|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:05 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
3- سويفت المفكّر لأسباب تتعلق بالنقاد المعاصرين وتتعلق، في الوقت نفسه، بما يقدمه لهم عظماء الكتاب الأوغسطيين، فإن مطلع القرن الثامن عشر في إنكلترا لم يكن موضع التجاوب الخاص من لدن أكابر المنظرين الأدبيين المعاصرين. فإذا قارنا نوع التعامل الذي تعامله الوعي النقدي الحديث مع شخصيات من أمثال دكتور جونسون وستيرن وغيبون وريتشاردسون، ومع ما فعله ببوب وسويفت، لوجدنا أن التناقض صارخ. وثمة طريقة أخرى لتفهم ما أعني هي التوقف عند مبلغ التشوق الذي بلغته دراسة غيبون وجونسون، مثلاً، لدى غير المتخصصين في القرن الثامن عشر. فسيرة جونسون بقلم والتر جاكسون بيت أو ندوة ديدالوس عن غيبون لهما طريقة في استقطاب الانتباه العام بالنظر للجدارة الفعلية لموضوعيهما وبالنظر أيضاً للمتعة التي قد يجدها القارئ المثقف بالطريقة التي تناولت هاتين الشخصيتين. إن مثل هذه المتعة لم تكن بكل بساطة متوفرة بالعمل الحديث عن سويفت. فلقد قامت هناك أعمال من قبل نقاد مشهورين من أمثال إيرفين إهرنبريس ودانيس دونوغو، ومع ذلك تبقى ماثلة للعيان تلك الحقيقة المرة عن تقويم سويفت بأنه، دون زيادة أو نقصان، كاتب كلاسيكي. فلماذا يوجد إذاً ذلك الفراغ، تلك الهوة المشؤومة بين احتمال كون سويفت كاتباً ذا طاقة فائقة لدى النقاد المحدثين وبين ذلك الأداء المخيب للآمال خارج إطار الزمرة الاحترافية في بحوث القرن الثامن عشر؟ إن من الممكن جداً أن ما قد ندعوه بالنقد المعاصر المتطور لم يتنبه لسويفت كنتيجة لمصادفة بسيطة، وإن من الصحيح، في خاتمة المطاف، أن يكون نورمان أو. براون قد درس فعلاً سويفت دراسة أثنى فيها عليه الثناء العاطر قبل عشرين سنة ونيف، وبما أن كتابه المعنون بـ "الحياة ضد الموت" كان وقتها عملاً رائداً، فإن هنالك إمكانية طيبة في أن يصبح سويفت من جديد ذلك الكاتب النموذجي للنقد المعاصر الطليعي. وبوسعنا أن نؤكد، بكلمات أخرى، أن الزمن لم يحن بعد، بيد أنه سيحين ولابد. ومع ذلك فهذه المقولة مقولة ترفض النظر نظرة جادة إلى الظروف الفكرية والثقافية التي جعلت، في طول التاريخ البشري وعرضه، تجاهل بعض النصوص المعينة أو الانكباب عليها أمرين خاضعين لا للمصادفة المحض بل للإرادة المتعمدة والاختيار المقصود. ولكن فيما يتعلق بحالة سويفت الهزيلة والمطروحة على أئمة النقد المعاصر فهنالك أسباب عديدة للظن بأنها نتيجة لبعض القرارات الملموسة جداً. وإني لأعتقد، بادئ ذي بدء، أن ما يجب قوله يكمن في أن سويفت، فضلاً عن بعض معاصريه من أمثال درايدن وبوب، ناهيك عن ستيل وآديسون وبولينغبرك، كان المستفيد بالأساس من نوع معين من الدراسة. وعلاوة على ذلك فإنني لا أقصد التهكم حين أقول أن الإطراء الكبير حق لأولئك الدارسين الذين يؤكدون على صحة آثار سويفت وعلى رصانته النصية- وهي بالمناسبة شيء هام جداً في خاتمة المطاف- إلى ذلك الحد الذي جعل تناولهِ مغامرة مثبطة للعزيمة، ففي حالة سويفت هنالك وقائع يجب أخذها بعين الاعتبار من أمثال الطبعات العظيمة التي طبعها هارولد وليامز وهربرت ديفيس. وإن العمل الذي جاءت به هاتان الطبعتان لعمل على مستوى رفيع جداً، كما أن تركيزهما على الوقائعية البحتة كان كبيراً ودقيقاً جداً أيضاً (وهذا ما يجب على الناشرين الأكفاء أن يقدموه للمرء) حتى أن سويفت ليبدو أقرب إلى القسيس الأنجليكاني الصريح والجلف بعض الشيء مثلما كان ولابد في بعض سنوات حياته الفعلية على الأقل، والواقع لا يشير إلى أن دراسة سويفت قد حددت سطوع نجمه، بل يشير إلى أن الدارسين، بعد حل العدد العديد من المشكلات النصية حلاً رائعاً تماماً، شعروا بشيء من الإحجام عن المغامرة خلف ذلك الميدان. ولقد صار ذلك الميدان بالفعل أشبه بجو النادي، الأمر الذي لا يثير الكثير من الاستغراب إن تذكرنا أن حلقة سويفت خلال أيامه اللندنية كانت تدعى بالنادي. إن مظهراً هاماً من مظاهر النادي بالنسبة للقراء المحدثين كان على ما يبدو موضع تحديد ما دعاه لويس بردفولد، قبل بضع سنين، بكآبة الهجائين في حزب المحافظين. فهذه النظرة إلى سويفت وبوب وآربثنوت ما هي، في اعتقادي، إلا لازمة فكرية طبيعية للدراسة النصية التي تحدث عنها قبل هنيهة من الزمن، والتي يجب أن يوافق عليها معظم قراء سويفت وبوب لأنها صحيحة ومقنعة في آنٍ واحد معاً. وبمقدار ما كان الأمر يتعلق بالطبيعة البشرية فإن سويفت كان متشائماً، وسواء أكنا ننتمي في التحليل الأخير إلى مدرسة "الصقور أو الحمائم" من مؤولي رواية "أسفار غوليفر" علينا أن نقول بأن الياهوز* "Yahoos" يمثلون، بمعزل عن بيئتهم، فكرة عن الطبيعة البشرية أقرب ما تكون، ولو على مضض، لفكرة بعض بني البشر. وإن القول، علاوة على ذلك، أن وجهة النظر هذه تتطابق مع وجهة نظر سويفت لقول معظم القراء على استعداد لأخذه بعين الاعتبار وذلك لأن الفكرة المعممة لسويفت عن السخط الشديد "saeva indignatio" لفكرة متأصلة جداً في الوعي الثقافي. إن المشكلة مع هذه القراءات التي تناولت سويفت هي أن تواترها وشهادتها قد حشراه إما مع عصبة من أقرانه ذوي التوجهات الذهنية المماثلة لتوجهاته (مع هجائي حزب المحافظين) وإما مع زمرة من المعتقدات التي لا يصعب استكشافها من كتابته. إن كل عمل سويفت، باستثناء "حكاية حوض" التي أذهلت حيويتها الفياضة كاتبها نفسه في وقت لاحق من حياته، يعزز في حقيقة الأمر فلسفة محافظة صارمة إلى حد ما، لا بل وفلسفة مقيتة. فالإنسان إما أن إصلاحه متعذر أو هو نزاع للبذاءة أو الفساد أو الحقارة، إذ إن الجسد مقزز بمنتهى البداهة كما إن التعصب، كمخططات الغزو أو مخططات مشروع شبه علمي، خطير ويهدد الجماعة السياسية، علاوة على أن كنيسة إنكلترا والآداب الكلاسيكية والملك (هذه المؤسسات الثلاث التي كان سويفت يعتقد بأنها مغروسة في العواطف القويمة لإنسان من أشياع كنيسة انكلترا) كانت تشكل بعضها مع بعض أعمدة وتراث الصحة البدنية والأخلاقية- وهذا الإيجاز ليس بالإيجاز المجحف لعقيدة سويفت، وهنالك عدة سمات أخرى مَرَضية إلى حد مؤسف ما أن توضع بحذاء جموح خيال سويفت، جموحاً تصعب السيطرة عليه إلا بشق النفس، حتى تقدم لنا رجلاً نظرته ضيقة ومحدودة، لا بل وسادية. وهكذا فلن يجادل إنسان عندئذ أن سويفت هو ذلك الكاتب الفقهي أو الكلاسيكي لأنه يقدم للقارئ، شأنه بذلك شأن جونسون مثلاً، حيوية الذهن مقرونة بصحة المنطلق. فهو لا يشبه جونسون الذي تستهدف حركة كتابته فتح الأشياء، في حين أن كتابة سويفت تستهدف إغلاق الأشياء. وحتى لو وافقنا مع هربرت ريد على أن سويفت هو أعظم أسلوبي ناشر في اللغة الإنكليزية، فإن من المحتمل أن نشعر بأن تأثيراته عقيمة في جوهرها وصعبة وضيقة. فهو ينتمي إلى زمرة هامة ومصطفاة -من مثل شيكسبير كاتب ترويلس وكريسيدا، وميلتون في بعض الأحيان وجيرارد مانلي هوبكينز- التي قلما تستطيع اللغة، بالنسبة إليها، حمل عبء هذا الشيء من الإلحاح أو ذاك كي تصبح للتو، جراء ذلك، وبقوة متكافئة، حزينة ومحزنة. ففي سورة غضب لغة سويفت المكثفة والمصقولة إلى حد رفيع في آن واحد معاً، هنالك حيز صغير لما دعاه وردزورث بالموسيقا الحزينة الهادئة لأفراد الجنس البشري. وإننا نجد أنفسنا نتعامل مع التواءات الفكر وبهلوانيات الروح التي تخادعنا وتناقشنا ولكنها تميل إلى نبذنا في النهاية، لأن سويفت يجسد شخصيات على الدوام لا نحب أن نتماثل معها. فالأسئلة التي نتساءلها حين نقرأ سويفت هي في العادة من نوع "ما الذي يدور" أو"كيف تجري الأمور". وإن أمثال هذه الأسئلة تبرز أمامنا بشكل منطقي نظراً، وبالتحديد، لاقتضاب السطر لدى سويفت اقتضاباً لا يصدق، الأمر الذي يمثل جوهر الوصف الذي وصف به جونسون الأسلوب إذ قال "كلمات مناسبة في أمكنة مناسبة"، وهو الوصف الذي ليس بمقدورنا أن نضيف عليه إلا "وبإفراط". وحري بنا أن نمضي قدماً إلى الأمام ولو قليلاً لتوكيد الحدود التي حجزت وراءها على ما يبدو سويفت من أن يكون مرشحاً للاهتمام النقدي الشيق. إن أكثر الموضوعات إصراراً على الصمود في عمل سويفت هو الضياع، وإن كتابته غالباً ما تبادر للإتيان بالمعنى الحرفي للضياع حتى قبل عرض طاقتها الرشيقة. ولذلك فإن المرء يفتقد في سويفت نفس بُعد الاتساع والصحة الذي يمكننا أن نراه، في سياق كتابته، مدفوعاً بعيداً عن الأنظار. فالجسم البشري، مثلاً، لا يعرضه سويفت (كما في حكاية حوض أو في أسفار غوليفر) إلا لكي يكون مهشماً أو مظلوماً باهتمام بالغ الدقة والتكثيف إلى الحد الذي يتحول فيه إلى شيء تتعزز منه النفس. إن حدة مثل هذا التقزيم ناجمة عن أن الكاتب يعرف هذا على ما يبدو، لابل وبدون الضياع بعربدة تسخر من ذاتها بذلك الأسلوب الذي يتسم بدقة براقة فريد من نوعها ندعوها بـ "السويفتية". فالأشياء التي يدور حولها اهتمام سويفت -من أفكار وبشر وأحداث- مجردة من قوتها الحقيقية أو من الحياة ومتروكة، في نثره، على شكل بقايا، أو معروضات تجلب معها الصدمة أو التسلية أو الإنسحار. فحين نفكر "بالمضمون" البشري لعمل سويفت، ونتصوره معطلاً مؤقتاً في الأسلوب البسيط، نتأكد بشيء من الانزعاج أن ما أمامنا معرضاً من العجائب والأشياء المرعبة: ككاتب مجنون ومنجّم قتيل وحرب مستحيلة ولا معقولة وكاتب سياسي متهافت (ستيل)، وقاعة تعج بزنادقة غواة، وأناس يغطون في الروث، وهكذا دواليك. إن التصاوير العنيفة للحرب والمرض والجنون والحرمان، فضلاً عن نتائج التقزيم والتعملق المطروحة علينا في "أسفار غوليفر"، كلها متجانسة مع الضياع العام الذي تعيشه حالة الاستواء والذي ينجذب إليه سويفت على ما يبدو. ولذلك فلن نكون على خطأ في قولنا أن مظهراً هاماً من مظاهر تماسك سويفت ككاتب هو العمل الفكري والروحي الفذ الذي عزز أسلوباً كأسلوبه، والذي حوّل الواقع تحويلاً على مثل ذلك التطرف بسلبية عنيفة جداً لمقاصد بالغة الضيق بمنتهى الأسف. ليس من الممكن أن يحالفني النجاح في وصف حالة سويفت، الكاتب المحدود والكاتب المعيوب بعمق، إن لم أرسخها الآن بشيء من الإسناد إلى مقالة جورج أورويل التي عنوانها "السياسة قبالة الأدب: فحص لأسفار غوليفر"، والتي صدرت أصلاً في عدد من مجلة (بولميك) في أواخر عام 1946. إن حجتي في الإقدام على هذا هي أنني أنظر نظرة جادة، للمرة الثانية، إلى تلك الحقيقة التي مفادها أن سويفت لم ينل استحقاقه من النقد المعاصر، الأمر الذي يشكل نقصاً أعزوه، إلى حد كبير، إلى بعض الجوانب الهامة ذوات النوع العام في الاهتمام النقدي الذي حظي به سويفت، ورأيي بالطبع هو أنه حتى لو كان الواجب يقضي بالاعتراف أن سويفت شخصية معضلة، وأنه شخصية محدودة وغير جذابة بشرياً من وجوه عديدة، فإن هذه الاعترافات يجب ألا تمنعه من أن يكون موضوع النقد المعاصر الخصيب بشكل فعلي- ولكننا سوف نتطرق لاحقاً للمزيد من هنا. إن مقالة أورويل تعود لتلك الفترة التي بدأ يتزايد فيها تحرره من الوهم فيما يتعلق بالسياسة الحديثة. إنه يقول لنا بأن سويفت كان يعني الشيء الكثير بالنسبة إليه منذ عيد ميلاده الثامن، حين أهديت إليه نسخة من "أسفار غوليفر". وإن مناقشة أورويل مناقشة عادية جداً، ومناقشة بمقدورنا، بمقدار ما تتوسع، أن نميزها من خلال قراءتنا لوكاش عن بلزاك أو من خلال قراءتنا، في عهد أحداث، فردريك جيمسون عن ويندهام لويس (في كتاب خرافات العدوان). فالسياق العام هو أن المواهب الأدبية العظيمة لأي كاتب، حتى لو أفصح عن التزامه الإيديولوجي بوجهات نظر يمينية، تمنحه قيمة خاصة. ولكن أورويل لا يحاول، على نقيض لوكاش وجيمسون، أن يبرهن على أن الكاتب تقدمي فعلاً بفضل أسلوبه أو براعته الفنية، بل على العكس من ذلك إذ يصر أورويل على أنه "بالمعنى السياسي والأخلاقي" ضد سويفت حتى لو كان "واحداً من الكتاب الذين أكن لهم الإعجاب وبأقل ما يمكن من التحفظ، ويا للعجب العجاب". وهكذا فإن محبة أورويل لسويفت مبنية على محاولة العثور على قسط كبير يستحق الإعجاب بسويفت على الرغم من أنه كان رجعياً وعدمياً ومريضاً- وهذه هي الكلمات التي يستعملها أورويل أكثر من مرة في سياق مقالته. ويشير، فضلاً عن ذلك، إلى أن سويفت كاتب من أولئك الكتاب الذين تطغى المتعة بكتاباتهم، بالنسبة للقارئ، على استهجان ما يكتبون. وإن سويفت، بالنسبة لأورويل، "في إصراره العنيد على الكتابة عن المرض والقذارة والتشوه إلى ما لا نهاية له، لا يختلق شيئاً من عندياته، وإنما يشيح ببصره عن أشياء أخرى. فالسلوك البشري هو أيضاً، لا سيما في السياسة، كما يصفه على الرغم من أنه يشتمل على عوامل أخرى أهم يرفض سويفت الإقرار بها. ومن الجدير بالذكر أن سويفت لم يكن يمتلك الحكمة العادية، بيد أنه كان يمتلك فعلاً تلك البصيرة النفاذة التي كان بمقدورها نبش حقيقة خبيئة وحيدة والعمل من ثم على تضخيمها وتشويهها، إن صمود "أسفار غوليفر" حتى هذه الأيام دليل على أن أية وجهة نظر دنيوية تكون كافية بحد ذاتها، إذا توفرت لها قوة الإيمان من خلفها وتمكنت من اجتياز امتحان المنطق السليم وحسب، لإنتاج عمل فني عظيم"(1). إن هذا موجز معقول عن الحكم الذي أطلقه أورويل على سويفت، باستثناء أن الموجز يغفل ملاحظة ممتعة جداً سأعود إليها لاحقاً ويدعوها أورويل بمقولة سويفت عن "العنف اللامسؤول لدى الضعفاء". وأما الآن فبمقدورنا أن نقول بمنتهى الثقة أن أورويل، مثله مثل معظم الهيأت الدراسية، يجد أن سويفت جدير بالإعجاب حتى بمعزل عن كل ما يقوله عن الحياة والسياسة وأبناء الجنس البشري. وبكلمات أخرى فإن آراء سويفت تكره المرء الإكراه كله على مقت نزعتها الفوضوية وتهجماتها المنكودة على المجتمع برمته وعلى الجنس البشري، إلى ذلك الحد الذي لا يترك للقارئ الحديث إلا النزر اليسير الجدير باستحسانه أو احترامه. واسمحوا لي أخيراً بتحديد موقفي أنا. فأورويل، من باب التمهيد، ليس مخطئاً جداً باعتبار أن رأيه متسم بالتحيز والنقص وليس بالفعل على قسط سياسي واف. وإن المرء حين يقرأ تقويمه لسويفت لا يعرف أن "أسفار غوليفر" كتاب متأخر، ولا يعرف أن سويفت كان في معظم أوائل حياته سياسياً ناشطاً، لابل وحتى سياسياً انتهازياً ورّاقاً ومحجاباً. فلقد كان حريا بأورويل أن يقرأ "أسفار غوليفر" لوحده ويستنتج من ثم آراءه السياسية من تلك القراءة المنعزلة، إذ إن النظرة إلى غوليفر بأنه يمثل كل ما لدى سويفت لنظرة مشوهة. وإن تلك التشابهات التي يقوم بها أورويل بين سويفت وكل من آلان هربرت وج. م. يونغ ورونالد نوكس الذين ينعتهم سويفت "بذلك العدد الغفير من المحافظين الأذكياء الأغبياء في يومنا هذا"، لتشابهات ذكية غبية بحد ذواتها علاوة على أنها ضيقة الأفق ضيقاً بالغاً. وإن القبول عن سويفت بأنه "لم يكن يحب الديموقراطية" يعني قول شيء لا يمت بأية صلة لسياق الزمن وذلك لأنه حتى خصوم سويفت من أعضاء "الحزب التقدمي"، ذلك الحزب الذي يمر أورويل على ذكره مرور الكرام، ما كان بالإمكان وصفهم بأنهم من المؤمنين بالديموقراطية، فهل بوسع المرء أن يصدق بالفعل أن غودولفين ودوق مالبورو، وقد كانا كلاهما عضوين في حزب الأحرار (Whigs) وهدفين لهجوم سويفت عليهما بلا هوادة، كانا مؤمنين بالديموقراطية؟ وحين يعبر أورويل عن ثقته أن سويفت كان عالماً فذاً بالغيب حيال "ما يمكن دعوته الآن بالديكتاتورية" -ومحاكمات الجواسيس وتصنّت المخبرين ومؤامرات الشرطة وما شابه ذلك- فإنه لا يستملح ذلك إلا لكي يدينه بعد برهة وجيزة على كون تفكيره "لا يدور حول عامة الناس مقدار ما يدور حول حكامهم، أو على عدم كونه مع المزيد من المساواة الاجتماعية، أو على عدم كونه متحمساً للمؤسسات التمثيلية". فأورويل على ما يبدو ليس على يقين من أن بوسع المرء أن يكون عدواً لدوداً للطغيان، مثلما كان سويفت طيلة حياته، وألا يكون له موقف متطور جداً من "المؤسسات التمثيلية". إن الشيء الذي لا يأخذه أورويل بحسبانه هو إذاً الوعي الإيديولوجي، أي ذلك الجانب من تفكير الفرد الموصول، في خاتمة المطاف، بالوقائع الاقتصادية والسياسية/ السوسيولوجية. فسويفت جزء كبير من زمانه: ولذلك ليس من المنطق في شيء أن نتوقع منه أن يفكر ويتصرف كنموذج بدئي لجورج أورويل نظراً لأن الخيارات الثقافية والإمكانات الاجتماعية والفعاليات السياسية التي أتيحت لسويفت في زمانه كان من المرجح لها أن تأتي بإنسان كسويفت لا كأورويل. وأما فيما يتعلق بالنظرة الشائعة عن سويفت بأنه ذلك العضو الهجاء في حزب المحافظين (Tory) فإنها بدورها تقلل من شأن سويفت كمحرض سياسي وتعلي من مقام سويفت كجلاّب للصور الغائبة. بيد أن انطباعي يتجسد في أن هنالك تقولات أكثر من اللزوم عن سويفت بأنه ذلك المفكر الفاضل الذي كان متحمساً في دفاعه عن هذه النظرة القاطعة أو تلك إلى الطبيعة البشرية، في الوقت الذي ليس فيه ما يكفي من التقولات عن سويفت بأنه محرض سياسي محلي وصاحب عمود في إحدى الصحف وورّاق ورسام كاريكوتوري. وحتى تلك التحليلات المفيدة للأساليب الهجائية لدى سويفت، طريقة تعبيره أو شخوصه مثلاً، يعتريها الفساد أحياناً من جراء هذا التعرض. وهكذا فيبدو الأمر وكأن النقاد يفترضون أن سويفت كان بوده فعلاً أن يكون على غرار جون لوك أو توماس هوبز، ولكنه لم يتمكن من ذلك لأمر ما: وهكذا تصبح مهمة الناقد مساعدة سويفت على تحقيق طموحه بتحويله من مكافح سياسي عابث وهامشي إلى فيلسوف يقتعد أريكته ويدخن غليونه. إن سويفت، على ما أرى، كاتب من كتاب ردود الأفعال قبل أي شيء آخر، إذ كل ما كتبه تقريباً كان رد فعل على مناسبة ما، ولكن يجب أن نضيف للتو أنه كانت له ردود أفعاله على تلك المناسبات التي لم يعمل على خلقها بنفسه. وهنالك دون شك أسباب اقتصادية جلية خلف هذا الموقف: فسويفت كان، في نهاية الأمر، متعلماً بسيطاً في معظم حياته وكان بأمس الحاجة لتلك الفرص التي أتاحها له أولياء نعمته الأثرياء بدءاً بتامبل مروراً بهارلي ووصولاً إلى الجماعة السياسية الإيرلندية في خاتمة المطاف، أي أولئك الناس الذين تحدث نيابة عنهم في "رسائل تاجر الأجواخ". فأصالته إذاً كانت تكمن في إجابته ورد فعله على المواقف التي كان يحاول التأثير عليها أو تغييرها. وهنالك ثمة شيء يقوله في "الدفاع" عن (حكاية حوض) يؤكد توكيداً بيّنا وعيه لذاته بخصوص هذا الأمر إذ يقول: "إن الإجابة على كتاب ما إجابة فعالة تستلزم من المشقة والمقدرة والنباهة والتعلم وسداد الرأي أكثر مما كان موظفاً في خلق المواقف بالدرجة الأولى". فمساهمته كانت تشقلب دائماً وتقريباً كل ما كان يبحثه جراء استطراده إلى مواقف أو أشخاص أو كتب جديدة في كتابته، فهذا هو الخلق الجديد الذي استولدته بكل إصرار أساليبه في المُحاحكة، والذي اقترن بفلتان الطاقة فلتانا جامحاً يربو على المقدار الذي أتيح له في البداية، علاوة على فيض كبير من السخرية. وما أورويل إلا على صواب مطلق حين يقول بأن سويفت يهاجم، في "أسفار غوليفر"، ذلك الجانب من الديكتاتورية الذي يجعل الناس "أقل وعياً" على العموم. وهنا تحدوني الرغبة في أن أشتط قليلاً وأضع الأمر في مصطلحات إيجابية. فهدف سويفت يتمثل في أن يجعل الناس أكثر وعياً فيما يتعلق بما يدور حولهم. إذ كما قال أوسكار وايلد "ما من طبقة تعي أبداً معاناتها الخاصة بشكل فعلي، وهي بحاجة لمن يحدثها عنها من الناس الآخرين، وغالباً ما تصدقه تماماً..... فالمحرضون السياسيون هم تلك الزمرة من الناس المتطفلين ممن يدسون أنوفهم ويهبطون إلى مستوى طبقة ذات ضنوع مطلق في المجتمع لكي يبذروا بذور السخط بين أفرادها. وهذا هو السبب الذي يجعل من وجود المحرضين أمراَ ضرورياً جداً(2)، فالأسلوب التحريضي الذي يدس أنفه به سويفت ويتطفل ما هو دائماً إلا لكي ينسف أو يستنبط مضامين كتاب أو موقف أو وضع ما، من تلك التي لولا ذلك لتقبلها الناس بمنتهى الغباء. ولذلك فإنه بهذا الأسلوب يستحث الوعي والإدراك وينشّط التبيين. ولكن الشيء الذي جعل قراءه اللاحقين (ولربما حتى قراءة المعاصرين) يتذمرون من كتابته هو أنها كانت تبدو في غاية التطفل على الأمر الذي ترد عليه. إن تصاوير سويفت للشخصيات كانت تبدو إما أقرب مما ينبغي للصور الكاريكاتورية عما تصوروا وإما صارمة أكثر مما ينبغي حيال التسامح مع ما تقترحه كبديل: فصورته عن ذلك الإنسان الأخرق في "حكاية حوض" مثال عن القول الأول، في حين أن صورته عن الياهوز والهوينهنهنمز* تؤدي دور الأمثلة عن القول الثاني. وهكذا فإن صرامة سويفت كانت عندئذ بحاجة للتليين من خلال التعريج على الروح العامة في حزب المحافظين، الذي كان ينتمي إليه، أو من خلال الهذر أو الجنون الإنساني الذي لم يكن ليتيح له أي خيار آخر. فليس من المستغرب إذاً أن يكون كولردج قد تحدث عن سويفت بأنه روح رابلييه في مكان مجدب (in sicco anima Rabelaisii). وهنا أريد أن أقترح أننا إذا اقتصرنا في نظرتنا إلى سويفت لاكفيلسوف ولا كمجنون ولا حتى ككاتب "خلاق" وفق مقتضيات هذا النعت، بل كمفكر، فإن نشافته وصرامته وقسوته ستبدو أكثر انتظاماً وعصرية إلى حد كبير جداً. فمما لا شك فيه أن سويفت كان يريد من الحياة أكثر من أن يكون مجرد عميد الكنيسة الإنكليزية، أو أنه كان يأمل تسنم منصب وزاري ذات يوم بمساعدة هارلي وسانت جون، أو أنه سيحظى بنصيب أوفى من الثروة والجاه وأكبر مما كان يتيح له مبدئياً موقعه المتواضع. ولكن هذه المطامح لم تمنعه، مما كان حجم إحباطه من تحقيقها مغيظاً له، من أن يكون نشيطاً وقوياً وفعالاً حين كان يمارس كتابته. وقصارى القول هنالك الكثير مما يمكن أن يقال عن سويفت، وأكثر من الكثير مما يمكن أن يستقطب اهتمام الناقد المعاصر في إنجازات سويفت الفعلية والمحلية. إن من المحتمل ألا يكون الانطباع العام عن المفكر قد اقترن بأي عصر من العصور قبل القرن التاسع عشر المنصرم، كما إن دور المفكرين في المجتمع لم يكن محط الدراسة في أي عصر من العصور التي سبقت الثورة الفرنسية. فكتاب لويس كوسر المعنون بـ "رجال ذوو أفكار"، الذي هو بمثابة أفضل مسح تاريخ للمفكرين الغربيين المحدثين، يقتصر في وصفه لإنكلترا زمن القرن الثامن عشر على بضع صفحات عن مقاهي لندن اعتماداً منه على الفصل المكتوب بقلم هارولد روزيتي عن أديسون وستيل في "تاريخ كمبردج للأدب الإنكليزي" الصادر في عام 1912. إن كوسر على حق حين يقول أن المقاهي كانت على مستوى المراتب الطبقية إذ كانت "ترعى قيام احترام وتسامح جديدين حيال أفكار الآخرين وتشجع الوداد الاجتماعي وتفضي إلى نشوء أنماط جديدة من التكامل "القائم على تجاذب أطراف الأحاديث(3) ولكنه مخطئ تماماً حين يستثني من البحث النشاط الفكري النابض بالحياة والجاري في الصحافة إبان تلك الآونة. وعلاوة على ذلك فإن الشرطين اللذين وضعهما كوسر "لمهمة المفكر كي يكون مقبولاً اجتماعياً ومقدراً حق قدره اجتماعياً يمكن الإتيان على ذكرهما هنا بشكل مفيد: فأولاً يحتاج المفكرون إلى جمهور، أي إلى حلقة من الناس الذين يستطيعون توجيه كلامهم إليهم والذين يخلعون على المفكرين التقدير الضروري. وإن مثل هذا الجمهور سيوفر في العادة المكافآت الاقتصادية، بيد أن الامتياز أو التقدير المنوط بالمفكر من لدن جمهوره، أي مردوده النفسي، قد يكون في الغالب أكثر أهمية بالنسبة إليه من مردوده الاقتصادي. وثانياً: يحتاج المفكرون إلى ذلك الاحتكاك المنتظم بزملائهم من المفكرين الآخرين، إذ إنهم من خلال مثل هذا الاتصال، ومن خلاله وحده، يستطيعون إنشاء معايير عامة للمنهج والفضيلة، معايير عامة لإرشاد مسلكهم. وعلى الرغم من الأسطورة الشائعة حيال النقيض، فإن معظم المفكرين لا يستطيعون إنتاج عملهم في عزلة عن الآخرين، ولكنهم بحاجة لتبادل الآراء في البحث والنقاش مع أقرانهم لتطوير آرائهم. وفي الوقت الذي ليس فيه كل المفكرين نزاعين للاختلاط الاجتماعي، فإن معظمهم يحتاجون إلى اختبار أفكارهم الخاصة بهم من خلال تبادل الآراء مع أولئك الناس الذين يعتبرونهم نظراء لهم(4). إن هذا القول لقول صحيح تقريباً عن سويفت، ما عدا أنه بحاجة للتعديل فيما يتعلق بنقطة أو نقطتين. لقد كان سويفت بحاجة لإطراء أقرانه له، هذا صحيح، ولكنه كان في الوقت نفسه بحاجة لتحقيق هدفه في الوصول إلى جمهور أوسع نطاقاً منهم، وقد حقق ذلك الهدف على العموم. فكراسة "مسلك الحلفاء" كانت بكل المقاييس أحسن الكراسات مبيعاً لا لأنها استحالت إلى كراسة عرضاً، وإنما لأن سويفت كتبها عامداً متعمداً لجمهور كبير جداً من القراء. وعلى نحو مماثل كان سويفت يكتب لصحيفة "المستنطق" بطريقة تنطوي على سحر البراعة والجاذبية حتى إلى استخدام الحيل الصحافية بغية تشجيع توزيعها على أوسع نطاق. ولكن يجب علينا، بعد كل ما قيل وجرى، ألا نقلل من قيمة الأهمية التي كان يلقيها سويفت على الانطباع الطيب الذي كان يحمله أقرانه عنه. وهذا شيء صحيح عنه إبان أيامه في لندن مع آربوث نوت وغي مثلما هو صحيح عنه إبان أواخر أيامه مع أصدقاء له في دبلن من أمثال ديلاني وشريدان. إن المفكرين يتعاملون بتهريب الأفكار: وهذا تعريفهم بأقل ما يقال. وأما في العصور الحديثة فإن المفكرين فطنة الأخرين بأنهم يلعبون ذلك الدور الهام المتمثل بإضفاء الشرعية والرواج على الأفكار وعلاوة على ذلك هنالك موروث طويل من المفكرين كونهم من الدعاة لترويج المكعرفة والقيم المفيدة ، وهم لأنهم كذلك فطنة الممثلين لنوع من الضمير، كحراس للقيم، للمجتمع الذي يعملون فيه. وهذا بمنتهى الوضوح هو التصور الذي كان يحمله في ذهنه جوليان بيندا حين نشر "خيانة المتعلمين المأمورين" (La Trahison des clercs) في عام 1928. وإن التعريف الذي ساقه بيندا للمفكر تعريف بالغ الضيق والمثالية بلا أدنى شك، غير أن حجته دفاعاً عن وجوب التزام المفكرين بالقيم المطلقة وبقول الحقيقة بصرف النظر عن النتائج المادية لحجة تنطوي على إغراء قوي. فواجب المفكرين، كما يقول: "يكمن تحديداً في إقامة جمعية دينها الوحيد دين العدالة والحقيقة لمقاومة الشعوب والظلم الذي يئنون تحت وطأته جراء دياناتهم على سطح هذه المعمورة"(5)، وهنالك أصداء للتهمة التي وجهها بيندا للمفكرين الذين خانوا قضيتهم ووضعوها تحت إمرة الأهواء الطاغية لدولة وطبقة وعرق في كل ما كان يكتبه نوعام تشومسكي طيلة العقد الماضي(6). وعلاوة على الفرضية القائلة أن قدوة المفكرين توجد بين أناس من أمثال فولتير وزولا وسقراط فهنالك موروث آخر يبدأ فيما كتبه ماركس وانغلز في "الأيديولوجيا الألمانية" حيث يصوران المفكر بأنه ذلك الإنسان الذي يلعب دوراً حاسماً في الحفاظ على المجتمع المدني وتغييره في آن واحد معاً. وإنني أتصور أنه من الصحيح إلى حد ما أن يقال عن سويفت بأنه كان مفكراً بذلك المعنى الذي كان يقصده بيندا. فهو بالتأكيد كان يتصور نفسه على أنه بطل الضمير وعدو الاضطهاد. ولقد كان في معظم باكورة حياته إنساناً مشغولاً بالقضايا السياسية/ السوسيولوجية، ولذلك فالواجب يقضي ببحثه وهو في قلب هذا الدور المناصر للحق والعدل. ونظر لهذا الدور فإننا بحاجة للمفردات النقدية التي تنحدر إلينا من الموروث الماركسي العريض والماركسي الجديد الذي ينطوي أيضاً، ومن باب المصادفة والمفارقة، على أثر مناقض للماركسية. ويبين كاتبا "الأيديولوجية الألمانية" أن الفلسفة، وحاشى لها أن يكون لها من لدنها حياة خاصة مستقلة ومصون، تشكل جزءاً من الواقع المادي. فالوعي نفسه أسير تحديد الظروف الاقتصادية كما يقولان، وحتى لو أردنا الدفاع، مع ماركسيين كلوكاش، عن أن ماركس وإنغلز ما كانا يقصدان أن الوعي ثمرة الظروف الاقتصادية بكل تلك البساطة، فإن الوضع بالتأكيد هو أن "الأيديولوجيا الألمانية" كتاب يسوق الحجج على أنه حتى امثال تلك الأشياء السامية كالأفكار والوعي والميتافيزيك لايمكن فهمها فهماً كاملاً دون استيعاب فيض من السياسة والسوسيولوجيا وعلم الاقتصاد. وعلى أية حال، فإن ما يهمنا هنا هو أن المفكر -الذي لم يحظ بمثل هذا النعت من ماركس وإنغلز- إما أن يكون أي إنسان منهمك ببث الأفكار التي تبدو مستقلة عن الواقع الاجتماعي أو ذلك الإنسان الذي يشبههما معاً، والذي يتقصد أساساً تبيان العلاقات بين الأفكار والواقع الاجتماعي. وإن من الواضح أن النوع الأول محافظ، في حين أن النوع الثاني مفكر ثوري وذلك لأن أي إنسان، كما يجادلان، يعرّي الأفكار من رفعتها السامية يحرض عملياً على تبديل ثوري في الوضع الفكري السائد ومن ثم في الوضع السياسي القائم. فالصراع بين هذين النوعين من المفكرين يدور، كما هو موصوف بمصطلحات ماركسية، لا في الوعي والمجتمع وحسب، بل وفي حيز منعوت بالحيز الإيديولوجي، ألا وهو حيز الخطاب الذي يتظاهر زوراً وبهتاناً بأنه مؤلف من أفكار ولكنه يتستر في الحقيقة على تآمره مع المؤسسات المادية وعلى اعتماده عليها. ولذلك فحين يتحدث برونو باور عن الوعي الذاتي، يقول ماركس وإنغلز عنه بأنه يخفي الحقيقة التي مفادها أن الوعي الذاتي يصار إلى جعله موضوعاً ممكناً للبحث لا لأنه شيء حقيقي بل لأن الفلسفة التقليدية، التي هي حليف للكنيسة والجامعة والدولة، تمكن الفلاسفة من أن يتحدثوا بتلك الطريقة وأن يبتكروا موضوعات للبحث. لا شيء مما يقوله ماركس وإنغلز كمفكرين ثوريين مستخدمين ما دعاه ماركس "بأسلحة النقد" كان من الممكن رفضه من قبل المفكرين غير الثوريين في أواخر القرن التاسع عشر. وهذا الأمر قد يبدو مفارقة عجيبة، بيد أنه ليس كذلك حين يخطر على بالنا، مثلاً، ماثيو آرنولد وإيرنست ريتان اللذان لم يتهمهما أي إنسان البتة بأنهما اشتراكيان ناهيك عن شيوعيين، فحين يكتب آرنولد "الثقافة والفوضى" فإنه يؤكد على، مثله مثل كاتبي "الإيديولوجيا الألمانية"، المهمة الاجتماعية للثقافة والأفكار، مع العلم أن هذا القول صحيح وبالمقدار نفسه عن رينان في كتابه "مستقبل العلم" (L, Avenir de la science). فبالنسبة للمفكر في القرن التاسع عشر كان نعت المفكر ينطوي على وجود أفكار عن الدور الاجتماعي المركزي لديه علاوة على تزويده الجمهور بما يمكن أن ندعوه بالوعي الذاتي النقاد، الأمر الذي يشكل سبباً من الأسباب التي تجعل دراسة شهيرة عن المفكرين (كدراسة كارل مانهايم بعنوان "الأيديولوجيا واليوتوبيا") تنيط بالمفكر مهمة إماطة اللثام عن الأفكار. وأورد هنا الإتيان على ذكر نموذجين إضافيين فقط من نماذج التفكير الحديث حول المفكرين، وكلاهما يسلطان ضوءاً مفيداً على سويفت. إن النموذج الأول من هذين النموذجين يأتينا من أنطونيو غرامشي، الذي كان أول ماركسي حديث بين الماركسيين -وأكثرهم ذكاء على ما أتصور- الذين جعلوا المفكر يحتل مركز الصدارة في تحليلاتهم السياسية/ السوسيولوجية. فغرامشي يقول أن المفكرين ينقسمون عادة إلى نوعين اثنين: المفكرين العضويين أي أولئك الناس الذين يبدو عليهم أنهم على ارتباط مع طبقة اجتماعية صاعدة والذين يمهدون السبيل لانتصار تلك الطبقة على المجتمع المدني بتحضيره إيديولوجياً، والمفكرين التقليديين أي أولئك الناس الذين يبدو أنهم على غير ارتباط بالتغيير الاجتماعي والذين يحتلون مواقع في المجتمع مخصصة للحفاظ على السيرورات التقليدية التي يصار من خلالها استيلاء الأفكار -كالمعلمين والكتاب والفنانين والقساوسة وأمثالهم. إن فرضية غرامشي هي أن كل المفكرين هم بالفعل مفكرون عضويون إلى حد ما، إذ حتى حين يبدو عليهم بأنهم على غير ارتباط إطلاقاً بقضية سياسية فإنهم يلعبون دوراً اجتماعياً، كمعلمي المدارس مثلاً، إلى ذلك الحد الذي يجعلهم يضفون السمة الشرعية بشكل لا شعوري على الوضع السائد "status quo" الذي يخدمونه. فغرامشي طيلة حياته قضى ردحاً من الزمن في دراسة كروس الذي وصفه في إحدى رسائله من السجن بأنه صنو واحد من البابوات العلمانيين نظراً للسطوة الفلسفية التي مارسها على المجتمع الإيطالي الليبرالي، والتي أدت مباشرة لولادة الفاشية كما كان يعتقد غرامشي. ومنذ أيام غرامشي تبوأ بحث وضع المفكرين مركز الصدارة في تحليلات الدولة الحديثة اللاحقة للدولة الصناعية التي تختلف بالتأكيد اختلافاً جذرياً عن إنكلترا زمن سويفت، بيد أن هنالك أوجه تشابه بينهما مثيرة للاهتمام. ففي عام 1979 كتب آلفين غولدنر كتابه المعنون بـ"المفكرون المستقبليون وبروز الطبقة الجديدة" حيث يرى طبقته المفكرين الجديدة وهي تتحدى الطبقة الثرية القديمة على السلطة. وبصرف النظر عن بعض جوانب فرضية غولدنر، وهي بالطبع مدار أخذ ورد، فإن هذا الكاتب جدير بأن يلح على مسألة ما يدعوه برأسمال المفكر. فلقد قلت آنفاً أن الكثيرين من نقاد سويفت يهتمون أكثر من اللزوم بأفكاره وأقل من اللزوم بحشده طاقاته وتنظيمها، أي إنجازاته المحلية كما دعوتها أنها. وإن ما تفعله أمثال هذه التوكيدات لا يعدو إحكام الوثاق بين سويفت وبين الحملة الحقيقيين لتلك القيم الرجعية بالأساس، كالأروستوقراطيين ملاك الأراضي الشاسعة والكنيسة الوطيدة الأركان والسلطة الملكية الاستعمارية. فقيم حزب المحافظين المنسوبة إلى سويفت هي ما يمثل هذه الطبقة بالمنظور الإيديولوجي- ولكن من الجدير بالذكر أن سويفت نفسه لم يكن ملاكاً عقارياً ولم يكن ينظر، كما يتجلى من عمله، إلا شزرا لقهر الجيوش والقمع الاستعماري والمخططات العلمية لاستغلال الناس والأفكار. ووفقاً للمصطلح الذي جاء به غولدنر فإن رأسمال سويفت كان رأسمال المفكر: أي براعته البلاغية ككاتب في ساحة المعركة الإيديولوجية. فبناء على ذلك الدليل يجب علينا إذاً أن ننظر إلى سويفت كمفكر منهمك في صراعات خاصة على نطاق محدود جداً، لا كرجل صاغ وامتلك وصان مجموعة من القيم الإيديولوجية التي كان يعمل على خدمتها بين الحين والحين. إن من الممكن وصف سويفت بمنتهى الإنصاف أنه كان ذلك الإنسان المعزال* طيلة حياته ومما تجدر الإشارة إليه أنه ما كان كريم المحتد وأن أولياء نعمته ذوي الشأن كانوا يخيبون فأله بكل إصرار، وكان يجر على نفسه دائماً جريرة غضب ونفور تلك السلطات التي كان من المفروض بأنه يعمل على خدمتها. وهنالك تذكرة ساخرة عن هذا في رحلة غوليفر إلى (ليليبوت) حين يفلح غوليفر في إثارة حنق الملكة وهو يشخ ببوله على النار لإطفائها. فإلى حد ما أعلم ما كان هنالك خيار أمام سويفت لتحسين موقعه الاجتماعي خارج إطار الكنيسة إلا من خلال الاستزبان لأولياء النعمة والنشاط الفكري دفاعاً عن القضايا التي كان يتحزب لها (معظم الوقت لا كله) والفطنة المحض (كمحاور وكاتب). إنه لم يتمكن قط من تكديس أي شيء كالثروة مثلاً، ومات متغرباً عن إيرلندا كتغربه سابقاً، طيلة عشرين سنة، عن إنكلترا. ولذلك فإن سويفت كان، من منطلق طبقي، مفكراً تقليدياً- متعلماً- ولكن الشيء الذي يجعله نسيج وحده هو أنه على نقيض أي كاتب كبير آخر في مجمل الأدب الإنكليزي (ربما باستثناء ستيل) كان أيضاً مفكراً عضوياً هاماً لا مثيل له من جراء قربه للسلطة السياسية الفعلية. فلقد كان ديفو وجونسون في مراحل معينة من حياتهما ورّاقين، فضلاً عن أن جونسون كان شخصية اجتماعية مرموقة، ولكن لم يكن أي منهما على ارتباط واضح بتشكيل سياسي في طريقه إلى الصعود بالشكل الذي كان عليه سويفت مع حكومة المحافظين بين عام 1711 وعام 1713، إذ في تلك الآونة كانت مهمة سويفت إضفاء مسحة الشرعية على سياسة السلم الانتهازية، باعتراف الجميع، لدى هارلي (تلك السياسة التي كانت ذروتها معاهدة السلم في أوترخت)، وانتزاع مسحة الشرعية عن سياسة الحرب لدى حزب الأحرار (Whig). وعلاوة على ذلك يجب أن نقول أيضاً عن عمله الفكري اللاحق أنه كان على ارتباط عضوي بنوع مختلف تماماً من السلطة السياسية المستجدة، أي الجماعة الاستعمارية الإيرلندية التي لعب سويفت نفسه دوراً هاماً في إنشائها، فمن ذا الذي بمقدوره غير سويفت أن يقول بمنتهى البساطة والصدق كما قال في "رسائل تاجر الأجواخ": "بامتهاني صنعة الكتابة جلبت على نفسي غيظ الحكومة".(7) فما هي المسائل الكبرى -باستثناء بعض المسائل الغائية من أمثال طبيعة الإنسان وأشكال السلطة المدنية أو الكهنوتية- التي حددها عمل سويفت؟ وجواباً على هذا السؤال أقول أنه حدد مبدئياً كل ما يمت بصلة إلى العدوان البشري أو العنف البشري المنظم. فتحت هذا العنوان كان بمقدور سويفت أن يضع أشياء متباينة من أمثال الحرب نفسها (التي ما كان لها عنده قط أية كلمة طيبة يقولها عنها: وهذه حقيقة رائعة) والغزو والاضطهاد الاستعماري والمذهبية الدينية واستغلال العقول والأجساد، والمخططات لفرض الهيمنة على الطبيعة والكائنات البشرية والتاريخ، وطغيان الأكثرية، والمنفعة المالية كهدف بحد ذاتها، فضلاً عن تمزيق الفقراء إرباً إرباً بأيدي أوليغارشية تتنعم بالامتيازات. إن كل شيء من هذه الأشياء يمكن توثيقه بسهولة في عمل واحد على الأقل من أعمال سويفت، والجدير بنا أن نتذكر أن هنالك قلة من الكتاب قبل القرن التاسع عشر المنصرم -من ضمنها بليك وشيللي- ممن تتفاوت مواقفهم تفاوتاً صارخاً حيال هذه الأمور عن مواقف الأغلبية الحاكمة. وما من شيء يجلو بمنتهى الجلاء ومنتهى التعمد كلا من الرعب الخالص من الحرب والمتعة والعجرفة الأكثر هولاً اللتين يجدهما الرجال في الحرب من هذا النص من "أسفار غوليفر": [ولكي أؤكد ما قلته للتو، ولكي أبين أيضاً الآثار الهزيلة لتربية محدودة، فإنني سأحشر هنا فقرة قلما يمكن تصديقها، فأملاً مني في أن أحظى لنفسي بمزيد من الحظوة عند جلالته، أخبرته عن اكتشاف قام بين ثلاثمائة أو أربعمائة سنة خلت ومفاده أن تكويم مقدار معين من البارود على شكل كومة إن مسّتها أصغر شرارة من النار تجعل الكومة كلها ناراً متقدة بلمح البصر حتى لو كانت كبيرة بحجم الحبل، وتجعلها كلها تتطاير شرراً في الهواء بضجة وفرقعة أكبر من الرعد. ولئن دك المرء مقداراً معيناً من هذا البارود في أنبوب فارغ من النحاس أو الحديد أو الرصاص بقوة وسرعة، لن يكون بمقدور أي شيء أن يتحمل قوة اندفاعه. ولئن جرى إطلاق أكبر كراته على هذا النحو، فإنها لن تدمر أرتالاً كاملة من جيش ما بلمح البصر وحسب، بل تقوض أيضاً أقوى الأسوار وتجعل عاليها سافلها، كما أنها تغرق سفناً بحمولة ألف بحار في كل منها وتغوص بها إلى قاع البحر، ولئن ارتبطت هذه الكرات بعضها ببعض بواسطة سلسلة لمزقت الأشرعة والصواري وحبالها، ولقسمت أجساد مئات الناس إلى نصفين، وتركت أمامها كل ذلك الدمار. ولئن وضعنا هذا البارود، كما نفعل دائماً، في كرات حديدية فارغة وأطلقناها بواسطة آلة حربية على مدينة كنا نحاصرها، لمزقت الأرصفة والبيوت وجعلتها قاعاً صفصفاً وهي تنفجر وتقذف الشظايا ذات اليمين وذات الشمال ممزقة بذلك رؤوس كل من يكون قريباً منها.... لقد حل الهلع بالملك من جراء الوصف الذي كنت أقوله عن هذه الآلات المرعبة، ومن جراء العرض الذي كنت أطرحه. ولقد حلت به الدهشة كيف أن حشرة مثلي بهذا المقدار الكبير من الضعة والتذلل (وهذه عباراته بالذات) يمكن أن تخطر على بالها أمثال هذه الأفكار الشيطانية وبأسلوب عادي جداً دون أن يبدو عليها أي تأثر على الإطلاق من مشاهد الدم والتدمير التي كنت قد وصفتها بأنها مجرد نتائج طبيعية لتلك الآلات التدميرية. وفي أعقاب ذلك أردف قائلاً أن عبقرياً شيطانياً، عدواً للجنس البشري، كان المخترع الأول ولابد. وأما بالنسبة إليه فقال معترضاً أن هنالك أشياء قليلة تدخل البهجة على نفسه أكثر من الاكتشافات الجديدة في الفن أو الطبيعة، ولكنه مع ذلك قال بأنه كان يتمنى تضييع نصف مملكته على أن يكون قد اطلع على ذلك السر الذي أمرني من ثم أن أكون حريصاً على كتمانه حرصي على حياتي، وألا أعود إلى ذكره قط]. أو من هذا النص الذي هو عبارة عن تحليل مرعب للحرب الإسبانية حول وراثة العرش في "مسلك الحلفاء" إذ يقول فيه: [سواء أكان نشوب هذه الحرب منطقياً أم لا، فإن من الواضح، أن الدافع أو الحافز الحقيقي لها كان توطيد أركان أسرة بأم عينها، وهي باختصار حرب الجنرال والوزارة لا حرب الأمير أو الشعب، باعتبار أن هؤلاء الناس أنفسهم كانوا ضدها حين عرفوا أن السلطة، ومن ثم الربح، سيكونان في أيادي أخرى(9)]. فها هو سويفت يدلي هنا بالحقيقة بمنتهى البساطة، إذ إنه لا يحاول تزيينها ولا إخفاء السر أو الطمع الكامن خلف التخطيط للحروب المربحة. وهذا هو السبب الذي يجعل سويفت يشعر بالغضب نيابة عن الأجيال المستقبلية : "ولسوف يكون الأمر بمثابة السلوى العظمى لأحفادنا حين يرون بضع أسمال بالية معلقة في قاعة واست مينستر كانت تكلفتها مئات الملايين، وهم من جرائها يدفعون المتآخرات ويتباهون قائلين كما يفعل الشحاذون، أن أجدادهم كانوا أثرياء وعظماء".(10) وما من وصف أكثر صلة بهذا الموضوع من وصف سويفت لتلك الطريقة التي تربط بها القوى العظمى أنفسها بحلفاء من المفروض بهم أن يكونوا وكلاء لها، ولكنهم يتحولون إلى سادة لها (وهنا يخطر على بال المرء الجنيرالان ثيو وكاي إبان الحرب الفيتنامية): [بشيئين اثنين آخرين (علاوة على شرف مواكبتنا وحراستنا في الخدمة الفعلية للسفن والسواحل البرتغالية) علينا أن نخمن أفكار الأعداء، وأن ننفذ أوامر ملك البرتغال كلما ظن بأنه على وشك أن يغزى: وعلينا أيضاً أن نمده بقوة أعتى من القوة التي ينوي العدو أن يغزو بها أية ممتلكات استعمارية له، مهما كان عدد وعدة تلك القوة، وإلى أن نعرف ماهية قوى العدو تبقى جلالته البرتغالية بمثابة الحكم الوحيد حيال القوة الأعتى وحيال الشيء الذي بمقدوره أن يمنع الغزو، وقد يعمد لإرسال أساطيلنا حينما يشاء، وبناء على المهمات التي يحددها لها، إلى بعض أرجاء أقاصي الدنيا، أو قد يستبقيها في حراسة سواحله إلى أن يقدر أن الأوان قد آن لصرفها من الخدمة، وعلى هذه الأساطيل أن تبقى خاضعة أيضاً، في كل شؤونها، لا للملك وحده فقط، بل ولنوابه وأمراء بحره وحكامه، في كل ممتلكاته الاستعمارية، حين يعن على باله تصور أي غزو، الأمر الذي يشكل إهانة، كما أعتقد جازماً، لا نظير لها سابقاً إلا عند أمة مهزومة](11). وحين زعم أبناء جلدته بأنهم يعرفون كل الأشياء الهامة عن مستعمرتهم الإيرلندية، كان سويفت هو من وصف، برسالته إلى مديلتون رئيس مجلس اللوردات في 26 اكتوبر عام 1724، النمط الأساسي الذي أتاح لإنكلترا إساءة معاملة إيرلندا بذلك المقدار الكبير من العجرفة (وثمة صور كاريكاتورية عن الشعوب الأفريقية والآسيوية موجودة حتى في هذه الأيام): [هنالك مسحة من الصناعة والشح تسري في عروق كل سكان إنكلترا، وهي المسحة التي، إن أضيفت إلى سهولة حصولهم على أجورهم، تجعل منهم أغنياء وعتاة. وأما فيما يتعلق بإيرلندا فإن أولئك الناس لا يعرفون عنها إلا أكثر بقليل مما يعرفونه عن المكسيك، فضلاً عن معرفتهم بأنها بلاد خاضعة لملك إنكلترا، مليئة بالمستنقعات، ومؤهلة بالكاثوليك الإيرلنديين المتوحشين الذين يبقون في حالة من الخشوع بفعل الجنود المرتزقة المرسلين من هناك: والفكرة العامة لديهم هي أن من الأفضل لإنكلترا لو أن هذه الجزيرة برمتها كانت غارقة في قاع البحر، وذلك لأن لدى سكانها تراث يتمثل بضرورة قيام ثورة كل أربعين سنة في إيرلندا. لقد سمعت أقذع النعوت تطلق عليهم من مثل أن الإيرلنديين المتوحشين كانوا فرائس الأشراك لاقتناصهم، ولكنهم، يوماً ما ولابد، سيصبحون مدجنين جداً إلى الحد الذي يجعلهم يأكلون من كرم يديكم]. ويمكننا أن نرى هنا العلاقة الواضحة بين هذا النوع من التفكير وبين المنطق الذي أفضى إلى كتابة "اقتراح متواضع"، وذلك لأنك ما أن تجرد الناس من إنسانيتهم وتحيلهم إلى مجرد كومة من الخصائص الثابتة حتى تصبح قاب قوسين أو أدنى من تحويلهم إلى سلع استهلاكية. وعلى الرغم من هذا كله فلن يكون من الإنصاف بالنسبة لسويفت أن تسمه بمنتهى البساطة بأنه ذلك المفكر الجسور. فالشيء الذي يجب أن يكون بوسعنا فهمه عنه هو أن كل ما فعله كمفكر عزز الوعي وحاكاه إلى الحد الذي جعله يكشف فيه حالة وعيه الذاتي في كتابته. وهذا ما يقودنا مباشرة، وحسب الأصول، إلى هجاء سويفت وسخريته واستخدامه الشخوص الروائية. اسمحوا لي أن أقوم بذلك بالعودة إلى ما قلته في البداية عن النقد الحديث، فلقد جعلت الوضع يبدو وقتها أن سويفت لم يحظ يشرف الاهتمام النقدي الريادي لأنه كان يبدو الصفة المميزة لحلقة من المتبحرين، ولأن هنالك اتفاق عام على أن قيم سويفت ما هي بمنتهى الوضوح إلا، كما قال عنها أورويل، قيم رجعية. وعلى العموم كان النقد المعاصر مهتماً بكتاب ونصوص ممن توجد خصائصهم الشكلية في علاقة من علاقات المطابقة بين تلك الخصائص وبين مظاهرها الخارجية الإيديولوجية أو أفكارها الرئيسية: وهكذا فإن مهمة الناقد تكمن في تسليط الضوء على التباين بين التناقضات المحبوكة في الوجود الشكلي للنص وتعرية تلك التناقضات أو تفكيكها. وعلاوة على ذلك فإن موقف الناقد من النصوص التي يحللها موقف هامشي، أي أن النص هام في حين أن دور الناقد دور ثانوي، دور مقصور على تبيين ظروف وجود النص. إن هذا الإجراء صحيح، على ما أظن، عن مدرسة ديريدا ومدرسة القراء الماركسيين وعن أتباع فوكو من علماء الكلام في ميدان دلالات الألفاظ والإعراب، وعما يدعى بمدرسة ييل. إن سويفت ممنوع من هذا المدخل وإن منعته، كما قلت آنفاً، هي ما تجعل منه شخصية في غاية الإمتاع والتحدي. وإن مبرراتي لهذا القول هي أن السبيل الأساسي لفهمه هو أن نحمل على محمل الجد الطريقة التي يقاوم بها أي نوع من أنواع المداخل النقدية التي لا تجعل من وجوده وعمله ومن، قبل أي شيء آخر، وعيه الذاتي كمفكر -ولو أنه مفكر في الظروف التاريخية الخاصة للحظته الثقافية- السبيل الأساسي للدنو منه. ولذلك تأملوا الفرضيات الثلات التي أود اقتراحها.(1) ليس لدى سويفت رأسمال احتياطي: فكتابته تجعل كل ما عليه أن يقوله يطفو على السطح. إن حكاياته وشخوصه وتهكمه الذاتي أمور كلها تدور وتلف حول الفضيحة التي أعلنها لأول مرة في "حكاية حوض"، والتي مفادها أن ما يقال يقال في تلك اللحظة، ولصالح تلك اللحظة، وعلى لسان مخلوق من تلك اللحظة. وهذا صحيح دائماً وحرفياً- إذ إن ما بمقدورنا أن نعرفه عن سويفت أو غوليفر أو تاجر الأجواخ هو ذلك الشيء الموجود أمامنا، ولا شيء سواه. وإن التهكم يستكمل نفسه في القراءة، إذ ليس هنالك ثمة شيء يؤكد مصداقية ذلك التهكم أو عدمها (فمن ذا الذي يخطر على باله أن يحتكم، حيال "الاقتراح المتواضع"، إلى ذلك الإنسان الحقيقي الذي لا يشكك في وجوب أكل البشر؟) وذلك لأن ما يقوله ذلك التهكم هو ما يعنيه بالضبط.(2) إن سويفت يهاجم على الدوام وبإصرار كل ما يشخصه، وبكلمات أخرى فإن طريقته يجب أن تصبح هي الشيء الذي يهاجمه، وهي عادة ليست برسالة أو مذهب سياسي بل أسلوب أو طريقة محادثة. لاحظوا كثرة أعمال سويفت المملة جراء تكرارها المنجزات والأنشطة وأنماط السلوك: اقتراح وحكاية ومسلك ومحادثة ورحلة ورسالة ومناقشة وامتحان وموعظة. فالمسافة بين الهجّاء والشيء المهجو تختفي كما هي عليه الحال في استطراد عن الاستطراد أو الجنون على سبيل المثال.(3) إن سويفت ليدرك دائماً، وقبل نقاده، أن ما يفعله قبل أي شيء آخر هو الكتابة في عالم ذي سلطة، مع العلم بأنه يغيظ القارئ بذلك الإدراك. فسويفت هو ذلك الواقعي الذي لا نظير له والذي يستطيع أن يتبين، لا بل ويجسد فيما يكتب، الفروق بين اللغة المبتذلة وبين لغة السلطة، أي بين لغة المؤسسات ولغة الأفراد المستبعدين أو المهمشين، أو بين لغة العقل وبين ما يدعوه بالمحادثة المهذبة. وهكذا فإن سويفت يحتل مكاناً له بين أكثر الكتاب دنيوية -لابل وربما كان أكثرهم دنيوية أيضاً. ولكن من عادة هذه الفروق أن ينطوي بعضها على بعض. فهو قد يقترح بمنتهى الرصانة خطة، مثلاً، لتوكيد اللغة وتوطيد أركانها وتصحيحها، بيد أنه بعد مضي بضع سنين يهزأ بتلك الخطة بكتابته "المحادثة المهذبة" التي ليست إلا بمثابة خطة متمركزة ومحط اتفاق اجتماعي لكل اللغة في المجتمع. فهذه العادة، عادة تحويل شيء ما إلى نقيضه، ما هي إلا النتيجة الطبيعية لمهمة سويفت باعتباره كاتب رد فعل، علاوة على أنها ثمرة إدراك سويفت بأن ما يفعله لا يتعدى الكتابة وحسب، ولو أنه يكتب لمناصرة هذه القضية أو تلك. وإن نشاط سويفت كمفكر، أي رسالته لجعل قارئه أكثر وعياً حيال ما يستتبع موقفاً سياسياً أو أخلاقياً معيناً، يبدو على أنه قد لوّث لدى سويفت، أكثر من أي شيء آخر، وعيه لذاته هو. فسوسة الوعي، إن اقتبسنا مثل هذا التعبير من نيقولا تشيرومونت، تعود بالعدوى على سويفت الكاتب، علماً أن هذا هو مصدر تهكمه على ذاته ذلك التهكم العجيب. وتخطرني هنا ملاحظة عن ويتينغ شتاين جاءت على لسان إرخ هيللر ألا وهي: أن مثل هذا الوعي الذاتي، كالوعي الموجود لدى ويتينغ شتاين، يصل إلى "ذلك الحد الذي يتعذر فيه الفصل بين أي عمل من أعمال الإبداع وبين نقده لأداته، فضلاً عن أي عمل يطيل أمد التأمل العميق بنفسه يبدو مماثلاً للشك الضمني الذي يساوره بإمكانية وجوده هو"(13) وما هذا بكل تأكيد إلى النتيجة الساخرة لـِ"حكاية حوض" التي تنقلب، أثناء هجومها على المتعصبين من كل الأصناف، لتدين الكاتب نفسه بجرم الكتابة، أو إلا ما يبدو قولة سلسلة من الصورة المثيرة للأشجان بمنتهى الروعة، ومفادها: أوليست الكتابة كلها بريشة إنسان كسويفت عرضة بدورها أيضاً للنقد والتهكم والرد عليها، شأنها بذلك شأن الأشياء التي يهاجمها؟ وإن ما يخطر على بالي هنا هو الصور التي يوردها سويفت في "حكاية حوض" عن الظروف المضحكة والمتقلقلة التي تطرح نفسها أمام المرء حين يرغب في أن يتدخل تدخلاً فعلياً في مجريات الواقع- كمنبر الوعظ أو المصطبة المتنقلة أو الدرج- وكيف أن هذه الأشياء تخضع، كأي كتيب أو حكاية أو استطراد، لإمرة سلطة دنيوية من أنواع مختلفة وأنواع أعتى أيضاً تتعذر حيازتها على أي كاتب أو مفكر لا يمتلك رأسمالاً حقيقياً راسخ الجذور. فالكتابة الفكرية تقتحم المكان والزمان، بيد أن متطلباتها ما هي في خاتمة المطاف إلا تحت رحمة السلطة الحقيقية. وإن لكل أمثال هذه الكتابات، بغض النظر عن خصائصها الخادمية الآنية، تنطوي على سخريات داخلية خاصة بها تهم المفكر وتعود بالمتعة عليه. أو تأملوا المناسبة الواردة في "أسفار غوليفر" حين يخلق غوليفر مساحة واسعة على منشفته المبسوطة لفرسان ليليبوت وكيف نتيقن من أنهم سوف يتساقطون كلهم إذا انسحب غوليفر العملاق. ولكن القوة التي يملكها كعملاق تعمل بالمقابل ضده حين يتصرف كقزم في برودينغ ناغ على طاولات صغيرة أمام جمهور من النظارة العمالقة. إن أعظم سخرية فكرية، أو أعظم سخرية لمفكر، توجد في الرحلة الرابعة، ألا وهي الحادثة الوحيدة التي خلبت ألباب قرائه كلهم دون سائر أعماله الأخرى. فنحن لا نستطيع بمنتهى البساطة أن نوهن قوتها أو أصالتها الخيالية الهدامة، لا بل وعلينا ألا نحاول ذلك. ولكن بمقدورنا أن نرى في الهويهنهم والياهوز -وبينهما غوليفر- مقداراً معيناً من التحرر الفكري العام الذي تحرره سويفت من وهمه حيال المجتمع، تحرر يطرح علينا في النهاية خيارات في حدودها الدنيا لحياة مرضية. فالشيء الحاسم بالنسبة للهوينههم لا يكمن فيما إذا كان من المفروض بهم أن يكونوا مثاليين، بل في كونهم حيوانات، شأنهم بذلك شأن الياهوز الذين هم من بني البشر ولكنهم يتصرفون تصرفات أقرب إلى الحيوانات من بني البشر. إن وقائع الأمور على هذا النحو تمثل على الأرجح ما دعاه أورويل "بالعنف اللامسؤول للمستضعفين": فبما أنه لم يبق أي شيء في الحياة الإنسانية لسويفت كي يتمتع به، فإنه يهاجمها كلها. ولكن الشيء الذي كان على الدوام يخلف في نفسي أجمل الانطباعات في الرحلة الرابعة هو، علاوة على التحرر الأصيل من الوهم، استمرار بقاء غوليفر نفسه هناك -حتى بين ظهراني الهويهنهم- وهو يدوّن بمنتهى المنطق مدركاته واكتشافاته، وينتظر سنوح الفرص له لفعل أي شيء، الأمر الذي وقعه في النفس شأنه شأن أي شيء آخر في الحكاية. وإن انتهاء كل رحلة بطرد غوليفر أو هروبه يعكس، على ما أظن، أقصى حد من التوتر المأساوي في طاقة سويفت الفكرية، مثله بذلك مثل رحلات غوليفر إلى أمكنة خرافية تماماً حيث يجب عليه الإذعان لأدق ضغوط كل وضع بأم عينه إذ تقوم تلك الرحلات مقام الشاهد على الرغبة العارمة لدى سويفت للتفتيش عن أشياء مادية بغية "الرد" عليها. وختاماً أتصور أننا في فقرة من "رسائل تاجر الأجواخ" يمكننا سماع نبرات اليقظة الفكرية العامة لدى سويفت، وإحساسه بالوضع الفعلي للمفكر وما ينطوي عليه من سخرية صحية وهشاشة وهامشية، لابل ويمكننا الوقوف أيضاً على التهكم المقهور في صميم ذلك الوضع: لقد عزمت الآن على العمل (بعد تلك المسيرة العادية لأبناء الجنس البشري، ولو بعد فوات الأوان بردح طويل جداً من الزمن) بالنصيحة التي أسداها لي عميد معين. فلقد بين لي الخطأ الذي كنت أعيشه، خطأ الاطمئنان إلى النوايا الطيبة الموجودة لدى الناس، وبين لي أنني كنت ناجحاً حتى هذه اللحظة، ونجاحاً أكثر مما كان متوقعاً؛ كما بين لي أن أية هفوة آنية تعيسة قد تضعني تحت قبضة السلطة، وأن النوايا الطيبة لديّ لن تكون ضمانة لي ضد أولئك الناس الذين كانوا يراقبون أية حركة من حركات ريشتي وأنا أكابد المرارة في صميم روحي%. * جنس من البهائم له شكل الإنسان وجميع رذائله في "أسفار غوليفر"- المترجم. * المتوحشون والبهائم في " أسفار غوليفر"- المترجم. * اللامنتمي- (المترجم). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |