|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:52 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
بوشكين
والأثر الشرقي ـ الإسلامي:
تجلت
تأثيرات الثقافة الشرقية الإسلامية لدى الكسندر بوشكين (1799 ـ 1837م)، شاعر روسيا
العظيم والذي يحلو للروس تسميته بـ (شمس الشعر الروسي)، تجلت هذه التأثيرات في
أدبه وخاصة مجموعته الشعرية (قصائد شرقية)، وذلك من خلال قراءته لترجمة القرآن
باللغة الروسية وكان أعد هذه الترجمة الأديب فير يوفكين وصدرت في أواخر القرن الثامن عشر، وكذلك من
خلال معايشته لشعوب القوقاز المسلم طيلة أربع سنوات هي مدة نفيه إلى الجنوب بعد
صدور أمر القيصر بذلك وبوشكين شاعر وجداني (تنصاع له جميع
عناصر الوجود…. بوشكين الثائر وسع كثيراً حدود النشر
الروسي والعالمي)([1])، يقول
بوشكين عن تأثير العرب المسلمين في
الثقافة الأوروبية (أن العرب في إسبانيا وهبوا للشعراء الأوروبيين الوجدان والعفوية في الحب)([2]).
ويقول(هناك أمران أساسيان أثرا تأثيراً حتمياً على روح الحياة في أوروبا وهما غزو
العرب للأندلس والحروب الصليبية)([3])
إن
بوشكين نفسه تأثر بالثقافة الإسلامية، وقد ظهر تأثره وإعجابه بالقرآن الكريم بوضوح
في القصائد التي اقتبسها من الآيات القرآنية وضمنها مجموعته الشعرية (قصائد
شرقية)، وبوشكين بما لـه من مكانة عظيمة لدى الشعب الروسي وتأثيره القوي في
الأجيال المتعاقبة، وبما له من مكانة هامة في الأدب العالمي، ساهم في نشر المعاني
السامية للمثل الإسلامية والقيم الرفيعة التي تضمنها أدبه وكذلك في تصويره للشرقي
المسلم كشخصية إنسانية إيجابية فاعلة في الحياة، يقول بوشكين في إحدى قصائده التي
عنوانها (قبسات من القرآن).([4])
نلاحظ
هنا الأثر والاقتباس من سورة (الفجر)، يقول تعالى: ((والفجر وليال عشر، والشفع
والوتر)، ونرى كيف استطاع بوشكين أن يستبدل (الواو) للقسم بكلمة أقسم مبتدئاً بها
كل عبارة من العبارات السابقة بدلاً من (الواو) التي ترددت في السورة الكريمة،
وهذا يدل على فهم لما قرأه وتذوقه وأنه استطاع أن ينفذ إلى المعاني حتى من خلال
الترجمة ويقول في نفس القصيدة: ([5])
نرى
هنا أن الاقتباس تم من سورة (الضحى)، فقد اقتبس (عبارة لا أنا لم أهجرك) من الآية
الكريمة: (ماودعك ربك وما قلى)، واقتبس العبارات: (الثانية والثالثة والرابعة)، من
قولـه تعالى: (ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى)، والعبارتين (الخامسة
والسادسة) من قوله تعالى في سورة البلد (وإطعام في يوم ذي مسغبة). يقول
بوشكين في المقطع الثالث من نفس القصيدة: ([6])
اقتبست
هذه العبارات من سورة (العلق): (أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى)، إلى قوله تعالى:
(كلا لا تطعه واسجد واقترب). أما
المقطع التالي:
فيكاد
يكون ترجمة لقوله تعالى في سورة النساء الآية
فهو
مقتبس من قوله تعالى في سورة النساء أيضاً الآية وقوله:
مقتبس
من قوله تعالى في سورة الأحزاب الآية (28): (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك
ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله
غفوراً رحيما). وفي
المقطع الثاني من قصيدة (قبسات من القرآن)، يقول بوشكين:
لقد
اقتبس هذا المقطع كاملاً من سورة الأحزاب الآية وفي
القصيدة (6) يقول بوشكين:
أن
هذا المقطع مقتبس من قوله تعالى في سورة الفتح الآية (26): (لقد صدق الله رسوله
الرؤيا بالحق، لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا
تخافون، فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريبا). أما
القصيدة التالية:
إن
القصيدة السابقة مقتبسة من قوله تعالى في سورة المزمل: (يا أيها المزمل قم الليل
إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا). وهكذا
نرى عمق تأثر بوشكين وإعجابه بالقرآن الكريم إلى درجة الاقتباس الكامل لمعاني
الآيات الكريمة في بعض مقاطع قصائده. وفي قصيدة (النبي)([12]) يكرر
الشاعر كلمة (الصحراء) مقترنة بتراكيب مثل (الظمأ الروحي) و(ارتجاج السماء)
و(طيران الملائكة العلوي) مما يوحي لنا بالظمأ الروحي لمجتمع ماقبل الإسلام الذي
كان يتيه في ظلام الوثنية، ثم جاء الإسلام ليحدث الهزة الكبرى (ارتجاج السماء) في
تاريخ المجتمع العربي هذا الدين الذي كان رسالة سماوية (طيران الملائكة العلوي)
وكان جبريل (الملاك) يتلو الوحي على الرسول الكريم. وأعتقد
أن هناك مفارقة واضحة بين موقف بوشكين من القرآن الكريم وإعجابه واقتباسه من آياته
وبين موقف مستشرقي أدوار سعيد ومنهم شاتوبريان الذي يقولِ: (لقد كان القرآن
"كتاب محمد" وهو لم يحتو على أي مبدأ للحضارة، أي تعليم يسمو بالشخصية)([13])
أو قول وليم روبرتسن سميث (أن هذه الديانة قد حملت تحت جناحيها كثيراً من الأفكار
البربرية والباطلة التي لابد أن محمداً نفسه أدرك أنها غير ذات قيمة دينية، والتي
أدخلها رغم ذلك في نظامه من أجل أن يسهل انتشار معتقداته المذهبية المعدّلة
المصلحة)([14]). أما
تأثر بوشكين بالحياة الشرقية الإسلامية فقد برز في قصائده التي كتبها عندما كان في
القوفاز في فترة نفيه ففي قصيدة (طلسم) المؤرخة عام (1826)، يقول:
فمن
خلال استخدامه للأضداد (البحر، الصحراء)، (صخور الصحراء)، (البدر، الدفء)، كأن
بوشكين يطالبنا بفك طلاسم غايتها فيوحي لنا بالماء (البحر) الذي يتراءى (سراباً)
في الصحراء والبدر يشع (دفئاً) والمألوف أن (البدر) يوحي (بالبرودة) والشمس هي
التي توحي بالدفء. ومن
أجواء المسلمين في القوقاز تظهر مفردات مثل (الحريم، الطلسم، الحنان، المنعم)
لتعكس الأجواء الأسرية الآمنة التي يعيشها المسلم الشرقي يقول:
إن
هذه المقاطع تعكس لنا الحالة الكئيبة التي يعانيها الشاعر في منفاه وغربته عن وطنه
في الوقت الذي ينعم فيه رب الأسرة المسلم بالدفء في بيته، وطلسم الساحرة الحنون،
لم يرتبط بالشعوذة واجتراح المعجزات، فهو لن يدفع المرض ولا الموت، ولن يحمل
المنفي إلى الأهل والوطن، ولكنه ذو تأثير معنوي يحمي من ألم جراح الخيانة والهجر. إن
هذه المفردات التي استعملها بوشكين في قصيدته لم تحمل لنا معنى الشرق المسلم
الأسطوري، ولا الحريم المشبع بالجنس ونزوات الرجال، ولكنه استعمل هذا للتعبير عن
(الحريم) بمعنى (الأسرة) ومنعماً بمعنى (آمناً مطمئناً). نفس المفردات كانت تعبر
لدى أغلب المستشرقين الغربيين عن نزوات الشرق المسلم بحريمه (الجنس)، ومنعماً
(عابثاً لاهياً)، إن شرق بوشكين المسلم هنا هو شرق القوقاز، وفصيح هذا، وهنا نرى
أن الشرق المسلم كان شرقاً قريباً، عايشه الشاعر وأعجب بشخصياته، فعندما يتحدث عن
الحريم فهو لا يحمِّل المعاني الايهامات الجنسية، والقمع للمرأة، بحيث لا تعني إلا
المتعة فقط. بل هي المرآة الفاعلة في أسرتها شأنها شأن النساء الأخريات، التي تمنح
الطمأنينة والحنان إن شرق بوشكين ليس شرقاً متخيلاً وهمياً بل شرق يمور بالحركة
ويبدع الشعراء.
وفي
قصيدة (الفارس الفقير)، نستذكر الحروب الصليبية ونستذكر شخصية (بطرس الناسك) الذي لعب
دوراً في تلك الحروب الصليبية الأولى فقام بقيادة الحملة الشعبية إذ أن هذا الناسك
كان قد سار إلى الأراضي المقدسة في فلسطين للحج، ولكنه قفل عائداً إلى أوروبا دون
أن يتمكن من الوصول إلى بيت المقدس بسبب مضايقات السلاجقة) ([18])
وهناك روايات تقول بأنه تمكن من الوصول إلى بيت المقدس، وشاهد مضايقات السلاجقة للحجاج الأوروبيين، وعندما عاد إلى بلاده، قام
بتضخيم تلك الإساءات التي كانت تلحق بالحجاج وقام بالتحريض لإشعال الحماس الديني
في أوروبا لتخليص قبر المسيح ثم قاد الحملة الشعبية الصليبية في إطار الحملة
الأولى، وكانت حملته تتكون من المعدمين وأرقاء الأرض، وكان هؤلاء يعتقدون أنه قديس
وأن إرادة الله قد حلت فيه. فيقول بوشكين في قصيدة (الفارس الفقير):
ويتابع
بوشكين قائلاً:
كيف
صور بوشكين هذا (الفارس الصليبي)،
لقد انصاع في حربه هذه لدوافع (لا يصدقها العقل)، وكان هذا الفارس (إنساناً
عجيبا)، إن العجيب الآن والمدهش، وغير المنطقي، ليس الشرقي المسلم، وإنما هذا
الفارس الأوروبي، الذي لم يكن هناك أي مبرر عقلي أو منطقي لقيامه بهذا الغزو، وهذه
الحروب التي خاضها مدفوعاً برؤيا خرافية وهمية، وكان يعتقد أنه منتصر لا محالة،
مدفوعاً بعقدة تفوقه ووهم انتصاره، لأن هؤلاء المسلمين الشرقيين سوف يرتعدون خوفاً
تحت وطأة الغزو الأوروبي الصليبي في سهول فلسطين ولكن الواقع كان شيئاً آخر، فقد
صدم هؤلاء الفرسان الصليبيون بمقاومة المدافعين من المسلمين عن المدينة المقدسة في
هذه الحروب غير المبررة دينياً والتي رأى بوشكين، أنها لم تلق استجابة من السماء. وهكذا
يصور بوشكين، انتصار الشرق على الغرب، وهذا مخالف تماماً لكل ما ألفناه عن صورة
الشرق والشرقي المسلم في الأدب الأوروبي الغربي، وفي التراث الاستشراقي الأوروبي
وهنا يتمايز مرة أخرى الاستعراب الروسي. وهنا نرى كيف تأثر الأدباء الروس بالشرق
ولم ينكروه أو يحاولوا ازدراءه وإذا عرفنا مكانة بوشكين لدى الشعب الروسي وتأثيره
الفعال والمستمر على الأجيال المتتابعة، أدركنا بعمق كيف تكرست صورة الشرق المسلم
في وعي الروس، ومن منطلق التماثل الإنساني وليس التمايز. وفي
قصيدة (مسلم فقير): يقول بوشكين:
إن
الشرقي المسلم إنسان إيجابي، مجِّد مفعم بالعمل والحركة وليس الرجل الكسول الخامل
المستسلم لرغباته الذي قال عنه سميث (مجهد، الانتقال من مكان إلى مكان بالنسبة
إليه إزعاج صرف، وهو لا يشعر بمتعة في بذل الجهد كما نشعر نحن، ويتذمر من الجوع
والتعب بكل قواه كما لا نفعل نحن وليس في وسعك أن تقنع الشرقي أبداً أنك حين تترجل
عن راحلتك قد تكون لديك رغبة أخرى سوى أن تجلس القرفصاء على بساط فوراً وتستريح
تدخن وتشرب)([21]). والشرقي
المسلم عند بوشكين، كريم ومحارب شجاع متفاعل مع الحياة ومتطلباتها، فهو لايبخل على
ضيوفه ويوفر لهم الإقامة والطعام، وعندما لا يكون في معركة أو عمل فهو ينعم
بالهدوء مع أسرته التي يرعاها آمناً مطمئناً. إن قصيدة بوشكين (أسير القوقاز) تعكس
هذه المعاني السابقة:
إن
الأسير الروسي يتحدث بإعجاب وحب عن هؤلاء الشرقيين المسلمين:
هذه
هي الصورة التي يبثها الأدباء الروس في الوعي العام الروسي عن الشرقيين المسلمين،
وأعتقد أنها مختلفة تماماً عن صورة الشرقي المسلم التي يقدمها المستشرقون الأوروبيون
الغربيون (والشرقيون وخصوصاً المسلمين كسالى وحياتهم السياسية نزوية مشبوبة ولا
مستقبل لها)([24]). يقول
شاتوبريان عن المسلمين الشرقيين: (عن الحرية لا يعرفون شيئاً، من الاحتشام ليس
لديهم شيء، القوة: هي ربهم).([25]) لقد
ارتبطت صورة الشرقي المسلم في الآداب الغربية بشخصية الشاذ والمنحرف والكسول
الهروب الماكر الذي لايني يخدعك ويفتك بك عند اللزوم. هذه الشخصية هي التي يجب أن
ينوب الغرب الأوروبي عنها في اتخاذ قراراتها وتحديد مصيرها ورسم مستقبلها. إننا
عند بوشكين نرى صورة مختلفة، فالشرقي المسلم إنسان إيجابي، حركته دائمة، لا يعرف
الكسل، يحلُّ به ضيفه مساءً، فيلقى الحفاوة والترحيب، فينام مطمئناً آمناً ويغادر
صباحاً متابعاً طريقه. وعندما ينظر بوشكين إلى العادات والتقاليد المختلفة لا
ينكرها، فلا يصورها بالعجائبية والشاذة وإنما يحترمها، لأن الاختلاف هنا ناجم عن
اختلاف الشعوب، إنه الاختلاف والتمايز المباح والأساسي في الحياة الإنسانية، الذي
يفرض احترام كل شعب لعادات وتقاليد الشعوب الأخرى بغض النظر عن اللون والديانة
والانتماء. إن الشرقي المسلم في قصائد بوشكين لم يمارس الطغيان تجاه الآخر حتى وإن
كان هذا الآخر سبية من سبايا الخان التترية فنرى أنه ترك لها حرية العقيدة، في نفس
الوقت الذي اعتنقت الإسلام سبية أخرى، ولكن ليس بدافع القسر وإنما بدافع الحب.
يقول بوشكين على لسان (زريمة) الجورجية الحسناء في قصيدة (الأغنية التترية).
فهذه
امرأة تركت عقيدتها القديمة (المسيحية) لأجل القرآن، دون إكراه وهذه ماريا السبية
الأخرى بقيت على عقيدتها، بل وتمارس شعائرها دون خوف، أبقت على صليبها ومارست
صلاتها في وحدتها:
وفي
قصيدة أخرى يقول بوشكين:
إن
الشعوب عند بوشكين تتغير وتتقدم، تتحرك إلى الأمام، فالتقدم خصيصة من خصائص
الإنسانية. فلا يثبت بوشكين الشرقي المسلم عند لحظة تاريخية معينة، فهو لا يتحدث عن
شرق سكوني، بل عن شرق حيوي حيث قانون التطور والتغير يحكم جميع الشعوب، وهذا ما لم
يقله المستشرق الغربي عن الشرق المسلم. إن
بوشكين بعد أن عايش الشرق المسلم من خلال القوقاز، يرى أن شرق الخانات والحريم والقصور
قد تغير، لأن الشعوب تعيش متغيراتها وفق الأزمنة المختلفة. وينهي بوشكين القصيدة
بإمكانية التعايش بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي، وليست إمكانية السيطرة
والهيمنة هي التي تحكم تفكير الأديب الروسي، بل إن الشعوب على اختلافها يمكن
تتلاقى يقول:
هذه
هي رؤية أعظم شاعر روسي للشرق المسلم، وهذه رؤيته للإسلام وللقرآن، هذه هي الصور عن
الشرق الإسلامي التي كرسها من خلال شعره في وجدان الروسي المثقف، والمواطن العادي،
وأورثها للأجيال المتعاقبة. وبعد الحديث عن نموذج من الأدباء الروس في القرن
التاسع عشر نرى كيف أن موقف الاستعراب الروسي الكلاسيكي من الشرق المسلم. |