف سياسي جديد ولنقد عنيف تجاه الحركة اليسارية في مصر (21) كما تصبح السيرة الذاتية في كتاب التجليات إعادة اعتبار للذات بعد الأذى الذي لحقها ظلماً وقسراً إذ يروي جمال الغيطاني حكاية عن رجل الأمن الذي بدد له وثائقه الشخصية قبل سجنه لمدة أربعة أشهر(22).‏

3. 2 ـ بيد أن التشابه يلحق خاصة إشكاليات الصياغة والتأليف. إن السيرة الذاتية هي في الحقيقة سليلة الرواية (23) ومع ذلك فقد استعارت من بعض الأجناس الأخرى الكثير من أساليبها.‏

3. 2. 1 . إن السرد بضمير المتكلم يمثل الظاهرة الأسلوبية المهيمنة في هذه المدونة إذ لا نكاد نستنثي إلا كتاب "رجع الصدى". للكاتب التونسي محمد العروسي المطوي الذي انتهج في كتابه نهج طه حسين في كتاب الأيام. ثم إن استعمال ضمير المتكلم لا يثير إشكالاً خاصاً عامة ولعل الإشكال الوحيد يتعلق بكتاب "التجليات" إذا اعتبرنا أنه يحوي سيرة ذاتية إلى جانب مجموعة من السير والكثير من المقاطع السردية الخيالية"، في هذا النص يميز الكاتب بين السارد الذي هو جمال الغيطاني وبين أصله وهو كذلك جمال الغيطاني أي بين جمال الغيطاني في حالة التجلي وبين جمال الغيطاني في حالة الواقع وعندئذٍ فهو يجمع بين الضميرين المتكلم والغائب بينهما علاقة يصرح بها السارد فتتحقق المعادلة التالية أنا = هو (24).‏

إن ضمير المتكلم يحيل إذن على شخص أنطولوجي نفسي وهو شخص يحمل ازدواجية واضحة مرتبطة أساساً بمفهوم الزمن أي بلحظتين أساسيتين "لحظة الواقعة أو الحدث ولحظة الكتابة. فالضمير يحيل في النهاية على شخصين يتطابقان في تصنيف الوقائع وتبويبها ويختلفان في رؤيتهما والمفارقة بينهما هي المفارقة بين الأنا الموضوع والأنا الساردة فالأنا الموضوع تنمو عبر الزمن والأنا الساردة حبيسة لحظة الكتابة مستقرة فيها وتصبح إوالية السرد برمتها مراوحة بين المفارقة والتطابق بين التقارب والتباعد. بيد أن المسافة الفاصلة بين الأنا الساردة والأنا الموضوع ليست متساوية في كل هذه النصوص فهي تلفت الانتباه مثلاً في ثلاثية سيرة حنا مينة، وتكاد تغيب في ثنائية محمد شكري إذ تتدخل الأنا الساردة مرات قليلة ولكن في سياق واحد وهو سياق الإشارة إلى زمن الكتابة(25) في ثلاثية حنامينة تطول تدخلات الأنا الساردة في زمن الكتابة وهي لا تكتفي بالإشارة الزمنية بل تنفصل عن الأنا الموضوع لتعلق على الأحداث والوقائع وتقدم في شأنها قراءة جديدة وتتطابق المفارقة بين الأنا الساردة والأنا الموضوع، مع المفارقة بين الفعل وتبريره. إن الأفعال المعيشة تفسر برؤية متأخرة في الزمن ذلك أن التبرير لا يصاحب الفعل بل عنه يتأخر كما أن الوعي بخطورته لا يصاحب زمن وقوعه. فما يقول السارد في "بقايا صور" عن زنوبة مثلاً، وعن الأحاسيس المتدفقة التي شعر بها تجاهها وعقلنة هذه العلاقة عندما يربطها السارد باللاشعور، هو من باب كلام السارد المؤلف في بداية السبعينات لحظة الكتابة "انقلب بغضي لزنوبة" منذ الليلة التي نمت في حضنها إلى حب"، قد يكون في اللاشعور مشبوهاً لكنه في الشعور كان بريئاً(26) وعلى هذا النحو يمكن أن نقول إن الرؤية في السيرة الذاذتية مصاحبة والإيديولوجيا متأخرة وتظل إوالية السرد قائمة على التراوح المستمر بين الأنا الساردة والأنا الموضوع، بين الرؤية والإيديولوجيا وبين التقارب والتباعد.‏

3. 2. 2 ـ تعرض الوقائع في السيرة الذاتية بطريقتين مختلفتين، فقد تخضع الوقائع إلى الترتيب الزمني (27) وترتب أحياناً أخرى حسب المواضيع (28) بيد أن الترتيب الزمني في حد ذاته يثير إشكالاً إذ يخضع إلى عملية انتقاء دقيقة أو قل عملية رقابة صارمة، "فهو" يكون في الغالب محرفاً لواقع نفساني ماض هو ذلك الواقع الذي يستحضره الذهن متداخلاً لا ينتظمه سلك "ظاهر" (29) فثمة دائماً تداخل أو ثقب بحكم قصور الذاكرة أو بحكم رغبة قوية في إخفاء ما لا تريد لحظة الكتابة إثباته فكثيراً ما يعترف الكتاب بحدود ذاكرتهم (30) وكثيراً أيضاً ما يشيرون إلى بعض الوقائع ثم ينقطعون يغرقون في الصمت شأن حنا مينة مع إحدى أخواته وقد كانت عاهراً (31) وعندئذٍ يغرق السارد في التأملات أو وصف الخواطر أو وصف الحياة العامة أو الخارجية وهو في اعتقادنا ضرب من تغطية قصور الذاكرة أو الرقابة الذاتية. إن المعيش لا يروى كما حدث فعلاً بل كما يتذكره السّارد لحظة زمن الكتابة وبين الحدث المعيش ولحظة التذكر فاصل زمني كفيل وحده بصقل الحدث وتحريفه وتوجيهه ورميه في سلة النسيان أيضاً ولا يبقى منه في كثير من الأحيان إلا جوانبه ومظاهره الخارجية ولذلك فإن كل سيرة ذاتية متهمة من حيث هي أثر أدبي بتحريف الحقيقة المعيشة بصرف النظر عن سائر عوامل التشويه ولذلك تظل الحقيقة قضية زائفة.‏

3. 2. 3 ـ كان للعلاقة الزمنية بين ماضي الذكرى وحاضر الكتابة علاقة معقدة كثيرة الوجوه، فهي تتسم أحياناً بمحاولة التقريب بين ماضي الذكرى وحاضر الكتابة إلى حد التعايش(32) فتتهادن اللحظتان ليندمج السارد في جميع شتات ماضيه ولكن هذه العلاقة تنقطع في كثير من الأحيان إذ تهيمن لحظة الحاضر (لحظة زمن الكتابة)، على زمن الذكرى ليواجه السارد المؤلف قارئه على نحو "إنني أفتح صفحة جديدة ستقرؤون هذه الصفحة بكل مافيها من حسن وقبيح لأني سأكون صادقاً فالكتابة على صفحتي يقوى بها قدري‏

(33).‏

3 . 3 .تلك بعض الإشكالات الخاصة بالسيرة الذاتية كجنس يسعى إلى أن تكون له بعض الحدود التي تميزه ولكنها مع ذلك لم تحسم في صلته ببعض الأجناس السردية الأخرى.‏

3 من هذه الأجناس ما يكون مصدر لبس في علاقته بالسيرة الذاتية وأبرزها المذكرات إذ كثيراً ما استعملت المذكرات بمعنى السيرة الذاتية ولعل عناوين مدونتنا في أغلبها تحيل على معنى المذكرة بقايا صور سنين "الحب والسجن"، "رجع الصدى" دون أن تذكرها لفظياً وقد نبه الإنشائيون إلى ضرورة الاحتراس من العناوين فمنذ القرن التاسع عشر ظهرت في أوربا سير ذاتية بعنوان المذكرات(34) ذلك أن الحدود الفاصلة بين المذكرات والسيرة الذاتية تظل إلى الآن زئبقية إذ لا يكفي تخصص المذكرة في تدوين الأحداث العامة واقتصار السيرة الذاتية على التاريخ للحياة الخاصة لنضع حداً فاصلاً بين جنسين مختلفين (35)، وحتى في المدونة التي نحيل عليها تظل المذكرة حاضرة مصطلحاً وأسلوباً. فقد ذكر السارد في رجع الصدى هذا المصطلح، "وقد كتب الفتى فيما بعد في عز شبابه مذكرة قال فيها: ........."ثم يورد المذكرة في ثلاثة عشرة سطراً (36)، وفي موضع آخر لا يذكر المصطلح ولكنه يورد مذكرة في صفحة ونصف الصفحة (37)، ويورد كذلك وثيقة في شكل مذكرة في عشرة أسطر (38)، وعند التأمل في محتوى هذه المذكرات يدرك أن السارد في المذكرة الأولى يصف كيف دخل قاعة المدرسة وهو لا يزال في الكتاب ويركز على وصف حجرة الدرس أكثر من تركيزه على تأثير الحدث في نفسه (39)، وفي المثال الثاني تصف المذكرة أول يوم للفتى في المدرسة وهو يركز على طبيعة التعليم في المدرسة النظامية مشيراً إلى أثر ذلك في نفسه أما موضوع مذكرة المثال الثالث فهو يتعلق بمنحة العمل التي كان يتمتع بها الفقراء من التونسيين.‏

كما يذكر محمد شكري المصطلح "في زمن الأخطاء في مواضيع كثيرة على النحو الآتي" أكتب الآن هذه المذكرات على نشيد السعادة في السمفونية التاسعة" (40)، أو "أكتب هذه المذكرات في حالة جديدة ممسوخة(41)، أو "أسجل هذه المذكرات في أي وقت"(42)، إن إلحاح السارد على أهمية حضور المذكرة واضح في المتن ولكن الكاتب من ناحية يشير في الهامش إلى أنه يكتب سيرة ذاتية مما يجعلنا نعتقدأن مسألة الوعي بطبيعة الجنس غير واضحة لدى الكاتب فلعل السيرة الذاتية والمذكرة هما شيء واحد في ذهن محمد شكري، وفي ذهن الكاتب العربي عموماً. ففي رجع الصدى تعامل محمد العروسي المطوي مع المذكرة من باب التضمين وتعمد اللجوء إلى المعقفات للفصل بين مستوى السرد"، مما. يجعلنا نعتقدأن المسألة عنده ليست مسألة شكلية إذ قد يكون الكاتب قد اقتبس هذه المقاطع من مذكراته الخاصة، وعندئذ تطرح إشكالية تجاور الأجناس الأدبية المتقاربة في النص الواحد ولكن المسألة تبدو لنا أعمق في "زمن الأخطاء"، إذ تتعلق بطبيعة النص المكتوب ذلك أن فصول الكتاب أشبه بالمذكرات المستقلة إذ أحياناً ينقطع التتابع الحدثي بينها إضافة إلى أنها لا تروي حدثاً خاصاً عاشه السارد بل هي في الأغلب مزيج"، من الانطباعات والأحكام والوصف وكلها متعلقة بالمظهر الخارجي للحياة وتبدو الأفكار متقطعة فيصبح النص كأنه مجموعة من الخواطر المتراصة التي لا جامع بينها إلا السارد (43)، بل لقد جاءت بعض المقاطع السردية مؤخرة على نحو 9-1-1969 ـ 25 مقهى سنترال: إن المرأة الّتي أعيش معها دائماً إذا لم تجعلني أعزف عن كل النساء فليست هي المرأة التي ينبغي لي أن أعيش معها وبذلك يوهم السارد قراءه بأنه يسجل ملاحظاته وخواطره آنيّاً وليس استرجاعياً وكذلك يبدو زمن التجربة ليس بعيداً بعداً كافياً عن زمن الكتابة. إن الفصل إذن ـ في هذا الكتاب ـ بين المذكرات والسيرة الذاتية ليس سهلاً، وأن الحدود الفاصلة بين الجنسين لا تبدو واضحة فكأن شكري في الجزء الثاني من عمله أراد أن يكتب سيرته الذاتية في شكل مذكرات..‏

نقرأ في "سنين الحب والسجن".. هذا المقطع "إنني الآن أكتب على مستويين من الزمن. زمن لحظات التذكر وأنا في السجن عقب الضربة مباشرة عام 1953والزمن الحالي الذي أجلس فيه الآن إلى مكتبي عام 1993 أربعون عاماً بالكمال والتمام... لابأس إذن أن أحدث شيئاً من الخلط إنني لا أكتب فقط تاريخ حياة وإنما أيضاً تاريخ عصر (44). هل يحسم هذا المقطع في مسألة الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النص. لقد صيغ الفصل الأول في شكل مذكرة "أغسطس 1953"، والدنيا "غروب، غروب يوم وغروب عصر لكنه أيضاً ميلاد جديد لإنسان وميلاد جديد لعصر فالسّارد لا يحدد نقطة البداية شأن السيرة الذاتية التقليدية، وإنّما يسجل حدثاً قريباً وهو الدخول إلى السجن ومنه ينطلق فيما بعد ليذكر بقية الأحداث السابقة، ورغم هذه الملاحظات البسيطة يمكن أن نقول إن سنين الحب والسجن بعيد عن المذكرة وأسلوبها رغم إقرار الكاتب أو السارد بأهمية الأحداث العامة في كتابه.‏

3. 3. 2. إن حضور المذكرات في هذه النصوص التي تنسب إلى السيرة الذّاتية حضور متفاوت القيمة ولكنّه ثابت ولا ينفي تجاور بعض الأجناس الأخرى وأهمّها السيرة. إنّ السيرة بما أنّها رغبة في الانتصار على الموت هي يقين ذلك لأنها تعتقد أن حياة الإنسان يمكن أن تروى أو يمكن أن تترجم إلى ألفاظ وأن اللغة قادرة على خلق الحياة من جديد إذ "لما كانت الكلمات إذا كتبت رسخت فإن حياة الإنسان إذا دونت سلمت من الموت"(44) في حين تظل السيرة الذاتية غير قادرة على بلوغ الغاية تماماً وعاجزة عن قول الكلمة الفصل إذ تظل مفتوحة لا تنتهي بموت الشخصية. إن كتاب التجليات مثال بليغ لتحديد العلاقة بين السيرة الذاتية والسيرة. يروي السارد في هذا الكتاب ثلاث سير هي سيرة أحمد الغيطاني وجمال عبد الناصر والحسين بن علي وكلها جاءت في حقيقة الأمر متقاطعة فيها بينها ومع السيرة الذاتية للكاتب جمال الغيطاني، بيد أن هذه السير جاءت في حقيقة الأمر ناقصة. بل هي شذرات منتقاة تركز أساساً على الجوانب المثيرة المؤثرة المتلائمة مع غائية النص الروائي برمته وأبعاده الإيديولوجية. ثم إنها ليست مرتبة ترتيباً زمنياً دقيقاً ولا تعتني بتفاصيل حياة الشخصية وإنما بالأحداث المثيرة التي تحمل دلالة فكرية محددة وقد برر السارد غياب الترتيب الزمني الدقيق بمفهوم المكاشفة الذي يتجاوز الأبعاد الزمنية ثم فوق هذا كله جاءت السيرة مهشمة إذ لا تعرض عرضاً قائماً على الاسترسال بل تقدم المادة الحياتية التي عاشها أصحابها متقاطعة فيما بينها ومتقاطعة مع السيرة الذاتية للسارد وكلها متقاطعة مع الرحلة إلى العالم الآخر وبالتالي تخضع طريقة العرض إلى التقنية الروائية بدرجة أساسية وأحياناً يتعمد السارد الخلط بيني هذه السير فيظهر أحمد الغيطاني في صورة عبد الناصر وعبد الناصر في صورة الحسين بن علي والعكس أيضاً صحيح(46)، إضافة إلى ذلك كله لا تخضع السيرة الذاتية لطريقة الاسترجاع إذ تعرض في شكل ومضات متقطعة ومتقاطعة مع المستويات السردية الأخرى، فيتحدّث السّارد عن علاقته بأبيه ثم يرى ذاته في رحم أمه ثم يتحدث عن شبابه ليعود فيما بعد إلى طفولته كما أن الأحداث لا تملك مصداقية ثابتة فقصة السارد مع لور هي قصة خيالية عاشها في "النشأة الأولى"..‏

"إن الجمع إذن بين هذه السير والسيرة الذاتية لا يرمي إلى الغاية التقليدية إذ لا نعتقد أن الكاتب يريد أن يؤرخ للحسين بن علي أو لجمال عبد الناصر كما لا يرمي إلى كتابة سيرته الذاتية بل يسعى السارد إلى هدف فني يريد تحقيقه وهو إرباك العلاقة التقليدية بين الرواية والواقع".. فكتاب "التجليات" يحوي أحداثاً واقعية إذ يذكر شخصيات ويروي وقائع لا أحد يشك في صحتها ولكنه أيضاً يحوي وقائع تجنح في الخيال إلى حد الغرابة في ذلك إرباك للتشخيص التقليدي. ثم إن هذه السير جميعها في النص بمثابة المستويات السردية المختلفة أو الطبقات السردية التي يقيم عليها الغيطاني بناءه الفني ليتحول "كتاب التجليات" إلى ضرب من الكتابة الجديدة الهادفة إلى كسر الحواجز بين الأجناس الأدبية فتتقاطع الرواية مع السيرة والسيرة الذاتية ويتقاطع الشعر مع النثر والواقع مع العجيب من أجل تأسيس كتابة نصية شاملة..‏

3 . 3. 3. إن القص السير الذاتي وريث القص الروائي والسيرة الذاتية هي سلسلة الرّواية ولذلك أخذت السيرة الذاتية عن الرواية ظواهر فنية عديدة أهمها طريقة التضمين والسرد بضمير المتكلم والحوار ثم إن العلاقة المتبادلة بين الجنسين قائمة فجل الروايات تقرأ كما لو كانت سيرة ذاتية وخاصة تلك التي تستعمل ضمير المتكلم (47)، إن الميثاق السردي في علاقته بالرّواية يثير إشكالاً إذ يتوهم القارئ العادي أن مجال السيرة الذاتية الحقيقة والرواية الخيال والواقع أن السيرة الذاتية تظهر في لبوس الحقيقة والرواية في لبوس الخيال إذ كيف لنا أن نجزم أن ما قاله حنا مينة عن نفسه وعائلته صحيح وكذلك الشأن بالنسبة إلى محمد العروسي المطوي ومحمد شكري وعبد الله الطوخي وجمال الغيطاني وقد يصح النقيض كذلك فقد يتحدث روائي كذلك عن أحداث حقيقية في رواية يكتبها فالمسألة في النهاية هي مسألة أسلوب يتعلق أساساً بكيفية تقديم المادة السردية وما في النهاية الميثاق السير ذاتي إن لم يكن مجرد جزم كاتب السيرة الذاتية بصدقه وعزمه على قول الحقيقة. يقول "فيليب الوجون" لئن كان من حقنا أن نطالب كاتب السيرة الذاتية بنية الصدق فإنه علينا أن نغفل عما تنطوي عليه نية الصدق من تقابل ضمني بين الصدق والاختراع، ولكن هل للسيرة الذاتية العربية ميثاق؟ إن أشهر النصوص التي اعتمدناها تحمل مواثيق مزيفة أو خائنة لمتونها"، فالكتب الثلاثة التي صاغ فيها حنا مينة حكاية حياته الشخصية (بقايا صور "المستنقع" القطاف)، تحمل على غلافها الخارجي عبارة "رواية" وكتاب "زمن الأخطاء". يحمل ميثاقاً روائياً في حين يحمل غلاف "الخبز الحافي" وهو الجزء الأول من قصة حياة محمد شكري عبارة" سيرة ذاتية روائية" لا شك أننا نعثر أحياناً على ما يشبه الميثاق الضمني فقد جاء في الخبز الحافي" هذا القول" ها أنا أعود لأجوس كالسائر نائماً عبر الأزقة والذكريات عبر ما خططته عن حياتي الماضية، "الحاضرة"، كلمات واستيهامات وندوب لا يلؤمها القول..‏

مثل هذه الصفحات عن سيرتي الذاتية كتبتها منذ عشر سنوات، "قل كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف حتماً طريقها....". (48)، لكن هذا التّصريح داخل المتن يناقض الميثاق المرسوم على الصفحة الموالية للغلاف والّذي يعتبر الكتاب "سيرة ذاتية روائية (1935-1956)، فأي الميثاقين أصدق؟ إنّ النصوص الّتي اعتمدناها تميل ـ في أغلبها ـ إلى خرق الميثاق السير ذاتي بيد أن التطابق بيني المؤلف والشّخصية والسّارد قائم في جل الأحيان فحنّا مينة يتحدّث عن تصحيحه لسنة ولادته ويعلن محمد شكري عن اسمه مرات عديدة في زمن الأخطاء (49)، ويصرح كذلك جمال الغيطاني باسمه في فاتحة الكتاب "صاح بي الهاتف ألحقني يا جمال "ومع ذلك فنحن نعتقد أن خرق الميثاق في أغلب الأحيان يكون دون قصد فلا نعتقد أن هؤلاء الكتاب ملمون بكل هذه الشروط الفنية التي يسعى الإنشائيون إلى تحديدها بل هي كتابة أميل إلى الفطرة وتذهب أحياناً مذهب الرواية بدون وعي عميق بشروط الجنس ومتطلباته إذا أمكن لنا الحديث عن جنس محدد بيد أن الأمر مغاير في "كتاب التجليات" إذ يبدو لنا الخرق مقصوداً ذلك أن التعبير العجائبي يبطل الميثاق ويلغيه وبالتالي يرتمي الكاتب في لعبة سردية معقدة تتداخل معها الأجناس الأدبية والأساليب الفنية.‏

أن ما يميّز السيّرة الذاتيّة اعتناؤها بوصف الحياة الخاصة للشخصية في حين تحتفي الرواية بوصف العالم الخارجي أيضاً. إن النصوص الأدبية الحديثة التي تنتسب إلى السيرة الذاتية زاوجت بين الوصف الذاتي والوصف الخارجي في كثير من الأحيان تتحول هذه النصوص ـ في جانب منها إلى ما يشبه الوثائق الاجتماعية أو التاريخية. فقد أطنب حنا مينة في وصف الحالة الاجتماعية في الريف السوري زمن الإقطاع في الجزئين الأول والثالث من سيرته الذاتية وبالغ كذلك في وصف الحياة العمالية ونشأة الحركة النقابية في المدن في الجزء الثاني وقد ركز محمد العروسي المطوي في "رجع الصدى" على وصف العادات والتقاليد السائدة في الجنوب التونسي في النصف الأول من هذا القرن على حساب حياته الخاصة كما ركز عبد الله الطوخي على رسم ملامح اليسار المصري وانشقاقاته الداخلية وأخطائه السياسية ومواقفه من الأحداث الوطنية التي عاشتها مصر نهاية الخمسينات وطيلة ستينات هذا القرن في كتابه "سنين الحب والسجن".. ويمكن كذلك أن نعتبر ثنائية محمد شكري وثيقة اجتماعية تعكس لنا الواقع الاجتماعي الرديء في شمال المغرب الأقصى ولكن الغاية بوصف مظاهر الحياة الخارجية لا تغطي بصورة شاملة البعد الذاتي البحث لكتابة السيرة الذاتية ولكن التقاطع بين السيرة الذاتية والرواية يظل قائماً إذ ثمة ظواهر فنية أخرى وظفتها النصوص التي اعتمدناها فالبناء الفني في كتاب "سنين الحب والسجن" لعبد الله الطوخي قائم أساساً على التضمين فالفصل الأخير الذي يحمل عنوان" ويبقى الحب في انتظارنا" يعتبر امتداداً للفصل الأول "كان السجن في انتظارنا" وبقية الفصول (كيف عرف أغاني الحب المطارد ـ مغامرة مع سارق البنك الأهلي ـ مرثية للاتحاد السوفياتي...)، هي بمثابة الفصول المضمنة في هذا الفصل أو في هذا المقطع السردي الطويل ومبدأ التضمين يتنافى مع مبدأ الاسترجاع الذي هو قوام السيرة الذاتية كما تؤكده الإنشائية الحديثة كذلك يكثر الاستباق والتأجيل أحياناً في السيرة الذاتية لحنا مينه كقول السارد يستبق الأحداث مثلاً، "وستمضي عشرون عاماً أو يزيد ذات صباح في مدينة بيروت بينما أسير مع الأم في أحد الأحياء الثرية سنرى فلاحاً من قرى اللاذقية قد أودع طفلة للخدمة في أحد البيوت(50) وكقوله أيضاً مؤجلاً بعض الأحداث كانت الأم قد أخفت عنا ما جرى لها في بيت المختار" بعد سنوات ستقصه بالمشاعر الحزينة ذاتها غير أنها تلك الليلة كتمته" (51) كما يتعدد السّارد أحياناً شأن الكتابة الرّوائية فالسارد (حنا مينة) في ثلاثيته يترك أحياناً المجال لسارد من درجة ثانية وهو في الأغلب يكون الأم أو الأب وتأتي هذه المقاطع السردية من الدرجة الثانية مضمنة (52) كما يلتجئ أحياناً كثيرة أيضاً إلى الاختزال وتلخيص الأحداث التي يرى أنها ليست هامة ولا تستحق العناية بتفاصيلها(53)..‏

وفوق هذا كله تأخذ السّيرة الذّاتية من الرّواية بعضاً من جنوحها إلى الخيال في نقل الوقائع "تخرق المنظور التقليدي للصدق ولعل أبلغ مثال في هذا السياق ما ورد في "زمن الأخطاء" إذ يورد محمد شكري ما قاله المستشرق الألماني نوتاهارا وهو يترجم له سيرته الذاتية بعدما أخذه لزيارة بعض الأماكن التي جرت فيها بعض الأحداث "في كتابك تصف هذا الصهريج وما حوله" بكثير من الجمال مع أنه ليس كذلك ولا يدل على أنه كان جميلاً فيجيب كاتب السيرة "هذه هي مهنة الفن: أن نجمل الحياة حتى في أقبح صورها. إن هذا الصهريج انطبع في ذهن طفولتي جميلاً ولابد من أن أستعيده".. بنفس الانطباع حتى ولو كان بركة من وحل" ثم إني كنت بعيداً عنه زمنياً ومكانياً عندما وصفته (54).‏

إن السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث ـ بهذا المعنى ـ هي حياة شخصية مجمّلة أي يمنحها الخيال من الوهم والإيهام ما يمنحه للرواية في حد ذاتها. تقول إحدى "شخصيات" ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي" دعني أتوهم أن تلك الشجرة ما زالت هناك وإنها تعطي تيناً كل سنة وأن ذلك الشباك ما زال يطل على ناس كنت أحبهم... وذلك الزقاق الضيق ما زال يؤدي إلى أماكن كنت أعرفها..".‏

1. 4. وإذا جمعنا عندئذ كل هذه الملاحظات يتساءل المرء ماذا بقي من السيرة الذاتية في هذه النّصوص التي إليها أشرنا وإذا رمنا التعميم نتساءل كذلك هل للسيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث خصائص مشتركة وأسلوب محدد والجواب الذي يتبادر إلى الذهن منذ الوهلة الأولى يتمثل في أنه يصعب فعلاً الحديث عن جنس مخصوص نقي يضمن لنا حدوداً واضحة جلية في علاقته ببقية الأجناس السردية التي تجمع بينها وشائج قربى والمواثيق العلنية التي يلتجئ إليها الكتاب أو ناشروا كتبهم لا تؤكد فقط اضطراباً في مستوى المصطلح بل في مستوى المفهوم الأدبي فهل هذه النصوص سير ذاتية أو سير ذاتية مروية أو روايات سير ذاتية أم روايات أم مذكرات. فباستثناء أن، هؤلاء الكتاب يسردون أفعالاً ويصفون أحاسيس ويعتقدون أنها تتعلق بحياتهم الشخصية فإن أسلوب السرد عندهم يتخذ أشكالاً مختلفة وطرقاً متنوعة فهل قدر السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث هي أنها كتابة بلا أسلوب؟..‏

والحقيقة أنه إذا رمنا التصنيف والتّقويم فلا نجد في المدونة العربية الحديثة مثالاً أقرب إلى النمذجة والنقاء يمكن أن يكون تجسيد الأسلوب السيرة الذاتية سوى كتاب من نصوص التأسيس وهو "حياتي" لأحمد أمين. لقد كان الميثاق في هذا الكتاب صريحاً واضحاً إذ يعلن المؤلف على غلاف كتابه أنه يروي لنا قصة حياته وجاء المتن وفياً للميثاق إذ سعى عموماً إلى رسم ملامح هذه الحياة رغم الملاحظات النقدية التي أبديناها في العنصر الأول من هذا التحليل.‏

2 . 4. بيد أنّ أشهر كتاب السيرة الذاتيّة في الأدب العربي الحديث ـ وطه حسين أحدهم- هم من كتاب فنّ القصّ لهم بأسلوب الحكي دراية عميقة وتجربة ثرية في حين لم يكن أحمد أمين روائياً ولا قصاصاً ولذلك تنوعت الأساليب لديهم وتشابكت وهتكت الحواجز والحدود ولكن نصوصهم المنسوبة إلى السيرة الذاتية لم تتوج انقطاعاً عن كتابة الرواية بل انبثقت في خضم تجربة الإبداع الروائي (56) ولذلك فهي في اعتقادنا لم تكتب لمجرد الاستجابة لأهداف هذا اللون من الكتابة وغاياته بل جاءت أيضاً تنويعاً داخل التجربة الإبداعية ذاتها وبحثاً عن أساليب حكائية جديدة. إذ لا يمكن مثلاً أن نغفل عن الصلة المتبادلة بين سيرة حنا مينة الذاتية وأعماله الروائية الأخرى (57)، ولذلك فقد تعامل الكاتب مع حياتهم الخاصة على أنها ضرب من الإبداع قبل كل شيء يرفض القيود ويتيح لنفسه من الحرية وخوض مغامرة الكتابة ما تتيحه كل كتابة إبداعية لنفسها.‏

ومع ذلك فإن مسألة التجنيس من مهام الناقد الباحث أولاً وأخيراً وهو لاشك عندما يتعرض إلى مثل هذه النصوص ويريد أن يتجاوز الحيرة التي تبعثها في نفسه يجد نفسه بين أمرين.‏

إما أن يسم بحثه بضرب من المرونة قد لا يقبلها من يروم الصرامة والدقة وعندئذٍ نقول إن السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث لم تتحقق باعتبارها جنساً قائم الذات رسم معالم حدوده الفاصلة بل هو شكل أدبي بصدد التشكل لكنه لا يزال يستعير بقوة مقوماته الفنية من الأجناس السردية القريبة منها ولاسيما الرواية التي تظل صلاتها بها فريدة من نوعها" على حد عبارة جورج ماي(58)، ولكن هل نحن على يقين أنها ستستطيع الانفلات من أثر الرواية يوماً ما؟..‏

وعندئذٍ ألا يكون قدر هذا الشكل الأدبي أن يكون شكلاً تأليفياً يأخذ بكل الأساليب الحكائية المتاحة ولا تميزها عنها إلا بعض المفاهيم الأساسية التي لا علاقة لها بالأسلوب ولكنها تتصل ببعض المفاهيم كمفهومي الميثاق السير ذاتي والتطابق اللذين يجب أن نتعامل معهما بضرب من المرونة فيكفي أن يقرأ الكاتب بشكل من الأشكال أنه يروي قصة حياته ويكفي أن نفهم أن السارد المتحدث هو الشخصية الموضوع وهما معاً الكاتب الذي يضع كتابه بين قرائه ليروي لهم سيرته الذاتية وعندئذٍ سنقتنع أن السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث ثرية بأساليبها وأشكالها التعبيرية لا تخضع إلى نمط محدد ولكنها تبطن قدرة إبداعية فائقة. لا أحد ينكر أهميتها وأن لا سبيل للحديث عن نقاوة هذا الجنس الحديث وعن نمذجته فما بين كتاب الأيام وزمن الأخطاء وحياتي وبقايا صور من التباين والاختلاف يفوق ما يجمع بينها جميعاً.‏

ـ أما الافتراض الثاني فهو افتراض الصرامة العلمية الذي يرى أن الأشكال السردية التي تتعامل مع سيرة شخص ما متمايزة أسلوباً وبالتالي فهي أجناس أدبية قد تشكلت وعلى هذا الأساس اقترح بعض الإنشائيين سلماً للأجناس السردية الحديثة رقعتها العليا الروايةقورفعتها الدنيا السيرة الذاتية وبين الرقعتين وحسب التدرج الروايات الشخصية التي تقوم على شخصية رئيسية هي صورة للكاتب تكاد تكون مطابقة له ثم الرواية السيرة الذاتية المكتوبة بضمير المتكلم ثم السيرة الذاتية الروائية وهي خلافاً للرواية السيرة الذاتية، لا تنتسب إلى الروائية وإنما تنتسب إلى السيرة الذاتية وإن شابها لا محالة قسط من الخيال كبير (59) وعندئذٍ سنجد نصوص مدونتنا تتأرجح بين جنسين هما رواية السيرة الذاتية والسيرة الذاتية ولا يبقى من السيرة الذاتية النقية (إن وجدت!) شيء فيمكن أن تنتسب إلى رواية السيرة الذاتية نصوص كرجع الصدى وكتاب التجليات وسنين الحب والسجن وإلى السيرة الذاتية الروائية نصوص كثلاثية حنا مينة وثنائية محمد شكري.‏

إن تعامل المبدع العربي الحديث مع السيرة الذاتية تجاوز المفهوم التقليدي لهذا الشكل من الكتابة الذي ترسب لدى نقاد الأدب وقرائه عامة ولعل "كتاب التجليات" يعد أبلغ مثال يمكن أن نستشهد به في هذا السياق. ذلك أن السيرة الذاتية في هذا الكتاب أصبحت أسلوباً توليدياً يساهم في إنسال نص يتجاوزه ويحويه ولكن هذه الصورة الجديدة للتعامل مع السيرة الذاتية هي مجرد وجه من وجود إشكاليتها ذلك أن الكتابة فيها ـ رغم ندرتها ـ في تنام مستمر إذ تعددت النصوص وتنوعت ومن الصعب "تبعاً لذلك" الوقوف على قوانين غير واضحة تحدد أدبية هذا الجنس الذي يصر الإنشائيون أنه لا يزال بصدد التشكل ومع ذلك فنحن نعتقد أن الأشكال لا يمكن تجاوزه إلا إذا أقررنا بكبح جماح الدغمائية والصرامة نحو تصور مرن استقرائي يراعي النصوص ويحترم حرمتها وعندئذٍ يمكن الاكتفاء بمبدأين أساسيين كافيين للتسليم بمشروعية الجنس وهما مبدأ التطابق بين أعوان السرد الثلاثة: المؤلف = السارد = الشخصية والميثاق السير ذاتي، حتى وإن كانا ضمنيين ونقر عندئذٍ أنه من الصعب أن نتحدث من خلال المدونة العربية برمتها عن أسلوب خاص قائم بذاته يسم السيرة الذاتية فهي تتّخذ شكل الرسم الذاتي حيناً وتوظف أسلوب المذكرة حيناً آخر وتستعير جل تقنيات الرواية في أغلب الأحيان إلى غير ذلك من المسائل التي إليها أشرنا ولذلك يمكن أن نقول إن السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث ليست نقية خالصة بل هي بلا أسلوب خاص وهل يوجد جنس سردي نقي خالص؟...‏

**‏

الإحالات:‏

(1) ـ de l'autobiograghie . Jean Starobinski. Le style. عن جورج ماي السيرة الذاتية" تعريب التونسيين محمد القاضي وعبد الله صولة بيت الحكمة 1992.‏

(2) ـ أنظر مدخل إلى جامع النص "دار توبقال للنشر" 1986.‏

(3) ـ Le pacte autobiographique ed .. seuil Paris. 1975.‏

(4) ـ أنظر فيليب لوجون "السيرة الذاتية" الميثاق والتاريخ الأدبي تعريب وتقديم عمر حلي المركز الثقافي العربي 1994ـ كتاب في 106ـ صفحات وهو في الحقيقة تعريب لفصلين من كتاب ف. لوجون المذكور سابقاً وهما: الميثاق "السير ذاتي" و"السيرة الذاتية.. والتاريخ الأدبي"..‏

(5) ـ لقد أعاد ف. لوجون النظر في أطروحاته المتعلقة بالسيرة الذاتية في كتابه: "أنا أيضاً" "Moi aussi وقدصدر سنة 1986.‏

(6) ـ عربه بيت الحكمة تونس L'autobiographie P.U.F.‏

(7) ـ "السيرة الذاتية" الطبعة العربية، ص 15.‏

(8) ـ اعتمد المؤلف مدونة تتمثل في مائة نص يمكن أن تنسب إلى السيرة الذاتية.‏

(9) ـ كتاب الأيام 1929.‏

(10) ـ عبد المحسن طه بدر، "تطور الرواية العربية الحديثة"، دار المعارف، د.ت.ص. 298/299.‏

(11) ـ أنظر "أنا" دار الهلال ـ د.ت. ص. 9.‏

(12) ـ "أنا" دار الهلال. د.ت.‏

(13) ـ اقرأ المقدمة التي وضعها طاهر الطناجي للكتاب.‏

(14) ـ كان هذا الحديث في أواخر سنة 1946، وقد كتب لمجلة "الهلال" قبل ذلك المقالين التالين، "بعد الأربعين" و"وحي الخمسين".. فرأيت أن هذين الفصلين هما من فصول الجانب الأول فاعتزمت أن أستكتبه في "الهلال" سائر فصول هذا الجانب إلى نهايته" ثم أجمعه له في كتاب منفرد كما فعلت في كتاب "رجال" عرفتهم" الذي نشرته سلسلة كتاب الهلال في أكتوبر الماضي.‏

(15) ـ دار الكتاب العربي "بيروت" لبنان، ط2 ـ 1981.‏

(16) ـ يقول "أحمد أمين" كنت أعصر ذاكرتي لأستقطر منها ما أختزنه منذ أيام طفولتي إلى شيخوختي وكلما ذكرت حادثة دونتها في إيجاز ومن غير ترتيب فلما فرغت من ذلك ضممته إلى كراستي اليومية ثم عمدت في الأشهر القريبة على ترتيبه وكتابته من جديد على النحو الذي يراه القارئ من غير تصنع ولا تألق "حياتي" ص 5.‏

(17) ـ حياتي، ص 22.‏

(18) ـ نصوص المدونة هي: "بقايا صور" "المستنقع"، "القطاف" حنا مينة، "سنين الحب والسجن لعبد الله الطوخي، الخبز الحافي، وزمن الأخطاء لمحمد شكري، رجع الصدى لمحمد العروسي، المطوي كتاب التجليات لجمال الغيطاني.‏

(19) ـ يقول محمد العروسي المطوي مثلاً ورغم ذلك فإنّه لا يفتأ يعيد ويعيد فيشعر بجلالة الذكرى ولذة الاستحضار، "رجع الصدى" ص 68، ويقول عبد الله الطوخي".. إن الدهشة السعيدة ما زالت تأخذني حين أسترجع تلك اللحظة التي أرسلت بها إلي الأقدار، "سنين الحب والسجن".. ص 18.‏

(20) ـ يقول حنا مينة على سبيل المثال، كلانا يبحث عن شمس مشرقة أنا أطلعها من داخلي وهي تقبض عليها من خارجها والنتيجة واحدة "كلانا له شمسه".. "القطاف" ص 233.‏

(21) ـ يقول: "كيف أجرؤ وأكتب وأنشر مثل هذا الآن عن الرمز الباقي "عبد الناصر العظيم".. ص 98.‏

(22) ـ كتاب "التجليات" ص 576 ـ أنظر السيرة الذاتية.‏

(23) ـ على حد جورج ماي.‏

(24) ـ هذا أصلي يجلس إلى أبيه، أي أبي......" ص 566.‏

(25) ـ أكتب بعض الفصول من هذه السيرة الذاتية عام تسعين، "زمن الأخطاء"، ص 118. "جارتي لا أبالي بها لأنها تافهة".. "لا جنس دون طقوس".. أكتب هذه المذكرات في حانة جديدة ممسوخة... ص 211.‏

(26) ـ بقايا صور.. ص 295.‏

(27) ـ يقسم حنا مينة سيرته الذاتية إلى ثلاث مراحل زمنية في الجزء الأول يسرد حياة الطفل السارد من الثلاثة إلى الثامنة وفي الجزء الثاني من الثامنة إلى الثالثة عشرة وفي الجزء الثالث من الثالثة عشرة إلى السادسة عشرة كذلك يرتب محمد شكري سيرته الذاتية وفق مرحلتين أساسيتين: ففي الجزء الأول يتحدث عن حياته منذ الطفولة الأولى إلى العشرين من عمره، وفي الجزء الثاني يتحدث عن حياته بعد العشرين (1952-1974).‏

(28) ـ يرتب محمد العروسي المطوي سيرته الذاتية وفق مجموعة من الفصول تحمل العناوين التالية: يوم القرة ـ في حضرة الأسمر ـ "عتروس سيدي بولباية"..‏

(29) ـ جورج ماي: "السيرة الذاتية"..ص 81.‏

(3 0) ـ يقول "محمد العروسي المطوي": ومرة أخرى تغيم مسيرة الذكريات فلا يستعيد منها إلا وقوف أمه على رأسه عند الغبش...." رجع العدد.‏

(31) ـ يقول "حنا مينة": "كنت أعرف حكاية هذه الأخت".. لقد اتفقنا دون اتفاق إلا نذكرها.. ألفنا أن نرى الأم تبكي عليها"..‏

(32) ـ يقول "حنا مينة": لكن تلك الدار التي هدمت تتراءى لي "كبقايا حلم".. "كانت بدء وعي بالوجود".. الآن لم يبق من رؤى تلك الدار سوى مشاهد ضبابية "بقايا صور" ص 56.‏

(33) ـ بقايا صور، ص 295.‏

(34) ـ أنظر جورج ماي ص 129-130.‏

(35) ـ يقول جورج ماي: "كما كانت السيرة الذاتية سليلة المذكرات فإنها لم تحظ في الواقع إلا باستقلال ذاتي هش لا يعدل الاستقلال الذي حظي بها اسمها"..‏

(36) ـ رجع الصدى، ص 51.‏

(37) ـ يقول السارد: "ويحكي الفتى عن نفسه وعن بعض ما انطبع في ذهنه حول أول يوم له بالمدرسة فيقول، ص 60/63.‏

(38) ـ أنظر: رجع الصدى، ص 70.‏

(39) ـ يقول: "كنت مدهوشاً بما رأيته من نظام وثيق غرفة فسيحة نيرة تزدان جدرانها المخصصة بمعلقات بديعة فيها كتابات لم أستطع قراءتها ص 51.‏

(40) ـ زمن الأخطاء، ص 201.‏

(41) ـ زمن الأخطاء، ص 211.‏

(42) ـ زمن الأخطاء، ص 227.‏

(43) ـ يمكن مثلاً أن نقرأ هذا المثال: لا ينبغي لي أن أكون حيث يوجد الصيف، إنه يخنقني وقلما يبهجني" لا أكاد أقبض فيه على فكرة حتى أدوخ وتتبخر مثل "الندى المشحون في هواء الليل".. كانت لي فيه: "في عز شبابي بعض المرايا والمباهج من اللطف أن لي رمل البحر الصطري لا رمل الصحراء الجاف.. وجدته جالساً حزيناً في رحبة مقهى سانترال بادرني... أكتب الآن هذه المذكرات على نشيد السعادة..."، ص 201.‏

(44) ـ سنين "الحب والسجن" ص 201.‏

(45) ـ جورج ماي، "السيرة الذاتية"، ص 168.‏

(46) ـ يقول السارد: "رأيت ملامح أبي في جسم عبد الناصر" يرتدي طربوشاً أحمر، وجلباباً أخضر من الصوف، هو أبى وهو عبد الناصر لكن حضورهما لا ينتمي: "إلى العالم المألوف، كتاب التجليات"، ص 112.‏

(47) ـ يمكن أن نتأمل الأمثلة التالية: الأرض لعبد الرحمن للشرقاوي، "الشمس في يوم غائم لحنا مينة ـ موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح.‏

(48) ـ الخبز الحافي، ص 7.‏

(49) ـ زمن الأخطاء ص 78 ـ 117.‏

(50) ـ بقايا صور ، ص 173.‏

(51) ـ بقايا صور ، ص 127.‏

(52) ـ هكذا يبدأ المقطع المضمن الذي ترويه الأم "كان خالك يا بني رجلاً بين الرجال مرحاً كريماً وشجاعاً كما في الحكايات"، بقايا صور، ص 60.‏

(53) ـ على نحو "لا أدري كيف تعرف الوالد على هذا الإقطاعي ولا من قاده إليه. ولكن من التجربة التي ستعيشها العائلة ومن الوضع الذي سنجد أنفسنا فيه وكذلك من الذكريات والأقوال سأعرف أن الوالد عقد صفقة خاسرة معه "بقايا صور" ص 203.‏

(54) ـ "زمن الأخطاء"، ص 94.‏

(55) ـ "ذاكرة الجسد" دار الآداب ـ 1993 ـ ص 134.‏

(56) ـ على عكس ما يراه جورج ماي الذي يرى أن كتابة السيرة الذاتية في أوروبا هي أحياناً كثيرة تتويج لانقطاع عن كتابة الرواية "السيرة الذاتية" ص 207.‏

(57) ـ أنظر كتابنا "حنا مينة كاتب الكفاح والفرح"، دار الآداب 1993.‏

(58) ـ السيرة الذاتية، ص 207.‏

(59) ـ السيرة الذاتية، ص 202.‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244