ألف ليلة وليلة وسحر السردية العربية - داود سلمان الشويلي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
3

مورفولوجيا الزمن (*) في ألف ليلة وليلة

تحليل البنية الزمنية لخطاب الليالي (قراءة في حكاية غانم بن أيوب)

مدخل(1)

إن أهم عنصر من عناصر السرد التي تجعل من (المتن) (1) الحكائي في الليالي (مبنى) حكائياً هو الزمن.

وفي دراستنا هذه لتحليل بنية الزمن في المبنى الحكائي، سوف نفرق بين زمن الملفوظ القصصي، كما هو في (المتن) أي التسلسل الزمني للأحداث كما وقعت وبين الزمن في (المبنى) الحكائي، والذي يعني بالطريقة التي يرتب فيها السارد تلك الأحداث.

إن هذا التفريق، سيفيد الدراسة هذه كثيراً، وذلك لأن الزمن الثاني (أي زمن المبنى) يتدخل في ترتيبه الحس الجمالي والفني للسارد نفسه أثناء السرد، أما الزمن الأول فهو زمن خام يجري دون أي تدخل خارجي إذ يأتي على خط متتالي واحد.

أي إن هناك فرقاً كبيراً بين التتابع الزمني داخل الملفوظ القصصي وبين الترتيب الزمني داخل (الخطاب) الحكائي، أي (المبنى الحكائي)، أي داخل (النص) المسموع أو المقروء من الليالي. والتفريق هذا، رغم إنه يفيد الدراسة التحليلية فإنه كذلك يفيد السارد أو الروائي الشعبي في الوقت نفسه، ذلك لأن الضرورة تحتم على السارد اتخاذ موقف معين من زمن الملفوظ القصصي (المتن) عندما يسرد أحداثه وكذلك لأسباب جمالية- فنية كما ذكرنا مسبقاً، خاصة بما يتعلق بتزامن الأحداث فبينما تجري مجموعة الأحداث الواقعة خلال زمن واحد وفي عدة أمكنة، في (المتن) الحكائي، فإن السارد أو الروائي الشعبي لا يستطيع أثناء السرد وحتى عند التدوين أن يخبرنا بها في آن واحد، وإنما يعمد على ترتيبها ترتيباً متسلسلاً حسب ما يقتضيه الحس الفني الجمالي له وما تحكمه ضرورات السرد، حيث يختار من بين الأحداث المتزامنة إحداهما الذي يضعه في البداية ليبني عليه (مبناه) الحكائي.

إضافة للتزامن فهناك ما يدفع السارد إلى جعل الزمن لأسباب فنية- جمالية- أثناء السرد أو التدوين متذبذباً.. فيقدم أحداث نصه الحكائي بتسلسل لا يشبه حدوثها في الواقع (في المتن) فيعمد بعد توقف يختار موقعه بنفسه- إلى الرجوع للماضي، ذاكراً بعض الأحداث التي تحتم ضرورات السرد ذكرها والتي تسمى بـ (اللواحق) أو أن يستبق الزمن فيذكر أو (يشير) إلى أحداث ستقع مستقبلاً والتي تدعى بـ (السوابق).

إن دراستنا هذه تضع نصب عينيها غاية مهمة، هي الوصول إلى معرفة الكيفية التي استطاع بها السارد، أو الراوي الشعبي فيما يخص حكايات الليالي- من تجسيد إحساسه بـ (الديمومة وبالزوال وبتراكم الزمن)(2) مما ينتج عن ذلك معرفة إيقاع الزمن في كل حكاية من حكايات الليالي، أي بين الزمن المقاس بالدقائق والساعات والأيام والسنين وبين المساحات المشغولة من قبل النص مقاسة بالأسطر أو المقاطع أو الصفحات، أو بين ذاك الزمن وزمن النص نفسه أي داخل (المبنى) الحكائي نفسه.

مدخل (2)

عند دراسة الزمن في (المبنى) الحكائي لليالي، يجب الانتباه إلى بعض المسائل المهمة، منها:

أ‌-        إن شهرزاد، وهي تروي (تسرد) الحكايات أمام زوجها (شهريار) وأختها (دنيازاد) قد استخدمت صيغة الماضي، ولم تترك مجالاً للحاضر أن يمسك بزمام السرد لهذا جاءت كل نصوص الليالي تبدأ بالجملة المعهودة (بلغني أيها الملك السعيد.. إنه كان هناك. إلخ) حيث تنبي لفظة (بلغني) عما هو سابق الوقوع، كما أن الفعل الناقص (كان) له عمله الخاص بما مضى.

ب‌-      إن الزمن في نصوص الليالي هو زمن تخييلي، وذلك لأن ما ترويه (شهرزاد) أمام الملك قد سبق وقت السرد، كما هو أيضاً، سابق لقراءتنا له في أي وقت نشاء.

جـ- إن صيغ الزمن الثلاث من ماض وحاضر ومستقبل (رغم قلة استخدامه) تأخذ لها في نصوص الليالي كما هو شأنها في القصة الحديثة- مساراً خطياً متذبذباً يجمع بينهما تسلسل غير منتظم.

ت‌-      إن الاختلاف الحاصل في خطية التتابع الزمني يأخذ بعده الجمالي الفني من خلال إدراك السارد الواعي وغير الواعي- لمفهوم الزمن (ترتيب الأحداث) ويأتي هذا الترتيب المتذبذب لعناصر الزمن في تركيب الجمل والفقرات وحتى الحكاية التضمينية(3) داخل النص الأصلي.

مدخل (3)

قبل الدخول في دراسة مورفولوجية الزمن في نص "التاجر أيوب وابنه غانم وابنته فتنه)(4) لا بد من التنويه إلى مسألة غاية في الأهمية، لم ينتبه لها الدارسون أو على أقل تقدير لم يولوها حقها من الدراسة والبحث. هذه المسألة هي التفاوت الحاصل في أطوال الليالي.

فعلى الرغم من أن المدون الأول لليالي جزّأ نصوصه على ليال عديدة إلا أنه لم يجعل من تلك الليالي متساوية الطول كأن يكون ما ترويه "شهرزاد" في ليلة ما يساوي ما ترويه في ليال آخر، أي اختلاف في المساحة الزمنية للسرد. وكذلك لم يجعل ذلك "المدون" لياليه متساوية المساحة المكتوبة "عدد الأسطر أو الصفحات".

مثل هذا الإجراء لم يأت اعتباطاً بل له ما يبرره.. وهذا التبرير يعود إلى ذكاء ذلك المدون نفسه الذي قام بنقل هذا السفر العظيم من على شفاه الرواة إلى الورقة.. والسبب في ذلك كما أرى- هو أن وقت أوبة الملك (شهريار) إلى غرفة نومه غير معلوم.. فربما عاد الملك قبل انبلاج الفجر بزمن قصير وهذا يعني أن الفترة الزمنية التي تستغرقها "شهرزاد" في الحكي منذ عودته حتى استغراقه في النوم سوف تكون قصيرة جداً، أما لو عاد الملك إلى غرفة نومه قبل انبلاج الفجر بمدة طويلة نسبياً فيكون زمن الحكي طويلاً، ومما يؤكد ذلك أن اللازمة المعروفة التي كان يستخدمها السارد الشعبي الذي ينقل عن "شهرزاد" والتي تقول "وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح" لم ترد في نهايات أغلب الليالي (5) وهذا يعني أن (شهرزاد) لم يدركها الصباح في كل ليلة من الليالي الألف بسبب أن نوم الملك أثناء سماعه لحكايتها لم يكن عند انبلاج الفجر أو طلوع الصباح، وإنما يكون الانقطاع عن السرد أو (الحكي) معتمداً على الفترة الزمنية التي يقضيها "شهريار" مستيقظاً في سريره بعد أوبته من سهراته الليلية التي كان يقضيها مع ندمائه في الديوان.

ومن الجدير بالذكر أن مدون الليالي لم يذكر أن (شهريار) قد نام مع (شهرزاد) في سرير واحد إلا في نهاية الليلة الأولى لزواجهما، وكذلك في نهاية الليلة الرابعة (ص19) وكذلك يذكر المدون في نهاية الليلة الأولى أن الملك بعد أن انفض (الديوان) دخل قصره.. وهذا يؤكد ما قلناه في أن عودة الملك إلى قصره غير محددة بوقت معين.

مدخل (4)

في محاولة للبحث عن العلاقة بين زمن النص قبل السرد (المتن الحكائي) وزمنه أثناء السرد (المبنى الحكائي) مهما طالت أو قصرت الليلة الواحدة- علينا أن نحدد مسبقاً الطول النسبي لزمن النص أثناء السرد لكل ليلة من الليالي، ومثل هذا التحديد صعب جداً، لأن مدون الليالي لم يذكر لنا الوقت الذي تبدأ به "شهرزاد" بالحكي في حضرة الملك، ولكي نتخلص من مثل هذا المأزق (رغم اختلاف طول الليالي واختلاف الطبعات) علينا أن نضع تحديداً للوقت المستغرق في الحكي (السرد) أو على الأقل لحكايتنا المدروسة في هذه السطور، وهذا التحديد يمكن إجرائه بطريقتين:

1-               حساب عدد الأسطر

2-      حساب الوقت أثناء القراءة بصوت عال ومتأن لكل ما يرد في ليلة واحدة وذلك من خلال تمثيل دور الراوي (شهرزاد) عندها يمكن استخراج الزمن التقريبي الذي تستغرقه (شهرزاد) في الحكي.

ومن مزج الطريقتين، يتم تصحيح أخطاء أحدهما بحساب الأخرى. انظر الشكل (1) بعد ذلك يمكن وضع جدول للنتائج التي يتم التوصل إليها، ومن خلال هذا الجدول يمكن القول أن (شهرزاد) قد استغرقت في (حكيها) (كذا) ساعة في الليلة الـ () وبـ (كذا) سطر.

إن الغرض من حساب طول النص المحكي في كل ليلة هو للتوصل إلى معرفة "سرعة النص" بالمقارنة مع الزمن الداخلي للنص الحكائي.

وبتطبيق المعادلة التالية (6) يمكننا التوصل إلى إيقاع الزمن داخل النص الحكائي المسرود:

 

إيقاع الزمن =

 
زمن الحدث (وحدة زمنية)

طول النص (سطر، مقطع)

 

 

الزمن المستغرق في القراءة (دقيقة)

عدد الأسطر

رقم الليلة

8

7

7

5

18

11

7

6

6

68

58

62

46

146

90

56

54

48

51

52

53

54

55

56

57

58

59

(شكل رقم 1-)

من خلال الجدول السابق يمكن التوصل إلى:

1-إن الزمن الذي تستغرقه (شهرزاد) في سرد الأحداث في ليلة يقاس بالدقائق، أي أن الفترة التي يقضيها (شهريار) في قصره مع زوجته تقاس في الدقائق (على الأقل في الليلة) لهذا نجد الليالي تذكر أن زوجته (شهرزاد) قد ولدت له ثلاث أبناء دون أن يعرف بذلك.

2-أن عملية (الحكي) التي تقوم بها (شهرزاد) تتم بعد عودة الملك من (ديوانه) والدخول في فراش النوم كما قلنا سابقاً، بعد عناء يوم كامل وما يتبعه من جلسات السمر مع بعض الندماء والتي تأخذ الجزء الأكبر من الليل، أي أنها تحكي للملك خلال فترة ما بين (5) إلى (8) دقائق كمعدل عام.

3-أن ما تستغرقه (شهرزاد) في حكي ثمانية أسطر (مدونة) في دقيقة واحدة.

مدخل (5)

ولكي تكون قراءتنا للزمن قراءة علمية دقيقة سنضطر إلى تقسيم النص إلى مجموعة من المقاطع النصية ذات الاستقلال النسبي.. ويأتي تحديد تلك المقاطع (البدء والانتهاء) من خلال:

1-تغير في المكان

2-تغير في الوقت، أو عند مضي فترة زمنية معلومة أو غير معلومة بين مقطع وآخر.

3-دخول أو خروج شخصية من وإلى المقطع النصي.

والجدول التالي (شكل 2-) يبين عدد المقاطع النصية التي احتوتها الحكاية





 

ملاحظة:

تم احتساب الوقت القصير أو الفترة القصيرة بما يعادل ساعة واحدة.

من الجداول السابقة يمكن استنتاج ما يلي:

1-أن مجموعة المقاطع النصية في النص الأصلي هي (23) مقطعاً.

2-أن المدن التي وقعت فيها الأحداث هي مدينتي (بغداد ودمشق) إضافة إلى مدينة أخرى لم ينوه عن اسمها.. أما الأماكن فقد توزعت بين السوق، المقبرة، المسجد، مكان مظلم، بيت غانم، دار الخلافة، بيت والي دمشق، بيت شيخ السوق.

3-أن زمن الحكاية في (متنها) ما قبل السرد قد توزع بين الساعة الواحدة تقريباً واليوم الكامل مروراً بـ (الصباح، الليل) إضافة إلى وجود فترات زمنية طويلة نسبياً غير محددة.

4-تنوعت مساحة المقطع النصي بين (3) أسطر و(163) سطرا، أي بمساحات (طباعية) متغيرة ومتنوعة.

5-احتوى النص على مجموعة من الشخصيات منها رئيسية (غانم، قوت القلوب، الخليفة) ومنها ثانوية (العبيد الثلاثة، زبيدة، جعفر البرمكي، شيخ السوق، أم وأخت غانم، عجوز، والي دمشق"

6-أنّ الحقل الأخير يبين لنا سرعة النّص، بين أن يكون ملخصاً أو يكون مشهداً وهذا يعني أن إيقاع الزمن قد اعتراه بعض الاضطراب.. وربما يعود هذا الاضطراب إلى شفاهية النص قبل (التدوين) أو إلى ذكاء الراوي الشعبي في تحديده المقاطع النصية التي تحتاج إلى عرض شامل وغيرها التي لا تحتاج إلى ذلك.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244