العالم والنص والناقـد - إدوارد سعيد - ت:عبد الكريم محفوض

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-2- سويفت: الفوضوي الرجعي

إن عمل سويفت معجزة وطيدة الأركان عن مقدار التعليق الذي يمكن لكتابة كاتب أن تشتمل عليه وأن تبقى، على الرغم من ذلك، كتابة معضلة، وإن كل الجهود التي حاولت إنصافه كانت في معظمها تحاول إحياءه من جديد، وذلك لأنه ليس إلا قلة من أكابر الكتاب في اللغة الانكليزية طرحوا أنفسهم بمثل هذا الإصرار العنيف في سلسلة طويلة من الكتابات الآنية التي تتحدى أي تصنيف. فإحدى الطرائق للتأكد من هذا التزمت هي أن نلاحظ أن قدرتنا على استعمال نعت "سويفتي" أكبر بكثير بالتأكيد من قدرتنا على تحديد هوية سويفت وموقعه ورؤيته. وفي كثير من الأحيان يبدو أن النعت الثاني أكثر قليلاً من ملحق بالنعت الأول، حتى لو كان سويفت يغطي بهمة كيفما اتفق ثلاثة عشر مجلداً من النثر وثلاثة مجلدات من الشعر وسبعة مجلدات من المراسلات، علاوة على صفحات لا عد ولا حصر لها من الملاحظات المقتضبة. وهكذا فإن سويفت يعاد إحياؤه بأيدي الناشرين إلى نص محدد، وبأيدي كتاب السير إلى كرونولوجيا لأحداث منذ ولادته في عام 1667 حتى مماته في عام 1745، وبأيدي النقاد السيكولوجيين إلى مجموعة من السمات، وبأيدي المؤرخين إلى حقبة، وبأيدي النقاد الأدبيين إلى نوع أدبي، إلى تقنية، إلى بلاغة، إلى موروث، وبأيدي علماء الأخلاق إلى المعايير الأخلاقية التي يقال بأنه دافع عنها. وأما هويته فقد بقيت محجوبة جداً في ظل الدعاوى التي تناولت عمله، ولئن كان هذا القول يصح دائماً عن كبار الكتاب فإنه لا يقل، في حالة سويفت، عما دعاه نورمان و. بروان بدخول البيت عنوة وترويض نمر الأدب الانكليزي.‏

وعلى الرغم من الفروق القائمة بين هذه الإحياءات فإن كلا منها تعتبر سويفت شكلاً من أشكال المقاومة للمرتبة التي يوضع فيها. فما من كاتب تتعايش فيه، بمثل ذلك التكامل، أنظمة المرتبة وفوضى التحدي ابتغاء الانتشار. إن التعليق الذي ساقه ر. ب. بلاكمور وجاء فيه أن "الفوضى الحقيقية للروح يجب أن تتكشف دائماً (أو أنها تكشفت دائماً) عن مسحة من الرجعية"(1)، لتعليق ينطبق على أحسن ما يرام، كما أعتقد، على سويفت، إن من الممكن الاقتراب من عمله ووسمه بأنه المواجهة الدرامية الهائلة بين فوضى المقاومة للصفحة المكتوبة وبين الالتزام الرجعي بطراز الصفحة.‏

فهذا الشكل من المواجهة يجسد أدق شكل أساسي لها: إنه قادر على التضاعف الكبير، متنقلاً من الفرق بين الهدر والصيانة، بين الغياب والحضور، بين الفحش والاحتشام، إلى الأبعاد السلبية والإيجابية في اللغة والخيال والوحدة والهوية. وإن حياة مثل هذه المواجهة هي، إن جاز التعبير، المضمون الفعال لعقل سويفت كما نتمكن من فهمه في مقاومته الجوهرية لأية حدود ثابتة. ومع ذلك فإن حدود لهو ذلك العقل قد تحددت على ما يبدو باستبعاد كل شيء إلا المختص والمهجوس من عمل رفيع- وهنا أتذكر الإشارة الخاصة التي أشار بها سويفت إلى روحه المسحورة. إن خبرة قوة وضغط على تلك الديمومة تسوغ أن يخلع ييتس على سويفت شرف اكتشاف جنون المفكر.‏

إن التوتر بين كاتب بأم عينه، كوجود ممنوع من الاختزال، وبين مؤسسات الأدب الرجعية التي تساهم بها الكتابة، لتوتر ضمني بالطبع يقضي الواجب أن يأخذه الناقد بحسبانه على الدوام. وهذا التوتر يكون موضع استغلال، أكثر مما هو موضع تسامح، من قبل المناهج النقدية التي يؤكد انحيازها على المزايا السابقة في خبرة الكاتب أكثر مما يؤكد على إنتاجه الناجز. فأمثال هذه المناهج، سواء أكانت على شكل فينومينولوجيا أو فلسفة حياة "Leben sphilosophie" أو تحليل نفسي، تستقصي أبعاد الخلوة، أي ما يمكن أن ندعوها بالذرائع الأدبية التي سلطانها مؤكد إما من الداخل بناء على مقالة أورتيغا‏

"pidiendo un Goethe desde dentro "(i)، أو من الجوانب كلها بناء على مقالة جان بيير ريتشارد de Mallarmé L'univers imaginaire (العالم الخيالي لدى مالارميه)، أو من الداخل بناء على مقالة برنارد مايير "جوزيف كونراد: سيرة من منطلق التحليل النفسي". وإن ما ينتج على الغالب هو وحدة كاملة رائعة وبلوغ شراكة حميمة بين الناقد والكاتب، يشكل كل منهما فيها شطراً من الآخر بمعنى من المعاني.‏

هنالك عدد من الشروط اللازبة الهامة التي تسبغ الحياة على هذه المبادهات النقدية.‏

فالنصوص التي يتناولها الفحص نصوص معضلة من كل الجوانب عدا كونها نصوصاً. أي أن الناقد ينشغل بتأويلات نص ما لا بالتساؤل عما إذا كان النص نصاً أو بتوكيد الظروف الاستطرادية التي من خلالها تمكن، أو لم يتمكن، ثمة نص مزعوم من أن يصبح نصاً. فمن الواضح على سبيل المثال أن عملاً مثل كتاب سويفت المعنون بـ "بعض التأملات حول النتائج المأمولة والمخوفة من موت الملكة" (1714) لا يحتل نفس المكانة التي تحتلها رواية "أسفار غوليفر" (1726) في آثار سويفت، ومع ذلك فإن من العسير جداً على المرء أن يقول، في أي تقرير متكامل عن آثاره الكاملة، أية مكانة يجب أن تحتلها "الأسفار.." دون الأخذ بعين الاعتبار علاقتها بكتاب "بعض التأملات..". فهل هذا العمل أقرب إلى النص من ذاك؟ فالوقائع البسيطة المتعلقة بالاستكمال أو النشر لا يمكنها أن تحدد بمنتهى السهولة ما إذا كانت هذه القطعة المكتوبة نصاً وتلك لا. وعلاوة على ذلك فإن الحشو القائل النص -الذريعة- النص ليس موضع التساؤل لأن الذريعة معروضة بأنها تستوطن النص على مستوى مختلف روحي أو زماني أو مكاني (سباق، أعمق، في الصميم)، وهكذا فإن عمل الناقد هو الجمع بين الذريعة والنص في نسق جديد من التزامن الذي يمحي الفروق بينهما - ما دام في متناول الفرد ذلك المبدأ المتسامي، مبدأ الاستعداد للتحول، الذي يحوّل شكل الفروق. فبدون مثل هذا المبدأ تبقى الذريعة خارجية، ومن ثم عديمة الجدوى. وأخيراً هنالك ادعاء مطروح عن وجود حيز مشترك للنص والذريعة والنقد، وهو الحيز الذي تصبح واضحة فيه كل الأشياء الهامة الخبيئة، والحيز الذي لا يضيع فيه أي شيء عويص، والحيز الذي كل ما يستحق القول فيه يمكن أن يقال وأن يترابط مع غيره. ولذلك ليس من باب المصادفة في شيء أن تكون هذه المناهج مناسبة على أحسن ما يكون للكتاب الرومانسيين وخلفائهم ممن كانت كل الكتابة بالنسبة إليهم مجازاً ناقصاً للوعي بمنتهى الجلاء، كما كانت الكتابة بمثابة مرايا للسمات السطحية لكل منهم. وهكذا فقد صاردين النقد جلياً باعتبار أن النقد هو الذي يصفف الأشياء بهذه الطريقة.‏

فالكتابة، لدى دراستها على هذا النحو، تكون أيضاً شكلاً من أشكال الديمومة الزمنية. إن اللغة الأدبية على وجه التخصيص تتضمن غرضها وتنال، من خلال جهود القارئ، دلالاتها بفضل دنيوتها: وهذا تأويل مبتذل. ومهما كانت قساوة التأويلات، فإن استمرار الحركة التسلسلية يجب أن يكون راسخاً على الدوام، حتى لو كان اتجاه تلك الحركة دائرياً في خاتمة المطاف. إن كتاب جورجز بوليت المعنون بـ "تحول الدائرة" يبين الصورة بإصرار مرعب. فالمنهج الإحيائي هو إذاً، في أحسن أحواله، مستقطب للذهن وشامل إلى حد استثنائي، وفي أسوأ أحواله يمكن أن يصبح اختزالياً واقتصارياً. وإن ما يكمن خلف المشروع الإحيائي للناقد هو ذلك الموقف الذي يشبه الشجع في الاكتساب وذلك لأن المرء لا يستطيع إحياء ما لا بحوزته. والشيء الذي يمكن احتيازه هو حصراً ما يُعتقد مسبقاً أنه هناك.‏

إن عمل سويفت يكافح بضراوة ضد هذا المنطلق الإيديولوجي، منطلق المصادرة الجوهرية.(2) فمعظم كتابته، باستثناء عدد قليل، كانت آنية بالتحديد: لقد كان الحافز عليها مناسبة خاصة، وكان يعمل على تخطيطها بطريقة ما بغية تغيير تلك المناسبة. وإن من الواضح أن هذا القول صحيح عن "حكاية حوض" (1704) صحته عن "مسلك الحلفاء" (1711) وعن "الفاحص" (1711) وعن "رسائل تاجر الأجواخ" (1724).‏

وعلاوة على ذلك فإن نشر معظم كتاباته الفردية، ومن ثم توزيعها لاحقاً، بما في ذلك "أسفار غوليفر" كانت تستحوذ على اهتمامه كحدث من وجوه عديدة، لا كفن بالمعنى الذي نفهمه لهذه الكلمة أو كاحتراف إكراماً للاحتراف نفسه. إن الشيء الذي يعترف به الراوي المهووس في "حكاية حوض"، ومفاده أن ما يقوله صحيح في لحظته وحسب، هو تلك السخرية التي تنبئ عما كان سيصير صحيحاً حرفياً عن الكتابة اللاحقة لسويفت. إن "مسلك الحلفاء" و "الروح العامة لأعضاء حزب الأحرار whigs (1714) يحدثان، كما كان بالفعل، في توزيعهما الفعلي على قارعة الشوارع بلندن، بيد أن فاعليتهما، كوسيلتين لترويج سياسة حزب المحافظين العاجلة خلال نظام هارلي/ سانت جون، تكمن أساساً في حقيقة وصولهما إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وبأسرع وقت ممكن، وعلى نحو صائب قدر ما هو ممكن. فالتوزيع والفصاحة الحاذقة هما مظهران لبعضهما بعضاً، ومظهران لحدث كانا يصبوان لتعزيزه. وما أن يؤديا دوريهما حتى يصبحا حدثين تاريخيين وقعا بالفعل، ولئن تسنى لهما البقاء، هذا إن تسنى أصلاً، فإنهما يبقيان كأثرين شاحبين يرمزان إلى مناسبة ما، وعلامتين من علامات زمن محدد عفى عليهما الزمن وحل الوهن بقوتهما الأصلية.‏

لقد كان سويفت نفسه على ما يبدو مهووساً بآنية الأحداث، الأمر الذي يعلل لا اهتمامه الأبدي بالمحادثة (وهي حدث كلامي) وحسب بل ويعلل عنايته المفرطة بالتاريخ، باللغة الصحيحة، وشكه الجامح بكل شيء إن لم تتوكد صحته بالخبرة المباشرة. فالصورة التي رسمها دكتور جونسون عن بوب، وهو يكتب الرسائل بعين يقظة ترنو لنشرها مستقبلاً، تتوازن بشكل جميل بالتكتة الخبيثة في كتابه المعنون بـ "حياة سويفت" الذي يتأمل فيه العميد تشكيك رجل عجوز بعبقرية ذلك الشاب الذي أصدر "حكاية حوض"، وهي حدث فرويد، وفعلاً فإن معظم القصص المشكوك بصحتها عن سويفت، سواء أجاءت على لسان السيدة بيلكينغتون أو جونسون أو نيكولاس، فيها انقطاع عجيب بالنسبة لهم. وفي نفس الحكاية نسخة منها لسويفت تناقض النسخة الثانية: وهكذا فإن السيدة بيلكينغتون تروي حكايات عن قذارة سويفت قذارة لا مسوغ لها وتروي معها حكايات أخرى يظهر فيها من أنبل بني البشر، وإن من المؤكد أن هذه الحكايات تعود إلى سويفت، بيد أن مقدار أمانتها عن سويفت مقدار بين بين، إذ كان يبدو لهذا الإنسان رجلاً حيوياً بشكل ديناميكي ورجلاً معقداً، ولذاك رجلاً استطرادياً معه، وأخيراً تلك الشخصية التي تهيمن بشكل مؤثر جداً على أشعار ييتس أو روايات جويس أو على الأعمال الكاملة لصاموئيل بيكيت. إن الفجوة بين ما قاله أو فعله سويفت عملياً وبين ما كان بالإمكان قوله عنه هي تماماً نفس تلك الفجوة التي تقوم بين كلمات منطوقة من أجل مناسبة ما بالتحديد وبين كلمات مدونة كتابياً ابتعدت عن مناسبتها تماماً. فالفرق يكون بين أحداث دقيقة، وحتى بغيضة في بعض الأحيان، وبين عقبول مباح يلتمس التأويل وإعادة التركيب. ولذلك ليس من المستغرب أن تكون للتو "حكاية حضور وأسفار غوليفر" هما أشهر "نصوص" سويفت وأن يكونا بالمحصلة ذينك النصين اللذين هدفهما من أهم الأهداف، وأكثر كتاباته التزاماً بالنص، وذينك النصين اللذين استقطبا أكثر اهتمام نقدي، فضلاً عن أنهما عملان من أكثر أعماله تعرضاً للتصنيف انطلاقاً من زاوية التقنية والجنس الأدبي.‏

ومع ذلك فإن هذين العملين الجديرين بقنوة المكتبة واهتمام الناقد يبدوان، بالقياس إلى أعماله الأخرى، كحدثين أراد بهما سويفت إضفاء الصبغة المسرحية على حقيقة كونه كاتباً بالفعل لما يشبه الأدب، وكاتباً كان يسخّر المؤسسات الأدبية في الوقت الذي كانت تناسبه فيه، أو في لحظات تبطّل قسري. إن رسائل سويفت الصريحة عن عمد والموجهة إلى بعض أصدقائه في لندن حول شخصية غوليفر، وهي كلها مؤشرات ومفاتيح متعددة "لحكاية حوض"، عمد لاحقاً بمنتهى الذكاء إلى دمجها في نسخ تالية من أعماله، ولكن يا لها من شواذ بمستوى شذوذ "غوليفيريانا" لسميدلي- وهذه كلها بمثابة ملحقات هزلية بالكتابة التي عرّضت نفسها مسبقاً لتهمة الملحق بالواقع. وإن ما يضفي الميزة الأدبية على بعض كتابات سويفت ويعزلها عن كراساته الدينية والسياسية العديدة هو أن تلك الكراسات مطمورة كأحداث ضمن شبكة معقدة من أحداث هذه الحياة الدنيا، في حين أن الكتابات السابقة تظهر بمظهر الكتابات الساخرة أو الأدبية أو النصية لأنها ليست بالأحداث على الإطلاق، لا بل وعلى النقيض من ذلك فإن "حكاية حوض" مكتوبة بكل وضوح لإحباط حدث ما ولصرف الانتباه الجاد عنه. ففي "الكوميديون الرواقيون" يدرس هيوغ كنير بمنتهى الروعة "حكاية حوض" ويدلي بحكمه عليها من أنها ذلك الكتاب الذي هو بمثابة محاكاة ساخرة لإسفاف ولوع الكتب بالكتابة. وإن كتاب "أسفار غوليفر" لعمل، كائناً ما يمكن أن يكون خلاف ذلك، يستخدم الفعل الماضي التاريخي كحاجز أدبي مدرك لوجوده بين القارئ وصيغة الفعل المضارع الزائفة التي تروى بها معظم مغامرات غوليفر. وهكذا فنحن إذاً مضطرون على أن نحمل على محمل الجد اكتشاف سويفت بأن الكلمات والأشياء في هذه الحياة الدنيا ليست مرشحة بتلك البساطة لتبادل الأمكنة، وذلك لأن الكلمات تنأى بنفسها بعيداً عن الأشياء إلى عالم لفظي خاص ومختلف تمام الاختلاف. ولئن حدث وتصادفت الكلمات والأشياء، هذا إن تصادفت، يكون السبب بذلك أنهما كلتاهما تتقاطعان، في أزمنة خاصة ومواتية، في ذلك المكان الذي سرعان ما تعرّفه الجماعة السياسية المهيمنة بأنه حدث، وهو الأمر الذي لا يعني بالضرورة تبادل الكلام أو التواصل. ومع ذلك فإن المغايرة بين الحدث والكتابة كشيء بديل عن الحدث لهي معارضة هامة وفعالة لدى سويفت.‏

وعلاوة على ذلك فإن سويفت كان على ما يبدو حساساً جداً حيال الفروق بين الكتابة والتكالم. وإن كل سعاية من هاتين السعايتين -وهذه فكرة ملائمة جداً لصرامة تفكيره- يمكن أن تتخذ لها شكلين اثنين بمقدورنا دعوة الأول منهما بالصحيح والثاني بالمغشوش. فالتكالم الصحيح هو المحادثة بالشكل الذي عرفها فيه سويفت بمقالته المعنونة بـ "تلميحات نحو مقالة عن المحادثة" (1710- 1712) من أنها أسرع منالاً من أية فكرة أخرى، وذلك لأنها ممنوعة من التشذيب والدخول في ميدان المثالية دون سواه:‏

إن معظم الأشياء التي يجدّ في طلبها البشر بغية بهجة الحياة العامة أو الخاصة، والتي بلغت ذلك المستوى الرفيع من التشذيب جراء فطنتنا أو حماقتنا، قلما توجد في الذهن لوحده. فصديق صدوق وزواج ناجح وشكل كامل من أشكال الحكم، بالإضافة إلى بعض الأشياء الأخرى، كلها تستلزم مقومات عديدة جداً، وجيدة جداً في أنواعها المتعددة، وتستلزم، لمزجها بعضها مع بعض، عناية فائقة جداً، بحيث أن البشر قد حل بهم اليأس من جراء محاولاتهم الوصول بمخططاتهم إلى درجة الكمال في غضون بضع آلاف من السنين:‏

ولكن الأمر بالنسبة للمحادثة قد لا يكون على هذه الشاكلة، وقد يكون شيئاً آخر، إذ ليس علينا هنا إلا أن نتفادى فيضاً من الأخطاء،‏

وهذا التفادي، على الرغم من أنه صعب بعض الشيء،‏

أمر قد يكون بوسع أي إنسان، علماً أن غيابه يبقي المحادثة مجرد فكرة في الذهن كالشيء الآخر.‏

ولذلك يبدو لي أن الطريقة المثلى لفهم المحادثة تكمن في معرفة الأغلاط والأخطاء التي تتعرض لها، ولذلك فعلى كل إنسان، من ثم، أن يصوغ لنفسه قواعد سلوك لتنظيم المحادثة بناء عليها.(3)‏

فثمة سبب وحيد لهذا التوكيد هو بالطبع ضرورة الوجود المادي لإنسانين على الأقل، فضلاً عن أن كل التلميحات الفرعية اللاحقة لسويفت كان المقصود بها الحفاظ على الوجود الفعلي لكل من المتحدثين أمام بعضهما بعضاً. إن قوانين المحادثة تحتل المرتبة الثانوية أمام ذلك الوجود الذي يجب أن يطغى، والذي يجب لمصلحته تسخير موضوع التكالم ونمطه وأسلوبه. وحتى في الوصف الذي يصف به سويفت موعظة دينية ينشغل بوضع حقيقة التكلم والإصغاء في موضع حدث ذي ديمومة زمنية، وهذا الأمر لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت الوقائع السابقة لذلك الوجود قيد الاحترام,. ولكن هنالك على أية حال عقبة وحيدة واضحة أمام المحادثة. فالكلمات ما إن تقال في المحادثة حتى تضيع إلى الأبد، ولا يبقى منها على الأرجح إلا الذكرى اللطيفة. وأما المحادثة "المغشوشة"، التي تمثلها خير تمثيل مقالة "المحادثة المهذبة" (1738)، فهي التكلم بدون احترام الوجود بمناسبة اجتماعية ما ليست أكثر من ترخيص رسمي للتكلم: إذ إنها تحيل التكلم إلى شكلية الصيغة المبتذلة المتفقة مع الزي السائد، الأمر الذي لا يحتاج أي شيء محدد لاستهلال التكلم أو لاستبقائه مستمراً. إن الأساس المنطقي لمقالة "المحادثة المهذبة"، كما هو معروض في مقدمتها، هو أن الكلام المهذب يكلم نفسه فعلاً. فالكلام المهذب يمكن حفظه عن ظهر قلب، وهو دائماً وشح للتطبيق، وهو محدود ومغلق، وقوانينه جوهرية إليه، أي، ليس خاضعاً بالفعل لوجود المتكلم أو المستمع، ومن هنا كان "نجاح" سنوات واغ ستاف في النسخ. إن المحادثة المغشوشة محادثة، قبل أي شيء، مقتصدة وقابلة للحفظ باعتبارها تتحرك وفق كل القواعد ووفق لا أية قاعدة من القواعد في آن واحد معاً: إنها لا تعني بتاتاً أي شيء وتعني دائماً الشيء نفسه- فالمحادثة المهذبة، تواصل مطلق، لغة تستخدم بشراً.‏

إن آراء سويفت عن المحادثة تبقى نسبياً هي نفسها طيلة حياته، حتى لو كنا نعتبر أن أعمالاً من أمثال "مجلة إلى ستيلا"، قصائده إلى ستيلا بمناسبة عيد ميلاده، والألعاب اللاتينية/ الإنكليزية، والتجارب القشتالية، ومشاريع نادي النساخ، أشكالاً مختلفة لموضوع المحادثة. وإذا لم تكن تلك الأشكال المختلفة فإنها أقرب المواقع التي اقترب فيها سويفت لتوضيح التخوم التي تتستّر فيها المحادثة في الكتابة بمنتهى البراعة. والشيء الجدير هنا بالذكر هو أن كتابة سويفت نفسها كانت مسعى أقل تكاملاً بكثيير من المتكلم، وذلك شيء ، كما اعتقد كان يفهمه سويفت عن عمله، وكان يفهمه على نحو أشمل عن الكتابة على العموم. فثمة صيغ على غرار "الأسلوب البسيط"، وهي الصيغة التي ألصقها جونسون بكتابة سويفت، وصيغة "كلمات مناسبة في أمكنة مناسبة" (أي جعبة سويفت الخاصة)، صيغ لا تؤدي إلا خدمة طفيفة لأناقة كتابته. فالكتابة الصحيحة بالنسبة إليه ما كانت تلك الكتابة التي تتطابق مع الواقع وحسب، بل كانت الواقع بحد ذاته، والأفضل من هذا هو القول بأنها كانت حدثاً استلزمته أحداث أخرى، ومفضياً بدوره إلى أحداث أخرى أيضاً. إن أفضل الكتابات كانت أمراً، مثل "مسلك الحلفاء"، جاء في زمان ومكان رائعين. وأما الكتابة المغشوشة فكانت أمراً، على نقيض سابقه، جاء في زمان رديء وفي مكان رديء.‏

إن النتائج التي تترتب على هذا التصور للكتابة، وهو التصور الذي يبدو بسيطاً، ذات أهمية قصوى- لا لسويفت وحده بل ولقارئه أيضاً. تأملوا قبل كل شيء كيف أن الكتابة الجيدة نسبياً هي المتناسبة مع زمانها ومكانها. ولئن عدنا بأبصارنا إلى الخلف لوجدنا أن الكتابة الجيدة قد حدثت وانقضى أمرها، شأنها بذلك شأن الماضي. فزخمها يخور أمام الزمن الحاضر اللاحق للماضي بالنسبة للمؤرخ أو الناقد، ومن باب السخرية مجدداً أن الكاتب نفسه ليس أقل انقطاعاً عن الماضي من ذلك الزخم. وبالنسبة لسويفت كانت الحقيقة "البسيطة" تعني أشياء كثيرة جداً: فلقد كانت تعني (كما يدل على ذلك دلالة قاطعة العمل الذي أنجزه في Letcombe بعد وقت قصير من رحيل حزب المحافظين عن السلطة) أن زمانه ومكانه ككاتب ذي شأن قد حدثا وقد انقضى أمرهما أيضاً. فلقد تحول، بعد أن كان كاتباً جيداً، إلى كاتب ذكريات مشوشة، ومن ثم إلى كاتب تصورات.‏

فالتمييز الذي ميزه رولاند بارتيز بين "écrivant" (وهو ذلك الإنسان الذي يكتب عن موضوعات لها وجود والذي يربط بين الأحداث والأفكار) وبين "écrivain" (وهو ذلك الإنسان الذي موضوعه، إن لم يكن له ثمة وجود، هو إذاً مجرد الكتابة، بحد ذاتها)، ينطبق على التوالي على عمل سويفت في (1710- 1714) وعلى الفترات السابقة واللاحقة لهذه الفترة. وإليكم الآن هذان النصان المأخوذان من "حكاية حوض" ومن ثم من "مذكرات تتعلق بذلك التغيير الذي حدث في وزارة الملكة في العام 1710" (وهي مكتوبة في عام 1714). إن كلا النصين عرضان عن سبب الاضطلاع بعبء العمل، على الرغم من أن سويفت يتخذ لنفسه قناعاً في النص الأول ولكنه يفصح عن صوته هو في النص الثاني، وأما الشيء الصحيح جداً وعلى أحسن ما يكون من الوضوح فهو توظيف الحيلة نفسها في النصين- فالعمل الحاضر تسلية من إنتاج écrivain- كي تخلص إلى النتائج نفسها: فالأسلوب غير مباشر، وكأن الغاية إخفاء الحقيقة التي مفادها أن الموضوع الحقيقي هو فعل الكتابة نفسها. فالكاتب، لأسباب عديدة، لا يشعر أن له ما يبرر وقفة شريفة في وسط ما يقوله. إن الاستطراد في "حكاية حوض" براعة فنية، بيد أن الاستطراد في "مذكرات......." يكاد أن يصبح طريقة في حياة سويفت بعيداً عن قلب الأشياء. فسويفت، كما سنرى، ما كان بمقدوره أن يترك نفسه تتعاظم وتدخل بمنتهى الثقة في موضوع كتابته إلا في شيخوخته.‏

بما أن عباقرة العصر الراهن صاروا من ذوي العدد الغفير والنفوذ العظيم، فإن أكابر المسؤولين عن الكنيسة والدولة بدأوا على ما يبدو يقعون تحت عبء مخاوف مرعبة من أين يجد هؤلاء السادة، في فترات سلم طويل الأمد، الفراغ الكافي لحفر ثقوب في الجوانب الهشة للدين والحكومة. ولمنع ذلك جرى مؤخراً توظيف تفكير كبير لبعض المشاريع الخاصة ابتغاء انتزاع القوة والفاعلية من هؤلاء المسألة المرعبين لإبعادهم عن التمحيص والمجادلة في أمور دقيقة كهذه. وأخيراً استقربهم المقام على مشروع واحد، ولكنه يتطلب بعض الوقت فضلاً عن التكلفة حتى يبلغ درجة الكمال. وفي غضون ذلك فإن الخطر يتفاقم ساعة فساعة جراء تجنيد جديد لعباقرة منهمكين كلهم (وهنا ممكن الخوف) بالقلم والحبر والورق، الأمر الذي من الممكن في ساعة من ساعات الغفلة أن يتوسع ويتخذ شكل الكراسات، وشكل أسلحة عدائية أخرى، على أهبة الاستعداد للوضع الفوري موضع التنفيذ: وكان الرأي أن هناك حاجة ماسة للتفكير بحملة آنية سريعة قبل الوصول بالمخطط الأساسي إلى مستوى الكمال. وتحقيقاً لهذه الغاية، في لجنة عظيمة، قبل عدة أيام، ثمة مراقب عجيب ومهذب توصل إلى اكتشاف هام مفاده أن البحارة من عادتهم حين يصادفون حوتاً أن يلقوا له بحوض فارغ، من باب التسلية، لكي يبعدوه عن وضع يديه العنيفتين على السفينة. ولسرعان ما اصطبغت هذه الأمثولة بصبغة الأسطورة: فجرى تأويل الحوت على أن لوياثان هوبز الذي يشقلب ويتلاعب بكل المخططات الأخرى المتعلقة بالدين والحكومة، في حين أن العديد من المخططات جوفاء وجافة وفارغة وصاخبة ومتخشبة وقيد التداول. وهذا هو اللوياثان الذي يستعير منه عباقرة عصرنا المرعبون أسلحتهم كما يقال، السفينة في خطر، قول مفهوم بسهولة على أن المقصود به الكومونويلث الذي هو النموذج المضاد القديم للدولة. ولكن ما هو السبيل لتحليل الحوض، كان أمراً صعباً، إذ بعد تمحيص ومناقشة طويلين بقي المعنى الحرفي طي الكتمان: ومن ثم استن على شكل قانون الرأي القائل أنه كي تمنع هذه اللوثيانات (الوحوش الضخمة المفترسة)، من شقلبة الكومونويلث والتلاعب به (والذي هو من تلقاء نفسه عرضة للترنح) يقضي الواجب بتحويل انتباههم عن تلك اللعبة بحكاية حوض. ولما كان هنالك تصور أن عبقريتي تتوجه ذلك التوجه بكل سرور فقد خلعوا علي شرف الانخراط في أداء اللعبة.‏

(الأعمال النثرية، 1، 24- 25)،‏

وبعد أن استمريت قرابة مدة أربع سنوات، على مقدار كبير من الثقة مع الوزارة، وبعد أن كنت، لا بتلك القوة الكبيرة كما كان الاعتقاد، أو كما كان الإعلان عنها على الأقل، من قبل أصدقائي وأعدائي على حد سواء، لا سيما الأعداء، في كلا مجلسي البرلمان، ولما كان هذا قد حدث خلال فترة منهمكة جداً بمفاوضات مع الخارج، أو منهمكة بتدبير الأمور والدسائس داخل الوطن، ظننت أن من المحتمل، بعد مرور بضع سنين على ذلك، في الوقت الذي تخلى فيه المشهد الحالي عن مكانه لمشاهد عديدة جديدة سوف تبرز لاحقاً، أن تكون تسلية لأولئك الناس الذين سيكون لديهم أي اعتبار شخص لي، أو لذكراي، أن ينسبوا بعض الخصوصيات التي تسنت لمعرفتي وملاحظتي، في الوقت الذي كان من المفروض فيه، صدقاً أو كذباً، أن لي ضلعاً في سر الشؤون العامة. (الأعمال النثرية، 8/107).‏

فبالنسبة لسويفت، وبالنسبة للناقد، تبدو الفروق بين النصين فروقاً أدبية ثانوية ليس إلا، أنها بالأساس فروق لغوية ووجودية- وها أنذا أستخدم هذه الكلمة متردداً. فمنزلة الكتابة في الدنيا تبدلت بتبدل منزلة الواقع السياسي والتاريخي. إن سويفت يحاكي، في"حكاية حوض" التسلية، في حين أنه في المقطوعة التالية تحول بعمله إلى التسلية فعلاً. فكل عمل من العملية من إنتاج écrivain، ولو لأسباب مختلفة. وبما أن سويفت كان على أشد التصاق بذلك النظام الذي، كما ظن، في صلبه انصبت جهوده وشاركت فيه، فإن كتابته حافظت على موقع سام أعلى من موقع كل الكتابات الأخرى بين عام 1710 وعام 1714، فسياسة حزب المحافظين التي كان يؤازرها سويفت ويكتب عنها كانت سياسة في دنيا الواقع: فهنا كان écrivant. وأما معارضة حزب الأحرار فقد كانت مجرد تصور، مجرد خربشة. وهذا ما كان على الدوام أساس استراتيجيته. ولكن بعد عام 1714 لم يشغل سويفت أي موقع عدا موقع اللامنتمي من تلك الآلة المتراصة لحزب الأحرار، فها هو قد أضحى ذلك الناسخ المخربش والإنسان الذي يعد المشاريع الذهنية والذي جسده ذات مرة (في حكاية حوض) وهاجمه (في الفاحص وفي أي مكان آخر).‏

إن بعض الأعمال الحديثة المتعلقة بالبحث التاريخي من أمثال (أصول الاستقرار السياسي: انكلترا، 1675- 1725 لكاتبه ج. هـ. بلوم، والثورة المالية لبيتر ديكسون، وبلينغ بروك وحلقته لإسحاق كرامنيك) تبرر إحساس سويفت بالضياع. فمن وجوه عديدة تبدلت إنكلترا بعد عام 1714، بيد أن التبدل الأساسي كان في أن السلطة السياسية لم تعد تناط بشخصيات مرموقة وإنما بالآلة اللاشخصية للبيروقراطية التي استنبطها والبول وأوصلها إلى حد الكمال.‏

فالتبديل كان بمثابة النسخة الإنكليزية للتبدلات التي حلت ببنية المجتمع الأوربي في نهاية القرن السابع عشر، وهي تلك التبدلات التي درسها فرانز بوركينو ولوسيان غولدمان وبرنارد غروثيسين. فالأحداث لم تعد البتة تعزى للأفراد مباشرة، كما أن تلك القيم الراسخة المتعلقة بالوراثة والأرض انجرفت وتحولت إلى قيم على أتم ارتباط بالنقود وبالديْن القومي الدائم ومر كنتلية المدينة. وأما حزب المحافظين بأروستوقراطيته المرموقة، التي كانت بالنسبة لسويفت تجسد صفوة الشعب الإنكليزي، فقد أزيح عن السلطة وحلت محله أوليغارشية من حزب الأحرار من ذات المصالح الخاصة. ولئن كان سويفت ينظر في السابق إلى كراساته كأحداث لها وجود حقيقي مع الواقع السياسي كشيئين متشاكلين أو متزامنين، فقد صار بعد عام 1714 يرى أنه وكتاباته طفقوا يتكشفون مرة بعد أخرى عن ذلك التعارض الصارخ بين اللغة والواقع- اللذين يمثلان نموذجين من نماذج اللامصداقية، ونموذجين مبتورين عما دعاه، بمنتهى الحنين لماضيه، "المعاش مع العوام".‏

وهذا هو السبب الذي جعل دور الوطني الإيرلندي يناسبه على نحو رائع جداً: لقد كان دوراً فياضاً بالتناقضات المغيظة بين القلم والجماعة السياسية. إن اللغة المكتوبة عن الاحتجاج الإيرلندي، وهي كاملة بحد ذاتها، عملت على تفاقم الانقطاع بين ما كان (إيرلنداً) بمنتهى التعصب وبين استحالة ما كان من المحتمل أن يكون (خططاً إنكليزية استعمارية لإيرلندا). إن نصف بنس السيد وود، على سبيل المثال، كان الخطأ بعينه الذي تمكن سويفت من مهاجمته في "رسائل بائع الأجواخ"، وبالأساس من خلال التعامل مع المكيدة كمكيدة ومن خلال تصور الخطة، بتلك الأوهام الرائعة التي كان النبلاء يذهبون بها للتسوق في عربات مليئة بالنقود المغشوشة وهي تجرر من خلفهم، في عنصرها الأساس- في الخيال(4). فثمة حدث خيالي، وبالتوسيع، تلك اللغة التي تشتمل على تصورات خيالية حلا محل الأحداث الحقيقية بشكل مضحك، وهكذا فإن فكر سويفت بقي مخلصاً لحضور الأحداث، حتى ولو من خلال الهزء فقط بالأكاذيب اللفظية عن الواقع بأكاذيب بديلة، كمكيدة السيد وود.‏

إن ما أوجزته على عجل يستلزم المزيد من العرض والتوضيح، ولئن كان لهذا الموجز أية قيمة فهي وضعه عمل سويفت على محاور التعارضات والثغرات الأساسية التي تجعل الوصول الكامل لهذا العمل إلى القرن العشرين محدوداً جداً. وهكذا فنحن الآن أمام تحدّ من قبل أعمال كاملة حرون في وجودها كحكم سلبي على نفسها كونها لم تنجح كحدث، وهو الأمر الذي يعني انقراضها وتبددها في زمن ماض. فالتاريخ، بالنسبة لسويفت، عزز نفسه بما فيه الكفاية وما من حاجة لتأويله ما دامت اللغة مرادفة للسلطة السياسية (كما تحاول أن تبرهن رسالته العلنية إلى هارلي حول الحفاظ على اللغة الإنكليزية). ولما كان سويفت على قسط عظيم من العجرفة فإنه لم يكن ليصدق أن كتابته ما فعلت أكثر من خدمة سلطة حزب المحافظين وحسب، ولذلك فإنه كان يرى في كراساته، وهو يعود ببصره إلى غابر الأزمان، جزءاً من النظام السياسي، أحداثاً في صلب تاريخ ذلك النظام، مع العلم أن الطريقة الهوسى التي أدرك بها، في مقدم ومؤخر مسيرته الأدبية، المخاطر الكامنة في اللغة المتحررة من السلطة السياسية والواقع الاجتماعي، توحي بأنه شعر من تلقاء نفسه بالحاجة للتوكيدات على أن تحكمه باللغة كان قوياً. لقد تيقن في خاتمة المطاف أن السبيل الوحيد له كي يطمئن قلبه كان الفضح الدوري للمساوئ التي تسلم اللغة نفسها لها بمنتهى البساطة. وإن التناسق، مثلاً، بين نبذ سويفت ربة الشعر (the muse) في قصيدته المعنونة بـ "بمناسبة مرض سير وليام تامبل وشفائه أخيراً" (1693) وبين هجومه، بعد أربعين سنة، على اندفاعات "الإلهام الشعري" (في مقالته المعنونة "عن الشعر: مقطع من ملحمة"، 1733) لتناسق مذهل. إن القصيدتين التاليتين تبينان أولاً ربة الشعر منبوذة توقعاً لاحتضان الشاعر الواقع، وتبينان بعدئذ غش الشعر بالنظر لغياب موضوع حقيقي. إن الشيء الذي يتوسط بين القصيدتين هو تلك الفترة التي كان فيها سويفت شاعراً بالمصادفة ليس إلا، 1710- 1714. فتلك السنوات الأربع، في سياق كل حياة عمله، هي الفجوة التي تدوّن فيها فيض من الكلمات- كتابة وتأويلا وتذكراً- علماً أنها كلها لفظية وكلها ناقصة:‏

إليك أنا مدين بالانقلاب المصيري الذي انقلبه الذهن،‏

والذي لا زال يميل للأفكار القلقة الشقية.‏

وإليك أنا مدين بكل ما أجهد عبثاً لإخفائه،‏

ذلك الاحتقار للبلهاء، الذي يظنه البلهاء تكبراً،‏

ومنك أنت تنبثق الفضائل، وأية فضيلة‏

قد تستحيل إلى محنة، أو إلى رذيلة.‏

هذه هي القواعد التي تجعل المرء شاعراً عظيماً:‏

"إياك والاستسلام للمصلحة أو التملق أو المخاتلة،‏

ولا تكرس ذهنك للأفكار المأجورة،‏

وتعلم احتقار معونتها المرتزقة،‏

وليكن هذا حصنك المنيع، وسورك الفولاذي،‏

إياك وتعلم العمل الشائن، ولا تصفرّ أمام أي ذنب،‏

وبما أن المسافة التعيسة تعرقل عليك‏

عرض روحك، المتسربلة بهذا الستار البائس،‏

وبما أن فضائلك القليلة معروضة بمثل هذا التشويه،‏

وتثير عليك الضغينة وقتما كنت تأمل التقدير."‏

فجنون كهذا ما خطر ببال خيال قط،‏

وتبقى عرضة للخديعة، لا للمسرّة قط،‏

وبما أن شعاعاً واحداً مزيفاً من البهجة في العقول المريضة،‏

هو كل ما يعثر عليه الوهم المطمئن المسكين-‏

هناك تحطمت فتنتك، ومنذ هذه الساعة‏

أتبرأ أنا من قدرتك التخيلية،‏

وبما أن جوهرك يعتمد على أنفاسي،‏

فبنفخة واحدة يتبدد هذا الوهم كله.‏

(الأعمال الشعرية، 41- 42)‏

وكيف لمبتدئ جديد أن يتعلم‏

من أرواح مختلفة كيف يدرك،‏

وكيف يميز بين هذا وذاك،‏

بين نفحة الشعر أو رغبة النثر،‏

إذا استمع لمجرّب محنك عجوز‏

يرشد مبتدئاً شاباً.‏

"استشر نفسك، وإن وجدت‏

حافزاً قوياً يحث ذهنك،‏

حاكم الأمور محاكمة نزيهة في قلبك،‏

أي موضوع تجيد تدبيره على نحو أمثل،‏

ولئن كانت عبقريتك تميل أشد الميل‏

للهجاء، للمديح، أو للأبيات الهزلية،‏

للمراثي في مسحة تفجع،‏

أو لمقدمة شعرية تأتيك من يد مجهولة‏

انهض إذاً عند انبلاج الفجر،‏

واستلهم ربة الشعر، واجلس للكتابة،‏

أشطب، صحح، أحشر، نقّح،‏

أسهب، اختزل، أقحم بين السطور،‏

وكن حذراً، فحين تجف القريحة،‏

إياك أن تحك رأسك، وأن تعض أظافرك.‏

(الأعمال الشعرية، 571- 572)‏

إن القافية التي تجمع بين كلمتي "Sinner" (مجرّب) و"beginner" (مبتدئ) لقافية بليغة لأنها تربط بين المجرب المحنك وبين المبتدئ برباط وثيق لا مناص منه. فكلاهما كاتبان (écrivains)، وكاتبان يجدان في نظم الشعر تدريباً على محاولة عقيمة لحشر التأليف الأدبي في صميم العالم الواقعي. وهكذا فربة شعر منبوذة وكتابة، بشعور دفين بالضعة، معروفة حذاء الواقع: هاتان هما البداية والنهاية لسيرة مهنية راسخة بالنسبة لسويفت وبالنسبة لناقدة. إن السيرة المهنية هي تلك السيرة الأدبية التي يوجد سجلها في أعمال كان الواجب يقضي بتحويلها إلى تاريخ سياسي، ولكنها الأعمال التي تتشبث بوجودها، شأنها بذلك شأن السترلدبرغز* ، كبقايا خائرة القوى، فمقالة "عن الشعر" لا تستمد قوتها من عنف هجومها على الشعر المغشوش وحسب، بل وتستمدها أيضاً من اليأس بما مفاده أن هذا الغش في خاتمة المطاف هو ما آل إليه الشعر وقتها بالفعل. أوليست حقيقة مرة أن التوجيهات التي ساقها سويفت- هنا وفي مقالة "توجيهات إلى الخدم" (1745)، وفي "المحادثة المهذبة" وفي غير مكان أيضاً- كانت على الدوام كراسات من العمل القيم ذي الوصف المتقن؟ فالشيء الذي كان بالإمكان حينها وصفه كان الشيء الميسور المنال للغة المكتوبة، كما أن الموضوع والأداة معاً كانا بديلين فاسدين للوقائع التي ظلت خارج إطار ميدانهما. إن القدرة الإنتاجية لطاقة سويفت ككاتب ليست بحاجة للتصوير على أنها منبثقة عن تخيل نخلقه له ككاهن أنجليكاني من الممكن وصف حياته كسلسلة من الأحداث على مدى ردح من الزمن. فعلى النقيض من ذلك، نجن نسدي إليه خدمة أكبر إذا قبلنا الثغرات التي عاشها بالطريقة التي عاشها بها: أي إما على شكل خسائر فعلية أو خسائر وشيكة للموروث والتراث والموقع والتاريخ، خسائر موضوعة في قلب إنتاجه الكلامي المتهافت. وإن هذا القبول ليس بالتأويل السيكولوجي بمقدار ما هو جملة من الشروط التي تجعل من المدى الكامل لسيكولوجية سويفت أمراً ممكناً، بدءاً من الاهتمام "بقسط من الحرية" وانتهاء بالهوس بسقط المتاع.‏

فالأدب الحديث إذاً بالنسبة لسويفت كان يعني إزاحة الأدب القديم وحلول الحديث محله، مع العلم أن هذا الحكم هو موضع التنشيط في طول وعرض "حكاية حوض". فالكاتب الحديث يكتب خلال فقدان الموروث، وهو موجود بالنظر لغياب الكتاب القدامى الذين جرى استبعادهم من جراء ذكرى واهية للآداب الكلاسيكية. إن كتاب فرانسيس ييتس المعنون "بفن الذاكرة" يلقي النور الساطع على الاستخفاف بالطرق التقليدية لتقوية التذكر: وهذا التغيير كان هنالك أمام سويفت ليشهده بأم عينه. وهكذا فإن النور الباطني الخاص الذي يدعيه الصاحبيون أوالمشيخيون لمرشديهم يحل محل الإرث العام، وإن هذه الإزاحة هي ما تمثله "حكاية حوض". وعلاوة على ذلك فقد تقطعت أوصال التسلسل المنتظم للتطور التاريخي من جراء الثورة البيوريتانية ومقتل الملك تشارلز الأول على يد كرومويل. فكما أكدت شواذ تاريخه هو كان الاستمرار بالأساس أمراً مدبّراً بين أفرقة من ذوي المصالح، وما كان تلك العطية التي كان بوسع أي إنسان أن يحتل مكانة فيها بمنتهى الطمأنينة. وإن كراسة "عواطف إنسان من أتباع كنيسة إنكلترا" (1711) والكراسة المشؤومة المعنونة بـ"تاريخ السنوات الأربع الأخيرة من حكم الملكة آن" (1712- 13) كانتا محاولتين من سويفت لتصحيح الأفكار الواهية التي كان يعتمد عليها إحساس الأمة بتاريخها ومعناه. فلقد كان ذانك العملان تقريباً من أكثر الحكايا المعضلة والمبتذلة التي جاء بها سويفت عن ربوبية بوب والرجعية المطلقة.‏

وما بدأ سويفت يطرح الإطار الأرسخ الذي كان يتمنى أن يعتبره فيه المستقبل، وعلى نحو متعمد أكثر من ذي قبل، إلا في إيرلندا حوالي الثلاثينات (1730). وبما أن سويفت كان رجعياً شموساً وبالفطرة دقيق الحسبة في النقود، وكان ذلك الرجل الذي وسمه تين Taine برجل أعمال صنعة الكتابة الإنكليزية، والذي كان موقفه من الحياة ذلك الموقف الذي وصفه به نيغل دانيس إذ قال بأنه موقف معلم مدرسة، فقد كان من المناسب له أن يكون على ثقة من أن الأشياء الأخيرة التي ستقال عنه يجب أن تكون بإمرته هو، ولذلك فإن الذكرى الأخيرة التي خلّفها وراءه ستكون بالضرورة أول ما سيتنبّه المستقبل إليها، وعندئذ نظم القصيدة التي عنوانها "أشعار عن ممات الدكتور سويفت" (1731)، والتي ابتنى فيها ذلك الاستمرار الذي تمنى أن يخلده فيها إلى أبد الآبدين. ففي تلك القصيدة العصماء يختار بمنتهى الشجاعة، لا بل وبمنتهى العجرفة، أن يرى نفسه في المظهر السلبي المطلق لمماته، أي خسارة للدنيا ومكسباً للتاريخ في آن واحد معاً- ولكنه في كلتا الحالتين يرى نفسه موضوعاً نموذجياً. فتخيله لمماته، في المحصلة، جاء به من خلال القصيدة وأعطاه شكل ردود الأفعال المتناثرة على خسارة جرى تحويلها إلى حدث. وهكذا تمكن سويفت من أن يصبح جزءاً من التاريخ وسيداً له على الرغم من البلايا المعزوة للغة من قبله.‏

إن النقطة الأخيرة بحاجة لتوكيد خاص. لقد كان سويفت يعلم علم اليقين أنه، بمقدار ما كان الأمر متعلقاً بالأجيال التالية، إنسان ملتزم باللغة (أي متورط بها وأسير لها)، مهما كان الظن به خلاف ذلك. فبعد مماته كانت الأجيال اللاحقة سوف تتلقفه بالصورة التي كانوا سيقرأونه بها: إذ إنه لن يكون البتة منظوراً أو مسموعاً. وإن ما كان سوف يبقى منه على قيد الحياة في المستقبل لن يعدو الكلام الناتئ، شريطة أن يكون بمقدوره ترتيب ذلك الأمر بطريقة ما. ومع ذلك فقد كان يعمل بدون شك ضد نفسه. فخلال معظم حياته كان يعتمد بمنتهى الثقة على شخصيته وعلى الشخصية الكلية الوجود- أكثر من اعتماده على الصنعة الكتابية الموثوقة لكتابته. وبغض النظر عما فعله، فإن حقيقة وجوده بشكل طارئ طغت على بعزقة جهوده وعلى تباين أقنعته لصالح الكنيسة والدولة وإيرلندا والتعلم التقليدي والمبادئ الأخلاقية. ولئن كان الشعور حيال تلك المؤسسات، كما أشرت من قبل، بأنها في خطر محدق يهددها بالزوال، فقد اضطلع سويفت بعبء توكيد دوام وجودها. وإن قالبه الفكري جعله يتعهد هذه التوكيدات في شكل تقليدات مكتوبة لعدوّه، تقليدات سارت في الاتجاه المناقض مرات عديدة وأوغلت في الخيال والوهم والتشوش المزعوم. لقد كانت اللغة أداته، كما كانت أداة عدوه، ولكنه كان أكثر قدرة من غيره على استغلال المظاهر السلبية لأداته: رشاقتها ووقتيتها، وقدرتها الكامنة على الغش المثالي الذاتي المطلق. فكولريدج، كواحد من ضمن عديدين، كان يرى أن هذه المقدرة لدى سويفت بمثابة موهبته الفذة. وإن الشيء الذي كان يرى فيه العدو، العدو الذي كان يهاجمه سويفت، نتيجة محتومة لفكر متصدع، كان بالنسبة إليه المهمة المقصودة لتحليله القاهر الذاتي المنهجي والمنطقي والبارع فنياً. فهكذا كان أسلوب سويفت.‏

إن التهديد الذي كان يتهدد سمعته بعد مماته أمر واضح. فاليوم، مثلاً، لا نزال نقترب منه على أساس شيء من التماسك المنسوب لعمله، والتماسك الذي نعتبره متصلاً به بصلة القربى كثمرة لجهده، ولكن هذه الصلة تحديداً هي ما تتنكر لها كتابته تنكراً كبيراً.‏

فكراسة "اقتراح متواضع" تعلن عن نفسها على أنها فكرة أي إنسان إلا سويفت، ومع ذلك فإنها بقلمه دون أدنى شك. وهكذا فإن الحضور، كما يقول جويس في بوليسيس، أسمى شكل من أشكال الغياب. فهذا التبصّر صحيح عن اللغة قبل أي شيء آخر، وهو التبصر الموجود بشكلها المكتوب كبديل عن وجود كاتبه. إن أي بديل عن الشيء الحقيقي محكوم بسرعة الزوال، وبقانون الاستبدال اللانهائي. فلقد كان الخوف من هذا المصير هو الشيء الذي أخذه سويفت بحياته في قصيدة "أشعار...." بتركه نفسه تموت على البطاقات وفي حفلة استقبال والبول، وفي حوانيت باعة الكتب. إن حدث مماته، "النبأ الذي سرى في نصف البلدة"، خسارة مستحبة -وفقاً للقانون الساخر الذي جاء به لاروشفوكو- كخسارة "لم يعد من السهل تعويضها". ومع ذلك فبتبديد كل طاقة النبأ، الأمر الذي جاء متوازياً مع سرعة تبدل المشاهد في القصيدة المثقلة بتضييع الزمن، فإن ممات سويفت يتحول شكله من تشكيلة من الإشاعات التي تتناقلها الألسن إلى ذلك الحدث الذي لا يستطيع إطلاق حكم صائب عليه إلا صوت مجهول حيادي.‏

إن القصيدة محكومة بسلسلة من المفارقات المحبوكة التي ليست مجرد مفارقات بلاغية وحسب: إذ من هنا، كما أعتقد، تحتل القصيدة مكانتها الخاصة كمنطلق لأية قراءة لسويفت ولأي تحقيق لنصَّه. فهذه المفارقات ما هي كلها إلا نتائج لتلك البنية التي يتعذر الدفاع عنها والتي توحد الوجود البشري. وهذا هو التعارض فيما بين مطلقات الحياة (الولادة، الموت، الفردانية، الجماعة، أي الطبيعة بوجيز العبارة).‏

وبين مظاهرها الخاصة التي تشوهها وتجعلها نسبية. إن قوة هذا التعارض وعقمه يتمثلان في المطلقات التي لا تظهر فعلاً في القصيدة لأن التفاصيل تهمين عليها هيمنة كاملة. ومع ذلك فإن سويفت بمنتهى الجدارة يبيّن الأمر التالي ألا وهو أننا، في الوقت الذي نتعرض فيه للغيظ من الحالة الواهية التي آلت إليها الدنيا، نبدأ بالتأثر من الفن الرفيع الذي حول الدنيا إلى تلك الحالة الآنفة الذكر. فهذه النتيجة تماثل تماماً النتيجة التي توصلت إليها كراسة "عن الشعر".‏

إن المثل الذي ضربه لاروشفوكو يدخل بنا مباشرة إلى دنيا مشتقة من الطبيعة، ولكن بما أن فحوى ذلك المثل هو خطيئة الجنس البشري فإنه ينطوي بداهة على لاروشفوكو في الوقت نفسه أيضاً.‏

في كل الكروب التي تحل بأصدقائنا،‏

نراعي أول ما نراعي أغراضنا الخاصة،‏

وفي الوقت الذي تحدب فيه علينا الطبيعة لتهدئة بالنا،‏

فإنها تلفت نظرنا إلى ظرف ما لإدخال البهجة على نفوسنا.‏

ولذلك فإن القصيدة مفصولة تماماً عن أي ملاذ خارج إطارها، وإلى هذا السجن الهادئ يركن الراوي توا وهو يطالب "بإنش واحد كحد أقصى" ليكشف فيه عن رغبته، عن انسجامه التام مع مسيرة الدنيا، كي يرتفع فوق مستوى أقرانه. فالنسبة للكاتب يعني هذا حرفياً أن تأليفه الكلامي سيحتل مكاناً ينكره الكاتب على غيره، ويهرع سويفت دون إبطاء لتبيين فعالية ملاحظة لاروشفوكو. ولكن يجب علينا أن ننتبه كيف أن الأمثلة التي يضربها سويفت هي ما دعاها بالمزاح، لأن ما يحسد عليه بعض الأصدقاء من أمثال (بوب وغي) هو موهبتهما، علماً أن هذه الطريقة هي الطريقة السلبية لكيل المديح لهما. فحين يتهمهما، في البيتين 60 و61، بأنهما ساقاه إلى أن يبدو "عتيق الطراز" يجدر بنا أن نلاحظ التغيير الذي طرأ على لهجته: فالمزاح على الأصدقاء يخلي سبيله لاتهام خطير موجه لتلك الأوقات التي صارت ملكاً لوزراء الدولة الذين صار بمقدورهم معاملته بخشونة (وقد عاملوه بها)، وذلك لأن زمانه وحظه الطيب -في ذروة عز سلطة المحافظين- أثارا استياءهم. فلا روشفوكو سلاح ذو حدين.‏

ومنذ هذه النقطة فلاحقاً تصبح القصيدة محكومة بالنظام الزمني المحتوم الذي يقود أي إنسان إلى حتفه. وهذا النظام واسع بما يكفي لاحتواء لا التسليات التافهة للإنسان المتبطل وحسب بل والحكم السامي للتاريخ أيضاً. إن النقطة المركزية في الزمان هي حدث ممات سويفت المطروح، كعقدة ثابتة، في وسط ثلاث حركات تنبثق عنه وتحيط به. فقبل أي شيء هنالك حركة الانتشار التي بها نبأ ممات سويفت ينتشر في طول البلدة وعرضها. وثانياً، وهذا أقل وضوحاً من سابقه، هنالك تأريخ موضوعي يحملنا قدماً إلى الأمام إلى مستقبل بعد ممات سويفت بردح طويل من الزمن. وثالث هنالك حركة القصيدة نفسها، أي ذلك الإنش الذي يتوسع إلى أن يصبح في النهاية بنية كلامية هائلة، إن غاية القصيدة هي الإتيان بحدوث الإنتشار، فالعميد يبدأ بالموت، "فهو بالكاد يستطيع التنفس" ومن ثم يموت- "فما هي الخاتمة البهيجة؟". فالشيء الذي يتبدد ويضيع هو القسط التافه من العميد، ذلك القسط الذي صار ملكاً للناس الآخرين. إن أداة التبديد البارعة صارت ضحية الإنهاك لا لأن التاريخ ابتلعها، كما كانت عليه الحالة بالنسبة لكراسات سويفت السياسية، بل لأن السبب على الأرجح كان يكمن في أن مصدر فاعليتها هو حقارة القيل والقال، مصدر من مصادر المحادثة المهذبة التي ليس لها أية ديمومة أو وضعية حقيقية. وهذه المحادثة لا تمت، قبل أي شيء آخر، لا للعالم العمومي ولا للعالم الخصوصي، ولكنها تمت لنظام كلامي مستقل الاستقلال الناجز، أي إلى ذلك النظام الذي يطمس معالم أية علامة فارقة. وإنه لنسخة اجتماعية عن نفس ذلك النظام الذي يتغلب على الدنيا في نهاية "كومونويلث الأغبياء".‏

ومن الجدير بالذكر أن ممات سويفت يحدث في المحادثة، أي في اللغة- لا في مكان آخر. ولذلك ليس بوسع القارئ أو الشاعر أن يتغلغلا خلف البعد الكلامي، الأمر الذي يعني فرض معيار بشري على الطبيعة ("عالم مشتق من الطبيعة"). وهكذا فحتى موضوع على تينك الخطورة والبداهة الكبيرتين كالموت لا يمكن معالجته إلا كوظيفة من وظائف اللغة: ومن هنا يأتي التصنع البريء الذي تجيء به إرشادات الشاعر المسرحية وانتقاله المفاجئ بالمشاهد التي يترتب فيها الموت شفهياً. فالمشكلة التي يتعرض لها سويفت حينئذ هي تبيينه أن اللغة هي الحلبة التي تتصارع فيها الأعمال الأدبية بعضها مع بعض إلى أن لا يبقى في تلك الحلبة إلا أكثر الأعمال جدارة وأهمية. وإن ما يتبقى من سويفت لا يمكن وصفه، بعد ردح طويل من الزمن، إلا من قبل صوت حيادي مغفل قادر على أن يتفهم أن سويفت كان رجلاً أكبر من زمانه بكثير- وهذا دليل على ذلك الإحساس العجيب الذي كان يحسه سويفت تجاه نفسه ويتوقع فيه أن يكون مشكلة عويصة أمام المستقبل.‏

إن إطار المشهد الختامي للقصيدة لشيء بارع الحبكة، لا بل وأبرع الأشياء التي فعلها سويفت في حياته:‏

احسبوني ميتا، ومن ثم افترضوا،‏

أن احتشد لفيف من الناس عند الوردة،‏

حيث جراء حديث من هذا وحديث من ذاك،‏

أكبر لأصبح موضوع حديثهم،‏

وبينما هم يلهجون باسمي هنا وهناك،‏

بعضهم بالتأييد وبعضهم بدونه،‏

وأحد ممن لا علاقة له البتة بالأمر،‏

يرسم شخصيتي النزيهة.‏

(الأعمال الشعرية، 506)‏

إننا نلاحظ هنا أن الحديث من هذا ومن ذاك يستنفذ نفسه بنفسه، في حين أن سويفت موضوع الحديث، أي، موضوع التاريخ يكبر: لا بصورة تلك الشخصية التي شاخ أيضاً وضعها البشري وأكل الدهر عليها وشرب، بل بصورة الشخصية النزيهة التي تبرز لتحتل لها وجوداً أكبر فأكبر. إن مثل هذه الشخصية بإمكانها الصمود والبقاء في التاريخ كتكملة للزمن المحدد الذي تجاوز حدوده سويفت باعتباره كان أكبر منه بكثير: "فلو أنه صان لسانه وقلمه/ لبُعث كغيره من الناس الآخرين". وها هو الآن يبعث من جديد، لا كإنسان بل كموضوع. وإن عبارات الوصف متسقة تمام الاتساق تقريباً مع عبارات المبالغة، ومع العبارات المتناقضة مع عادات وتقاليد زمانه تناقضاً كبيراً إلى ذلك الحد الذي يجعل السلطة والدولة عاجزتين عن احتوائه.‏

مع الأمراء كان يحافظ على الذوق اللائق،‏

ولكنه ما وقف البتة خاشعاً أمامهم،‏

ومع جلالة الملكة، بارك الله بها،‏

كان يتحدث بحرية وكأنه يتحدث إلى وصيفتها،‏

إذ كانت تظن ذلك نزوة خاصة به،‏

وما كانت تسيء الظن بكل ما يخرج من فمه،‏

لقد عمل وفق موعظة داوود تماماً،‏

إياك أن تثق بالأمراء،‏

ولئن كنت تريد إثارة غيظه فعلاً‏

فحرّضه بذكر عبد في السلطة:‏

مجلس الشيوخ الإيرلندي، على سبيل المثال،‏

يا لكم انتقده بنفاذ صبر:‏

قسط من الحرية كان كل مطلبه،‏

من أجلها وقف مستعداً للموت،‏

دفاعاً عنها وقف بمفرده ببسالة،‏

من أجلها عرّض حياته للخطر،‏

مملكتان، وكأنه قام بانشقاق حزبي،‏

وضعتا ثمناً لرأسه،‏

ولكن تعذر العثور على خائن،‏

يبيعه مقابل ستمائة جنيها.‏

(الأعمال الشعرية، 507)‏

لقد دافعت السماء عن براءته (1-429)، ولذلك فإن سويفت يبلغ سيادته الخاصة به جراء تجاوزه الحدود المألوفة المتجسدة بالملكات والأمراء "بذوق لائق". وهنا أيضاً يصور سويفت نفسه في تلك الحالة الموقوفة عليه وحده، الوحدة بين الذوق والحرية- حالة تذكرك بعبارة بلاكمور "الفوضى الرجعية". هذا في حين أن بولسون يسمي هذه الحالة بالدمج "الذي دمج فيه سويفت بين استغلاله الساخر لوضعيته وبين تأملاته الجادة فيه". ولكنني أعتقد أن القسط الهجائي الواضح من القصيدة قد أرجأه سويفت ليس أسلوباً أو نوعاً أدبياً (وهذا ما خلص إليه بولسون)، وإنما هو على الأرجح منوال سيادته وتجاوزاته وكان بالفعل نمط وجوده المفهوم. وباختصار، كان الهجاء لقب تطرفه وكان، كما يبرهن على ذلك ميراثه لإيرلندا) البنية الموضوعية لديمومته السلبية في التاريخ.‏

ربما قد أجيز للعميد‏

أن يكنّ في سريرته فيضامن الهجاء،‏

وأن يبدو عازماً على عدم ضموره،‏

إذ لا عصر يستحقه كهذا العصر،‏

ومع ذلك فلم يكن الحسد من أهدافه،‏

لقد هجا الرذيلة وأغفل الاسم،‏

وما كان بمقدور امرئ أن يمتعض،‏

في الوقت الذي كان المقصود به الآلاف على قدم المساواة،‏

هجاؤه لا يشير إلى أي عيب‏

إلا العيب الذي بوسع كل المخلوقات تصحيحه....‏

"لقد تبرع بالثروة الصغيرة التي كان يملكها‏

لبناء منزل للبلهاء والمجانين:‏

وأبدى بمسحة هجاء وحيدة،‏

وما من أمة أرادته مقزعاً بهذا المقدار:‏

تلك المملكة تركها لدائنه،‏

وأتمنى لها قريباً صاحباً أفضل".‏

(الأعمال الشعرية، 512-513).‏

إن "الأشعار" تُسلِم سويفت للتاريخ في نهاية القصيدة. فثمة حدث حقيقي يصبح قيد التخطيط في العنصر الخيالي من اللغة ويودع بجرأة ضمن التشوش المطلق للهذر وخارج إطار العالم، إلى أن يتحول القسط الذي يجب أن يضيع إلى مكسب مؤكد "نزيه" للأجيال اللاحقة، وفي تلك العملية يموت بالطبع سويفت الإنسان وينطمر في توافه ذلك العصر الذي ما كان بمقدوره أن يسمح لسويفت بالحياة فيه، ولاتركه يعيش فيه أيضاً. فهذا الشيء يجب أن يكون مصدر الخرافة الراسخة عن جنونه- نفوره من قواعد الحشمة المألوفة التي كان نفسه يتوق إليها والتي أمانته المفرطة، في السنوات الأخيرة من حياته، أجبرته على الاعتقاد بأنها اندثرت وتلاشت. ولذلك فقد تصور نفسه بأنه عاش ومات في تلك الخسارة. ومع ذلك فإن القصيدة تبين كيف أن منفاه الإيرلندي قد أعيد إلى سابق عهده كموضوع للمحادثة، لكن لا كشخصية بتاتاً ولا ككتلة من الأعمال، بل كحضور بالنسبة لأولئك الأفراد الذين يستطيعون أن يتقبلوا، كما تقبل هو، الخراب والسلطة في آن واحد معاً. ففي ذلك الوضع، بين الدنيا والمحفوظات، يحافظ سويفت على ديمومته، شطر منه هنا وشطر هناك. فلقد كان خياله هو المقاول لتلك الصفقة الصعبة، وتحدّ عسير غاية العسر بالنسبة للقارئ في القرن العشرين.‏

(i) إننا بأمس الحاجة لوجود إنسان بيننا، من الداخل، كغوته- المترجم.‏

* السترلد برغز: في رواية "أسفار غوليفر"، كان هذا النعت هو النعت الوطني في مملكة لوغ ناغ، وقد أطلقه سويفت على أولئك الناس الذين ما كان بمقدورهم أن يموتوا، ولكنهم بعد سن الثمانين يستمرون على قيد الحياة بحالة من العجز واليأس، وعلى الرغم من اعتبارهم قانونياً موتى فإنهم يتلقون معونات زهيدة من الدولة- (المترجم).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244