إضاءات على الاستشراق الروسي - د.فاطمة عبد الفتاح

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
مصادر الاستعراب الروسي:

مصادر الاستعراب الروسي:

لقد استقى الاستعراب الروسي معرفته من خلال مصادر عديدة، تفاوتت في أهميتها وزمنها، بالنسبة لهذا الاستعراب ويمكن القول بأن هذه المصادر كانت:

أ ـ    التجار والرحالة والحجاج المسيحيين الوافدين إلى بيت المقدس.

ب ـ   المعرفة المباشرة للشعوب الإسلامية الواقعة ضمن الدولة الروسية.

ج ـ   العلماء الباحثين من الروس والعرب على حد سواء، الذين رحلوا إلى البلاد العربية أو العرب الذين قدموا إلى روسيا لأسباب مختلفة منها السياسة ومنها العلمية.

د ـ المخطوطات التي انتقلت إلى خزائن المكتبات في روسيا، والتي كانت تمثل التاريخ الحضاري للثقافة العربية الإسلامية.

هـ- العلاقات بين الكنيسة الروسية الأرثوذكسية مع الكنائس الأرثوذكسية في الشرق العربي، فلسطين، لبنان، وغيرها، ووجود بعض المدارس الروسية المرتبطة مع هذه الكنائس، وإن كان ذلك بنسبة قليلة قياساً للحضور الأوروبي الغربي التبشيري في البلاد العربية الإسلامية.

إن بدء العمل الرسمي والمنظم في الدراسات العربية ـ الإسلامية، كان قد بدأ مع عهد القيصر بطرس الأكبر عندما تمت أول ترجمة للقرآن الكريم عام (1716) إلى اللغة الروسية، وقد قام بها الدكتور بيوتر بوستينكوف عن الترجمة الفرنسية للمستشرق الفرنسي ديوري عام (1643م)، تلا ذلك ترجمة أخرى عام (1776م)، ولكن أول ترجمة للقرآن من اللغة العربية مباشرة إلى اللغة الروسية كانت في عام (1878م)، والتي قام بها المستعرب سابلوكوف (1854 ـ 1880م)، والذي كان يتقن العربية إتقاناً جيداً، وقد تكررت طباعة هذه الترجمة في أعوام (1879-1898)، كما قام الجنرال المستعرب بوغوسلافسكي، المراقب الملازم للزعيم الأواري شامل، والذي عمل فيما بعد في السفارة الروسية في تركيا، قام بترجمة للقرآن من العربية إلى الروسية مباشرة في نهاية العقد العاشر من القرن التاسع عشر، وهي الترجمة الثانية للقرآن من العربية إلى الروسية مباشرة خلال القرن التاسع عشر، كما قام المستعرب أغناطيوس كراتشكوفسكي بترجمة أخرى للقرآن من العربية مباشرة إلى الروسية عام (1963م).

وقام المستعرب موخلينسكي (1808 ـ 1877م)([1]) بترجمة وتفسير القرآن إلى اللغة البيلاروسية والبولندية من أجل التتار المسلمين الذين كانوا على حدود بيلا روسيا وبولندا وليتوانيا.

تمت أول طباعة للقرآن باللغة العربية، في عهد القيصرة ايكاترينا الثانية في القرن الثامن عشر عام (1787م)، إذ برز في هذه الفترة اتجاه لتنصير المسلمين بالقوة من قبل المبشرين من إنكلترا واسكوتلندا، فتركت ايكاترينا أمر التنصير إرادياً لمن يشاء من المسلمين، وقامت بطباعة القرآن لتقديمه للشعوب الإسلامية الواقعة ضمن الإمبراطورية الروسية وتمت إعادة هذه الطبعة في أعوام (1793، 1790م). وكان المستشرق كانتمير (1673ـ1723م)، قد أدخل أول مطبعة ذات حروف عربية إلى روسيا، تم بواسطتها طباعة أول بيان رسمي للقيصر في عام (1722م). ومن الجدير ذكره، أن القيصرة ايكاترينا الثانية، كانت تحظى باحترام الشعوب  المسلمة ضمن الإمبراطورية الروسية وقد اتصلت هذه الإمبراطورة بعلماء من دول مختلفة، كان منهم جمال الدين الأفغاني (1838 ، 1897م)، الذي قضى عدة سنوات في بطرسبورغ، قبل أن يذهب إلى إنكلترا وقد كان يعرف اللغة الروسية. وفي عهد القيصرة بُدئ بتدريس اللغة العربية في المدارس المختصة بتعليم اللغات الشرقية، إلى جانب البخارية والتترية والفارسية، وذلك بعد قرارها الصادر عام
(1772م) القاضي بتدريس اللغة العربية، وهنا نلاحظ أن قرار تدريس اللغة العربية في المدارس المختصة، كان قراراً حكومياً ولم يكن قراراً كنسياً، كالذي حدث في مجمع فيينا.

ومفهوم اللغات الشرقية في الاستعراب الروسي يختلف عنه في الاستعراب الأوروبي الغربي فاللغات الشرقية في أوروبا، كانت اللغات السامية والمكانة الأولى بين هذه اللغات كانت للغة العبرية كونها لغة الكتاب المقدس، أما في روسيا، فاللغات الشرقية تعني لغات الشرق المسلم الواقع ضمن الامبراطورية الروسية أو المتاخمة لها، وشغلت اللغة العربية المكانة الأولى بين هذه اللغات. أما (العصر الجديد للاستعراب الروسي فيبتدأ من المرسوم الجامعي سنة (1804م)،  لأن هذا المرسوم أدخل تدريس اللغات الشرقية في برامج المدارس العليا وأسس الأقسام الخاصة لهذه اللغات)([2])، وأنشئ أول قسم للغة العربية في جامعة خاركوف بعد صدور المرسوم مباشرة، وكان أول أستاذ يدرس اللغة العربية في هذا القسم سنة (1805م). هو الأستاذ (بيرندت)، (وكان يمثل التقاليد السامية الأوروبية الغربية، وهو من رجال الدين المسيحي).([3]) وتبع ذلك إنشاء قسم اللغة العربية في جامعة قازان في تتارستان، وقد قام بتدريس اللغة العربية فيما بعد في هذه الجامعة  عدد من الأساتذة العرب، فقد درّس فيها، أحمد ابن حسين المكي، منذ (1852ـ 1854م)،  ثم جاء بعد ذلك العربي الفلسطيني بندلي بن صليبا جوزي منذ (1871 ـ 1942م)، وهو من القدس، ولد وتعلم بها وكان هذا الأستاذ قد تعلم في مدينة قازان وحصل على دبلوم الدراسات العليا منها وحصل على رسالة الدكتوراة سنة (1899م) في (فكر المعتزلة)، وكتب مقالة (القرآن الكريم)، لموسوعة دينية أرثوذكسية، كما ألف كتاباً مدرسياً لتعليم اللغة الروسية للعرب، وألف كذلك قاموس (روسي ـ عربي)، كما كتب (أبحاثاً قيمة في مصادر عربية مهمة لتاريخ القوقاز، ومنها حركة بابك الخرَّمي، وحلل أخباراً في غزو الروس لمدينة (بردعة) في جنوب أذربيجان وترجم إلى اللغة الروسية ((مقتطفات من تاريخ أذربيجان)) من كتب اليعقوبي والبلاذري).([4])

ولـه من الكتب أيضاً (من الحركات الفكرية في الإسلام) و(تاج العروس في معرفة لغة الروس) و(أصل الكتابة عند العرب) و(جبل لبنان، تاريخه وحالته الحاضرة). وقد عاش جوزي طوال حياته في روسيا، وأهميته تنبع من كونه ألف عدداً كبيراً من المقالات وترجم مقتطفات من مصادر عربية مهمة لتاريخ القوقاز.

في عام (1819م)، تأسست جامعة بطرسبورغ، والتي ابتدأ تدريس اللغة العربية فيها منذ ذلك الوقت، وكان الشيخ المصري محمد عياد الطنطاوي، أول عربي يشغل كرسي اللغة العربية في هذه الجامعة بين أعوام (1847 ـ
1861م)، وقد شغله قبله الفرنسي ديمانج (1819 ـ 1822م)، والبولندي سنكوفسكي (1822 ـ 1847م)، لقد تفتحت شخصية الطنطاوي العلمية في القاهرة في الأزهر، إذ يقول في رسالة بعث بها إلى المستعرب فرين (فكان مكثي في مصر من سعادتي فحينئذٍ حضرت في النحو والفقه وغيرها ولاشك أن تعلم الثلاث سنين في طنطا أكسب لي بعض فهم، فكنت أفهم خصوصاً النحو وغيره أكثر من الفقه، فحضرت الأجرومية وشرح الشيخ خالد، وشرح القطر وشرح الألفية لابن عقيل وشرحها للأشموني، وشرح مختصر السعد في علم المعاني والبيان والبديع وشرح مطوله كذلك، وشرح جمع الجوامع في علم أصول الفقه وشرح السنوسية في علم التوحيد وشرح الجوهرة فيه الخ، وغالب حضوري على الشيخ إبراهيم الباجوري وهو اعلم أهل الأزهر الآن بلا نزاع))..

ثم عبرت هذه الشخصية إلى بطرسبورغ عاصمة روسيا القيصرية، لتقدم عصارة العلم والجهد في تعليم الآداب العربية الإسلامية وليتم على يدي الشيخ محمد عياد الطنطاوي تخريج عدد من المستعربين الروس، كانوا الأساس في تكوين مدرسة الاستعراب الكلاسيكية، فقد تتلمذ على الطنطاوي المستعرب (نقولا موخن) وغيره، وقد احتفل الأعلام الروسي بالطنطاوي عندما قدم إلى بطرسبورغ وكتبت عنه مقالة عرَّفَت به في صحيفة (أخبار سانت بطرسبورغ) في 22 آب عام 1840م، وَرَدَ فيها (تسألني عن هذا الرجل الوسيم في حلته الشرقية وعمامته البيضاء ولحيته السوداء كالقطران، وعيونه الحية المتقدة شرراً ووجهه المعبر الذكي المحترق لا بشمسنا الشمالية الباهتة الآن تستطيعون تماماً أن تتعلموا التحدث بالعربية دون أن تسافروا من  بطرسبورغ)([5])، وبيَّن كاتب المقال أن هذا الرجل هو الشيخ محمد عياد طنطاوي الذي رحل من (شاطئ النيل) ليشغل الكرسي الخالي للغة العربية في معهد اللغات الشرقية التابع لوزارة الخارجية وقد وصفه كراتشكوفسكي بقوله: (فيا لها من زهرة نادرة تلك الشخصية التي تلألأت في روسيا القديمة)([6]). وقد جمع الطنطاوي  خلال فترة عمله مجموعة من المخطوطات تقارب المائة وخمسين مخطوطة آلت إلى مكتبة جامعة بطرسبورغ، وحلَّ جزء منها في نطاق الاستخدام العلمي، كما اهتمت الأوساط الاستعرابية الغربية بالطنطاوي، ففي عام 1944 كتب محرر الطبعة العالمية المشهورة لدائرة المعارف الإسلامية التي  تجدد صدورها بعد الحرب العالمية الأولى طالباً من كراتشكوفسكي أن يكتب له مقالاً عن الطنطاوي.([7])

وللطنطاوي العديد من المؤلفات المحفوظة في مكتبة المخطوطات في جامعة بطرسبورغ، بعضها كتبه لغايات تعليمية مثل (نظم تصريف الزنجاني)، و(تقييدات على شرح الأزهرية)، و(حاشية الكافي في العروض والقوافي)، و(نبذة عن تاريخ العرب)، و(حال في الأعياد والمواسم في مصر) و(فهرس الخلفاء والسلاطين) و(القاموس التتري العربي)، وكان البعض  الآخر من مؤلفاته تأريخاً لأحداث مختلفة عايشها خلال فترة وجوده في روسيا مثل (تاريخ خمس وعشرين سنة من تتويج أبهة قيصر الروسيا نيقولا الأول)، و(تاريخ جلوس أبهة القيصر اسكندر الثاني على تخت روسيا)، وغير ذلك، ولعلنا نستطيع القول بأن أول دراسة في الاستغراب قام بها عالم عربي نستطيع أن نردها للطنطاوي، وذلك من خلال مؤلفه الذي كتبه في وصف روسيا وأهداه إلى السلطان عبد المجيد، وأسماه (تحفة أولي الألباب في أخبار بلاد روسيا)، وقد كتبه في عام (1850 مـ 1266 هـ)، ويتناول في الكتاب وصفاً تفصيلياً لرحلته من القاهرة إلى بطرسبورغ، ومتحدثاً عن انطباعاته خلال العشرة أعوام الأولى التي قضاها في روسيا، علماً بأنه سبق مؤلف الطنطاوي هذا مؤلف أقدم منه في وصف روسيا، هو كتاب (وصف الروسيا) للبطريرك مكاريوس الإنطاكي، يصف رحلته من سوريا إلى روسيا، والعودة منها والإقامة فيها، وكتبه ابنه بولصي الحلبي عام (1700م)، الذي كان مرافقاً له في هذه الرحلة.

وتعود أهمية كتاب الطنطاوي إلى طول إقامته في روسيا ومعايشته اليومية للروس واهتمامه بالتفاصيل والحوادث المختلفة التي استمرت عشرة أعوام كاملة، مكنته من دراسة الحياة في روسيا دراسة دقيقة، إضافة، إلى أن هذا الكتاب يصدر عن عالم شغل مناصب هامة في البيئة العلمية الروسية فإذا نظرنا إلى بعض عناوين مؤلفاته عن روسيا.

غير ذلك الكتاب لوجدناه يصف ويؤرخ حوادث مثل (تاريخ قدوم سعادة ولي عهد روسيا الأمير اسكندر مع خطيبته الأميرة ماريا وتزوجها)، و(تاريخ رجوع الدوق مكسميليان لهستنبرغ من مصر إلى بتربورغ) مما يعطينا فكرة عن الاهتمام الدقيق بتفاصيل ماكان يجري في روسيا آنذاك.

إن أهمية الطنطاوي تنبع من أنه كان معلماً ومتعلماً، فاعلاً ومتأثراً، ولعله أهم شخصية علمية عربية تواجدت في روسيا في القرن التاسع عشر وأثرت تأثيراً فعالاً في الاستعراب الروسي، وبنفس الوقت درست ووصفت الحياة في روسيا من خلال مؤلفاته المختلفة، وقد منحته الحكومة القيصرية وسام القديسة (حنة) تقديراً لجهوده  العلمية  في الاستعراب الروسي وقد علق الطنطاوي بعد تقليده الوسام، الذي يبدو على صدره في صورة رسمها لـه الفنان (مارتينوف) علق قائلاً:

 

 

إني رأيت عجباً في بطرسبورغ وأنه

شيخ من المسلمين يضم في الصدرحنّة([8])

 

وقد عانى الطنطاوي في نهاية حياته من الشلل في أطرافه السفلية، وتوفي عام (1861م)،  ودفن في المقبرة التتارية الإسلامية قرب قرية فولكفو من ضواحي بطرسبورغ وله من العمر 50 عاماً.

وتعاقب بعد الطنطاوي عدد من الأساتذة العرب لتدريس اللغة العربية وآدابها في جامعة بطرسبورغ، فكان هناك سليم نوفل (1828 ـ 1902م)، وهو من طرابلس الشام وقد كان في الجامعة اعتباراً من عام (1860م)، وألف بعض الكتب  التي لقيت نجاحاً وفي نفس الفترة درس العربية أحمد بن حسين المكي من (1856 ـ 1858م)،  ثم عبد الله كلزي
(1819 ـ 1912م)،  وهو من حلب قام بالتدريس أولاً في مدينة أوديسا فترة قصيرة، ثم أمضى بقية حياته في بطرسبورغ، وقد قام بترجمة بعض أشعار الشاعر الروسي كريلوف من الروسية إلى العربية، وله (كتاب لتدريس اللغة العربية  ((المحادثة الروسية ـ العربية طبع عام 1868م)([9]). وإضافة إلى هؤلاء الأساتذة العرب المدرسين في الجامعة، تواجدت أحياناً بعض الشخصيات العربية الإسلامية التي لعبت دوراً في وسط الاستعراب الروسي فلأسباب سياسية  تواجد مثلاً جمال الدين الأفغاني (1838 ـ 1897م)،  والذي اتصل بالقيصرة ايكاترينا، ومكث في روسيا مدة أربعة أعوام ثم غادرها إلى إنكلترا، ثم ولنفس الأسباب قدم الأديب والصحفي والسياسي العربي رزق الله حسون (1825 ـ 1880م)، هرباً من الاضطهاد التركي واصلاً  روسيا عام (1868م)،  أملاً في مساعدة قيصر روسيا السكندر  نيقولا ييفتش في إقامة دولة عربية، وقد مكث حسون في روسيا عدة سنوات، وعندما يئس من مساعدة القيصر الروسي غادر إلى إنكلترا، وفي فترة وجوده في بطرسبورغ، نظم حسون العديد من الأشعار  التي حفظت في ديوان كما قام بنسخ بعض المخطوطات العربية الموجودة في مكتبات بطرسبورغ فقد نسخ لنفسه في عام
(1867م)، نسخة من مخطوط ديوان الأخطل الأموي، وتمت الاستفادة فيما بعد من هذه النسخة في تحقيق ديوان الأخطل وطباعته في بيروت، في إطار التعاون بين العلماء الروس والعرب، كما ترجم حسون أشعار (كريلوف) في الحكمة إلى اللغة العربية، وقد تحدث كراتشكوفسكي عن حسون([10])وقد تحدث كراتشكوفسكي عن حسون قائلاً:

(كان خطاطاً وسياسياً وشاعراً ومغامراً، وقد كان قومياً عربياً، فخاف على حياته وهرب من تركيا إلى روسيا عبر بلاد القوقاز، ولم يكن ذلك على ما يبدو بدون مساعدة ديبلوماسي روسي في القسطنطينية هو الجنرال يوغوسلافسكي، وكان حسون قد قضى عدة أعوام في بطرسبورغ حاول أثناءها في بساطة أو سذاجة أن يحصل على مساعدة القيصر الكسندر الثاني في تأسيس دولة عربية مستقلة، وعندما دبّ إليه اليأس والقنوط في محاولته تلك، رحل حسون إلى إنكلترا، وهناك استخدم الهجاء اللاذع وكلماته الملتهبة في الكفاح ضد السلطان التركي وحزب تركيا الفتاة، وتوني حسون في انكلترا في ظروف غامضة، ويقال أنه مات مسموماً عن طريق جاسوس للسلطان التركي. وقد كان حسون محباً للأدب وعالماً به، وقد زينت الكتب التي كتبها بخطه الجميل خزائن المحفوظات المختلفة، وكذلك قام حسون بترجمة أصيلة جداً لبعض أشعار الحكمة التي تظمها كريلوف الشاعر الروسي ونقلها من الروسية إلى العربية)([11]).

وفي بداية القرن العشرين حرر المصري محمد طلعت، جريدة عربية باسم (التلميذ)، في بطرسبورغ، ونشر كتاباً صغيراً يصف فيه انطباعاته عن روسيا.

وفي عام (1818م)، تأسس في بطرسبورغ المتحف الأسيوي التابع لأكاديمية العلوم، ولم يكن متحفاً بالمعنى المعروف، فقد كان لا يخزن إلا الكتب والمخطوطات الشرقية، وقد أصبح هذا المتحف اعتباراً من سنة (1938م)،  يعرف باسم معهدالاستشراق، وكان أول أمين لهذا المتحف المستشرق خ.د.فرين. الذي يدين له الاستعراب الروسي بإرساء أسسه الأولى.

وقد تم في المتحف الآسيوي طبع أول فهرس للمخطوطات العربية، للمستعرب الألماني برنارد دورن
(1805 ـ 1881م)، الذي كان يتقن اللغة العربية ولغات شرقية أخرى ولد وتعلم في ألمانيا واستقدمته الحكومة القيصرية للتدريس في خاركوف عام (1829م)، ثم انتقل إلى بطرسبورغ وتولى الإشراف على مكتبة المتحف الآسيوي والمكتبة القيصرية. وفهرس دورن، أسبق من فهارس بروكلمان، ولم يكن حاجي خليفة قد أكمل فهارسه بعد عن المخطوطات العربية عندما ظهر فهرس دورن وكان الفهرس بعنوان (فهرس المخطوطات الشرقية في المكتبة القيصرية العامة في سانت بطرسبورغ)([12])، وصدر عام (1865م)، وله (فهرس الكتب العربية والفارسية والتركية المطبوعة في الأستانة وفي مصر وفي العجم الموجودة في دار الآثار الأسيوية).([13]) عام 1825م.

كما أعد المستعربان ف.ر. روزن وسالمان، فهرساً للمخطوطات العربية والفارسية والتركية في جامعة بطرسبورغ عام 1879م وقد بلغ عدد المخطوطات المفهرسة وقتئذٍ 300 مخطوطة.

أما في مدرسة استعراب موسكو، فإن اتجاه الدراسات العربية في منتصف القرن التاسع عشر، لم يكن بنفس المستوى الذي كان عليه في بطرسبورغ، وفي تلك الفترة، انتقل تعليم اللغة العربية إلى الصفوف الخاصة مثل معهد لازاريف، الأرمني الذي قام  بتأسيس المعهد عام (1872م) ، وتم فيه تدريس اللغة العربية واللغة الأرمنية وكان الغرض من تدريس اللغة العربية، تأهيل الأشخاص الذين سيوفدون إلى الشرق لمهمات مختلفة والغاية إتقان المحادثة العادية، ولكن هذا المعهد وغيره، لعب دوراً هاماً  فيما بعد بالنسبة للاستعراب العلمي. وكان أول مدرِّس للغة العربية في معهد لازرايف الأستاذ العربي مرقص الدمشقي  (1846ـ1911م)، الذي تعلم في المدرسة اليونانية الدينية بالقرب من القسطنطينية، وأتم دراسته العليا في كلية اللغات الشرقية في بطرسبورغ (وعندما كان في السنة الرابعة في جامعة بطرسبورغ سنة (1867- 1868م) حصل على الميدالية الفضية من أجل البحث الذي قدمه عن الخليفة علي بن أبي طالب)([14]) وعندما تخرج من الجامعة كان مشروع معهد لازارييف قد خرج إلى الوجود، فكان مدرساً في المعهد، ثم رئيساً لقسم اللغة العربية في نفس المعهد، وهو أول عربي يصبح رئيساً لقسم اللغة العربية في موسكو، والثاني بعد الشيخ الطنطاوي على مستوى روسيا. وقد بقي رقص في معهد لازاريف منذ (1872- 1900)، إذ غادر بعدها إلى سورية بسبب اعتلال صحته وتوفي هناك.

إن أهم عمل قام به مرقص الدمشقي هو ترجمته لمخطوطة (رحلة مكاريوس الأنطاكي إلى روسيا)، من اللغة العربية إلى الروسية وقد طبعت هذه الترجمة عام (1900م)، وكانت المخطوطة تحوي أكثر من (555) صفحة، وهذه أول ترجمة للمخطوطة تتم من اللغة العربية مباشرة إلى اللغة الروسية، إذ سبقها ترجمة من العربية إلى الإنكليزية، وبالتالي فإن الروس لم يتعرفوا إلىهذا الكتاب باللغة الروسية إلا بعد الترجمة التي قام بها مرقص الدمشقي، وكان بدأ العمل في هذه الترجمة سنة (1881م) (وقدم جزءاً منها للتقييم إلى كلية اللغات الشرقية وقام بهذا التقييم المستعرب كركاس)([15]). وقد بُدئ بنشر ترجمة مرقص منذ عام (1896م)، وانتهى نشر المجلد الخامس سنة (1900م)، (وقد ساعده في هذا العمل أنه كان يعرف جيداً اللغة العربية الفصحى واللهجة السورية التي كانت المخطوطة مكتوبة بها).([16])، وأهمية هذا العمل بالنسبة للروس، أنه يقدم لهم صورة عن التاريخ الداخلي لروسيا في تلك الفترة التي قدم بها مكاريوس الحلبي إلى روسيا عام
(1700م).

وبعد مرقص الدمشقي تولى التدريس في معهد لازارييف  م. عطايا (1852 ـ 1924م)، الدمشقي الأصل، والذي كان مساعداً لمرقص في تدريس اللغة العربية منذ عام (1873م)، واستمر بالتدريس في المعهد المذكور أكثر من خمسين عاماً وله كتاب مدرسي لتعليم اللغة العربية أعيد طبعه ثلاث مرات، في قازان عام (1884م)، وفي موسكو عامي (1910 ـ 1900م)، و لـه كتاب دراسي باللهجة السورية طبع عام
(1923م)، وكذلك قاموس (عربي ـ روسي)، وقد كان عطايا مشهوراً جداً في بيئة الاستعراب في موسكو.

وهكذا مارس الأساتذة والعلماء العرب دوراً مهماً في الاستعراب الروسي، من خلال تواجدهم لتدريس اللغة العربية وآدابها في الجامعات والمعاهد الروسية المختلفة، ومن خلال المؤلفات التعليمية وغير التعليمية التي قاموا بنشرها في بيئة الاستعراب الروسي وكذلك من خلال الترجمات التي قاموا بها من العربية إلى الروسية وبالعكس وكذلك مارس بعض هؤلاء العلماء الاستعراب، لأول مرة كعرب ومسلمين ودارسين للآخر وواصفين لـه، وذلك عندما قاموا بتأليف الكتب عن البلاد التي عاشوا فيها، ليس وصفاً جغرافياً، وإنما وصفاً حياتياً يومياً، فكان العربي ذاتاً دارسة ومحللة لما حولها في البيئة الأجنبية، وبالتالي تركوا بصمات هامة فكان لمساهماتهم في الاستعراب الروسي دوراً كبيراً في تكريس صورة الشرقي المسلم في وعي الروسي، بأقل ما يمكن من الأخطاء والتشويهات والصور المغلوطة التي تمت في الاستعراب الغربي، عندما مارس هذا الاستعراب دوره بصورة أحادية في إنشاء صورة الشرقي المسلم في ذهن الأوروبي الغربي.

وقد ساهم أبضاً في تكريس هذه الصورة الإيجابية للشرقي المسلم في الاستعراب الروسي وبالتالي الثقافة الروسية، ارتحال العديد من المستعربين الروس إلى البلدان العربية في أزمنة مختلفة طالبين للعلم ودارسين للحضارة والمجتمعات العربية الإسلامية، من خلال المعايشة المباشرة، ثم عادوا إلى جامعات بلادهم لتدريس الأوجه المختلفة للآداب العربية الإسلامية، والحضارة الإسلامية. وكثيراً ما عقد هؤلاء صلات وصداقات استمرت أمداً طويلاً مع العلماء والمثقفين العرب، الذين تتلمذوا على أيديهم أو تعرفوا عليهم، وتم إنجاز العديد من أشكال التعاون العلمي بين هؤلاء وأولئك.

فقد ارتحل إلى مصر سنة (1835)،  المستعرب انطوني موخلينسكي(1808- 1877م)، وتتلمذ على يد العالم والشاعر عبد الرحمن الصفتي، وأهدى هذا الأخير ديوانه الشعري لموخلينسكي والمحفوظ في خزانة محفوظات مكتبة جامعة بطرسبورغ، وكتب موخلينسكي عن هذا الديوان، "هذا أثر مدرسي في اللغة العربية في القاهرة المصرية الأستاذ عبد الرحمن الصفتي، وهو الأستاذ في الأزهر، وكذلك محرر في مطبعة يولاق الموجودة بالقرب من القاهرة- وهذا الأثر مقدم هدية لتلميذه انطوني مورخلينسكي سنة 1835 في شهر يناير".

 لـ كما عقد موخلينسكي، أثناء وجوده في مصر صداقة مع الشيخ محمد عياد طنطاوي ولعلها كانت سبباً في استقدام الطنطاوي إلى روسيا واستمرت هذه الصداقة أثناء وجود الطنطاوي وتدريسه في بطرسبورغ.

- كما ارتحل في بداية العقد السابع من القرن التاسع عشر إلى سوريا ومصر ولبنان، المستعرب فلاديمير كركاس، وهو من بيلاروسيا (1835- 1887م)، وقد أبدى اهتماماً باللهجة العامية، وجمع في فترة وجوده في سوريا ولبنان أكثر من (500) مثل شعبي، وكان سباقاً بين المستشرقين الروس والغربيين على حد سواء إلى الاهتمام بلغة التخاطب اليومي. كما أنه بدأ بطباعة مخطوط (تاريخ أبي حنيفة الدينوري)، وكان المخطوط قد وصل إلى مجموعة القسم التعليمي في وزارة الخارجية، ومن ثم إلى مكتبة معهد الاستشراق، من خلال السفير الروسي (ايتالينسكي) في استانبول، والذي تعلم اللغة العربية في تركيا، وأصبح مولعاً بجميع المخطوطات. وقد تمت مقابلة هذا المخطوط قبل طباعته مع صورة أخرى له موجودة في مكتبة ليدن بخط المؤرخ ابن العديم الحلبي.

وقدم أقام كركاس في البلاد العربية ثلاث سنوات. كذلك ارتحل المستعرب كراتشكوفسكي وغيرهم كثير...

إن هذا التفاعل بين البيئة العلمية الروسية والبيئة العلمية العربية، انعكس بشكل إيجابي على الاستعراب الروسي، وجعل تعلم اللغة العربية وآدابها والثقافة العربية الإسلامية من قبل دارسيها الروس أقل صعوبة عندما أخذوا كل ذلك مباشرة من أبناء الثقافة الإسلامية وكذلك فقد عايش المستعرب الروسي شخصية العربي المسلم عالماً ومثقفاً وإنساناً عادياً مباشرة وكان هذا من أسباب عدم تشويه صورة الشرق العربي الإسلامي، فانتفت الأساطير والصور الوهمية، وكان فكان أن تجلى الاستعراب في أطره المعرفية الإنسانية.

لقد اعتبر المستعرب الروسي الكبير كراتشكوفسكي أن أهم شخصيتين أثرتا في الاستعراب الروسي هما الشيخ محمد عياد الطنطاوي ومرقص الدمشقي، يقول: (وإلى جانب عمالقة عملنا الاستعرابي أمثال فرين وروزن، وإلى جانب الروس، يقف عربيان عملاً في روسيا، أولهما الشيخ الطنطاوي المصري، وثانيهما مرقص الدمشقي)([17]).

وكما أثمر التعاون العلمي بين العلماء الروس والعرب في تقديم الصورة الحقيقية الموضوعية عن الشرق العربي الإسلامي، فقد ساهم أبناء العربية أنفسهم في إخراج تراثهم المخطوط إلى حيز النور، فكانت المراسلات ورحلات التحقيق العلمي قائمة باستمرار بين المستعربين الروس والعلماء العرب، فمن خلال التعاون بين العلماء والروس في بطرسبورغ والعلماء في العرب في بيروت خرج مخطوط ديوان الأخطل الأموي إلى النور في القرن التاسع عشر، يقول كراتشوفسكي عن هذا العمل (على أن الصعوبات لم تكن بالقليلة، ولاسيما الصعوبات الفنية، فقد كان من غير الممكن في ذلك الوقت أن يرسل مخطوطنا إلى بيروت، والصور الشمسية لم تكن شائعة آنذاك. وهنا أقترح روزن حلاً للخروج من هذه المسألة، وبناء على هذا أعدّ  الصالحاني([18])، طبعة المخطوط حسب نسخة حسون، وأرسل مسودة الطبع إلى بطرسبورغ، حيث قام روزن بمقارنتها مقارنة كاملة مع أصل المخطوط، وأضاف إليها جميع الملاحظات والتعليقات التكميلية وخرجت الطبعة بسرعة في بيروت، وكان قد بُدئ بطبعها عام 1891، وبعد عام انتهى طبع أربعة أجزاء تضمنت كل مخطوطنا  مع تعليقات تفصيلية دقيقة وبدأ العمل في إعداد الفهارس وتصحيح النص الإضافي وقد نشرهما الصالحاني كليهما في عام 1905 و1907 مستفيداً من خدمات الطباعة الفوتوغرافية)([19])

إن هذا النص يعكس بوضوح التعاون الذي كان يتم بين العلماء العرب والعلماء الروس في تحقيق وطبع المخطوطات العربية في البلاد العربية. إن تطلب الأمر ذلك وأن التراث العربي من خلال مخطوطاته كان الاطلاع عليه والعمل فيه متاحاً للعلماء العرب كما هو متاح للمستعربين الروس، وهذا جعل كما قلت سابقاً، الخطأ في أقل حدود ممكنة فأبناء العربية ساهموا في تحقيق تراثهم ونشره، علماً بأن المستعرب روزن بالنسبة لمخطوط الأخطل، كان قد بذل خمسة عشرعاماً من الجهد في دراسة مخطوط الأخطل ولكنه لم يجد غضاضة، ولم يكن محكوماً بعقدة التفوق الأوروبي في التعامل والتعاون مع عالم عربي، وأن تسود بينهما علاقة الاحترام (وقد اتفق ظهور هاتين الطبعتين مع بداية دراستي عند روزن، فأراد أن يرجع من جديد إلى الشاعر الذي أهداه منذ 15 عشر عاماً ليس  بالقليل من الوقت والعمل وقد كان الصالحاني يحب روزن ويحترمه).([20])

إضافة إلى أن الاستعراب الروسي، لم يكن انتقائياً في تعامله مع المصادر والمخطوطات العربية، وبما يوظف هذه الانتقائية لخدمة أهداف استعمارية، كتلك التي كانت للاستعراب الأوروبي الغربي في تعامله مع التراث العربي الإسلامي، والعالم العربي الإسلامي في نفس الفترة، يقول كراتشكوفسكي (وأخذنا عاماً كاملاً ندرس باجتهاد القصائد البدوية الأصيلة.. التي تعكس بوضوح حياة الخلافة في القرن السابع والثامن وتعرِّف جيداً بتقاليد الجاهلية برمتها)([21]).

ونستطيع القول أن الاستعراب الروسي قد اختط لنفس نهجاً مغايراً، لما كان يحدث في الاستعراب الأوروبي الغربي، وأن التواصل بين العلماء العرب والمستعربين الروس بقي مستمراً وفعالاً وكان أحد تجلياته الإفادة من المكتبات العربية العامة والخاصة، التي كانت تفتح ذراعيها للباحثين والعلماء والمستعربين الروس للإفادة منها، وإظهار التراث العربي الإسلامي والتجليات المختلفة للحضارة العربية الإسلامية وكان أمناء هذه المكتبات وأصحابها يقدمون خدماتهم عن طيب خاطر.

وقد أظهر هذه الصورة الإيجابية عن العربي المسلم وطريقة تعامله مع العلماء والدارسين الأجانب، المستعرب كراتشكوفسكي فيتحدث إبان رحلته إلى الشرق عن هذه المكتبات قائلاً: ((وكل مكتبة سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، غنية أم متواضعة، كان لها طابعها الخاص، إلا أنها جميعها كانت تقابل بترحيب زوارها الجدد، وتكشف لهم كنوزها بسعادة وطيب خاطر)([22])

وإلى جانب هذا العمل الإيجابي في الاستعراب الروسي، المنفتح بوعي وفهم إنساني للحضارة والتراث الإسلامي والعربي، فقد برز بين الحين والآخر في بيئة هذا الاستعراب من كانت لهم مواقف معادية للإسلام، سواء بين العلماء الروس أو الأساتذة العرب، فمن العرب الذين كان لهم موقف سلبي من الإسلام وكانوا في الجامعات الروسية سليم نوفل (الذي سمح مراراً لنفسه في كتبه بالنيل من الرسول محمد ومن الإسلام، وقد احتج السفير التركي على ذلك وطلب مصادرة كتبه)([23]) وكراتشكوفسكي نفسه لا يخفي امتعاضه من سليم نوفل، الذي يراه موظفاً في الخارجية الروسية أكثر منه عالماً، على الرغم من دوره التعليمي في تدريس اللغة العربية فيقول عنه (وقد حقق لنفسه في وزارة الخارجية الروسية درجة كبيرة من الوظيفة وتسلم كثيراً من الرتب والأوسمة.. وصار روسياً لدرجة  أن أولاده نسوا اللغة العربية، وهو نفسه انصرف عن الاشتغال بالأدب، ولكنه نشر بعض الكتب في الفقه الإسلامي باللغة الفرنسية، لكنها لم تكن كتباً علمية، بل اقرب إلى الكتب السياسية  التي تحمل ظله)([24])

وقد مثلت المواقف المتعصبة المناوئة للإسلام مجلة (التبشير المناهض للإسلام)، وقد تصدى للرد على هذه المواقف المتعصبة التي برزت في هذه المجلة ، المستعرب بارتولد (1869 ـ 1930م)، فيقول: (إن الحضارة الإسلامية هي ظاهرة تاريخية ليس من البساطة بمكان، لكي يتناولها المرء بمقالة أو بحث صغير)([25])، هذا على الرغم من أن هناك فئة وجهت الاتهام لبارتولد نفسه، في زعمه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ألف القرآن مع مسليمة الكذاب، وأن المستعرب بيلايف، قد ردد هذه المزاعم، وينفي هذه التهمة عن بارتولد عدد من المستعربين، منهم المستعرب المعاصر أنس خاليدوف، فيرى أن هذه المزاعم ترجع إلى سوء فهم لبارتولد في بحثه (مسيلمة)، فيقول: (إن بارتولد كان مفكراً حديثاً وباحثاً، وغير مسلم، فكان أن قام بالمقارنة بين  الديانات، ومحاولة فهم كل شيء ضمن أصوله التاريخية والموضوعية، وأما ما ردده يفغيني بيلايف المستعرب من موسكو  فقد كان في إطار تقديم وجهة نظره تجاه الإسلام في إطار حركة انتقاد الأديان التي برزت في العشرينات والثلاثينيات فكان أن أخذ ما كتبه بارتولد، وقدمه من وجهة النظر اللادينية هذه، وكأن بارتولد هو الذي قالها، وأظن أنه لم يكن منصفاً لبارتولد لم يكن بارتولد معادياً للإسلام، لقد كان باحثاً موضوعياً).([26])

لقد درس بارتولد (تاريخ الشرق)، في جامعة بطرسبورغ عام (1892م)، وكان (عضواً في أكاديميات مختلفة مثل تركمانيا، باكو، أذربيجان، عشق أباد، قازان، وله مؤلفات في تاريخ الإسلام والخلافة العربية)([27]). وجمعت أكاديمية العلوم في روسيا الأعمال الكاملة لبارتولد في عشر مجلدات والحادي عشر للفهارس ومنها كتاب (الإسلام)، الذي طبع عام 1918م،  وكتاب (الحضارة الإسلامية)، و(العالم الإسلامي)، وغيرها.

أما في إطار المؤتمرات فقد عقدت عدد من مؤتمرات الاستعراب  العالمية في روسيا، وأولها كان المؤتمر الثاني لمؤسسة المستشرقين العالميين في بطرسبورغ عام (1876م)، وكان المستعرب روزن رئيساً لهذا المؤتمر، كما عقد المؤتمر مرة ثانية في طشقند عام (1957م).

إن الاستعراب الروسي، في دراسته للشرق العربي الإسلامي كان ذا طابع موضوعي، فنظر إلى ثقافات الشعوب الأخرى نظرة مساواة، ومن منطلق المعرفة الإنسانية، ومن ميزاته أنه لم يعامل بازدراء ثقافات  الشعوب الشرقية المسلمة، ولم يمارس عليها  الوصاية أو الهيمنة.

وكان من الطبيعي أن ينعكس الانفتاح على ثقافات الشعوب الإسلامية، العربية وغير العربية والتي عبرت عنها الحضارة الإسلامية في التراث والنتاج الأدبي والفكري للمثقفين والأدباء الروس عبر المراحل الزمنية المختلفة، وبدءاً من معرفة الروس للقرآن الكريم من خلال الترجمات الأوروبية بادئ الأمر، وشكل تأثر المثقفين الروس بالتراث الإسلامي الشرقي ونظرتهم الموضوعية في التعامل مع شعوب الشرق المسلم، دوراً هاماً في رؤية الإنسان الروسي للشرق الإسلامي وتعامله معه  كما شكل ذلك الأسس الراسخة للتقاليد الاستعرابية الروسية، التي يعتبر الاستعراب القائم حالياً في جامعات ومعاهد روسيا  امتداداً لها لاسيما أن عدداً من المفكرين والأدباء الذين تأثروا بالحضارة الإسلامية كانوا أعلاماً ورموزاً قومية بالنسبة لروسيا مثل الشاعر بوشكين والمستعرب أغناطيوس كراتشكوفسكي.



([1]) فرالوفا.

([2]) تاريخ الاستعراب الروسي ـ كراتشكوفسكي ـ ترجمة فرالونا.

([3]) نفس المصدر.

([4]) تاريخ الاستعراب الروسي- ترتشكوفسكي.

([5]) ص 143 مع المخطوطات.

([6]) ص 144 نفس المصدر.

([7])  ص 147 مع المحفوظات.

([8]) ص 144 مع المخطوطات العربية.

([9]) تاريخ الاستعراب الروسي.

([10]) ص 21 مع المخطوطات العربية.

([11]) ص 144 مع المخطوطات.

([12]) ص 114 المجلد الخامس ـ مقتطفات من المؤلفات الكاملة لكراتشكوفسكي.

([13])  ص 65 تاريخ التراث العربي فؤاد سزكين.

([14]) ص162 مقتطفات من المؤلفات الكاملة- كسراتشكوفسكي.

([15]) ص 114 المجلد الخامس ـ مقتطفات من المؤلفات الكاملة لكراتشكوفسكي. 

([16]) ص 114 نفس المصدر.

([17]) ص 222 مع المخطوطات.

([18]) أنطوان الصالحاني ـ أستاذ في جامعة القديس يوسف.- رزق الله حسون ـ الآنف الذكر.

([19]) ص 216  مع المخطوطات.

([20]) ص 216  مع المخطوطات.

([21])  ص 216 نفس المصدر.

([22]) ص 38 مع المخطوطات.

([23]) ص 187 مع المخطوطات.

([24]) ص 187 المصدر السابق.

([25]) مجلة الفكر  العربي- بارتولد والحضارة العربية الإسلامية عدد 31.

([26])  لقاء خاليدوف.

([27]) ص 63 موسوعة المستشرقين موسكو 1977 ترجمة فرالوفا.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244