إضاءات على الاستشراق الروسي - د.فاطمة عبد الفتاح

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مفهوم الاستشراق:

لقد تباين مفهوم الاستشراق واختلف بين المستشرقين الذين لهم باع طويل في هذا الحقل المعرفي، وبين المفكرين العرب الذين أبدوا اهتماماً واسعاً بالاستشراق خاصة بعد صدور كتاب أدوار سعيد الاستشراق) بطبعته العربية عام 1981، وإن كان اهتمام الباحثين العرب بالاستشراق لا يعود في بداياته إلى كتاب إدوارد سعيد وإنما سبق ذلك مقالة أنور عبد الملك الاستشراق في أزمة)، والتي نشرت في مجلة ديوجين عام 1963، ومن ثم في الجدلية الاجتماعية) في باريس عام 1971 ثم في مجلة الفكر العربي عام 1983، ودائماً قُدَّمَ الاستشراق، وهنا لم يتم الحديث إلا عن الاستشراق الأوروبي الغربي، على أنه انتاج النظرة الأوروبية العنصرية تجاه الشرق، هذه النظرة التي تفترض حق الهيمنة والسيطرة على الشرق بداعي التفوق الأوروبي في الوقت الذي كان يعاني فيه من العجز نتيجة الاستعمار الأوروبي الغربي له، فقام المستعمِر بتوصيف المستعمرَ وإنشائه حسب مايحلو له ويخدم مصالحه، وكرس هذا الوصف في وعي الإنسان الأوروبي الغربي لأجيال عديدة.‏

يرى إدوارد سعيد الاستشراق أنه أسلوب من الفكر قائم على تمييز وجودي أنطولوجي) ومعرفي أبستمولوجي) بين الشرق وفي معظم الأحيان)) والغرب)) وبإيجاز، الاستشراق، كأسلوب غربي للسيطرة على الشرق واستبنائه وامتلاك السيادة عليه)(1) .‏

ويعزو أنور عبد الملك ازدهار الدراسات الشرقية إلى ارتباطها بالاستعمار الأوروبي وسيطرته على بلدان الشرق الأقصى والعالم العربي فيقول: إن الازدهار الحقيقي للدراسات الشرقية في القطاعين الرئيسيين اللذين هما الشرق الأقصى والعالم العربي يعود تاريخه بالدرجة الاولى إلى عصر التمركز الاستعماري، وبشكل خاص إلى السيطرة الأوروبية على "القارات المنسية" في أواسط القرن التاسع عشر، ثم في ثلثه الأخير)(2) .‏

أما المستشرقون أنفسهم، فيرون أن الاستشراق تم بدافع الفضول المعرفي للشعوب الأخرى، فيرى مكسيم رودنسون أن الاستشراق كان يعبرعن الرغبة في توسيع الفلسفة الإنسية هيومانيزم) لعصر النهضة، ففي نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، أرادوا أن يضيفوا إلى الحضارات النموذجية الكلاسيكية التي تستلهمها أوروبا حضارات أخرى)(3) . وهكذا أضافوا نماذج من الحضارات الشرقية، ولما أرادوا التوصل إلى معرفة تلك الحضارات معرفة علمية، نما الاستشراق وازدهر، ولكن إرادة المعرفة العلمية هذه بالحضارات الشرقية تمت عندما استطاع الغرب أن يغدو أقوى من الشرق، وبالتالي أصبح هذا الأخير موضوعاً مدروساً والغرب ذاتاً دارسة بعد أن أدرك الغرب تفوقه واختلفت العلاقات بين الشرق والغرب عما كانت عليه عندما كان الشرق مزدهراً والغرب يعاني من الضعف والانحطاط. وبالتالي فإن الاستشراق الغربي، ارتبط بالمشروع الاستعماري الفرنسي ـ البريطاني، والذي أصبح الاستشراق وجهه الثقافي.‏

وعادة يؤرخ لهذا الاستشراق منذ القرن التاسع عشر، وعلى أبعد حد نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، لذلك نرى أن مصطلح استشراق) ظهر لأول مرة في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1838م)، وظهرت كلمة مستشرق) باللغة الإنكليزية حوالي عام 1779)م.(4)

ومن منطلق الهيمنة والوصاية التي نشأ في ظلها الاستشراق، من حيث هو الوجه الثقافي للمشروع الأوروبي الغربي الاستعماري فإن مهمة المستشرق الأوروبي كانت تكمن في حجب الخطابات الشرقية ذاتها وإحلال خطاباتهم محلها، فهي وحدها المكلفة بتقديم صورة عن الشرق).(5) .‏

وبعد أن أدى الاستشراق الأوروبي الغربي مهامه، فإن مكسيم رودونسون يقترح التخلي عن استخدام مصطلحي استشراق)) ومستشرقين)) بعد أن أصبحا أسطوريين، ولذلك فسوف ندعوهما بالدراسات العالمة أو العلمية المتركزة حول تاريخ مجتمعات الشعوب المتموضعة شرقي أوروبا)(6) .‏

أما المستعرب الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي‏

1883 ـ 1951)، مؤسس الاستعراب الروسي الجديد فيتخلى عن مصطلح الاستشراق منذ البداية، ويسمى الاستشراق الروسي)، بـالاستعراب الروسي).‏

فيقول العصر الجديد في تاريخ الاستعراب الروسي، يبدأ من المرسوم الجامعي سنة 1804 لأن هذا المرسوم أدخل تدريس اللغات الشرقية في برنامج المدارس العليا وأسس الأقسام الخاصة لهذه اللغات، وأما اللغات الشرقية في أوروبا الغربية في ذلك الزمان، فقد كانت المكانة الأولى بين اللغات السامية اللغة العبرية، أما عندنا في روسيا، فاللغات الشرقية في مفهوم الروس، كانت لغات الشرق الإسلامي، وشغلت اللغة العربية المكانة الأولى وقد أُنشأ قسم اللغة العربية في جامعة خاركوف بعد صدور المرسوم في عام 1804 م مباشرة)(7) .‏

هذا في حين أن أتش. أي. أر. جب. العالم بالدراسات العربية الإسلامية المعروف كان يفضل أن يسمي نفسه مستشرقاً) على أن يسمي نفسه مستعرباً.‏

وجغرافياً كان الشرق يمتد ليشمل، الهند، وجزر الهند الشرقية، والصين واليابان، وكل مايقع شرق الخط الذي يقسم العالم جغرافياً إلى قسمين شرق وغرب، ولكن في النهاية، كان يتم الحديث دائماً في الاستشراق عن الشرق العربي المسلم، الذي كان موضوع دراسة المستشرقين، وهذا هو الشرق الذي يعنينا في هذه الدراسة، وبالتالي، فإنه يصح لدينا استخدام مصطلح الاستعراب)، لهذا الحقل من الدراسات التي تناولت الشرق العربي الإسلامي وتصح تسمية المستعربين) للذين درسوا الشرق العربي ـ الإسلامي من النواحي الثقافية والاجتماعية والسياسية، لأن المستشرقين) كافة في نهاية المطاف، قد اختزلوا الشرق، بالعرب ـ المسلمين، الذين شكلت حضارتهم تحدياً وتهديداً للغرب الأوروبي الذي يُؤرخ لبدء الاستعراب الرسمي فيه بصدور قرار مجمع فيينا الكنسي عام 1312م) والقاضي بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية للغات العربية واليونانية والعبرية والسريانية) في جامعات باريس وأوكسفورد وبولونيا وأفنيون وسلامنكا) أي أن الاستعراب كان رسمياً بقرار كنسي، ومن أعلى سلطة دينية مسيحية في الغرب، وقد كان ذلك بعد الحروب الصليبية. كما نرى أن اللغات التي تقرر تدريسها، هي لغات الكتب السماوية الثلاث، إضافة إلى لغة الحضارة اليونانية التي تعتبر أوروبا نفسها الوارث الشرعي لها.‏

ولكن تنفيذ هذا القرار عملياً، لم يتم إلا بعد قرن من الزمان تقريباً إذ لم تتوفر العناصر البشرية المنفذة، كما لم يتوفر المال اللازم لتحقيق الحلم)(8) . فحتى عام 1453م) لم يكن هناك مسيحي أوروبي واحد يعرف اللغة العربية.‏

إن دراسة الشرق العربي ـ المسلم، جاءت بقرار كنسي، ونتيجة من نتائج الحروب الصليبية، التي كانت أيضاً بقرار ديني ولئن كانت دوافع الدراسات العربية الإسلامية، في حقيقتها دوافع استعمارية، فإن هذه الدوافع انبثقت من رحم الحروب الصليبية، التي كانت أول تجربة استعمارية خاضتها أوروبا خارج حدودها، حيث أسقط الغرب الأوروبي ضعفه على الشرق العربي الإسلامي، وحاول إيجاد حل لمشاكله المتفاقمة دينياً واجتماعياً واقتصادياً في هذه الحروب التي اجتاحت جيوشها الشرق العربي المسلم، فبعد أن تفشى الفساد في الكنيسة والمجتمع، رأى البابا أربان الثاني 1088 ـ 1099م)، أن من الضروري القيام بمغامرة مثيرة تضع العالم المسيحي بأجمعه أمام عمل وهدف مشترك، وكان خطابه في المجمع الكنسي في كليرمونت والذي دعاه لجلسة استثنائية في تشرين الثاني 1095م)، تعبيراً صريحاً عن الواقع المتصدع الذي يعيشه الغرب المسيحي، والرغبة الواضحة في وضع هذا الغرب أمام هدف عام واحد، فقد قال في خطابه أمام المجمع المذكور انهضوا وأديروا أسلحتكم التي كنتم تستعملونها ضد إخوانكم، ووجهوها ضد أعدائكم، أعداء المسيحية، إنكم تظلمون اليتامى والأرامل، وأنتم تتورطون في القتل والاغتصاب، وتنهبون الشعب في الطرق العامة، وتقبلون الرشاوى لقتل إخوانكم المسيحيين، وتريقون دماءهم، دونما خوف أو وجل أوخجل، فأنتم كالطيور الجوارح آكلة الجيف، التي تنجذب لرائحة الجيف الإنسانية النتنة، ضحايا جشعكم، انهضوا إذن، ولا تقاتلوا إخوانكم المسيحيين بل قاتلوا أعداءكم الذين استولوا على مدينة القدس، حاربوا تحت راية المسيح، قائدكم الوحيد، افتدوا أنفسكم، أنتم المذنبون المقترفون أحط أنواع الآثام وهذه مشيئة الله))(9) . وأربان الثاني هو خليفة البابا غريغوريوس السابع اليهودي الأصل، والذي هو صاحب فكرة الحملة الصليبية لتحرير القدس، والتي حدد فيما بعد البابا أربان الثاني موعدها يوم15 آب 1096)، والنص السابق يعكس لنا مدى التفسخ الذي أصاب المجتمع الأوروبي والذي جعل من المسيح محارباً.‏

لقد كانت الحروب الصليبية حلاً للمشاكل التي عانت منها الكنيسة الغربية، في صراع البابا غريغوريوس السادس، والبابا غريغوريوس السابع مع الإمبراطورين هنري الثالث وهنري الرابع في ألمانيا وما تبع ذلك من نزاع وقتال عانت منهما الكنيسة والمجتمع معاً إضافة للدافع الأساسي الآخر لهذه الحروب وهو رغبة البابوية في إخضاع الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية لزعامتها)(10) . وذلك بعد الانشقاق الديني سنة‏

1054م)، بين الكنيسة اللاتينية والكنيسة اليونانية، واستحكام النزاع بين الأباطرة البيزنطيين والبابوية في روما، يقول أرنست باركر وكان من الطبيعي أن يضحي الاستيلاء على بيت المقدس هدفاً لتحقيق أطماع المسيحية الغربية، ومن الطبيعي أن تتعلق به الكنيسة وتحاول أن تسير به قدماً، وذلك لحرصها على تحقيق حلمها بقيام كنيسة عالمية تخضع لسلطانها)(11)

إذن، تسيير الحملات الصليبية باتجاه الشرق العربي ـ الإسلامي، تحت ستار ديني، كانت غايته عمليّاً، البحث عن حل لمشاكل المجتمع الغربي المسيحي، وكذلك، إقامة كنيسة عالمية، بإخضاع الكنيسة الشرقية لسلطة روما، من خلال إيجاد هدف عام مشترك هو قتال المسلمين وتحرير بيت المقدس، وبالتالي فإن الحروب الصليبية في دوافعها وكذلك في أدواتها كانت أوروبية غربية، إذ تشكلت معظم جيوش تلك الحروب من فرنسا وإيطاليا واسكتلندا وألمانيا، بينما نرى أن أوروبا الشرقية قد عانت من هذه الحملات وهي تجتاح أراضيها متجهة إلى الشرق الإسلامي، فعندما زحفت فرقها خلال سهول هنغاريا، كانت تعمل السلب والنهب والاغتصاب، غير مبالية بديانة أصحاب البلاد، لقد كانت هذه الحروب هي التجربة الاستعمارية الأولى، التي خاضها الغرب لتحقيق المكاسب الآنفة الذكر، ومن هذه التجربة وهذه الحروب الاستعمارية انبثق الاستشراق الأوروبي الغربي، في الوقت الذي كانت فيه روسيا بعيدة عن هذه الحروب، وعن هذا السعي الاستعماري في الشرق العربي الإسلامي. لقد فوجئت الكنيسة الشرقية نفسها بهذا الزحف الغربي، إذ أن إمبراطور القسطنطينية الكسي كومينين)، كان قد طلب إمدادات لمواجهة السلاجقة، ولكنه فوجئ بهذه الجيوش الجرارة، إذ أنه في الأساس لم تكن هناك مشكلة بين الكنيسة الشرقية والإسلام وكان الإسلام راعياً وحامياً للمسيحيين في دولة الإسلام، ولكن النزعة الأوروبية المركزية في السيطرة على الشرق العربي الإسلامي قد بدأت بالتشكل منذ ذلك الحين، إن المركزية الأوروبية التي نما في حضنها الاستشراق الأوروبي الغربي بنيت على الفكرة الأساسية الصليبية، إذ سعت المسيحية الغربية إلى جعل نفسها مركز العالم، بإخضاع المسيحية الشرقية، وتوحيد الكنيستين ولو بالقوة، وبالتالي تحقيق عالمية الكنيسة، بإخضاع العالم كله لسلطة روما، يقول ريتشارد سوذرن نحن في الواقع جزء صغير من المسيحية في العالم، لكننا نزعم أن العالم كله مرغم على اتباع آرائنا، ونزعم أيضاً، أن هذا العالم يرتعد تحت وطأة توجيهاتنا)(12) . لم تكن هناك مشكلة بين المسيحيين والمسلمين في دولة الإسلام، إذ كان المسيحيون في بلاد الشرق يرون أن حكم المسلمين أخف وطأة من حكم بيزنطة وكنيستها).(13)

ولم تكن هناك مشكلة بين المسلمين والكنيسة الشرقية البيزنطيين) في نفس الوقت، ولكن بعد الحروب الصليبية الأولى ميز العرب المسلمون بين المسيحية الشرقية التي كانوا يتعاملون معها، ولم تكن لهم معها مشكلة، وبين المسيحية الغربية التي جاءت غازية بجيوش جرارة، وبعد أن أدركوا غاياتها، وأن المسيحية الشرقية ليست سوى تبرير للحملات الصليبية الغربية أصبحوا يطلقون اسم الافرنج) على المسيحية الغربية، تمييزاً لها عن الروم)، هذه التسمية التي كانت تطلق على المسيحية الشرقية المجاورة جغرافياً، لتعم جميع المسيحية. إلا أن الوضع اختلف بعد الحملات الصليبية، وأدرك العرب المسلمون، أن المشكلة ليست مع الروم) المسيحية الشرقية، وإنما مع الإفرنج) المسيحية الغربية، وسوف نرى أن المستعرب كراتشكوفسكي فيما بعد، قد استخدم هذه المصطلح الإفرنج) في حديثه عن أوروبا الغربية.‏

إن معرفة الغرب للشرق العربي الإسلامي تمت بأوسع صورها من خلال الحملات الصليبية، وبالتالي فإن الاستعراب الأوروبي الغربي، كان نتيجة من نتائج هذه الحروب، ولذلك نرى أنه من الضروري التمييز بين استعراب نشأ هذه النشأة الاستعمارية وبين استعراب لم يكن كذلك بالنسبة لروسيا وغيرها، حيث تختلف الدوافع والغايات، ولأن هذا التمييز هو الذي يحدد موقفنا من الاستعراب بجانبيه الشرقي والغربي خاصة وأن بعض المؤرخين يعتقدون بأن النزاع الذي كان موجوداً بين القوتين الأعظم الكتلة الشرقية والكتلة الغربية له جذوره العميقة في النزاع بين الكنيستين في القرن الحادي عشر، ففي هذا القرن بدأ نشوء العالمين الشرقي والغربي فلو نجحت الكنيسة اللاتينية في الإبقاء على كنيسة موحدة كاثوليكية حقيقية ومقبولة لدى الجميع، لكانت بلدان البلقان وروسيا الآن جزءاً من العالم الغربي فإن الانفصال بين روما والقسطنطينية لم يكن حدثاً محلياً، أو مجرد تاريخ من تواريخ الكنيسة، ولكنه كان حدثاً عالمياً هزَّ أركان العالم)(14) .‏

ونستطيع القول أن هدف الكنيسة الغربية، كان تحقيق عالمية العالم، ولو بالقوة من خلال الحروب الصليبية، ولعل العولمة الآن هي وجه آخر من وجوه هذا المشروع الموغل في القدم. .‏

إن إنشاء الشرق في ذهن الغرب، كان من خلال النتاج الفكري الأدبي والتاريخي) الذي أعقب هذه الحروب، والذي امتزج فيه الواقعي بالوصف التاريخي الأسطوري لهذه الحروب، وبالتالي من الطبيعي، أن الاستشراق الأوروبي الغربي الذي ضربت جذوره في هذا النتاج الفكري، أن يكون محشواً بالمغالطات التي كرست فكرة التمايز بين الشرق والغرب فيما بعد.‏

لقد حث المبشر ريموند raymondas lulus مجمع فيينا سنة 1311 على أن يتخذ قراراً كنسياً بإنشاء ست مدارس للغات الشرقية في أوروبة)(15) .‏

وكانت روسيا خارج هذا القرار الكنسي، لأن الحلفاء الممكنين للكنيسة الغربية المغول والأرثوذكسية الشرقية)، أصبحوا أعداء قائمين من خلال إقبال المغول على الإسلام الذين ظن الغرب في البداية أنهم مسيحيون اجتاحوا الشرق العربي الإسلامي للقضاء على الإسلام فاستبشروا بهم خيراً، ومن خلال تعميق العداء بين الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكنيسة الغربية.‏

وبالتالي، فإننا عندما نتحدث عن الاستعراب الروسي فلن نتحدث عنه بوصفه نتيجة من نتائج الحروب الصليبية ولا كونه ممثلاً للمركزية الأوروبية) وعقدة التفوق والهيمنة ولا من باب رؤية غابريللي، أن هذا الاستشراق يرفع رسمياً الرايات المضادة للاستعمار من أجل إرضاء أبناء العالم الثالث)(16) .‏

وإنما لأن الاستعراب الروسي نما في ظروف مختلفة عن تلك التي ترعرع فيها الاستشراق الغربي، وكذلك لاختلاف دوافعه وغاياته في مرحلتي روسيا القيصرية ومابعد ثورة أكتوبر.‏

البدايات والدوافع:‏

لم تعرف روسيا الدين المسيحي قبل القرن العاشر الميلادي، عندما أرسل القيصر فلاديمير المقدس رسله إلى البلاد مستفسراً عن الأديان ليكون أحدها ديناً للدولة، وحسب المستعربة فرالوفا إن سبب عدم اختيار الإسلام ديناً للدولة كان بسبب تحريم الخمر)، وقد ابتدأت معرفة روسيا بالشرق العربي المسلم، من خلال رحلات الحجاج المسيحيين إلى الديار المقدسة ومن خلال الرحالة والتجار، وكانت هذه المعرفة وصفية، ولم تختلف عن وصف الرحالة والتجار الغربيين الأوائل للشرق الإسلامي، ولعل من أوائل التجار الذين زاروا بلاد الشرق ومكثوا فيها فترة، التاجر الروسي أفاناس نيكتين، الذي امتدت رحلته إلى الشرق مابين 1466-1474م)، وزار فيها البلاد العربية ومكث فترة في بلاد فارس والهند، كما زار مسقط والصومال وتركيا، وألف كتاباً عن هذه الرحلة سماه الرحلة إلى الأراضي الواقعة وراء ثلاثة بحور) كما شكلت الشعوب المسلمة المجاورة لروسيا مصدراً هاماً من مصادر معرفة الروس بالعالم الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية، هذا وإن صلات روسيا مع بلدان الجوار الإسلامي، ولدت فضولاً لمعرفة الإسلام وتجليات الثقافة الإسلامية وفيما بعد، عندما أصبحت بعض هذه الشعوب الإسلامية ضمن الدولة الروسية فإن هذه المعرفة أصبحت ضرورية. وعلى الرغم من الحروب التي كانت بين روسيا وتركيا، فإن العداء لم يكن موجهاً ضد الإسلام كدين وإنما تجاه الدولة التركية، وتجاه التتار، وقد تم استغلال المسيحية من قبل الدولة الروسية والإسلام من قبل الأتراك لاستخدامهما كغطاء أيديولوجي لسياسة كل من الطرفين تجاه الآخر، وتعبئة شعب كل منهما ضد الآخر لتبرير الحروب القائمة بين الطرفين. وقد كان للجهل المسيطر في روسيا تسهيلاً لمهمة السلطة في تسخير العامل الديني في الحرب مع الأتراك، إذ لم تتجاوز نسبة المثقفين والفئة المسيطرة في روسيا آنذاك 3%، من سكان البلاد، وأن أغلبية الروس حتى عام 1860) كانوا عبيداً لا يقرأون ولا يفهمون سوى تعاليم الكنيسة وكلام القساوسة.(17)

وحقيقة الأمر أن الصراع بين روسيا وتركيا كان صراعاً سياسياً حول شبه جزيرة القرم وتوسيع النفوذ السياسي على البحر الأسود ولكن هذا الصراع لم يكن يوماً بدافع ديني أي من منطلق العداء بين المسيحية الشرقية والإسلام ولطالما اعتبر الروس أنفسهم شرقيين. وفي هذا نرى أن العالم العربي، الإسلامي، كان خارج دائرة هذا الصراع وبالتالي لم يكن هناك صدام بين روسيا والعرب المسلمين، ولم تتواجد الجيوش الروسية في أي زمان على أراضي العالم العربي الإسلامي، وإذا تواجدت فكان ذلك بدافع تقديم المعونة لبعض الحكومات القائمة ففي أيام محمد علي، عندما أرادت إنكلترا أن تحتل الشواطئ المصرية، أرسلت الحكومة القيصرية الأسطول البحري الروسي، الذي اعترض محاولة إنزال مشاة البحرية الإنكليزية في الإسكندرية).(18)

وقد يبدو هذا الموقف مفهوماً في إطار العداء بين روسيا وإنكلترا وبين روسيا وتركيا حول شبه جزيرة القرم، ولكن المهم أيضاً، أنه لم يكن هناك عداء بين البلاد العربية الإسلامية وبين الروس، ولذلك فإنه يمكننا القول بأن من أسباب تميُّز الاستعراب الروسي عن الاستعراب الأوروبي الغربي، إنه لم يصدر عن مثل أرضية العداء بين الغرب والشرق الإسلامي، وإنما كان هذا الاستعراب بدافع الفضول المعرفي الإنساني، لأن المستعربين الروس أنفسهم يرون أن التراث الشرقي الإسلامي هو جزء من تراثهم. فيقول المستعرب بلوندين نحن الروس، وجميع الذين في الساحة الروسية القيصرية السابقة، نحن شرقيون بأنفسنا، وجزء من أراضينا موجود في آسيا، وثلثي حدودنا مع دول آسيوية مثل تركيا والصين، وكذلك المناطق الإسلامية التي كانت قديماً ولايات للخلافة العربية)(19) .‏

لذلك فإن الدراسات الشرقية ليست دراسات لعالم بعيد أو غريب وليست دراسات مرتبطة كثيراً بالسياسة الاستعمارية، في روسيا الحضارة الإسلامية جزء من تراثنا، أغلبية الناس في روسيا مسيحيون أرثوذكس، والدين الثاني في روسيا هو الإسلام لذلك نحن ندرس تراثنا لأن الحضارة الإسلامية جزء من تراثنا)(20) .‏

وإلى جانب الدوافع المعرفية للاستعراب الروسي، كان هناك اتجاه سياسي للدراسات العربية ـ الإسلامية، ارتبط بوزارة الخارجية والكنيسة وقد برز في وقت من الأوقات في بعض المناطق، مثل قازان، تعصب ديني من قبل الكنيسة وحملات التبشير الغربية، ترافق أحياناً بحملات التنصير بالقوة، والتي جاءت القيصرة ايكاترينا الثانية، لتترك للمسلمين التتار حرية اعتناق المسيحية أو الإبقاء على دينهم الإسلامي، وقد رافق هذا التعصب الذي عبرت عنه مجلة التبشير المناهض للإسلام) مواقف مضادة من علماء مستعربين مثل بارتولد وروزن اللذين وقفا ضد الحركات العصبوية الدينية، وهذا الموقف من المستعربين الروس ضد التيار المتعصب لم نلمح له مثيلاً في استعراب الغرب الأوروبي، وهذا الموقف يعني أيضاً، أن الموقف والموقف المضاد ماكان ليسمح ببقاء صورة العربي المسلم في ذهن الروسي صورة أحادية الجانب، فتكون هي الطاغية والفاعلة، وبالتالي من الممكن القول أن التعصب الديني والعداء الديني لم يحكما نظرة وفعل الاستعراب الروسي، وبالتالي فإن دور الكنيسة الأرثوذكسية كان أقل بكثير من دور الكنيسة الكاثوليكية في الاستعراب وفي إنشاء صورة الشرقي المسلم بشكل مشوه لأنه بوجه عام لم يكن الإسلام بالنسبة للكنيسة الروسية عدواً، وإنما كانت الدعاية ضد الإسلام ضرورية للكنيسة من أجل إقناع الناس بالمسيحية، وهذا غير مرتبط بتعصب شديد أو بأغراض سياسية واضحة، وبالتالي نستطيع القول عن هذا الصراع أنه كان مباراة ولم يكن كفاحاً).(21)

إذن، إذا كانت معرفة العالم العربي الإسلامي قد تمت بدافع كنسي في أوروبة الغربية وأحدثت معاهد الاستشراق بناء على قرار كنسي، باعتبار أن الإسلام يمثل خطراً أو تحدياً للآخر، المسيحي الغربي، بحيث بات ضرورياً التعرف على الإسلام بشكل واقعي، وماكان ذلك سهلاً، هكذا نشأت مسألة تاريخية ماكانت معالجتها ممكنة بغير معرفة لغوية وثقافية واسعة لم تكن متاحة بادئ ذي بدء)(22) . فإنه لم تكن هناك مواجهة حقيقية تحمل هذا الطابع، طابع العداء والتحدي بين الكنيسة الشرقية في روسيا وبين الإسلام، لم يكن هناك إحساس بالخطر من الإسلام، فقد كانت بلاد وسط آسيا المسلمة تقع ضمن روسيا القيصرية، وبالتالي فقد درس الاستعراب الروسي الثقافة الإسلامية على أنها جزء من تراثهم وتعامل مع الواقع الإسلامي ككيان اجتماعي وواقع إنساني قائم، وبالتالي لم يتم الحديث عن عالم شرقي إسلامي غرائبي، لقد كان هذا الشرق الإسلامي مجاوراً وتم التعايش والاحتكاك معه والإفادة منه. وبالتالي فإن الإسلام مثل عنصراً تنافسياً وليس عدائياً للمسيحية الأرثوذكسية في روسيا، وهذا مختلف تماماً عن الموقف الذي صدر عن الكنيسة الأوروبية الغربية تجاه الإسلام والذي جاء بالحملات الصليبية، لقد تعايش الإسلام والمسيحية جنباً إلى جنب في روسيا، وبالتالي فإن نشأة الاستعراب الروسي لم تتم في حضن العداء الديني ولا من ضرورة دراسة الإسلام كعدو قائم يمثل خطراً واجتياحاً، ومن ثم لم يكن ضرورياً إنشاء صورة الشرق العربي الإسلامي كعدو كما هو الحال في الاستشراق الأوروبي، وإن كانت بعض المعلومات التي كانت ترد من خلال الرحالة والتجار لا تخلو من بعض الأسطرة للشرق العربي المسلم.‏

لقد شجعت الحكومات الروسية في العهود المختلفة دراسة التراث العربي الإسلامي وخاصة ذلك الذي يتعلق بالأقاليم الإسلامية الواقعة ضمن الدولة الروسية، وذلك لتوسيع المعرفة بالشعوب الإسلامية، وكانت المصادر الثقافية العربية تشكل ركناً أساسياً من مصادر معرفة شعوب القوقاز وآسيا الوسطى وحتى الروس، هذه المعرفة التي انعكست بشكل إيجابي لمصلحة روسيا كما يعترف بذلك المستعربون أنفسهم كنا نعيش جنباً إلى جنب مع شعوب آسيا الوسطى لمدة طويلة وكانت معارفنا تزداد بهذا التعايش... كنا نتطور تحت تأثير الشعوب الإسلامية وأظن الشعوب الإسلامية في بلادنا كانت تتطور تحت تأثيرنا).‏

لقد كان للاستعراب الروسي منذ البداية مدرستان متمايزتان، ارتبطت إحداهما بوزارة الخارجية الروسية، وقد ساهمت هذه المدرسة في خدمة القرار السياسي والمصالح الروسية الخارجية كان هناك أيضاً في روسيا اتجاه للدراسات الشرقية لأغراض سياسية، مع تعصب ديني، ولكن في نفس الوقت. كان هناك من هو ضد هذه التيارات المتعصبة وضد الدراسات الشرقية الكنيسية غير الممتدة إلى وقائع تاريخية ثابتة، ونحن لا نرى هذا في أي دراسات شرقية خارج روسيا)(23) والمدرسة الأخرى حملت الطابع المعرفي العلمي البحت، وحرص المستعربون فيها على استقلالية عملها وقد نشأت هذه المدرسة وما زالت في بطرسبورغ، حيث بذلت جهود كبيرة من قبل العلماء في بطرسبورغ لتحقيق درجة من الاستقلال المهني ونشر الدراسات بعيداً عن التوجه السياسي).(24)

وفي بداية الاستعراب الروسي، تمت الاستعانة بعلماء من الغرب، كما كان الشأن بالنسبة للمجالات الأخرى المختلفة، فعندما بدأ القيصر بطرس الأول الإصلاحات في السياسة والعلوم والجيش ومختلف أوجه الحياة في روسيا، استعان بالخبرات الأوروبية من فرنسا وألمانيا وإنكلترا، ولكن الاستعراب الروسي مالبث أن أخذ بتكوين نفسه معتمداً على المصادر الشرقية الإسلامية مباشرة، بداية من خلال التبادل الثقافي الذي جرى والمعايشة المباشرة للموظفين والعسكريين الروس في مناطق الفولغا والبحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى، ووصف هؤلاء هذه البلاد في الكتب والصحف شعراً ونثرا،ً إضافة إلى توافد أبناء هذه المناطق إلى بطرسبورغ وموسكو وتعلمهم في جامعاتها ومعاهدها، وقد كان هؤلاء الوافدين يعكسون قوة تأثير الثقافة العربية الإسلامية فإن قوة تيار التراث العربي القديم في القوقاز استطاعت أن تحمل حتى أيامنا، اللغة العربية الفصحى التي لا تستخدم في التخاطب العام في موطنها في البلاد العربية، أما في شمال القوقاز فقد عاشت اللغة العربية حياة كاملة لا في الكتابة فحسب، بل وفي الحديث أيضاً)(25) . لقد كان للشعوب الإسلامية في وسط آسيا واحتكاكها المباشر مع الروس دوراً كبيراً في الاستعراب الروسي، إذ ساهمت في نقل الثقافة العربية الإسلامية مباشرة إلى الاستعراب الروسي دون المرور بالمصفاة الأوروبية الغربية، لقد صب التراث العربي الإسلامي مباشرة في مجرى الاستعراب الروسي دون تشويه أو إنشاء أو أسطرة صور وهمية عن الشرق العربي المسلم، وقد ساهم وجود المستعربين من العسكريين في القوقاز في ترجمة العديد من الآثار الأدبية العربية الإسلامية، إذ قام الجنرال بوغوسلافسكي بترجمة القرآن الكريم من العربية إلى الروسية مباشرة.‏

(1) ص 38 الاستشراق ـ إدوارد سعيد.‏

(2) ص 71 الاستشراق في أزمة ـ أنور عبد الملك.‏

(3) ص86 مقالة مكسيم رودنون في الاستشراق بين دعاته ومعارضيه)، هاشم صالح.‏

(4) ص 88 مكسيم رودنسون.‏

(5) ص 203 ـ الاستشراق بين دعاته ومعارضيه.‏

(6) ص113 ـ المصدر السابق.‏

(7) تاريخ الاستعراب الروسي ـ كراتشكوفسكي فرالوفا.‏

(8) ص 119 سوذرون ـ صورة الإسلام في أوروبا .‏

(9) ص 244 بابوات من الحي اليهودي.‏

(10) ص 22 تاريخ العلاقات بين المشرق والمغرب ـ عاشور.‏

(11) ص 16 الحروب الصليبية ـ أرنست باركر.‏

(12) ص 126 سوذرن.‏

(13) قصة الحضارة ـ ول ديورانت.‏

(14) ص 177 باباوات من الحي اليهودي.‏

(15) ص 150 الحروب الصليبية ـ باركر.‏

(16) أوردها سوذرن ص 19.‏

(17) فرالوفا.‏

(18) بلوندين.‏

(19) بلوندين.‏

(20) بتروفسكي.‏

(21) بتروفسكي.‏

(22) ص 37 صورة الإسلام في أوروبة وسوذرن.‏

(23) بتروفسكي‏

(24) بتروفسكي.‏

(25) ص 196 مع المحفوظات العربية ـ كراتشكوفسكي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244