|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
عقدة جودر
والتحرر من سيطرة الأم
دراسة تحليلية في
أسطورة الصياد ((جودر))*
القسم الأول
لم
يكن كتاب ((ألف ليلة وليلة)) في يوم ما كتاب تسلية فحسب بل كان ولم يزل سفراً
كبيراً وعظيماً زخراً بالكنوز الأدبية والفكرية والسياسية والاجتماعية التي لم
تصور الإنسان العربي في زمن معين فحسب، بل إنه رسم النفسية العربية والشخصية العربية
بكل خلجاتها النفسية وتطلعاتها الإنسانية بما احتواه هذا السفر الكبير من حكايات
وأساطير.. وقد كان هذا البحث رحلة استكشافية في واحدة من أساطير هذا السفر… هي أسطورة الصياد ((جودر)) التي أسست لواحدة من العقد النفسية
التي يحتاجها التحليل النفسي على صعيدي الطب النفسي، والتحليل النفسي الأدبي… والسطور القادمة في هذا البحث ستجلي لنا كل معميات هذه الأسطورة. *** 1-أسطورة جودر: (النص)
يقول
التاجر المغربي لـ ((جودر)): ((اعلم
أنني متى عزمت ألقيت البخور نشف الماء من النهر وبان لك باب من الذهب قدر باب
المدينة بحلقتين من المعدن فانزل إلى الباب واطرقه فإنك تسمع قائلاً يقول: من يطرق
باب الكنوز وهو لم يعرف أن يحل الرموز؟ فقل أنا جودر الصياد ابن عمر فيفتح لك
الباب ويخرج لك شخص بيده سيف ويقول لك: إن كنت ذلك الرجل فمد عنقك حتى ارمي رأسك،
فمد له عنقك ولا تخف فإنه متى رفع يده بالسيف وضربك وقع بين يديك وبعد مدة تراه
شخصاً من غير روح وأنت لا تتألم من الضربة ولا يجري عليك شيء. وأما إذا خالفته
فإنه يقتلك. ثم إنك إذا أبطلت رصده بالامتثال. فادخل حتى ترى باباً آخر فاطرقه
يخرج لك فارس راكب فرس وعلى كتفه رمح فيقول: أي شيء أوصلك إلى هذا المكان الذي لا
يدخله أحد من الأنس ولا من الجان؟ ويهز عليك الرمح، فافتح له صدرك فيضربك ويقع في
الحال فتراه جسماً من غير روح وإن خالفت قتلك، ثم ادخل الباب الثالث يخرج لك آدمي
وفي يده قوس ونشاب ويرميك بالقوس فافتح له صدرك ليضربك ويقع قدامك جسماً من غير
روح وإن خالفت قتلك ثم ادخل الباب الرابع واطرقه يفتح لك، ويخرج لك سبع عظيم
الخلقة ويهجم عليك ويفتح فمه ويريك أنه يقصد أكلك فلا تخف ولا تهرب منه، فإن وصل
إليك فأعطه يدك فمتى عض يدك فإنه يقع في الحال ولا يصيبك شيء ثم اطرق الباب الخامس
يخرج لك عبد أسود ويقول لك من أنت قل له أنا جودر فيقول لك إن كنت ذلك الرجل فافتح
الباب السادس، فتقدم إلى الباب وقل له: يا عيسى قل لموسى يفتح الباب، فادخل تجد
ثعبانين أحدهما على الشمال والآخر على اليمين، وكل واحد يفتح فاه ويهجمان عليك في
الحال، فمد إليهما يديك فيعض كل واحد منهما في يد وإن خالفت قتلاك ثم ادخل الباب
السابع واطرقه تخرج لك أمك وتقول لك مرحباً يا ابني أقدم حتى أسلم عليك فقل لها
خليك بعيدة، اخلعي ثيابك. فتقول يا ابني أنا أمك ولي عليك حق الرضاعة والتربية،
كيف تعريني؟ فقل لها إن لم تخلعي ثيابك قتلتك. وانظر جهة يمينك تجد سيفاً معلقاً،
فخذه واسحبه عليها وقل لها اخلعي فتصير تخادعك وتتواضع إليك فلا تشفق عليها حتى
تخلع لك ما عليها وتسقط، وحينئذ تكون قد حللت الرمز وأبطلت الأرصاد، وقد أمنت على
نفسك، فأدخل تجد الذهب…))1-. انتهى
هذا القسم من أسطورة ((جودر الصياد ابن عمر وأخويه)) ويعتبر هذا القسم هو النواة
التي دارت حولها الأسطورة، حيث وضعه مُنْشِئُها في الوسط بعد أن تحدث عن جودر وأمه
وأخوته في البداية… أما القسم الثالث والأخير من هذه
الأسطورة، فقد تحدث عن (جودر) بعد أن يغتني بالمال. إن هذا القسم المهم سيكون
ميدان بحثنا هنا. *** 3-تفكيك النص
2-1/
عوالم النص من
خلال قراءة هذا القسم من النص الأصلي، يمكن التعرف إلى عالمين، أحدهما العالم
الأرضي، والآخر العالم السفلي (العالم المجهول) الذي يقع تحت قاع النهر، ويبدأ من
الباب الأول وينتهي عند مكان الكنز، ماراً بالأبواب الأخرى. إن
الانتقال من العالم الأرضي إلى العالم السفلي ((الآخر=المجهول= الحلم)) لا يتم إلا
بعد جفاف النهر، أي إزالة طبقة مادية –رغم
شفافيتها- وهذا يعني بالمفهوم الشعبي/ الأسطوري، إن الانتقال هذا يتم بكل يسر
وسهولة لما في ذلك التفكير من اعتقاد سائد بحقيقة وجود هذا العالم، وكذلك عدم
مجهوليته. إن العالم المجهول، كما تؤكد الدكتورة نبيلة إبراهيم2- (لا يبتعد كثيراً
عن العالم المعلوم في الحكاية الخرافية، بل هو قريب منه كل القرب، فإذا رحل البطل
إليه فإنما انتقل من مكان لآخر، لا لأن هذا المكان المجهول قريب منه، وأنه يستطيع
أن ينتقل إليه في خفة ورشاقة فحسب، بل لأن هذا العالم ليس مجهولاً بالنسبة له). 2-2/الشخوص: هناك
نوعان من الشخوص في هذا النص نوع يعيش في العالم الأرضي (المعلوم)، وهم من لحم
ودم: ((التاجر، الخدم، جودر، وآخرون)) أما النوع الثاني، فهم يعيشون في العالم
السفلي ((المجهول)) حيث نجدهم عبارة عن أشباح رغم صورتهم الإنسانية أو الحيوانية.
إنهم يتهاوون الواحد بعد الآخر عند امتثال ((جودر)) لأوامرهم، ويختفون عن الوجود،
انهم: ((أجسام بلا أرواح)). هذه الشخصيات هي: *الشخصية
الأولى: -شخص بيده سيف=((إنسان)). *الشخصية
الثانية: فارس يمتطي صهوة جواد وعلى كتفه رمح= (إنسان+ حيوان). *الشخصية
الثالثة: آدمي وفي يده قوس ونشاب= (إنسان). *الشخصية
الرابعة: (سبع) عظيم الخلقة= (حيوان). *الشخصية
الخامسة: عبد أسود= (إنسان). *الشخصية
السادسة: ثعبانان= (حيوان). *الشخصية
السابعة: الأم= (إنسان). إن
شخوص العالم السفلي، تتخذ لها صوراً إنسانية أو حيوانية، ولا فرق بين الصورتين،
طالما كل واحد منها يحاول منع (قتل) جودر. أي إنها تحاول التأثير عليه ومنعه من
الوصول إلى الكنز، لا لكي تحافظ على ذلك الكنز منه وإنما لتختبره. ومن الجدير
بالذكر أن (العبد الأسود) لم تكن مهمته منع (قتل) جودر وإنما كان دوره في ذلك
استفزازياً، توجيهياً. فهو يسأل (جودر) قائلاً: ((إن كنت ذلك الرجل فافتح الباب
السادس)). كذلك
فإن الشخصية، وعلى خلاف وظيفتها في أغلب الأساطير والحكايات والقصص الشعبي نجدها
هنا تقف خلف الباب لا أمامه. أي إنها لم تكن شخصيات ((حارسة)) وإنما هي شخصيات
((ممتحنة)) إنها تمتحن قدرة ((جودر)) من خلال توجيه الأوامر =الأسئلة له. من
المعروف أن شخصيات العالم السفلي= المجهول، هي شخصيات قابلة للتحول من صورة إلى
أخرى. لهذا يمكن قبول صورها السبع المتنوعة في هذا النص ((خمسة شخوص إنسانية
واثنتان حيوانية)). أرى أن القاص الشعبي لهذا النص قد قام بعملية استبدال لهاتين
الشخصيتين فجعلهما في صورة حيوانية ((رغم كون جميع الشخصيات عبارة عن أشباح))
لإعطاء بعض الفاعلية التهويلية// التشويقية لنصه هذا. لكن تشخيصات (تفسير الأحلام)
تسعفنا برد مثل هذه الصورة الحيوانية إلى صورتها الإنسانية. ذلك لأن التفكير
الشعبي يجعل من عوالم الأحلام امتداداً للعوالم الواقعية، حيث يفسرها، فيتداخل
عالم الحلم بعالم الواقع. في كتاب تعبير الرؤيا لابن سيرين، نجد أن هذا العالم
يفسر رؤية الأسد ((السبع)) على أنه: عدو مسلط ذو سلطان وبأس شديد (ص44) فيما يفسر
رؤية الثعبان (الحية)) على أنه: عدو كاتم العداوة مبالغ فيه (ص45). وهكذا تستقيم
الصورة الإنسانية لشخوص العالم السفلي في هذا النص. 2-3
مشهد العالم السفلي: يبني
واضع الأسطورة، المشهد في العالم السفلي على أساس التكرار، أي تكرار الفعل سبع
مرات. أي أنه يقسم المشهد العام إلى سبع مشاهد صغيرة يفصل فيما بينها باب يقف خلفه
كائن ما. إن تكرار المشهد سبع مرات متأت من أن التفكير الشعبي مولع بالرقم سبعة،
لمرجعية أسطورية// دينية. فطبقات السماء سبع، والأرض تقع في سبع طبقات، والأيام في
الأسبوع هي الأخرى سبعة.. الخ3- وبتقسيم هذه المشاهد يتكون لدينا الجدول التالي:
ومن
الملاحظ أن أغلب الشخصيات التي تقابل ((جودر)) في محاولاتها لمنعه// قتله تحمل
سلاحها الخاص.. عدا ((السبع)) و ((الثعبان)) فإن سلاحهما هو ((الأكل، العض)) أما
الأم فقد استبدلت الأسطورة مالك السلاح، وجعلت ملكيته عند ((جودر)) ليهدد به أمه… بالعكس من الشخصيات الست السابقة التي كانت هي مالكة لسلاحها. بعد
هذه القراءة ((التفكيكية)) إن صحت التسمية، لمغامرة ((جودر)) في العالم السفلي
يمكننا الاقتراب إلى ما تشكله عقدة الأم، أو عقدة ((جودر)) في هذه الأسطورة. *** 3-أسطورة ((جودر)) ودلالاتها النفسية
والاجتماعية:
3-1/
تحاول أسطورة ((جودر)) أن تعطي
دلالاتها النفسية والاجتماعية من خلال قراءة العلاقة المهيمنة التي تربط بين
((جودر)) وأمه. واستنطاق محاولة الخروج من هذه العلاقة للوصول إلى أو ((الدخول
في)) مرحلة الرجولة بعد قتل شبح// وهم الأم في العالم السفلي (عالم اللاشعور) ذلك
لأن الطفل وحتى سن متقدم يظل واقعاً تحت هذه الهيمنة، وربما يبقى هذا المهيمن
متسلطاً لا شعورياً على الابن بعد الزواج.. وإن التحرر من دائرته يتطلب استعداداً
خاصاً، وعملاً شجاعاً. إن ما قام به (جودر) من فعل تجاه الأم ((شبحها)) بعد تعريته
لذلك الشبح بعد الباب السابع، هو الطريق للفوز بالكنز ((=الحياة=
الرجولة=الاستقلال)). لأن القضاء على شبح// وهم الأم داخل النفس البشرية معناه
((نضج الشخصية السيكولوجية للفرد. فعلى المرء أن يقتل داخلها الصورة الذهنية
المزيفة ليجد الأمان، لأن ذكريات الطفولة والتردد والحيرة عوامل تعرقل سعادة
الإنسان، والتزام الأم بمنعه من التحليق عالياً بجناحيه))4- إن قتل شبح// وهم
الأم، معناه قتل ((المهيمن)) الكبير على الابن//الرجل. وأن التحرر من هيمنة هذا
الشبح// الوهم، أمنية يتمنى تحقيقها شخصان آخران تربطهما علاقة وثيقة بالابن هما: 3-1-آ / شخصية المرأة/ الزوجة… حيث إنها تتمنى أن يتحرر زوجها من هيمنة إرادة الأم على إرادته..
إذا علمنا أن راوي هذه الأسطورة هي المرأة// الزوجة شهر زاد وهي عندما تروي هذه
الأسطورة، فإنها تحاول وضع الأماني موضع التنفيذ، تنزلها إلى أرض الواقع، أي أن
يتحرر الابن// الرجل// الزوج من هيمنة// سلطة الأم ليتجه إلى هيمنة// سلطة- أو على
أقل تقدير إلى كنف الزوجة لكن المرأة// الزوجة، نسيت إنها ستصبح في يوم ما أماً،
مما يجعلها وهي تبحث عن زوجة لابنها القادم تقف وجهاً لوجه أمام امرأة أخرى تحمل
نفس الأمنية تلك في قتل ذلك الوهم// الشبح الذي ستكونه. 3-1-ب / شخصية الأب.. الذي هو الآخر، يحمل نفس الأمنية
في أن يقتل الابن شبح// وهم الأم في نفسه. إنه يرغب في أن يجد ابنه رجلاً كامل
الرجولة، متحرراً من هيمنة// سلطة الأم ودلالها ((الزائد)) وأيضاً يرغب في قرارة
نفسه ألا يساعد أمه عليه في أي أمر يقع بينه وبين الأم. إن دور الرجل// الأب، في
العائلة هو دور تسلطي على الأم والأبناء في الوقت نفسه خاصة في مجتمعاتنا الشرقية
منذ مئات السنين لأن مجتمعاتنا هي مجتمعات أبوية، وأن المرأة// الزوجة فيها مسلوبة
الإرادة ومغلوب على أمرها، هي أداة للمتعة والإنجاب إنها كائن بيتي يعيش في الظلام
مما يدفعها إلى احتضان أبنائها الذكور منهم خاصة أنهم يشكلون عندها الجدار الصلب
في حمايتها من نزوات الرجل// الزوج المشروعة وغير المشروعة، إن كان ذلك في تركها،
أو هجرانها أو طلاقها… (فمنذ وقت سحيق وحدت الأم وأطفالها
الجهود ربما دون وعي وبشكل مبهم للالتفاف حول سلطة الأب الغاشمة بحثاً عن التعويض
فإلى جانب ما يمثله الأطفال من تأمين للاستقرار وللمستقبل، فهم أيضاً بمثابة قرون
للاستشعار بالنسبة للأم، والحياة اليومية غنية بأمثلة المشاركة بين الأم وأطفالها
في تنفيذ مؤامراتهم الصغيرة.. والطفل يعي جيداً أهمية الخدمات التي يؤديها إلى أمه
وعادة ما يكون بارعاً في أدائها.. فهو يعلم مقدماً قدر العرفان الذي سيلاقيه..
ولكن يظل أبرز ما في الأمر هو شعوره العميق بالالتفاف من حول سلطة الأب، والثأر
منه من خلال تلك المؤامرات الصغيرة الآمنة نسبياً) 5-. من
هذا نستنتج أن للرجل// الأب دوراً في وضع هذه الأسطورة ضد المرأة// الأم كي يدفع
أبناءه للتحرر من هيمنة إرادة الأم وتسلطها، أي انفراط علاقة الأم- الابن لتعاد
الهيبة إلى علاقة الأب- الابن.. عند ذلك يعيدهم إلى سلطته بعد سحب البساط من تحت
أقدام المرأة// الأم. وبهذا تتجرد المرأة من سلاح قوي تهدد به الرجل// الزوج//
الأب.. وهكذا تقف المرأة// الزوج في صف واحد مع الرجل// الأب في خلق هذه الأسطورة،
لأن هدفهما واحد وكل واحد منهما يدفع بـ ((جودر)) إلى أن يطلب من أمه أن تتعرى
أمامه أي يكسر الحاجز النفسي الذي يقف أمام الابن في محاولته الخروج من سيطرة
الأم.. وعندما تتوسل إليه في أن يتركها بعد أن لم يبق على جسدها سوى ما يستر
عورتها أمامه، يذعن لتوسلاتها ناسياً نصيحة المغربي، عندها تصيح قائلة: (قد غلط)
وتطلب من الآخرين ضربه وطرده خارج الأبواب. لنتساءل هل هذه الصيحة، هي صيحة الأم
أم إنها صيحة المرأة// الزوجة، وكذلك صيحة الرجل// الأب؟ أرى
إنها ليست للأم لأنه مهما يكن من حال الابن، فإن الأم لا تقبل بانفصال ولدها عنها.
إنها صيحة المرأة// الزوجة التي وجدت في وقوع زوجها في الخطأ حالة تتطلب العقاب..
وكذلك هي صيحة الرجل// الأب لنفس الأسباب.. فكان الضرب والطرد من مكان الكنز، ومن
ثم إعادة المحاولة مرة ثانية في العام القادم. وربما يسأل سائل إن كان الكنز الذي
يحصل عليه (جودر) هو للتاجر المغربي. وهذا صحيح لكن الوصول إليه ومن ثم إخراجه من
تحت قاع النهر، كل ذلك بحد ذاته مغامرة تدفع بالتاجر إلى مكافأتِهِ بالكثير.. إن
وصول (جودر) إلى الكنز ومن ثم إخراجه لـه دلالاته النفسية// الاجتماعية. لما فيه
من دلالة رامزة إلى الرجولة. 3-2/
إذا كان (جودر) قبل أن
يتعرف على المغربي قد عاش مع أمه التي كانت مهيمنة كبيرة عليه، فإنه بعد عودته إلى
المدينة عقب حصوله على الكنز نتعرف عليه وقد أصبح هو الآمر الناهي في قصره الكبير
وكذلك فإنه تولى بنفسه أمر زواجه من ابنة الملك ثم اعتلائه للعرش.. إن صورة الأم
أو لنقل صورتها كقوة مهيمنة على إرادة الابن قد اضمحلت في هذا القسم من الأسطورة.
وإذا كانت أسطورة (أوديب)) قد عاقبت (أوديب) بالعمى فإن أسطورة (جودر) قد عاقبته
بالموت على يدي أخوته (سالم وسليم). ولو تصفحنا ما أنتجه التفكير الشعبي من أساطير
وحكايات نرى أنها تنتهي بنهايات مفرحة لكن هذه الأسطورة نجدها وقد انتهت بمقتل
بطلها لهذا أرى إن هذه النهاية لا تستقيم والتفكير الشعبي الذي أنتجها، اللهم إلا
إذا كان هذا التفكير واعياً إلى ما فعله (جودر) من (فضح) لحرمة الأم، مما استدعى
إيقاع العقاب به. 3-3 وأخيراً يمكن
تمثل أسطورة (جودر) ومحاولته التحرر من هيمنة ((سلطة، سيطرة)) الأم بثلاث مراحل
هي: 3-3-أ/
المرحلة المشيمية: أي مرحلة ارتباط
الابن بأمه كارتباط الجنين برحم أمه بواسطة (الحبل السري) واعتماده في غذائه على
دم أمه الذي يصله من خلال المشيمة وهذه المرحلة هي مامثله الجزء الأول من
الأسطورة. 3-3-ب/
مرحلة
المخاض: وهي المرحلة التي تتم فيها محاولات الابن للخروج من سيطرة ((هيمنة))
الأم.. كمحاولات الجنين ساعة المخاض للخروج من رحم الأم، ومايصاحب تلك المحاولات
من آلام عظيمة للأم والمولود على السواء، وقد تمثلت هذه المرحلة في الأسطورة في
الجزء الذي تحدثنا عنه في السطور السابقة. 3-3-ج/
مرحلة الانفصال: والانطلاق خارج رحم
(سيطرة) الأم بعد قطع الحبل السري لمجابهة الحياة بعيداً عن الأم.. وقد تمثلت هذه
المرحلة في الأسطورة في الجزء الثالث منها. 3-4-/ من خلال هذه القراءة التي قدمناها في
السطور السابقة يمكن فهم هذه الأسطورة على أنها الوجه المقابل لأسطورة (أوديب) ولا
يمكن فهم (جودر) بطلها على أنه ((أوديب عربي غير مثقل الكاهل بالخطيئة)) كما يقول
مؤلف كتاب ((الإسلام والجنس)) ص304. لأن ((أوديب)) يتجه –أو
هكذا أراد له القدر- إلى الأم وسلطتها عليه (الزواج منها) فيما كان (جودر) معني
بالخروج من تلك السلطة. |