|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:05 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
4- كونراد: سرد الحكايات لقد كان كونراد يحاول أن يفعل شيئاً، في كتابته رواياته وسيرته الذاتية على حد سواء، تكشفت خبرته عنه ككاتب بأنه مستحيل في كل مكان. وهذا ما يجعل منه مشوقاً لأنه يجسّد حالة ذلك الكاتب الذي كان واقع عمله ومقدرته العملية ككاتب، والنظرية حتى، أموراً تسبق ما كان يقوله أشواطاً كبيرة إلى الأمام. وبما أن هذا التعارض الذي تنطوي عليه كتابة كونراد كان قائماً حينما كان الكاتب على قيد الحياة وهو يمارس الكتابة، فإنه يحتل مكاناً خطيراً في تاريخ ازدواجية اللغة ازدواجية جعلت دراسة مراتب اللغة، منذ أيام نيتشه وماركس وفرويد، شيئاً مركزياً جداً بالنسبة للفهم المعاصر. فلقد فرض القدر على كونراد أن يكتب روايات عظيمة لإجراء تصويرها وحده، بل وجراء سردها أيضاً. إن كونراد كان ضحية تضليل اللغة حتى حين كان يكسو اللغة كساء مسرحياً ما كان بوسع أي كاتب آخر أن يكسوها بمثيله. وذلك لأن الشيء الذي اكتشفه كونراد كان أن الهوة بين ما تقوله الكلمات وبين ما تعنيه تلك الكلمات تنحو منحى التوسع، لا التضييق، إن توفرت الموهبة لكتابة الكلمات. ولئن كان قد اختار أن يكتب فهذا يعني إذاً أنه اختار بطريقة معينة لا أن يقول بشكل مباشر ولا أن يعني بالضبط ما كان يريده بالطريقة التي كان يأمل أن يقوله بها أو يعنيه. فلذلك ليس من المستغرب أن يكون كونراد قد عاد إلى هذا الهم المعضل مراراً وتكراراً- وهو الهم الذي دأبت كتابته على إكسائه المسرحي بشكل دائم وعلى نحو خلاق. وثمة عناية فائقة مكرسة لمبعث قص القصص- الأمر الذي يشكل الدليل على الحاجة الماسة لتسويغ سرد الحكاية بطريقة ما. فمثل هذه العناية بالباعث الحقيقي لسرد حكاية ما تتضارب مع الوصف الذي ساقه كونراد في "سجل شخصي" عن بدايته ككاتب. وبدلاً من السيرورة المعقولة التي تحول بها بحار إلى كاتب يقول أن "تصور كتاب منظم كان بالمطلق خارج إطار نطاقي العقلي حين جلست للمبادرة بالكتابة". ففي صبيحة أحد الأيام استدعى ابنة ربة منزله وقال لها: "هل تتكرمين بإزالة هذا كله توا؟" لقد خاطبتها بنبرات متهدجة، كوني كنت في الوقت نفسه منهمكاً بإعداد غليوني لتدخينه. وهذا المطلب، أعترف لكم، كان مطلباً استثنائياً..... وأتذكر وقتها أنني كنت في سكينة تامة. وفي حقيقة الأمر ما كنت البتة متأكداً من أنني كنت أريد الكتابة، وما كنت متأكداً مما أريد كتابته، لا، وعما إن كان لدي أي شيء أود الكتابة عنه. لا، ما كان لدي أي هاجس على الإطلاق. إن كلمة "هذا" كانت تعني وجبة الإفطار. وللتو كانت كتابة رواية "حماقة آلماير": التي كان معظمها عن حدث ذي "سرية تامة"(1). إن روايات كونراد تعالج، في آن واحد معاً، أفعالاً بلا أي مبعث عقلاني واضح، من مثل ذلك الحدث الوارد في "سجل شخصي"، وأفعالاً من مثل سرد قصة مبعثها أسباب مؤكدة. فثمة مثل واضح يوجد في رواية "صميم الظلمة". فرغبة مارلو لزيارة الأماكن المظلمة رغبة عميقة الجذور ولكنها ليست موضع التوضيح بالفعل، ومع ذلك فوصفه الرحلة لزمرة من المستمعين منسوب بالضبط للمناسبة التي تحفزه. إن اللهفة التي يتلهفها مارلو على الأمكنة الفارغة لا تستند إلى أي تاريخ متعاقب ولا تلبس لبوس التطور. فهي رغبة مستديمة جداً، وحتى في "سجل شخصي" يروي كونراد، لدى وصفه لمولده ككاتب، نفس القصة التي تماثل هذه القصة عن مارلو: والآن حين كنت شاباً في مقتبل العمر كنت مولعاً بالخرائط. وقتها كنت أقضي ساعات وساعات أنظر فيها إلى أمريكا الجنوبية أو أفريقيا أو اوستراليا، وأنسى نفسي تماماً في غمرة أمجاد الاكتشافات. وفي تلك الآونة كان هنالك العديد من الأماكن الفارغة على سطح هذه المعمورة، وحين كنت أرى واحداً من تلك الأماكن التي كانت تخلب لي لبي على نحو خاص على الخريطة (ولكن كل الأماكن تبدو على هذه الشاكلة) كنت أضع إصبعي عليه وأقول حين تتقدم بي السنون سأمضي إلى هناك.(52/4) وبعد مضي بضع سنين أحد تلك الأمكنة الفارغة أضحى مكاناً مظلماً. ولكن كان به نهر يلفت الأنظار، نهر كبير جبار، كان بمقدورك رؤيته على الخريطة يشابه حية ضخمة سائبة، رأسها في البحر وجسدها يتلوى على هينته بعيداً فوق منطقة شاسعة، في حين أن ذيلها ضائع في أعماق الأرض. وحين نظرت إلى خارطة النهر في شباك أحد الحوانيت، فتنتني كما تفتن الحية الطائر- ولا سيما حين يكون صغيراً أبله.(42/6). وإذا قارنا هذه القصة، قصة الفتنة التي تخلب الألباب، مع المناسبة التي تحفز مارلو على رواية مغامرته الأفريقية، للاحظنا، حتى من الفقرة الأولى للحكاية، الكيفية التي جرى بها وصف الأساس المنطقي لسرد الحكاية والحافز على سردها. فسفينة "نيللي" مضطرة للبقاء في الميناء "بانتظار عودة المد والجزر إلى الوضع الطبيعي"، والرجال الخمسة لهم تاريخ مشترك في ركوب متن البحر، والسواقي في نهاية نهر التايمز لا توحي بحية تفتن طائراً أبله بل تشكل مسيلاً مائياً يعود بالمرء إلى "الروح العظيمة التي سادت في الماضي..... إلى أحلام الرجال، إلى بذور الكومونويلثات، وإلى أصول الإمبراطوريات"، ومن ثم هنالك مارلو المعروف" بميله لتلفيق القصص". وقبل أن يبدأ السرد (وهذا على تناقض مع عجز كونراد عن تصور كتاب منظم قبل أن يصبح كاتباً) "أدركنا أن القدر شاء لنا أن نستمع، قبل عودة المد والجزر إلى الوضع الطبيعي، إلى إحدى التجارب التي لا نهاية لها والتي عاشها مارلو" (51/16). وعندما عاين كونراد رواياته للإتيان بملاحظات الكاتب كتب في مرحلة متأخرة من مراحل حياته المسلكية مشيراً إلى تعجبه في كثر من الأحيان من الطريقة التي بدت له رواياته فيها تنطلق من المصادفة. ولذلك فإنه كثيراً ما زود قارئه بالأسباب الأصلية التي دفعته لكتابة روايته. وفي غالب الأحيان كانت هذه الأسباب تتمثل بنكتة طريفة وبخبرة شخصية ما وبقصة منشورة في صحيفة وهكذا دواليك. فمن الجدير بالذكر أن أعمال نورمان شري كشفت الكثير من تلك البينات وأكثر مما كشف منها كونراد، لا لأن كونراد كان نسّاء ومراوغاً بل ولأنه كان مهتماً بالأساس في تبرير أن ما فعله كان معقولاً. وإنني لأتصور أن كونراد كان على قناعة تامة أن ذلك التبرير أهم بكثير من الإتيان بمفاتيح حل ألغاز مناهج عمله. وهكذا علينا أن نحمل على محمل الجد احتاجه الذي ساقه في الملاحظات على رواية "لوردجيم"، والذي قال فيه أن حكاية مارلو كان من الممكن روايتها شفوياً خلال ليلة واحدة من ليالي تجاذب أطراف الأحاديث والحكايات. إن أخذ هذا السطر بعين الاعتبار لأمر يثير الدهشة، بيد أن كونراد كان منكبا على الشيء الذي كان بالنسبة إليه دائماً نقطة هامة، ألا وهو رواية القصة بقالب مسرحي وكيف ومتى كانت روايتها، الأمر الذي كان الدليل يشكل فيه قسطاً جوهرياً من الرواية ككل. كان من المعروف عن الرجال، في المناطق الاستوائية والمعتدلة سواء بسواء، بأنهم يسهرون إلى منتصف الليل وهم "ينسجون الحكايات". وما هذه إلا حكاية واحدة، ومع ذلك فإن الانقطاع في تواصلها يوفر مقداراً معيناً من السلوى، وأما فيما يتعلق بطاقة السامع على التحمل فيجب قبول البديهية التي مفادها أن القصة مشوقة..... وذلك الجزء من الكتاب الذي هو بمثابة حكاية مارلو يمكن قراءته بصوت عال، والحق يقال، في غضون أقل من ثلاث ساعات. وعلاوة على ذلك.... بوسعنا أن نفترض وجوب وجود المرطبات في تلك الليلة، من مثل كأس من المياه المعدنية لمساعدة الراوي على الاستمرار(7/21). ولذلك كان بمقدور كونراد، وبمنتهى البساطة، أن يرى أن قصصه هي المكان الذي توجد فيه الأشياء المنطقية والمنهجية والعرضية والبعيثة، جنباً إلى جنب مع الأشياء الاعتباطية والمباغتة والمعمّيات. فمن ناحية أولى هنالك ظروف مطروحة تفرض ضرورة سرد القصة، ومن ناحية ثانية تبدو القصة الأساسية نفسها على تعارض مع ظروف سردها. وإن تفاعل هذا العنصر مع ذلك -مع العلم أن العناية الفائقة التي يوليها كونراد للإطار الواقعي المقنع لسرد القصة يستحوذ على اهتمامنا لهذا الأمر- يجعل من الرواية ذلك الشيء الفذ الذي هو عليه في حقيقة الأمر. فتفاعل أمثل هذه المتناقضات يوجب وسمه بأنه أسدى خدمة جليلة لكونراد أكثر مما كان من الممكن لأي مسعى آخر أن يسديه، سواء أكان ذلك المسعى لفظياً أو لدناً أو إيمائياً. وهأنذا أعلق أهمية قصوى على هذه الملاحظة. فمراراً وتكراراً يجري التفتيش في نص من نصوص كونراد عن نصوص فرعية إضافية أو عن معاني ذوات امتيازات من ذلك النوع الذي يبدو بأنه أكثر أهمية من الكتاب نفسه. وحري بنا أن نشير إلى قلة الاهتمام بالبديهية التي هي في متناول اليد والتي مفادها أن النص، كما هو عليه في حقيقة الأمر، كان بالنسبة لكونراد شيئاً ناتجاً، لا بل والشيء الناتج بحد ذاته- والشيء الذي كان يعود إليه بين الحين والحين ككاتب أو ناقد أو مدافع أو مراقب أو ضحية. فالنص كان الناتج الذي لا نهاية له لسيرورة متواصلة. وبالنسبة إليه، كما يثبت من خلال العديد من الرسائل، كان ضرورة الكتابة منذ أن أصبح كاتباً، بمثابة المشكلة العويصة، إذ منذ أن حزم أمره على خوض غمار الكتابة، على الرغم من السرية المطلقة التي اتخذ بها قراره، كان يتصور حياته المسلكية ككاتب أنها سيرورة مادية، ويرى أن قدره يسوقه لإنجاز مهمة عسيرة تعترض سبيلها عقبة كأداء على نحو خاص. "إن الوحدة تنال مني، فأنا لا أرى شيئاً، لا أقرأ شيئاً، وكأن هذه الحالة نوع من القبور، ونوع قد يكون جحيماً، إذ علي أن أكتب أن أكتب أن أكتب"(2). فالعزلة والظلمة وضرورة الكتابة والاحتباس هي الضغوط التي تنيح بكلكلها على الكاتب وهو يمارس الكتابة، ولا سيما إن كان على شاكلة كونراد الذي نادراً ما صادفت كاتباً مثله فياضاً بذلك المقدار الكبير من التذمر والشكوى. وشتان بين لهجة التذمر ولهجة العقيدة الجمالية التي طرحها كونراد عام 1896 في مقدمة رواية "زنجي النرجس"، والتي يتحدث فيها عن قدرة الفنان على تبادل الحديث الودي وعلى وضوح الرؤية التي يقدمها للقارئ- مأثرتان عظيمتان حظي بهما على أرجح الظن بعد كثير من العراك مع الكتابة نفسها. لئن اقتنص المرء بلحظة جرأة، من تهور اندفاع الزمن، طوراً عابراً من الحياة، لكان ذلك بداية المهمة ليس إلا. فمباشرة المهمة تعني عرض ذلك الطور المستعاد، بلا تردد وبلا خيار وبلا وجل، أمام الأعين كافة على ضوء مزاج صدق، أي إنها تبيين ذبذبته ولونه وشكله، إذ إن لونه وشكله يبينان، من خلال حركته، جوهر حقيقته -ويفضحان سرّ إلهامه: أي التوتر والانفعال في صميم كل حركة مقنعة.(14/23). ومع ذلك فليس هذا القول بمثابة مجموعة من التعابير الكيسة فاقتناص طور من الحياة وإسباغ شكل وهيئة عليه، وجعل القارئ يرى، والإقدام على فعل ذلك بالانتصار على الخيار العقلاني منذ البدء والتغلب على الخوف أثناء الإنجاز: المتطلبات تصبح أكثر هولاً حين نصرّ، كما يصرّ كونراد قبل قليل، على أن الوسيلة تكمن في الكلمات. إن إنتاج الكلمات أو قراءتها لشيء مختلف جداً، وبمنتهى الوضوح، عن الأهداف التي يصيغها كونراد لعمله، والتي هي أكثر حيوية وشهرة من الكلمات. فتحول الإدراك الحسي الذي يطرأ في الوقت الذي تخلص فيه الكتابة أو القراءة إلى رؤية لتحول بالغ التطرف في حقيقة الأمر، لا بل وحتى متناقض أيضاً. وحري بنا أن نقول أنه تحول متناقض جداً إلى الحد الذي يجعل المرء يميل لنسيان كل الجملة التي يصيغ بها كونراد طموحه الأساسي. "إن مهمتي التي أحاول إنجازها تتمثل في أن أجعلك، من خلال قوة الكلمة المكتوبة، تسمع وتحس، وأن أجعلك ترى قبل هذا وذاك". وهكذا فإن روايات كونراد تجسّد التحول (أي توفر له موضعاً) في قلب عملية الحدوث. فجهود كونراد مكرسة، كما يقول، لتوظيف قوة الكلمات المكتوبة، والتي أصلها مغروس في مشقة صنعة الكتابة، كي يجعل قارئه يعيش تجربة حيوية الأشياء المرئية وديناميكيتها أيضاً. ويحدث هذا الأمر، في غالب الأحيان، من خلال وساطة الكلمات المنطوقة. وإن من الممتع أن يكون المنطلق الأولي الشيق لمعظم قصص كونراد هو الحكاية الملفقة أو التقرير التاريخي أو الخرافة المتداولة أو الذكرى النابضة بالحياة. وهذا المنطلق يقتضي ضمناً وجود متحدث ومستمع (على الرغم من وجودهما هناك بمنتهى الوضوح وفي معظم الأحيان)، فضلاً عن توفر ظرف معيّن في بعض الأحيان كما أسلفت القول. فإذا أمعنا النظر في القسط الأكبر من عمل كونراد لوجدنا، باستثناء رواية "تحت عيون غريبة" على وجه التخصيص، أن القصة مسرودة وكأنها منقولة شفوياً. وهكذا فإن الاستماع والإخبار هما أساس القصة، أي أكثر الفاعليات الحسية رسوخاً ومعيار ديمومة القصة، في حين أن المشاهدة العيانية هي دائماً على تناقض صارخ مع الاستماع والإخبار، إنجاز مشكوك بأمره وشيء أقل رسوخاً بكثير. هيا وتأملوا كيرتز وجيم. فالقارئ يسمع أصواتهما كليهما ويسمع ما يدور من أحاديث عنهما أكثر مما يشاهدهما بشكل مباشر ضمن إطار السرد. وعندما يظهران للعيان- ولا سيما جيم الذي يضرب مثلاً لافتاً للنظر: "فبالنسبة لي بدت تلك القامة البيضاء في هدوء الشاطئ والبحر واقفة في قلب لغز هائل"- يبدوان ملغزين ومشوهين، بطريقة عجيبة، تشويهاً بالغاً. "لقد بدا كيرتز بطول سبعة أقدام على الأقل.... رأيته يفتح شدقيه واسعاً- الأمر الذي أخفى عليه مظهر شره غريب وكأنه كان يريد ابتلاع كل الهواء وكل اليابسة وكل الناس الذين قدامه"(134/16). وعندما يتحدث مارلو، بعدئذ، يبقى صوته ثابتاً في نفس ذلك الوقت الذي تضمحل فيه مشاهدة مستمعيه له. إن ذلك النوع من الاضمحلال مألوف جداً إلى الحد الذي جعل الهدف الذي رسمه كونراد لنفسه، كما جاء على ذكره في مقدمة الرواية عام 1896، يشكل تحدياً خاصاً وذلك لأنه المقصود بمسيرة الكلمات المسرودة لم يكن مجرد التحرك في اتجاه معاكس لاتجاه الرؤية وحسب، بل وتمديد أمد الصمت "الظلمة محال اختراقها"، على الرغم من إصرار الكلمات على وجودها على الصفحة أو بين المتحدث والمستمع. ولربما من المفيد أن أرسم مخططاً لبعض ما قلته أعلاه. إن أصل الروايات يكمن في حضور الناس حضوراً سمعياً وبصرياً. وينطبق هذا القول في العادة على حالة كونراد سواء أكان سرد الروايات بصيغة المتكلم أم لا. والجدير بالذكر أن موضوعها وهمي أو غامض أو مبهم: أي كل شيء لا تسهل رؤيته في الطبيعة. وهكذا فإن كثيراً جداً منها على الأقل يمكن التحقق منه بمجرد قص القصة، وذلك لأن ما تكشفه القصة عادة هو الخطوط الكفافية الدقيقة المحيطة بهذا الغموض. وفي معظم الوقت يكون الغموض، بصرف النظر حتى عن الروعة الظاهرية المتقنة (كما هي عليه الحال بالنسبة لنوسترومو أو جيم أو المعاون الأسود)، مقصد خجل سري. ولكن من المفارقات العجيبة أن يكون السر عرضة، بمنتهى البساطة، للافتضاح بشكل مغلوط -الأمر الذي يجعل طرائق السرد المحترسة المعروفة لدى كونراد تقدم على محاولة إحباطه. فالراوي النبيه هو دائماً راو يحول دون ورود النوع المغلوط من التأويل، كما أن سرده يفترض بكل إصرار رواج نسخة منافسة. إن كل رواية "نوسترومو"، على سبيل المثال، مبنية على تواريخ متنافسة عن (كوستاغوانا) حيث أن كلاً منها يزعم بأنه سجل أكثر دقة من غيره عن الأحداث الخطيرة، وينتقد بشكل ضمني النسخ الأخرى. إن بإمكاننا أن نتصور روايات كونراد بشكل تجريدي وكأنها تبادل المواضع بين الحضور والغياب في اللغة. فحضور الكلمات المنطوقة في الوقت المناسب يخفف وطأة نسختها المكتوبة، إن لم يعمل على تغييبها نهائياً، إذ إن ثمة متكلم يتوالى السرد بصوته في الوقت الذي يطغى صوته على حقيقة غيابه عن مستمعيه إبان كلامه (أو حقيقة عدم مشاهدتهم له). إن هدف كونراد هو أن يجعلنا نرى أو أن نتخطى بدلاً من ذلك غياب الأشياء كلها عدا الكلمات، وذلك كي نتمكن من الدخول إلى حيز من الرؤية خلف الكلمات. ترى ما هو ذلك الحيز؟ إنه عالم من عوالم المصادفة الميسورة بين النية والكلمة والعمل، وعالم بالإمكان دفن مثقال ذرة من أية واقعة فيه، كما عبّر عن ذلك لوردجيم. وهناك تلتئم الصدوع القائمة في ألفة الإنسان مع نفسه أو في ذاته المهشمة، ويضيق الفراغ الفاصل بين الطموح والفاعلية. فعملية استرجاع ماضي الزمان وإمعان النظر في أحداثه تستهدف تقويم الاعوجاجات والقضاء على التباينات، لا بل والأجدى أن نقول، من منطلق أعمق، أن نية الكاتب على الرغبة في قول شيء واضح جداً تتعرض للتوافق تماماً مع رؤية القارئ، إذ إن الكلمات اللصيقة بالصفحة تصبح، من خلال جهود كاتب منعزل، ملكاً مشاعاً للقارئ الذي ينفذ بصره خلف الكلمات إلى النية البصرية للكاتب، الأمر الذي يكون بمثابة السرد المكتوب عينه. فبالنسبة لكونراد كان المعنى الذي تولده الكتابة نوعاً من الخط الكفافي البصري الذي لا تستطيع اللغة الاقتراب منه إلا من الخارج ومن مسافة تبدو ثابتة على الدوام. ولربما أن بوسعنا أن نعزو هذا التقييد الصارم على الكلمات إلى إيمان كونراد بسمو الشيء المنظور على ما عداه، وإلى شكه العميق الجذور بقدرة اللغة المكتوبة على تقليد ما تراه العين. فاستخدامه لأمثال هذه الأحابيل القصصية، وما هي بالأساس إلا أحابيل استرجاعية واستقصائية كالاستعلام في رواية "لوردجيم" والتقرير التاريخي في "نوسترومو" والتنقيب المنهجي في "قلب الظلمة" والترجمة في "تحت عيون غريبة" والاستقصاء الهزلي في رواية "العميل السري"، يكشف عنه بأنه يوظف اللغة وكأن المقصود بهذه الأحابيل حدوث الرؤية الفعلية لكي تنتفي، من ثم، ضرورة وجود اللغة. ولكن الجدير بالذكر أن هذه الأحابيل أنفسها معتمدة على التسليم جدلاً أن هنالك مكاناً مركزياً، أي "قلب تلك الظلمة" التي قد توجد في مكان ما في صميم أفريقيا، أو في صميم أمريكا أو في صميم لندن، أي ذلك المكان الذي يحتل مركز الصدارة بكل جدارة بغية تفهم عمل من أعمال الماضي الذي يتسم بمواصلة بث إشعاع المغزى من ذلك المكان إلى أمكنة أخرى وفي أزمنة لاحقة. ولئن أمعنا النظر في قصص كونراد من منطلقات كهذه لاعترانا الذهول من الإصرار الكبير الذي يصره مجمل مركب الأفكار المقرون "بالمركز" (كالاقتراب من المركز، والإشعاعات من المركز) على مواصلة الظهور في عمله كضربة لازب، ولا سيما إن تذكرنا أن كونراد لا يتركنا ننسى أن الرواية المكتوبة تدون الحكاية المسرودة التي تستقطب الانتباه إلى نفسها هي وكأنها سيرورة للاقتراب من المركز رويداً رويداً. وهكذا ففي رواية "قلب الظلمة" يقوم مارلو برحلته باتجاه مختلف المراكز التجارية الموجودة في الداخل وهو يفترض بداهة أن كيرتز هو ضالته المنشودة. والوصف الذي يتناول كيرتز يقول عنه بأنه في (المركز الداخلي) علاوة على أنه مدار أحاديث كثيرة. فبالوصول إليه كان مارلو يأمل بأن يضع حداً لكل الإشاعات التي سمعها عنه وأن يرى أخيراً بنفسه، وبصمت، ما هي بالضبط نوعية كيرتزوما هو عمله. ومع ذلك فليس على القارئ وعلى مارلو إلا أن يكتفيا، معظم الوقت، بأقل الكلمات بدلاً من انعدامها نهائياً في الوقت الذي يتحقق فيه بلوغ المركز. فمن هنا تتأتى القوة الغريبة لتعابير لدى كونراد من أمثال "الرعب" أو "المصالح المادية" على الرغم من أنها مقتضبة وصداها دائب التكرار: فهذه التعابير تعمل عمل النقطة الساكنة، أي المركز اللفظي الذي يفسره السرد والذي يعود انتباهنا إليه مراراً وتكراراً. ولئن رأيت الشيء الذي تعلن عنه لاستغنيت على الأرجح عن الكلمات، ولئن عثرت على مرادفها المنظور لتسنى لك ذلك الحضور المطلق الذي عمل النظام اللغوي المزدوج على تغييبه في السرد. وهكذا لم يكن بلا أي طائل أول سرد مسهب لكونراد في رواية "حماقة آلماير" حول بناء يدعى "بالحماقة" كان مصمماً لاختزان الذهب المستخرج من الداخل، بيد أن الذهب ما رؤي قط، ما استخرج قط، بل دار الحديث عنه وحسب. إن ذلك التزامن بين انطماس الكلمات وبين حضور المعنى حضوراً بصرياً دون وساطة صار ولا بد تزامناً لا عقلانياً جداً وقت صدور رواية "العميل السري" (1907، أي بعد اثنتي عشر عاماً على ظهور رواية آلماير) بحيث أن استخدام كونراد لفاعلية مألوفة مشوشة لدى صبي كي تمثل التزامن لهو، على ما أظن، تعليق ذاتي إلى حد كبير. لقد كان سنيفي يجلس جلسة مريحة وهادئة إلى طاولة من خشب الصنوبر، وهو يرسم دوائر ودوائر، دوائر لا تحصى ولا تعد، دوائر متحدة المركز، مختلفة المركز، دوّار لألاء من الدوائر من تلك التي كانت توحي، جراء فيض من أقواسها المتشابكة الكرارة واتساق شكلها وتشوش خطوطها المتقاطعة، بتصوير فوضى كونية، كرمز لفن مجنون يحاول تصور المستحيل، ما أدار الفنان رأسه قط، وفي استغراق روحه كلها بتلك المهمة كان ظهره يرتعش، في حين أن عنقه النحيل، المغروس في حفرة عميقة في قاعدة جمجمته، بدا على وشك الانفصام. (45-46/12). إن ما يفعله السيد فيرلوك لا يتعدى "الكشف عن ستيفي البريء" حين يفتح باب المطبخ، لأن الفن الانفصامي لدى ستيفي يتقصد السامع وليس له أي ذكر. وهو مجرد استغراق كثيف متواصل في عمل مكرور معناه لا يتبدل. فاختيار كونراد لكلمة "مهمة" هنا كان على الأرجح اقتباساً لا إرادياً من (مقدمة عام 1896)، وكان ذلك الاقتباس الذي كان يعتمد على خطورته الأخلاقية في معظم الأحيان. وإن طبيعة فن ستيفي، تلك الطبيعة المشوشة والمتسقة والمكرورة والمنعزلة، تماثل الوصف الذي وصف به كونراد الكتابة: "جحيم حين تتوجب عليك الكتابة، الكتابة، الكتابة"، مثلها بذلك مثل تلك الدوائر المتحدة المركز والمختلفة المركز التي توحي بتفاعل المتناقضات وتبادل المواضع فيما بين الحضور والغياب في اللغة. وإن أكثر ما يلفت الأنظار يكمن في صمت المشهد بأسره وسريته العامة. فهل بمقدورنا أن نقول أن ستيفي كان ضحية اختلاس النظر أو استراق السمع؟ وذلك لأن من الصعب في حقيقة الأمر أن يعرف المرء ما إن كان "النخير الذي أطلقه السيد فيرلوك استنكاراً للمفاجأة" يعني أي شيء غير الاطلاع ليس إلا. فالدوائر لا تتكلم بل وتنبئ فقط عن تصور المستحيل (ومن خلال رمزية واهية جداً)، وهي تطوق الفراغ حتى حين تبدو بأنها تستثنيه جزئياً. وعلاوة على ذلك فإن دوائر ستيفي رهينة الصفحة ولكنها تقيد الرسام بفضاء أبيض فارغ ولا وجود لها في أي مكان آخر. وإنني أرجح تماماً أن كونراد كان يتخيل ستيفي بأنه ذلك الكاتب الذي يقف على شفير الهاوية "in extremis" والذي يتوجب عليه، كون النظرة إليه نظرة معتوه تافه، التقييد الصارم بأحد قطبين اثنين: إما أن يخربش على الصفحة إلى أبد الآبدين، أو أن يتمزق إرباً إرباً دون هوية بشرية. ومن الجدير بالذكر أن هنالك أمثلة سابقة، مؤثرة ولو أنها تقريبية، لكل من ستيفي والثنائي فيرلوك في قصة "المعتوهون" التي هي عبارة عن قصة قصيرة كان استكمالها في عام 1896. فالقصة تبدأ تماماً تقريباً نفس بداية قصة "آمي فوستر" (1901) التي تعالج أيضاً وضع شخصية مختلة عقلياً ويبدو عليها الجنون، والتي يرى فيها الراوي البقايا الباقية لقصة قديمة أثناء زياراته لمكان جديد بالنسبة إليه. وإن القصة- "أمامي على الأقل حكاية مريعة وبسيطة" -لقصة فلاحين اثنين ينجبان بلا أي حس بالمسؤولية أربعة أطفال بلهاء. فالتشوش العقلي والغضب اللذان يحلان بالزوجة يدفعان بها إلى قتل زوجها، وبعدئذ تقتل نفسها بالقفز من جرف صخري إلى البحر، حيث ثمة شاهد على الانتحار يسمع "صرخة وحيدة عالية طلباً للنجدة ترتفع إلى الأعلى.... وتحلق في أعالي السماء الجامدة"(84/7). وفي مرحلة تالية يعمد معلم اللغة، في رواية "تحت عيون غريبة"، إلى مزيد من التعليق على محاولة تجاوز اللغة بالرؤية. ولكن هذه "الحماقة" الآن لها مغزى سياسي أيضاً، على الرغم من صياغة المعلم لها بعبارات كلامية. فهو يقول: "إن ذلك النزوع للارتقاء بكل مشكلة من مستوى الشيء المعرّض للإدراك بواسطة تعبير ملغز، لأمر روسي بحت" (104/22). وفي كل مكان يعلق المعلم على الكيفية التي تكون عليها الحال وقت الإصغاء إلى الروس وهم يتحدثون: "إن أدق أقوالها (أقوال ناتاليا هالدين) كانت تبدو دائماً لي ذات استطالات مبهمة في طريقها إلى الاختفاء في مكان ما خارج متناولي"(118/22). فأفعال العمل المادي والمدرك الحسي لوصف اللغة المستخدمة لاستعمال فعلي متطرف لأفعال على اتساق مطلق مع الممارسة المألوفة لدى كونراد. "فالارتقاء" يوحي "برفع" مقدمة عام 1896، بيد أنه هنا مقرون "بالتعبير الملغز" الازدرائي الذي هو بمثابة وسيلة غير جديرة بالاعتماد عليها في أحسن الأحوال. إن النتيجة الخالصة لهذا النوع من الإخبار، مهما بلغت دقة صياغته، هي تمديد المعنى إلى مسافة بعيدة جداً عن الكلمات إلى الحد الذي يتلاشى فيه المعنى نهائياً. وإن ما يجتره المعلم العجوز على الدوام هو أن الميل الذي تميله اللغة الروسية نحو التعبير الملغز لنوع من الخلل الأنطولوجي الموجود إلى درجة أقل بكثير في اللغات الغربية. إن رازوموف ليشعر بهذا الخلل شعوراً هستيرياً حين يلقي هالدين بنفسه تحت رحمة التلميذ المسكين. فالنظام مقرون بدراسة اللغة واستخدامها بشكل حاذق (إذ إن كلاً من المعلم ورازوموف تلميذان من تلاميذ اللغة)، في حين أن التشوش والتسامي، فضلاً عن نوع من أنواع الجمالية السياسية، مقرون كله بالرغبة الثورية لدى هالدين في أن يرى ويغير ويعتنق وعلى نحو مباشر جداً. وفي الوقت الذي عادت فيه قصة "الفرصة" (1913) على كونراد بشهرة غير متوقعة كان قد حزم أمره على أنه في خاتمة المطاف كاتب إنكليزي وليس، كما زعم بعض النقاد، كاتباً فرنسياً فاشلاً أوسلافياً متخفياً. ففي المقدمة الثانية التي جاءت بعد زمن طويل (1919) لـ "سجل شخصي" كتب هذا الوصف "الروسي" المذهل لاستخدامه اللغة الإنكليزية. فهأنذا أقتبسه كاملاً نظراً لعاطفيته الجياشة وتصميمه الأكيد لا للإطناب بالمنطق أكثر من اللزوم: إن حقيقة الأمر تكمن في أن قدرتي على الكتابة بالإنكليزية لأمر طبيعي جداً شأنه شأن أية كفاءة أخرى ولدت ربما معي. وإن لدي إحساساً طاغياً وغريباً بأنها كانت تشكل على الدوام جانباً كامناً من جوانب نفسي. فالإنكليزية لم تكن بالنسبة لي خياراً أوتبنياً. وإن أدنى فكرة عن الاختيار لم تخطر على بالي البتة. وأما فيما يتعلق بالتبني- حسناً، أجل، كان هنالك تبنّ، بيد أنني أنا هو الذي كان موضوع التبني من قبل عبقرية اللغة، الأمر الذي جعلني أتخطى مباشرة طور التلعثم بمجرد أن جعلتني ملكية خاصة بها تماماً حيث أنني أعتقد فعلاً أن تعابيرها الاصطلاحية نفسها كان لها عمل مباشر على فطرتي وعلى تشذيب شخصيتي التي كانت وقتها هزهازة. وحين يعترف شخص مثلي أن الأمر كان اكتشافاً ولم يكن وراثياً، بحيث أن نفس دونية الحق الشرعي تدل على أسبقية الاستعداد الطبيعي على ما عداه، فإن ذلك الاعتراف يضع صاحبه تحت وطأة التزام أبدي في أن يبقى جديراً بثروته العظيمة..... فكل ما أستطيع المطالبة به، بعد كل تلك السنوات من الجهود الحثيثة وبعد كل ما تكدس في قلبي من كروب شكوكها ونقائصها وعيوبها، هو الحق في تصديقي حين أقول بأنني لو لم أكتب بالإنكليزية لما كنت كتبت البتة (7-8/6). وحتى لو لم يكن هذا التعامل مع المشكلة بالتعامل الأمثل، فإن المرء يستطيع أن يستخلص من هذه الفقرة فكرة أولية على الأقل عن مقدار تعقيد هذه المشكلات ومدى اقترابها من المستحيل [إن استهلال هذه الكلمة بحرف كبير من صنع كونراد] بالنسبة إليه وهو يمعن النظر في بذر اللغة وتلقيها وإدراكها حسياً. إن رسائل كونراد تصوره بأنه في عراك دائم مع اللغة. فرواياته تخلع على الدوام كساء مسرحياً على كيفية حدوث قصة مع إنسان غيره، وأما هو فإما أن تروى إليه أو، إن لم يكن بطل القصة، إنه يكابد مرارتها على شاكلة "جيم" في الوقت الذي ينطوي فيه أساسها المنطقي تحت عنوان التوهم. "إن التوهم قد تشبث بتلابيب جيم واختصه لنفسه- وذلك كان القسط الحقيقي من القصة، الأمر الذي كان لولا ذلك خطأ برمته". ولذلك كانت اللغة المكتوبة بالأساس عملاً من أعمال التدوين الاستذكاري السلبي. لقد طرح كونراد، ككاتب، كتابته مستورة منهجياً بظل الصوت المتحدث، الماضي والرؤية والوضوح الآمن. فيا لكم كشوف هذه الأنة في رسالة بتاريخ 4 كانون الثاني عام 1900 إلى (كانينغهام غراهام) إذ يقول فيها: "ولكن المصاعب تبدو لي وكأنها على وشك أن تطبق علي، وأتصور مسيرتها فيما بيني وبين نفسي كزحف لا سبيل لمقاومته لسرب من الصراصير. فيا لهول المصير حين يكون المرء ضحية مثل هذا النهش المشين".(3) لقد كان كونراد يغالي في تقدير قيمة اللغة على ما يبدو، أو يغالي في تقدير سطوتها عليه على الأقل. وأنا لا أعني بهذا القول إصدار حكم ضده باعتبار أن العناية الفائقة التي أولاها للطريقة التي روى بها رواياته تنبثق من صميم تلك المغالاة. فرواية "قلب الظلمة" مثلاً عبارة عن بنيان مركب يشتمل على نصف دزينة من "اللغات" فيه، ولكل واحدة منها ميدان خبرتها الخصوصي وزمانها ومركز وعيها، ولذلك فالقول بأن كونراد كتب بالإنكليزية يعني بالفعل القول أن كونراد يجري تمييزات خيالية خارقة في قلب اللغة الإنكليزية، وتمييزات ما خطر على باب أي كاتب قبله أنها ضرورية، وتمييزات كانت بمثابة "إقراره المادي" بالمصادر اللفظية لقصة كانت دائماً خارج إطاره وبعيدة عنه. فهذه التمييزات كانت الحصن الذي تحصن فيه كونراد ليدفع عن نفسه انقضاض اللغة عليه: إذ من خلال إعادة ترتيب اللغة وإعادة تشتيتها، ومن ثم إعادة تركيبها في أصوات، تمكّن من تنظيم عمله وتنفيذه ككاتب. وإن تعدد العناصر الروائية الأساسية يصبح بالإمكان عندئذ تصوره وكأنه يطوق موضوعاً بطرائق عديدة شتى. وأما النتيجة الخالصة في خاتمة المطاف فتكون، كما يقول مالارميه في "أزمة الشعر" (Crise de vers)، الإقرار "بمبادهة الكلمات نظراً لصراخها بأعلى الصوت بعدم المساواة الحركية فيما بينها"(4). بيد أن ما يتبقى من الكلمات هو ذلك الأثر الحرون من هوية الكاتب باعتباره أثراً عسير الانقياد للغة. وإن ذلك الأثر المستثنى هو، بتلك السخرية العجيبة التي تروق لكاتب يتمناك أن ترى بأم العين، الشخص المنقوش الفعلي نفسه، أي الكاتب، ومع ذلك فكونراد يتظاهر أن الكاتب كان عنصراً ثانوياً. وهكذا فإننا نلاحظ، مرة أخرى، كيف أن الأصوات التي تؤدي إلى الرؤية تطمس ما كان كونراد قد دعاه "بالعامل بالنثر" الذي يجب على اختفائه، كما يقول مالارميه، أن يثمر الأعمال الكاملة النقية "l,oeuvre pur". ولكن هذا الشيء لا يحدث، على نقيض كل من مالارميه وفلوبير، في حالة كونراد. *** إن والتربينيامين، تعليقاً منه على سرد الحكايات بلسان ليسكوف، يسوق الدليل على أن نجاح الفن الروائي كان يعتمد تقليدياً على إحساس بوجود الصلة بين متكلم ومستمع وعلى الرغبة في توصيل شيء مفيد. وذانك الشرطان متواكلان بعضهما على بعض. فالمعلومة لا تكون مفيدة إلا لأن من الممكن وضعها موضع الاستعمال من قبل الآخرين ومجموعة القيم نفسها، مع العلم أن أية مجموعة قيم لا يمكن تخليدها إلا من خلال اعتناقها من قبل أكثر من فرد واحد. وإن القول بأن هذا لم يعد صحيحاً في الأزمنة الحديثة لقول يمثل حسبما يرى بينيامين: علاقة ملازمة من علاقات القوى الدنيوية المنتجة للتاريخ، ألا وهي تلك العلاقة التي عملت على إزاحة الرواية من ميدان الكلام الحي والتي تعمل حالياً في الوقت نفسه على تيسير رؤية جمال جديد في الشيء السائر على طريق الزوال..... إن راوي الحكاية يأخذ ما يرويه من الخبرة- من خبرته هو أو من الخبرة المنقولة إليه على ألسنة الآخرين، ليعمد من ثم إلى تحويلها إلى خبرة لدى أولئك الناس المستمعين لحكايته، وهكذا يكون الروائي قد عزل نفسه. فمنشأ الرواية هو الفرد المعزول الذي لن يكون بوسعه بعدئذ أن يعبر عن نفسه بضرب الأمثلة عن أهم هواجسه، باعتبار أنه هو نفسه ليس موضع المشورة، وليس بوسعه استشارة الآخرين. ولذلك فكتابة رواية ما تعني نقل الشيء اللامتكافئ إلى أقصى درجات التطرف في تصوير الحياة البشرية(5). فالتاريخ الشخصي لكونراد جعل منه إنساناً حساساً جداً حيال المنزلة المختلفة التي تحتلها المعلومة في خضم الحياة من ناحية أولى، وفي الحياة الكتابية من ناحية ثانية، إذ في الحالة الأولى تلعب الجماعة العاملة وإحساسها المشترك بما هو مفيد دوراً جوهرياً فيما يتعلق بإنجاز المهمة الشاقة، في حين أن العزلة وشكوكها تطغى، في الحالة الثانية، على كل شيء. وهكذا فإن كونراد كان يتحلى بذلك الامتياز الملتبس المتمثل بمشاهدته، ضمن حياته الخاصة المزدوجة، بذاك التحول من قص الحكاية كشيء مفيد وفن جماعي إلى كتابة الرواية كفن منعزل ومن مدركات الحواس. ترى ماذا يستتبع تحديداً ذلك التحول؟ فأولاً وقبل أي شيء آخر، ونظراً لأن منزلة المعلومة اكتست طابع المعضلة، صارت وسيلة توصيل المعلومة تحظى بشهرة أكثر من السابق. وثانياً صار على المتحدث أن ينوع كلماته ولهجته بما يكفي لتعويض عن شكوكه بفائدة الشيء الذي يقوله. فمراراً وتكراراً عبر كل من هنري جيمز وأوسكار وايلد، وهما من معاصري كونراد، عن هذا الصنف من التنويع بأنه خلق التشويق، إذ إن التشويق في مثل كهذا يعتمد اعتماداً محكماً على ارتياب (أو حتى على جهل) بالشيء المفيد عملياً. فالبراعة الفنية الفائقة التي تبدو على إدارة كونراد لحكايته، وهي الشيء الذي بلغ ذروته في رواية "المصادفة"، لأمر ينطوي دائماً على أهمية توازي أهمية أية معلومة تأتي بها الحكاية- لا بل وإنها في العادة أكثر تشويقاً وأهمية أيضاً. وإن بمقدور المرء أن يقول هذا الشيء دون أن يكون في نيته التقليل بشكل من الأشكال من شأن المعلومات البحرية الواردة في روايات كونراد ولا من شأن عشاقها بين قرائه. وثالثاً لم تعد الحكاية تفترض وجود مستمعين وحسب، لا بل وصارت تكسوهم كساء مسرحياً أيضاً إلى الحد الذي يجعل حتى الكاتب نفسه يظهر بمظهر المشارك أغلب الأحيان في الحكاية كمن يستمع أو كمن، وعلى نحو أدق في حالة كونراد، يتسربل سرباله المسرحي ويتلقى الانطباعات. ورابعاً: صارت الرواية موضع التلاوة، أي شيئاً في قلب سيرورة فعلية كي تكون موضع السرد أكثر مما هي معلومة مفيدة. إن استخلاص المعلومة من السرد الروائي، عند كونراد، علاوة على حقيقة كون لغته تأخذ في العادة شكل الكلام المنقول، ما هما إلا إشارتان إلى أن ما يقال يجب ألا يكون بالتحديد شيئاً هاماً أو واضحاً أهمية أو وضوح من يقوله ولماذا وكيف. وإني لأعتقد أن هذا التحول الأخير يجب اعتباره مظهراً من مظاهر انعدام الإيمان انعداماً تاماً في القوى الإيحائية للغة كما أسلفت القول. فذات مرة كان من الممكن للكاتب أن يفقد مثل هذا الإيمان وأن يحافظ في الوقت نفسه على اعتقاده بسمو الشيء المنظور. ولذلك فإن الكتابة لا تستطيع تمثيل الشيء المنظور، ولكنها تستطيع أن تصبو إليه وأن تتحرك باتجاهه، بطريقة من طرق المخاطبة، دون أن تحرز عملياً الوضوح الصريح لشيء بيّن أمام ناظري المرء، ولقد درس فوكو هذا التناقض الواضع في كتابه المعنون بـ"الكلمات والأشياء" إذ عامله معاملة طور تاريخي محدد متجسّد بأشكال شتى في عمل دي ساد ومالارميه ونيتشه: وإن روايات كونراد لتطرح عنه أمثلة توضيحية غنية على وجه التخصيص. فضمن منظور شامل لذلك النوع الذي يرسمه فوكو يمكننا أن ندرك الحاجة الماسة التي جعلت كونراد يقرر توطيد أركان السرد، بناء على نظرية المعرفة، في النطق- ككلام منقول أو ملفوظ خلال تلك الفترات المصبوغة بصبغة مسرحية كمواقف سكون مفروض- لا في العمل أو الجماعة أو المعلومة. فمنابع الألفاظ المسرودة عند كونراد هي ما سوف أدعوه بالرغبة في التحدث والحاجة لربط قول مخصص بأقوال أخرى. وإن ما يجعل من أية شخصية من شخوص كونراد كائناً بأم عينه يتأتى من شيء في حوزتها، أو في حوزته، ويستدعي الإخبار عنه. ولكن في أغلب الأحيان هنالك سر أثيم، مع العلم أن الشخصية في بعض الأوقات هي ذلك الإنسان الذي يتحدث عنه الآخرون حديث المهوّسين، كما أنها في أوقات أخرى ذلك الرجل السكيت الذي، من أمثال جيمز ويت أو تشارلز غولد أو ماك وير أو آكسيل هيست، تنقضي حياته كلها وهي تخاطب الآخرين بطريقة نموذجية. وهكذا فإن قصص كونراد تدور حول تلك الشخصيات المطروحة ضمن سياق القصة والمأخوذة بعين الاعتبار. ولكن الديمومة الداخلية لكل قصة تنبثق عن الإدراك الذاتي للمتحدث بأنه ذلك الإنسان الذي، كما قلت آنفاً، يدلي بقول يعارض أقوالاً متضاربة أو تكميلية لبعضها بعضاً، أو بقول يقف ضمن تلك الأقوال. وبمعنى من المعاني فإن كل قول مسرود عن كونراد يفنّد القول الآخر: فالكذبة التي كذبها مارلو على خطيبة كيرتز لمثال من أشهر الأمثلة على شيوع عادة ما على نطاق كبير. وأما ذلك الإبحار العظيم الذي يخرج به نوسترومو من سولاكو فما هو إلا موضوع تقارير الثناء العاطر على ذلك من قبل ميتشيل، بيد أن هذه التقارير تستوجب الحكم بأنها لا تعدو بضعة تقارير من تلك التي تتعامل مع "قدرة حمولة السفينة"* على أنها المنقذ لسولاكو. وفضلاً عن ذلك فملاحظات ديكود أيضاً تشخّص موقف الساخر من رومانسية غولد، وعلى تناقض مقصود معها. وإن كلاً من آفيلانوس وإميليا وجورجيو وفيولا وسوتيللو- يدرك أحداثاً ويدلي بتقارير عنها بطريقة تتوجه سراً" أو علانية نحو معقولات أخرى. وليس هنالك من مكان أكثر من رواية "المصادفة" حيث يتمكن فيه القارئ من رؤية كونراد وهو يخلق التوتر والتصارع، ومن ثم النسيج الروائي الديناميكي، من صميم قول متضارب مع أقوال أخرى، على الرغم من التحامه بها بشكل لا مناص منه. إن رواية "لورد جيم" لإحدى أوائل روايات كونراد المطولة التي تجعل من المعرفة والمعقول والرؤية أموراً من مهمات النطق. فالرواية تنطلق "بفعل من أفعال الخيار العقلاني" الذي يوجه عيني مارلو صوب جيم أثناء الاستعلام. وبعد فترة "من التحادث اللانهائي مع نفسه" وفي وقت "يكف فيه الكلام عن أن يكون مفيداً له" يقابل جيم في النهاية رجلاً يعمل حضوره على حلحلة عقد ألسنة "الرجال ذوي الكلف البسيط، وذوي الكلف الشديد، وذوي الكلف الخبيء الوبائي". فمارلو لم يصخ السمع وحسب بل وكان "راغباً في تذكر جيم بقضه وقضيضه وبالتفاصيل وبشكل مسموع". وبالفعل كان لدى جيم "أسرار هامة" يود الاعتراف بها، ولكن نزوع مارلو للإخبار والتذكر أمر مهم أيضاً أهمية الاعتراف بالنسبة للكتاب". فمنذ أول كلمة [من حكايته] يصبح جسد مارلو ساكناً وهو مرتاح في المقعد وكأنه روحه شقت طريقها رجوعاً إلى ردح طويل من ماضي الزمان وطفقت تتحدث عبر شفتيه من الماضي" (33/21). وإن المسامحة التي يبديها مارلو حيال جيم مغروسة جذورها في نفس تلك النزعة نحو التصور الرومانسي الذي يجعل جيم يفضل، وإلى حد التعقيد، الرحلات البحرية الجسورة الوهمية على الرحلات الفعلية. فلا رجل من هذين الرجلين، سواء منهما السامع أو الراوي، يقيم في عالم الوقائع بشكل فعلي. وأولايهيم جيم على وجهه ومن ثم مارلو بغية "إدراك المنّاع على التصور"، الأمر الذي يشكل مسعى ملحاحاً جداً وسامياً في الوقت نفسه إلى الحد الذي يقتضي فيه ضمناً "قيام معركة خطيرة وجليلة حول جوهر الحياة الحقيقي". وفي خاتمة المطاف يبين كونراد أن جيم لا يتحدث إلى مارلوبل بل أمامه وحسب. إن ما يبدو للوهلة الأولى وكأنه توافق في الآراء يتحول إلى زمرة من الخطوط المتوازية. وعلاوة على ذلك فإن مارلو يقول صراحة فيما بعد أن جيم ما وجد إلا من أجله، وكأنه يريد أن يقول أن اعتراف جيم أمام مارلو ينطوي على أهمية أكبر من الأهمية التي ينطوي عليها ذلك الشيء الذي اعترف به جيم (مع العلم أن كلاً من مارلو وجيم يبدوان على مقدار متساوٍ من التشوش بهذا الشكل أو ذاك). وأما جيم فإنه لا يوجد فعلاً لسامعه إلا جراء تلك المأثرة، لإجراء مغامراته البطولية بحد ذواتها ومن تلقاء أنفسها وحسب. ولقد علقت أنا آنفاً على ممارسة كونراد، الأمر الذي يتجلى فيما يقوله مارلو عن الظهور الملغز الذي ظهره جيم وعن توقانه للتحدث، أي عن تبديل المواضع بين المنظور والملفوظ: بما مفاده أن الطريقة التي تبين فيها الحكاية كيف أن "التوهم قد استأثر بجيم واختصه لنفسه" لقول ينبثق للتو عن هذه الممارسة. فالتوقان الذي تتوقه نفس جيم للإقدام على مغامرة محفوفة بالأخطار المميتة، مثله مثل السرد الذي يسرده مارلو ومثل الإصغاء الذي نصغيه للحكاية، لا يتفق وأي مخطط هيّن يكفل الإتيان بالإخبار ويضمن التقدم المباشر المطرد من المطمح، مثلاً، إلى الإنجاز، وإنما يتطابق مع نزوة نظرية ذات قسط أوفى من التجريد. فالنزوة لا تستطيع أن تجد لها أية صياغة في مجريات الأحداث، ولا أية انطباعة ذهنية، إلا في ذلك العنوان الغامض -التوهم- لنقل البحث الدؤوب القلق الذي يبحثه جيم. إن مقتضيات النزوة، باعتبارها محشورة في ديمومة الكلام المنقول أو المنطوق، ما هي نسبياً أيضاً إلا أشياء أثيرية كالنموذج والإيقاع والعبارة والسياق. ولكن من حقنا أن نطرح السؤال التالي: ما هو الضغط الذي يتعرض له جيم والذي يجعله يفضل الموت على الحياة، والذي يحث مارلو وكونراد على معاش "خبرات غير حاسمة" من تلك التي توحي للقارئ بشيء أقل مما أي قارئ على استعداد أن يتوقع؟ وفي كل الحالات يكون العامل الطاغي لا النشاط السردي بل رغبة قدرية لمشاهدة النفس مشاهدة سلبية على أنها شيء موضع التحدث ومحط التأمل ومثار الإرباك ومكمن العجب العجاب، في المنطوق. ويعني هذا أن جيم ومارلو وكونراد، بعد التسليم بداهة في كل مكان أن المرء ليس بمقدوره أن يحقق خبرته الحياتية تحقيقاً ناجزاً وليس بمقدوره أن يدرك الخبرة الحياتية لأي إنسان آخر إدراكاً تاماً، متروكون برغبة لتكييف خبرتهم الفردية، كل بطريقته الخاصة، بشكل فعلي وتقريبي، وبما أن هذه الخبرة، بشكل لا مفر منه، إما في غابر الأزمان أو مستحيلة تقريباً بالتحديد، فما من انطباعة ذهنية يمكنها اقتناص هذا الشيء وما من جملة يمكنها ذلك أيضاً في خاتمة المطاف. ومع ذلك فإن المنطوق يصير قولة، وإن لم تكن لإنسان آخر وحسب ففي حضرته على الأقل. فالكلمات تنقل حضور كل من المتكلم والسامع ولكنها لا تنقل فهماً متبادلاً بينهما. إن كل جملة تدق إسفيناً أكثر حدة من سابقه بين النية (الرغبة في التحدث) وبين توصيل المرام المطلوب. وأخيراً تكون الرغبة في التحدث، وهي نية كلامية بالتحديد، مضطرة لمجابهة نقص الكلمات، لا بل وغيابها فعلاً، للتعبير عن تلك النية. وهكذا ليس من الشطط أن نقول بأن كونراد يخلع، بطريقة معقدة، الكساء المسرحي على التفاوت بين النية الكلامية المفهومة والممكنة قواعدياً ومنهجياً من ناحية أولى، وبين الوصف الكلامي نفسه كطريقة للوجود في عالم اللغة مع مخلوقات بشرية أخرى، من ناحية ثانية. ففي قصة "آمي فوستر"، وهي أكثر قصصه إثارة للمشاعر، يتجلى هذا التفاوت بتفاصيل بشرية خاصة. هاكم يانكو غورال الذي يعيش، بعد أن قذفت به الأمواج على الشاطئ في إنكلترا، بين ظهرانيي ذلك الشعب الذي لا يستطيع التأكد من شخصيته والذي تبقى لغته غريبة على يانكو: هؤلاء هم الناس الذين كان يدين لهم بالولاء، وثمة وحدة رهيبة بدت تقع عليه من السماء الرصاصية لذلك الشتاء الخالي من أشعة الشمس. كل الوجوه كانت حزينة. ما كان بمقدوره أن يكلم أحداً، وما كان يحدوه الأمل بفهم أي منهم البتة. لقد كان الواقع وكأن هذه الوجوه وجوه أناس من العالم الآخر- وجوه أناس موتى كما اعتاد أن يقول لي بعد مضي بضع سنين. وأقسم بشرفي أنني أتعجب بأنه لم يجن. ما كان ليعرف في أي مكان كان. لقد كان في مكان قصي جداً عن جباله- في مكان يطفو على الماء. هل هذه أمريكا؟ كان يتساءل فيما بينه وبين نفسه.... حتى الحشائش كانت مختلفة، وكذلك الأشجار. كل الأشجار إلا ثلاث صنوبرات نورويجية كانت تنتصب على مرجة صغيرة أمام بيت سوافر، وهذه الصنوبرات ذكرته ببلده. لقد ضبطوه ذات مرة، بعد الغسق، وهو يسند جبينه على جذع إحدى تلك الأشجار، ويشرق بالدمع ويحادث نفسه. تلك الأشجار كانت وقتها بمثابة الأخوة له، كما أكد. كل شيء آخر كان غريباً عنه..... يا للمرات العديدة التي سمعت بها صوته العالي من خلف نجد أحد مراعي الأغنام، وقد كان صوتاً بهيجاً متألقاً كصوت القبرة، غير أنه كان صوتاً بشرياً تخالطه نغمة حزينة، فوق تلك الحقول التي كانت لا تسمع إلا تغريد الطيور. أما أنا فقد كنت أصاب بالذهول. يا للعجب! لقد كانت إنساناً مختلفاً، برئ القلب مفعماً بالنوايا الطيبة- الشيء الذي ما كان يريده أي إنسان. فهذا المخلوق المطروح على الشاطئ كان كإنسان مزروع في كوكب آخر، وكان مفصولاً عن ماضيه بمسافة شاسعة وعن المستقبل بجهل مطلق. إن منطوقه الانفعالي السريع عاد بصدمة إيجابية على أولئك الناس كلهم (128- 129- 132/20). إن الفهم المفصّل المضني لهذا المأزق من لدن كونراد هو ما يجعل من خيار المشافهة هذه وهي طريقته في سرد الروايات، شيئاً أكثر إلحاحاً بكثير من أي خيار جمالي مريح. وإن من الواضح أنه كان يعتقد أن تصور مشهد تصوراً تاماً بين متحدث وسامع مراقب، هو الذي يستطيع، وحده دون سواه، أن يجلو- على نحو دائم ومباشر، وكرّار لأنه يحدث في قصة إثر أخرى- ذلك الانفصال الأساسي المطلق الذي دافع عنه كونراد ككاتب: ألا وهو ذلك الصدع القائم بين طاقة في ذروة النضج للتعبير الكامل، مع أنها بالنسبة للناس الآخرين طاقة كامنة أو مقصودة وحسب، وبين تواصل بشري لا مفر منه. "ليس هنالك أية كلمات للتعبير عن نوعية الأشياء التي كنت أريد قولها" (لوردجيم). ومن هنا يتأتى ولع كونراد بتكرار عبارات مثل "كان واحداً منا" وتكرار ما يذكّر القارئ بمقدار فردانية كل فرد وخبراته أيضاً. والجدير بالذكر أن النص الذي كان يشتغل فيه كونراد كفّ بمنتهى البساطة عن كونه وثيقة مكتوبة وتحول، بدلاً من ذلك، إلى موزع للألفاظ على كلا جانبي الصدع، مع العلم أن هذه الألفاظ لا تجتمع بعضها ببعض إلا من خلال اهتمام القارئ بكلا الجانبين. فمثل هذا الاهتمام الذي يخيم على كلا الفريقين يلعب دور القنطرة التي توثق الارتباط بين النية الكلامية لدى جيم وبين مكابدة مارلو ونفاذ صبره كشاهد، كما هو عليه الحال في ديمومة ذلك الاهتمام في رواية "لورد جيم" وصموده أمام طولها. وما من ميدان إلا ميدان النية وأحلام اليقظة يمكن أن يكون فيه استكمال المخططات من ذلك النوع الذي يلفقه جيم لنفسه، مع الإشارة إلى أنه الميدان الذي يفتن أبطال كونراد فتنة قاتلة، فضلاً عن أن مثل هذا المكان لا يمكن إدراكه إلا إبان السرد المتواصل والمتفاقم الذي يسرده جيم عن مصيره وفشله. فحين يرى مارلو جيم للمرة الأخيرة، هاكم هذا المقطع: حين كان جيم عند طرف الماء رفع صوته قائلاً: "قل لهم.... .... فأشرت إلى الرجال بأن يكفوا عن التجديف، وانتظرت مذهولاً. فلمن يجب أن أقول؟ كانت الشمس نصف الغاربة قبالته. كان بمقدوري أن أرى وهجها الأحمر في عينيه اللتين كانتا تنظران إلي نظرة خرساء......" لا... لا تفعل شيئاً. قال ذلك، وبإشارة خفيفة بيده جعل القارب يبحر بعيداً. وأما أنا فما نظرت إلى الشاطئ من جديد إلا بعد أن تسلقت إلى متن المراكب..... كان متجلبباً بالبياض من قمة رأسه حتى أخمص القدمين، بقي ظاهراً للعيان بكل إصرار وحصن سواد الليل على قفاه، والبحر عند قدميه، والفرصة متاحة له على جانبه- ترى أمازال محجوباً؟ لا أعلم. فبالنسبة لي بدت تلك القامة البيضاء في سكون الساحل والبحر وكأنها تقف في صميم لغز هائل. كان الشفق ينحسر سريعاً من السماء فوق رأسه، وكانت تلك البقعة الرملية الصغيرة قد غارت تحت قدميه منذ حين، كما أنه هو نفسه ما كان ليبدو أكبر من طفل- وبعدئذ لم يعد يبدو أكثر من مجرد بقعة، بقعة صغيرة بيضاء بدا وكأنها تستقطب كل بقية الضياء في عالم حالك السواد..... وعلى حين غرة ضيعته (336/21). إن ثمة أشياء كثيرة هنا جليب بعضها من بعض. فالصمت النهائي الذي يصمته جيم دليل على أن "فرصة صامتة" طفقت تهيمن على حياته من جديد. ولهنيهة من الزمن صار يبدو بأنه أضحى مركز الصلة البصرية، لا بل والعقلية أيضاً، أي ذلك المركز الذي لا تفيه حقه الكلمات في الوقت الذي لا يفتر لها فيه نشاط بتاتاً. وبعدئذ يتوارى جيم عن الأنظار ولا يبقى مما يثير الذكريات عن حياته إلا البقية الباقية من الآثار -كرسالة وحكاية ناقصة ونتفة من تقرير شفوي- من تلك التي سوف يتمكن لاحقاً مارلو من اختزانها بعض مضي وقت طويل. ولكن الجدير بالذكر أن جيم يستطيع أن يحافظ على سلامة عزلة وجوده على الأقل، الأمر الذي لا يستطيعه مثلاً آكسيل هيست حتى بعد مرور ردح طويل من الزمن. فهيست يمثل آخر شخصية من شخصيات كونراد الهامة التي تحاول معاش حياة تجسّد كل الفضيلة النقية تقريباً ويمثل، بالتحديد تقريباً؛ آخر أولئك الرجال الذين يكون همودهم بمثابة دعوة لهجمات التوهم. ومع ذلك فإن انعزال هيست على جزيرته الخاصة، في رواية "الانتصار" (1915)، يكون لا مجدياً. فما من إنسان بوسعه أن يبقى محجوباً عن الرؤية ما دام يحافظ حتى على أوهى اتصال بالواقع. وإن مضمون التقولات الخبيثة لشومبيرغ وفساد ريكاردو وتأملات آربيلاغو، أمور كلها تدل على أن هيست لا يستطيع استخدام فلسفة أبيه في الانعزال لتحقيق هدف كبير. وعلاوة على ذلك فإن انجذاب هيست إلى لينا انجذاب لا طاقة له به، مثله مثل تعاطفه السابق مع موريسون في ورطته تعاطفاً يسحق له تحفظه. وهناك بالطبع موضوع جنسي هام في رواية " الانتصار " ولكن العرض المعتمد الذي يعرض فيه كونراد قارب موريسون إزاء لينا كشيئين متعاقبين من أشياء التدخل الرومانسي الذي يتدخله هيست في هذه الحياة الدنيا يعود، على ما أظن، إلى مشروع كلامي آخر أكثر صرامة من سابقه، ألا وهو المشروع الموجود في العديد من الأماكن الأخرى في فنه الروائي. فلقد قلت أن الأسلوب الأساسي الذي يعتمده كونراد، مع أنه كاتب، مطروح كأسلوب شفوي، وأن طموحه مقصود به التحرك باتجاه المنظور. فهذه هي المواقف التي توظف التلفيقات والحكايات والمشافهات لتصويرها، والتي تقدم لنا في النهاية ذلك الصدع القائم بين النية والواقع، أو بتعابير حسية بين الرغبة في التحدث والاستماع من ناحية أولى، وبين الرؤية والإدراك من ناحية ثانية. ولقد لاحظنا في رواية "لورد جيم" تلك الطريقة التي تعمل بها كل هذه الأشياء في النص، ولاحظنا أيضاً الانجذاب الشديد بين بعضها بعضاً، على الرغم من الهوة فيما بينها، أي بين النية (لا الصمت) وبين واقع شديد الوطأة. ولكن قلما تستدعي الحاجة القول بأن كونراد روائي، لا هو بالفيلسوف ولا بعالم النفس. وإن بوسع المرء أن يفترض أن حيزاً هاماً من خلال كونراد كان، خلال كتابة رواياته، مليئاً بتلك المواد التي ينتظم حولها قسط كبير من العمل الروائي: كذهب لينغارد وعاج كيرتز وسفن البحارة وفضة غولد، والنسوة اللواتي يجتذبن الرجال إلى المخاطرات والمغامرات، الرومانسية . وهكذا فإن قسطاً وافياً من التوتر في روايات كونراد ينشأ حين يحاول الكاتب أو الراوي أو البطل، أن يجعلنا نرى الشيء الذي يستدرج الكتابة والفكرة والكلام مراراً وتكراراً. ولقد قلت آنفاً بأن هذه الأنشطة، التي يكمن أساسها في الإخبار أو النقل، تبدأ بالاقتراب من الحالة المادية. ولكن لماذا؟ ولماذا بعد كل شيء يوطد كونراد جذور كل هذه الأنشطة، بعد إعطائها الشكل الكلامي، في المشافهة أو الكلام المنقول لأناس ميسور تحديد هوياتهم، لا في الصفاء اللغوي المجرد الذي اعتمده مالارميه أو جويس؟ إن الأهمية الأساسية لهذا السؤال هي أنه، كما أتصور، يميز، ولو بأدنى الحدود والتخطيط، بين السيكولوجية الشخصية لكونراد (التي هي الموضوع الأوحد لدراسات التحليل النفسي مثلها مثل سيرة برنارد مير) وبين سيكولوجية كتابة كونراد. وكمصدر من مصادر الشواهد على التاريخ السيكولوجي لهذا الرجل يمكن في بلوغ الحكاية "مرحلة الإنجاز" من خلال سيرورة أدبية بتلك الطريقة التي لا تتسنى للسلوك اليومي المحكوم، هو نفسه، بشرط الثقافة والمجتمع والتاريخ. وعلاوة على ذلك، وكما حاولت أن أبين في كل مكان آخر،(6). فإن الديناميكية الاجتماعية السوسيولوجية التي تحدد مسيرة أدبية ونصها إلى الحد الذي يتعذر فيه قراءة أي منهما بغية الوقوف على شاهد عاجل عن السيكولوجية الفعلية لكاتب من الكتاب، لديناميكية خاصة تثير الإعجاب. ولكن هل هذه الكينونة الخاصة المدعوة بالسيرة الأدبية أو النص تعني نوعاً من أنواع نقض الشاهد الذي قد يأتي به علم النفس المرضي للكاتب؟ وهل هنالك أية طريقة مفيدة وغير عادية للعمل على فصل، أو توحيد، "الإنسان الذي يعاني والعقل الذي يبدع؟" وابتغاء المزيد من الدقة، هل من الممكن أن يقوم تشابه دقيق بين الكتابة الشخصية والفنية لكاتب ما من ناحية أولى، وبين الخطاب المنطوق والأحلام لنفس ذلك الإنسان؟ إن الكتابة والأحلام خاضعة لأنواع شتى من الضوابط من أمثال تلك التي تتحكم بالخطاب المنطوق. ومع ذلك من العسير على المرء أن يتخيل الإتيان بالعمل المكتوب في ظل ظروف تماثل تلك الظروف التي أشار إليها فرويد بأنها من عمل الأحلام. فاليقظة، كريشة أو آلة كاتبة أو ورقة أو كتابتك الماضية أو خطة للشيء المكتوب أو مجموعة من الإيحاءات المادية أو ما تعلمته وعياً عن الكتابة: أشياء كلها لها أدوارها الهامة في التفريق بين الكتابة والاحتلام، على الأقل إن كان لهذين النشاطين أية مكانة كشاهد من شواهد التحليل النفسي. ولكن تلك الفروق تكتسي مزيداً من الأهمية حين تصبح أهمية الكتابة محط النقض في نفس عمل الكاتب، ولا سيما إن كان كاتباً ككونراد الذي كانت الكتابة بالنسبة إليه محض معاناة. ولئن قلنا، كما أتصور أن علينا أن نقول، أن كونراد لم يكن على العموم مرتاحاً لفكرة الكتابة إلى ذلك الحد الذي كان يدفعه لتحويلها دائماً، حين كان لا يبدي تذمره منها، إلى كلام بديل، الأمر يجعلنا نشتط إلى حد القول أن كتابة كونراد تحاول صراحة أن تنكر على نفسها أنها كتابة. ومع ذلك فإن فرويد قال عن النقض بأنه طريقة للتوكيد على الشيء المكبوت. ولكن ماذا يعني بالنسبة للكاتب أن يؤكد على تلك الكتابة المكبوتة؟ وهنا نجد فرويد معيناً مرة ثانية: "بمعونة رمز النقض يحرر التفكير نفسه من قيد الكبت ويغني نفسه بتلك المادة التي لا غنى عنها لعمله المناسب". فبالنسبة لكونراد كانت الكتابة ونقضها يشكلان طريقة من طرائق تخويل نفسه عدداً من الأشياء التي لولا ذلك لكانت مستحيلة. ومن بين تلك الأشياء استخدام الإنكليزية، واستخدام الخبرات من قلب ماضيه بغية إعادة تركيبها، ومسخها في معظم الأحيان، على شكل روايات وقصص "ملفقة"، واستخدام الأحداث التي لا يمكن لأي تفسير أن يكون كافياً لها، أو يجب ألا يكون كذلك. وهيا بنا الآن نخطو خطوة إضافية مع المسألة التي يناقشها فرويد. فالنقض نتيجة لمحاكمة عقلية قائمة على أساسين اثنين. أولهما الاجتهاد المتسائل عما إن كان للشيء سمة مميزة خاصة أم لا، وثانيهما الاجتهاد المتسائل عما إن كان هنالك وجود على أرض الواقع لأي انطباعة ذهنية أو تصوير أم لا. وهنالك معياران ممكنان للباطنية "معكوسان بلغة أقدم الدوافع الغريزية -أي الشفوي-......: أود أن آكل هذا أو أود أن أبصق هذا من فمي"، ومعياران ممكنان للظاهرية (إنني أرفض هذا، أو إن لتلك الانطباعة الذهنية وجود على أرض الواقع أيضاً خارج نفسي) بغية الإتيان بالاجتهاد، وكلا الفريقين يستلزمان مشاركة الذات. ولقد توصل فرويد إلى هذه الاكتشافات لأنه كما يقول: "كثيراً ما نخلص من خلال العمل التحليلي إلى شكل مختلف من أشكال هذا الوضع، وشكل إضافي وهام جداً وغريب إلى حد ما. فنحن ننجح في التغلب على النقض أيضاً، وفي إحداث تقبل عقلي كامل للشيء المكبوت، بيد أن سيرورة الكبت نفسها لا تبلغ مرحلة الزوال بهذا الإجراء". ولذلك فإن الذات، إبان صياغة رأي مناقض للواقع عن انطباعة ذهنية ما، قد تبقى على توكيد وجود الانطباعة الذهنية بواسطة الكبت، إذ مادامت الانطباعة الذهنية قيد الاستخدام أو التطبيق (حتى لو كانت بقصد النقض أو النبذ ليس إلا) فإنها إعادة اكتشاف للشيء المفقود قبل حين من الزمن. وهكذا فلن يكون هنالك رأي سديد(7) إلا بعد أن يكون "رمز النقض قد منح التفكير مقداراً أولياً من التحرر من نتائج الكبت ومن إكراه مبدأ اللذة، بشكل متلازم تماماً". وإن ما يتعلق بكونراد مباشرة من مناقشة فرويد لقسط ضئيل فقط، الأمر الذي يعني أنه ليس من المتوقع أن ينطبق كل ما يقوله فرويد على ممارسة كونراد ككاتب لقد كانت الكتابة بالنسبة لكونراد بمثابة نشاط يشكل النقض- أي نقض نفسها . ونقض ما تعالج في الوقت نفسه- كما كانت شفوية وكرارة. أي أن كتابة كونراد كنشاط كانت تنقض نفسها وتعيد تشكيلها من جديد، وتنقض نفسها مرة ثانية، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية له، الأمر الذي يجعل من خاصية الكتابة نموذجاً يحتذى بشكل استثنائي جداً. إن المشافهة هي الشكل الشفوي للنقض، وباعتبارها كذلك كانت مهمتها تأجيل إصدار الحكم إلى ما لا نهاية على نفسها وعلى موضوعها: وفضلاً عن ذلك فهي كرارة واستبطانية، وذلك لأننا رأينا كونراد وهو يتخيل السرد منطوقاً من حكاية إلى أخرى في حين أن واقعية ما يدعوه مارلو "بحس الحياة"، أي المحتوى الوجودي للخبرة الفعلية، بقيت خصوصية وغير مكشوفة وغير قابلة للتوصيل إلا من خلال تلك المؤهلات الفطرية التي تعمل عمل النقائض ("نحن على قيد الحياة- طالما نحن نحلم وحسب". ولكن الشخصيات الذكورية عند كونراد تتأثر أيما تأثر، في بعض مراحل حياتها، بالأشياء المادية الفعلية الظاهرة: كالنساء والكنوز والسفن والأرض. فهذه الأشياء موجودة للتو هناك، وفي معظم الوقت، بشكل سلبي وظاهري ولا تحظى بالقوة إلا تدريجياً. وهكذا فإن تشارلز غولد يرث منجم أبيه كرهاً لا طوعاً، ولا يستهل بناء الهيمنة البالغة شبه الاسطورية لمنجم سان توميي إلا بعد تلك الورثة، وفيي تلك الآونة التي تبدأ فيها عملية البناء الأسطوري بالانجلاء، في رواية كونراد، يتكشف صدع هام بين الشخصية التي يدور حولها التقرير وبين التقرير نفسه. وعندئذ تتحول المشافهة من كونها شكل من أشكال النقض الباطني، إلى أداة لحكم كونراد. فبمرور الزمن ومن خلال البناء الفضفاض لروايته بالشكل المألوف، تمارس الكتابة تحويل الكاتب من متحدث واه (من شخصية متحدثة أو "ريشة راوية" لها أهداف مباشرة وبصرية، وحتى أهداف مادية، مقبولة سلباً جراء الإرث أو العرف) إلى ذلك الكاتب المفكر الذي يبحث ويصور قصصاً خارجية عليه، والكاتب الذي يتبنى الشكل الجمالي للمشافهة بمنتهى البساطة من رواية إلى أخرى ويقحمه في صميم فيض من التطورات الشيقة والمتباينة. إن سيرة كونراد الذاتية موزعة في كل قصة على أدوار عديدة: فأولاً على أنه الإنسان الذي جرت معه الأحداث كمتحدث، كسامع وأخيراً ككاتب يطرح رواية في لحظة ما، وينقضها بالتظاهر أنها مجرد كلام، ومن ثم ينقض ذلك الكلام (في رسائل خلال كروب التأليف) بشجب مصاعبه، وبعدئذ ينقض حتى ذلك (في أواخر حياته المسلكية) جراء ظهوره بمظهر "الروائي العجوز الأمثل بالنسبة لأي إنسان". وإن مناقشتي باختصار هي أن كتابة كونراد كانت طريقة لتوكيد حذاقة صنعته الكتابية من خلال نثره لها وانكسارها في تشكيلة من الاحتمالات الروائية وشبه الروائية المتضاربة والمتناقضة في معظم الأحيان، وأنه أقدم على فعل هذا تفضيلاً منه على تصوير هيجانه العصبي بشكل مباشر. ولربما كان هذا التوجه هو الطريقة التي اعتمدها كونراد للهروب من الآثار الموهنة الناجمة من الكبت وعن إكراه مبدأ اللذة. لقد حاول كونراد استخدام النثر استخداماً سلبياً كي يسمو على الكتابة وكي يجسّد المشافهة والرؤية على نحو مباشر معاً. فكل خبرة تبدأ بالنسبة إليه بوجود متحدث وسامع والعكس بالعكس، وبالنتيجة فإن كل متحدث يحكي عن عمل يستهدف الوضوح، أو النية المحققة. ومع ذلك فإن الشيء الذي ييسر تحقيق النية هو، في كل حالة تقريباً، شيء هامد كالفضة التي أنيط بها سلطان على الحياة. وأما الشعور المغلوط حيال مثل هذه المادة فهو أنها قادرة على تجسيد التملك الحسي السروري والمنظور للواقع كله بدون أدنى وساطة. بيد أن هذه المادة تثبت في النهاية على أنها، في كل الحالات، تجسد أيضاً الطاقة اللامحدودة تقريباً للذات على الامتداد والتحول. وإن إدراك هذا الأمر هو ما يجعل بالتأكيد من رواية "نوسترومو" ذلك الصرح المهيب الفياض بالتشاؤم إلى حد يثير الإعجاب، والصرح الذي هو عليه فعلاً: فالرواية تعتمد بمعنى ما على تخصيب الفضة بتصور خيالي عن مدى سلطانها. فالوحدة الكاملة لهذا التصور تضم الحياة والموت معاً، وهكذا فإن الثنائي غولد، على الرغم من تقنعهما الزائف بقناع الإنسانية، لا يختلفان بشيء عن البروفيسور في رواية "العميل السري" أو عن كيرتز في رواية "صميم الظلمة". "لقد خلعت أميليا غولد على تلك الكتلة المعدنية، من خلال تقديرها الخيالي لسلطان تلك الكتلة، تصوراً تبريرياً، وكأنها لم تكن محض حقيقة، بل شيئاً بعيد الأثر وغير محسوس، شأنها بذلك شأن التعبير الحقيقي عن عاطفة ما أو عن بروز مبدأ ما.... ..... وذلك لأن منجم سان تومي كان سيتحول إلى مؤسسة، إلى مركز تجمع لكل شيء في تلك المقاطعات التي كانت بأمس الحاجة للنظام والاستقرار كي تبقى على قيد الحياة، فالأمن بدا وكأنه يفيض على هذه الأرض من سفوح ذلك الجبل" (107-110/9). فها هي المادة تتحول إلى قيمة مثلها مثل العاطفة التي يمكن، في عالم مثالي، تحويلها إلى " تعبير حقيقي" وبالنسبة لأبطال كونراد تصبح المادة نظام تبادل كامن تحت اللغة، ان النفس، التي هي منبع النطق، تحاول التوفيق بين النية والواقع، ولكن الكلمات تصبح فعلاً موضع الإهمال كتجسد مباشر في المادة على النحو الذي ينشدها فيه الخيال، في نفس ذلك الوقت الذي تدلى فيه الذات بتقاريرها عن مغامراتها وإحباطاتها. فإذا كانت اللغة تفشل فشلاً ذريعاً في تمثيل النية وإذا كانت المهمة التمثيلية التقليدية للغة، على نحو مشابه، غير وافية بتاتاً في أن تجعلنا نرى، فإن البطل في روايات كونراد يتقصد، على غرار كونراد نفسه، باستعماله المادة بدلاً من الكلمات أن يبرر تخيله ويلفظه بوضوح. ومن الجدير بالذكر أن أي قارئ من قراء كونراد يعرف كيف أن هذا المقصد محكوم عليه بالفشل أيضاً. وهكذا ففي خاتمة المطاف يصبح البطل، ككيرتز وهو على فراش الموت بذخيرته من العاج، وهماً متكلماً، فلكل نجاح منطقي قصير الأمد مثل غولد أو فيرلوك هنالك إنسان كنوسترومو أو كستيفي الذي يتحدث عنه جسده البالي. ولكل إنسان ككيرتز وجيم هنالك إنسان كمارلو الذي تتمكن ذاكرته من إعادة اقتناص جسده بكل مهابته وفتوته. وإن القول بأن هذا لا يحدث إلا "بمرور الزمن" وأن كلمات المتحدث مسرودة بشكل كتابي لقول لا يقلل من شأن مأثرته بشيء، إلا أن الكلمات لكونها كلمات تتنكر بالمطلق للإنسان وتقلل من شأنه دون أن تنقذه عملياً. وهكذا فإن كونراد هو ذلك الكاتب الذي يجسّد عمله هذه المهزأة اللاذعة مراراً وتكراراً % * capatazde cargadoes - المترجم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |