العالم والنص والناقـد - إدوارد سعيد - ت:عبد الكريم محفوض

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:06 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

5- عن التكرار

قرابة خاتمة كتاب "العلم الجديد"، وبعد أن عرض فيكو بالتفصيل تلك الطريقة المحددة التي لا يتولى فيها الرجال صنع التاريخ وحسب بل ويصنعونه وفقاً لدورات تعاود تكرار أنفسها أيضاً، يواصل شرح الكيفية التي تصبح فيها هذه المعاودات بمثابة الأنماط العقلانية التي تحفظ الجنس البشري. وإن ذلك المقطع برمته يشبه نوعاً من التأمل الأفلاطوني في التاريخ المثالي، بيد أن تفاصيل ما يصفه فيكوليست أفلاطونية تماماً:‏

إن من صحيح القول أن الرجال أنفسهم هم من صنعوا تاريخ الأمم هذا (ونحن اعتمدنا هذا القول كأول مبدأ لا جدل فيه من مبادئ علمنا، بعد أن حل بنا اليأس من العثور عليه عند الفلاسفة والفيلولوجيين)، ولكن هذا العالم انبثق بدون شك عن عقل مختلف في أحيان كثيرة عن الغايات الخاصة التي كان الرجال قد وضعوها نصب أعينهم، وعقل مناقض لتلك الغايات في بعض الأحيان وأسمى منها دائماً.‏

فالغايات الضيقة كانت وسيلة لخدمة غايات أوسع منها، وكانت مسخرة على الدوام لحفظ الجنس البشري على سطح هذه المعمورة.‏

فالرجال يتقصدون إشباع شهواتهم البهيمية وهجران ذريتهم، وهم يستهلون طهارة الزواج الذي تنبثق عنه العائلات. والآباء يتقصدون ممارسة سلطتهم الأبوية بلا حدود على أتباعهم، ويخضعونهم للسلطات المدنية التي تنبثق عنها المدن. وطبقات الحكام من النبلاء تتقصد إساءة استعمال حريتها السامية على العامة، وتضطر للامتثال للقوانين التي توطد حرية الشعب.‏

وبعدئذ تتقصد الشعوب الحرة الإطاحة بنير قوانينها، وتصبح خاضعة للملوك. والملوك يتقصدون تعزيز مراكزهم الخاصة بالانتقاص من قدر رعاياهم بكل رذائل الانحلال، كما أنهم يعرضونهم لمعاناة العبودية على أيدي أمم أقوى. والأمم تتقصد تفكيك أنفسها، والبقايا الباقية منها تهرب إلى البراري طلباً للأمن، من حيث تبرز مجدداً كالعنقاء. وإن ما فعل هذا كله كان العقل، لأن الرجال فعلوه بمنتهى التعقل- فذلك لم يكن من فعل القدر لأن الرجال فعلوه بمحض اختيارهم، ولم يكن من فعل الصدفة لأن نتائج تصرفاتهم على هذا النحو هي نفسها إلى أبد الآبدين(!).‏

إن زبدة هذه الفقرة هي أن أي تفحص للوقائع الملموسة للتاريخ البشري، الأمر الذي ليس في متناول أي فيلسوف أو فيلولوجي، يكشف عن وجود مبدأ أو قوة نظام داخلي ضمن سلسلة من الأحداث التي لولاه لكانت أحداثاً فوضى. والعقل هو النظام العام للفرملة التي تكبح اللاعقلانية المتسارعة على الدوام في السلوك البشري. فمن قلب كل مثال عن حماقة الرجال تأتي تلك النتيجة التي تعمل ضد النية العاجلة للكائن البشري والتي تبدو إملاء من إملاءات العقل، الذي يتمثل هدفه الأسمى في حفظ الجنس البشري. ولكن كيف؟ بالتأكد من أن التاريخ البشري يثابر على تكرار نفسه وفق مسيرة الأحداث مسيرة محددة معينة. وهكذا فإن العلاقات الجنسية بين الرجال والنساء تفضي إلى قيام الزواج، وتفضي مؤسسة الزواج إلى قيام المدن ، ويفضي نضال العامة إلى قيام القوانين كما أن صراع الجماهير مع القوانين يفضي إلى قيام الطغيان ويفضي الطغيان في خاتمة المطاف إلى الاستسلام للقوى الأجنبية. ومن صميم هذا الانحطاط الأخير تبدأ دورة جديدة انطلاقاً عن التفسخ المطلق الذي يتفسخه الإنسان في البراري.‏

فبدون العقل لن يكون هنالك تاريخ يتحدث بشكل لائق، وبدون التاريخ تكون الإنسانية أمراً مستحيلاً بكل تأكيد. وإن تلك الأشياء التي تجعل من التاريخ أمراً ممكناً- وهنا لا يبدو الخوف على فيكو من الحشو، كما هو شأنه في أي مكان آخر- والمؤسسات البشرية كالزواج والقوانين والأمم. وهذه المؤسسات تتكشف عن عناد هزاء، عن عقل، عازم على استبقاء الإنسان ضمن إطار التاريخ والمغزى، وأما المهزأة فهي أن الرجال يعملون على فضح "السر السائب على المستوى البهيمي" بعناد شموس حتى في ذلك الوقت الذي ينير فيه العقل الظلمة ، وبعناد مماثل باستيلاء أنماط معقولة تمنح الإنسان ذلك التاريخ الذي لولاه لذهبت شهواته الرهيبة أدراج الرياح وضاعت، بمنتهى الإصرار، هباء منثوراً. فبدلاً من التساند العشوائي هنالك الزواج، وبدلاً من الأوتوقراطية الملجومة هنالك القوانين والجمهوريات، وهكذا دواليك.‏

لقد جاء فيكو على وصف هذا كله في طول وعرض كتابه المعنون بـ"العلم الجديد" كشيء يجب إدراكه عاجلاً أو آجلاً أي، بدون التدخلات المغرضة لفلسفة ديكارت أو فيلولوجية إرازموس، وذلك لأن فيكو يدعي بأنه يتكلم بالضبط عن ميدان الحقيقة المجردة، فما تفعله الكائنات البشرية هو ما يجعل منها كائنات بشرية، كما أن ما تعرفه هو الشيء الذي أقدمت على فعله. فهذه المبادئ الأساسية جداً تتردد أصداؤها هنا وهناك وهنالك في كتاب "العلم الجديد". إن التاريخ البشري هو الواقع البشري هو النشاط البشري هو المعرفة البشرية.‏

"فالعلم الجديد" يضيف منهجياً على تلك المعادلة مساهمة الباحث: فالباحث (أي فيكو) يكتشف كل هذه العلاقات بالتعرف عليها أو، إذا استعملنا تعبيراً فيشيا (Vichian)* أفضل، بالعثور عليها من جديد (vitrovare). ولئن تضايقنا أحياناً من عادة فيكو نفسه وهو يكرر المخطط الأساسي للتاريخ البشري من بهيمية خالصة إلى عقلانية معتدلة إلى تعقل بالغ التشذيب، ومن ثم إلى بربرية جديدة وإلى بداية جديدة مرة أخرى -ولئن تساءلنا عن دقة دورة يفرضها فيكو على تشكيلة ضخمة من التاريخ البشري- لاضطررنا عندئذ لمواجهة الشيء الذي تدور حوله الدورة بالتحديد، ألا وهو مأزق تشكيلة لا نهاية لها ورعونة لا نهاية لها أيضاً. خذوا التاريخ كما أشيع عنه من أنه سلسلة دراماتيكية متعاقبة من الأطوار الديالكتيكية، وسلسلة استنتها ولفقتها بمنتهى الإصرار بشرية متنافرة فيما بين بعضها بعضاً، كما يقول فيكو على ما يبدو، وعندها سوف تتحاشون اليأس من النظر إلى التاريخ وكأنه حدث لامبرر له، وتتفاوت الضجر على قدم المساواة من النظر إلى التاريخ وكأنه يحقق مخططاً مقرراً سلفاً. ولئن كانت منزلة التكرار نفسه موضع الارتياب من زاوية نظرية المعرفة، فليس هذا بالأمر الهام: "إذ إن التكرار مفيد كطريقة لتبيان أن التاريخ والواقع كليهما معاً عن الإصرار البشري، لا عن أصالة مقدسة.‏

إن من الصحيح جداً تقريباً أن نقول، على ما أظن، أن التكرار بالنسبة لفيكو، كائناً ما يكون خلاف ذلك، هو شيء يحدث ضمن الواقع تماماً كما يحدث ضمن الفعل البشري في مضمار الوقائع وضمن العقل إبان مسحه ميدان الفعل. فالتكرار، والحق يقال، يربط بين السبب وبين الخبرة الصرف. أولاً: الخبرة، على مستوى المغزى، هي التي تركم المغزى حين تعود أهمية الخبرات السابقة والمماثلة. فالرجال خائفون على الدوام من آبائهم، وهم يدفنون موتاهم، ويعبرون بمنتهى الإصرار إلهاً مصوغاً في انطباعتهم الذهنية. وهذه التكرارات هي ما يقوم عليها المجتمع البشري. ثانياً: إن التكرار يتضمن الخبرة كيفما اتفق، فالتكرار هو الإطار الذي يمثل فيه الإنسان نفسه أمام نفسه وأمام الآخرين. فرب الأسرة "pater familias" البدائي يرفع من مقامه عالياً كما يفعل جوبيتر، مكرراً عجرفته، حاكماً لتلك الأسرة التي خلقها والتي يجب عليه أن يحاول تفادي إطاحتها به. وأخيراً فإن التكرار يعيد الماضي للباحث منيراً له بحثه بانتظام لا ينضب له معين. "في عتمة ظلمة حالكة تحجب أقدم مرحلة من مراحل غابر الأزمان؛ وبعيداً جداً عنا، يشع نور حقيقة سرمدي عصي على الانطفاء بتاتاً وخارج إطار الشكوك كلها: ألا وهي أن عالم المجتمع المدني كان بالتأكيد من صنع الرجال، وأن مبادئه يجب لذلك أن توجد ضمن التعديلات القائمة في عقلنا البشري ذاته(1)". فالبنسبة لفيكو يكون التكرار، سواء أكان بداية إحساس أو كتصوير أو كإعادة بناء مبنى أثري، مبدأ اقتصادياً يسبغ على الحقائق واقعيتها التاريخية وعلى الواقع معناه الوجودي. ومن الصحيح بالتأكيد أن كل تكرار لطور أو لطور جديد "corso or recorso" ما هو على العموم إلا نفس أسلافه السابقة، بيد أن فيكو حساس جداً حيال الخسائر والمرابح، أي، بوجيز العبارة، حيال الفروق القائمة في صميم كل طور كرار من أطوار الدورة.‏

إن استخدام فيكو لفكرة التكرار كما يفهمه يشبه إلى حد ما، شكلياً، التقنيات الموسيقية الموظفة للإتيان بالتكرار، ولا سيما تقنيات اللحن المحوري "cantus firmus" أو الألحان الثانوية الكرارة "chaconne" أو، إن جئنا على ذكر أكثر الأمثلة الكلاسيكية تطوراً، تقنيات "بدائل غولد بيرغ" لباخ (Goldberg variations). فبواسطة هذه الأحابيل ثمة لحن أساسي يثبت الألحان الفرعية التزيينية المعزوفة فوقه. وعلى الرغم من تكاثر التبديلات في الإيقاعات والأساليب والتناغمات، فإن النغم الأساسي يعاود الظهور خلالها كلها وكأنه يريد أن يعرض قوة صموده وقدرته على ممارسة التحبيك الأبدي.‏

وهنالك، في هذه الأشكال الموسيقية، نوع من التوتر بين مخالفة أو شذوذ اللحن الفرعي وبين ديمومة اللحن المحوري ومواصلة توكيده عقلانيته، الأمر الذي يجسد الظاهرة نفسها التي لاحظها فيكو في التاريخ البشري. فما من شيء كان بمقدور فيكو أن يقوله عن انتصار العقل على اللاعقلانية لمضاهاة ذلك الانتصار الهادئ الذي يحدث في نهاية "بدائل غولد بيرغ"، حين تعود النغمة الرئيسية بشكلها الأول الصحيح كي تطمس تلك البدائل الفرعية التي استولدتها النغمة الرئيسية بالأصل. إن استخدامات التكرار على هذا النحو تصون ميدان النشاط وتعطيه شكله وهويته، تماماً كما كان فيكو يرى في التكرار توكيداً للحقائق الجوهرية للشيء الذي دعاه بالتاريخ البشري العصبوي.‏

وهأنذا أستخدم كلمة عصبوي "gentile" لفيكو كمرادف لكلمة قرابة "filiation" التي ورد بحثها في الفصل التمهيدي لهذا الكتاب. ولكن الشيء الذي لا نستطيع وصفه شكلاً في الموسيقا، إلا بتشبيه جزئي متوتر إلى حد ما، هو فكرة فيكو عن التاريخ البشري كونه مولوداً، كونه ناتجاً ومنسوخاً بنفس تلك الطريقة التي يستولد فيها الرجال والنساء أنفسهم بإنجاب وخلق الجنس البشري. فالتاريخ العصبوي هو تاريخ الأسرة الكريمة الأصل "gens" والأقوام الكريمة الأصول "gentes" المولودة بداهة كل منها في حينه كي تتنامى هناك، علاوة على أنها ليست بالمخلوقات مرة واحدة وإلى الأبد من خلال قوة مقدسة واقفة خارج التاريخ. إن "العلم الجديد" كله مشغول بهذه السيرورة العصوبية التي تعبئ أفكار فيكو عن التكرار، كما إن الانطباعات الذهنية لفيكو عن السيرورة التاريخية لانطباعات بيولوجية راسخة بل، وأكثر من ذلك، أبوية راسخة أيضاً. وما تلك الفقرة التي استشهدت بها من قبل إلا دليل جيد عن ذلك القالب الذي يتحرك فيه خيال فيكو، والذي أدرك الحركة المتتالية للدورات"corsi" والدورات الجديدة"recorsi" الجديدة المتعاقبة على أنها العلاقة بين الآباء والذراري. وهكذا فإن التكرار عصبوي لأنه بنوي وسلالي.‏

إن التلاعب الإيتيمولوجي لفيكو بالكلمات المشتقة من "gens" كان يخلب عليه لبّه لأن تلك المشتقات لم تكن لتمثل الكيفية التي ينبثق فيها التاريخ عن الخصاب البشري وحسب بل وتمثل أيضاً الكيفية التي تكرر فيها الكلمات تلك السيرورة من خلال استخراج المتشابهات من جذور الكلمات: genitor, genialis, gentile, gentes, gens وهكذا دواليك.*‏

ففيكو إذاً يفهم التكرار على العموم بأن قرابة، بيد أنها القرابة المعضلة لا العشوائية الأوتوماتيكية.‏

ولكن أولئك الناس الذين درسوا فيكو لم يستوعبوا الكثير من الهوس بالقرابة في كتابته التاريخ، كما أنهم لم يقرنوا بين الاستقصاءات السلالية التي قام بها فيكو وبين الجهود، المعاصرة لجهوده تقريباً، في ميدان التاريخ الطبيعي لدراسة الجيل والتوالد والوراثة.‏

ففي كلا الميدانين، أي في دراسة فيكو للخبرة التاريخية وفي عمل موبيرتوس وبوفون في التاريخ الطبيعي مثلاً، كان تصنيف الكائنات الحية وسيلة لرصد الأطوار التي تمر وتعاود المرور بها تلك الكائنات ولكن "الحياة" كانت، وهذا شيء أهم من سابقه كما استطاع أن يبيّن كل من فيكو وبوفون، ذلك المفهوم الذي يتسامى على محض التصنيف والذي له نظامه الداخلي الخاص والمتوالد ذاتياً، والمنقول من جيل من الآباء إلى جيل آخر.‏

ولقد كان السؤال الجدير بالجواب يدور عن الكيفية التي ولدت بها الحياة وعن الكيفية التي استولدت نفسها بها ذاتياً، منذ ذلك الحين الذي بطل فيه النظر إلى الحياة بأنها نتيجة تدخل قدسي متواصل في شؤون الطبيعة. فالتكرار بالنسبة لفيكو ولعلماء الطبيعة في القرن الثامن عشر ما هو إلا نتيجة التناسل الفيزيولوجي، أي نتيجة الكيفية التي يؤبد فيها نفسه جيل من الجنس البشري في زمان ومكان تاريخيين، حتى أن من الممكن أن يقال أن التكرار والتناسل البيولوجي إن هما، في حقيقة الأمر، إلا صنوان.‏

وطبقاً لما جاء فرانواجاكوب في "منطق الكائن الحي" (La Logique du vivant) فإن فكرة التوالد نفسها برزت إلى الوجود في مطلع القرن الثامن عشر حين تنبه علماء الطبيعة إلى قدرة الحيوان على تجديد تشكيل الأعضاء المبتورة. ففي البداية كان من المعتقد أن الكائن الحي هو الذي يستولد كلاً من نفسه وشكله الخارجي المفقود لأنه يحقق خطة، أو مخططاً قبْلياً في وجوده كان بمثابة نموذج مثالي قيد الإنجاز من الطبيعة كلها. ولكن بمرور الزمن جرى التخلي عن هذه النظرية، وبدلاً منها ظهر لكل من موبيرتوس وبوفون في عقد الأربعينات (1740) أن الطبيعة تكرر نفسها أو تستنسخها بفضل طاقة داخلية كافية كما يتجلى ذلك في تنظيم المادة العضوية على شكل عناصر متجمعة بعضها مع بعض بغية توليد نفسها من الصميم. وعندما تبين أن التوالد والتجديد يفضيان إلى التشابه (أي التكرار) بشكل ثابت، كان تعليل بوفون أن جملة الصفات الموروثة، أي الضغوط على الذراري، أسيرة إرشاد الذاكرة. فالتوالد هو السيرورة التي تنتقل بها العناصر المنظمة من جيل إلى جيل لاحق وبما أنه كان من الواضح أن هذه السيرورة ليست عشوائية، وبما أن القرابة كانت تنطوي ضمناً على التشابه الشديد إن لم تكن على الدوام تكراراً فعلياً، فإن بوفون وموبيرتوس سلما جدلاً بوجود قدرة، هي الذاكرة، مهمتها توجيه انتقال الأجيال، الأمر الذي يكفل تكرار الميزات البارزة وانتقالها إلى الجيل التالي(3).‏

إن فيكو يعتمد نظرية مماثلة إلى حد مذهل. فالتاريخ، كما قال، ينجم عن العقل، وما هو العقل إن لم يكن الذاكرة التاريخية القادرة على الربط والتعديل والتغيير إلى أبد الآبدين. ولكن الذاكرة تكبح العقل بالأساس، فضلاً عن أنها كلها تدور عن ذلك الواقع الذي يبقى، بالنسبة للناس البدائيين أو بالنسبة لأكثر الفلاسفة المحجثين صقلاً، واقعاً بشرياً بشكل جوهري. وكائناً ما كان مقدار التغيير الذي يبدو عليها، فلن يكون بوسعها البتة أن تكون إلا بشرية إلى هذا الحد أو ذاك. إن "العلم الجديد" قد درس بنى هذا الواقع المغرق في القدم بالشكل الذي انتقل فيه من الإنسان البدائي إلى الإنسان الحديث أو بالشكل الذي أنجب فيه الإنسان البدائي، كما تبين لفيكو في إحدى ملاحظاته المذهلة التي ترقش عمله، الإنسان الحديث وكان أباه الفعلي، وكرر فيه الثاني المراحل الجنينية للإنسان الأول. فالتاريخ بالنسبة لفيكو هو المكان الذي لا يضيع فيه أي شيء بتاتاً. وإن عبارة بوب القائلة "كل ما هو موجود" تعني بالنسبة لفيكو شكلاً سابقاً ولاحقاً في آن واحد معاً، حيث يرتبط الشكلان بعضهما ببعض بما دعوته من قبل بالقرابة المعضلة.‏

وإن نظرية فيكو عن التكرار أكثر تشويقاً من نظرية معاصريه في التاريخ الطبيعي.‏

فالذاكرة بالنسبة لهم كانت هي التي توجه انتقال الأجيال، وهي التي تيسر التوالد: لكنها لم تكن هي التي تسببه ولم تكن الذاكرة لتعرض نفسها إلا في المكان، كحضور مادي لشيء ما واقف قبالة شيء آخر. إن الفرق بين بوفون ولامارك كان أن هذا الأخير جاء ببعد زماني إلى صميم الوراثة. فالزمان، لا أي مكان طبيعي عام شاسع من نوع ما، هو ما كان يربط الكائنات الحية بعضها ببعض، كتاريخ ماض عام ذي تعاقب وديمومة وإمكانية لإكمال التنظيم الجاري عبر الجيل(4). فالوراثة كانت تعني ضمناً نظرية تطورية، لا ذاكرة سلبية والجيل يعني ضمناً الصراع ، مع العلم أن هذا الشيء كان أيضاً جوهر التاريخ العصبوي لفيكو. فمع احتدام الصراع، كما بين جيل من الآباء وجيل من الأبناء، تكون ولادة الفارق، وولادة التكرار في الوقت نفسه. وبكلمات أخرى كان فيكو على دراية أن القرابة من وجهة نظر أولى هي الرجوع، ولكنها من وجهة نظر ثانية، ألا وهي وجهة نظر التاريخ باعتباره شكل الخبرة البشرية منظوراً إليه على أنه المضمار الخاص بها، فهي الفارق. فالتذبذب في فكر فيكو حيال القرابة بين التكرار أو الرجوع والفارق كان في الواقع تعبيراً عن التذبذب بين الرغبة في اللامتبدل والشامل والدائم والمعرض للتكرار من ناحية أولى، وبين الرغبة في الأصلي والثوري والفريد والطارئ، من ناحية ثانية.‏

فهذه التعليقات على فيكو مقصود بها تعميق مركزية الأفكار عن التكرار وصولاً بها إلى مستوى التأملات عن السيرورة الزمنية، وإلى فكرة الخصاب البشري وإلى الافتراض بأن الحقائق البشرية المرهونة زمانياً يجب اعتبارها بطريقة ما أنها تكرارات السابقة أقدم منها أو أنها فوارق عنها. وللتو هنا يجب علينا أن ننتبه إلى الكيفية التي تعامل بها النظرية النقدية الأدبية الحديثة هذه المعضلة المتعلقة بالتكرار والأصالة- ومن منطق سلالي أيضاً- على أنها مشكلة الصراع على النفوذ بين سلف أبوي قوي‏

وخلف بنوي لاحق.وإنني أشير بداهة هنا إلى المخطط الذي وضعه هارولد بلوم للتاريخ الشعري. واهتمامي يتمركز على الدفاع عن أن من الطبيعي أن تكون النظرة إلى انسياب الزمن، فيما يتعلق بالنظرية الأدبية وبالتاريخ العصبوي لفيكو وبالتاريخ الطبيعي وصولاً إلى داروين واحتواء له، بأنه تكرار لذلك المسار المولّد الكرار الذي يستولد فيه الإنسان نفسه أو ذريته المرة تلو المرة إلىأبد الآبدين. فالبقاء على قيد الحياة يبدو على أنه، وفقاً لمقولات جاكوب، بقاء أفضل المنجبين وأفضل المكررين. فالاستعارة العائلية عن استيلاد الأبناء، حين يتم تمديدها إلى كل زوايا النشاط البشري طولاًوعرضاً، دعاها فيكو بالشعرية، إذ إن الرجال رجال، كما يقول، لأنهم صناع ومايصنعونه قبل أي شيء آخر هو أنفسهم. فالصنع هو التكرار، والتكرار هو الدراية لأنه يصنع. وهذه هي سلالة الدراية وسلالة الحضور البشري.‏

إنني أتصور أن من الممكن تبيين أن القص المسرود خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الأوربيين معتمد على الأحبولة البنيوية لمناولة قصة ما من خلال الإخبار المسرود، وأن الوضع الشامل لحبكة الرواية، فضلاً عما تقدم، هو أن تعمد شخصية منحرفة لتكرار المشهد العائلي الذي بواسطته تولّد المخلوقات البشرية بتصرفاتها تلك الديمومة البشرية، ولئن كان هنالك للبطلة الروائية، أو البطل، مهمة تسمو على كل المهمات الأخرى فهي أن تكون نموذجاً مختلفاً إذ إن الأبوة والروتين ينيخان بكلكلهما عليهما. ولكي تكون هذه الشخصية نموذجاً شاذاً يعني أن تكون غريبة الأطوار، أي، شخصية لا تكرر مايكرره معظم الرجال بحكم الضرورة- ألا وهو مسار الحياة البشرية، الأب قبالة الابن جيلاً بعد جيل. وهكذا فإن الشخصية الروائية رهن التصور أنها تحد للتكرار، أي تفجير ذلك الواجب المفروض على الرجال كي ينسلوا ويتكاثروا، كي يخلقوا أنفسهم بأنفسهم ويكرروا خلقها مراراً وتكراراً دون أي انقطاع. ففي ذلك الرفض الذي ترفضه إمابوفاري في أن تكون نفس تلك الزوجة التي تطلبها منها أن تكونها طبقتها والمقاطعات الفرنسية، تصبح صلات الرحم في المجتمع موضع التحدي. إنها تلك المرأة التي كان من الممكن لفلوبير أن يكتب عنها لأن التكرار، أي شعورها بالضجر من التماثل القميء، يولد الاختلاف ألا وهو رغبتها في أن تعيش حياة رومانسية، مع العلم أن الاختلاف يفضي إلى الشذوذ الذي هو علامتها الفارقة وبلواها في آن واحد معاً.‏

وفي حديثي عن الرواية الأوربية الكلاسيكية الواقعية أجد نفسي مضطراً للعودة إلى الوصف المعضل الذي وصف به فيكو التاريخ البشري من أنه سلسلة من الدورات السلالية الكرارة. ومن الجدير بالذكر أن فيكو وفلوبير كلاهما على مايبدو يسخران الدورة التوليدية للزمن البشري وذلك لأن تناقضاً أساسياً يكمن ضمن تلك الدورة، في صلبها ذاته، ويكشف عنه الزمن أكثر مما يحله. وأما ما أعنيه بقولي هذا فهو مايلي: إن السلسلة المتعاقبة لصلات الرحم لدى فيكو، أي الآباء والأمهات في إنجابهم الذراري ومن ثم في إنشائهم لا العائلات وحدها بل والصراع بين الأجيال أيضاً، تخلص أن نتيجتين اثنتين. الأولى منهما مقصودة وهي: "أن الرجال يتفصدون تسويغ شهواتهم البهيمية وهجران ذراريهم". وأما الثانية فهي لا إرادية: "ويستهلون طهارة الزواج الذين تنبثق عنه العائلات. وعلى الرغم من أن تكرار التاريخ البشري يتضمن كلتا هاتين النتيجتين فإن صدعاً هاماً يقوم بينهما وبمنتهى الجلاء. فبشكل مقصود، وبطريقة طبيعية جداً وبدون وساطة، تستولد صلة الرحم لا الصراع وحده بل ونلفاها مدفوعة برغبة لإفناء ماتم استيلاده، أي هجران الذراري. ولكن بشكل غير مقصود يحدث النقيض: إذ تتوطد أركان الزواج الذي يشد الوثاق، كمؤسسة، بين الذراري والآباء. وإن هذا الصدع نفسه بين الشهوة الجنسية المقصودة وبين اعتراضها اللا مقصود من قبل المؤسسات يحدث في روايتة "مدام بوفاري". فالتاريخ في حالة فيكو، وهو الشكل نفسه للرواية لدى فلوبير، يقف إلى جانب المؤسسات لصيانة ونقل وتوكيد لا سيرورة تكرار صلة القرابة التي بها يتأبّد الوجود البشري على نحو كرار وحسب، بل وعلاوة على ذلك فإن تلك المؤسسات نفسها -كالزواج أو الألفة على سبيل المثال- تصون صلة القرابة من خلال إكساء صلة التقرب كساء المؤسسة، أي تجميع الناس في وحدة لا سلالية ولا تناسلية بل في وحدة اجتماعية. إن الشيء الهام تاريخياً لفيكو لا يتمثل في أن الزواج ييسر التناسل بل يتمثل في أن الزواج كمؤسسة، باعتبار أن التناسل يحدث بشكل طبيعي وبطريقة ما (وبشكل تخريبي، قصدا على الأقل)، يفرض قيوداً رسمية على الشهوة الجنسية بغية تيسير قيام صلات التقرب كشيء مختلف عن صلات القرابة الخالصة.‏

وهكذا فإن مكان الأب يفقد منعته السامية. فالدوران الأبوي والبنوي، وهما الضروريان لبعضهما بعضاً على قدم المساواة في تلازمهما الطبيعي وفي عدائهما المتبادل، يبدوان بأنهما يفضيان إلى قيام علاقات أخرى، علاقات تقرب، التي يكون حضورها التاريخي والواقعي حضوراً لا لبس فيه في المجتمع البشري مثار اهتمام المؤرخ والفيلسوف والمنظّر الاجتماعي والروائي والشاعر. ولكن ثمة تعقيداً إضافياً تسلل إلى صميم هذه المقولة. فلابدّ من أنكم لاحظتم أنني في حديثي عن منشأ علاقات التقرب استخدمت عبارة ملصة بعض الشيء هي: "يفضي إلى كذا". وهذه العبارة تتفادى الاستعارات الأكثر عمومية منها من أمثال "ينجب كذا". أو "ولادة كذا" اللتين هما بمثابة الاستعارتين اللتين ماكان بمقدوري استخدامهما بدون توضيح أثناء دراستي التناقض القائم بين القرابة السلالية وبين التقرب الاجتماعي، ذلك التناقض الذي كنت أعمل على تصويره. فالرجال والنساء ينجبون كذا، وهكذا تتوالد المخلوقات البشرية. وهنا جدير بنا أن نتساءل هل نفس النوع من الوصف شيء ممكن، وهل لهذا الوصف نفس المقدار من الجدوى في بحث الظواهر الاجتماعية أو الأدبية(5)؟ وعلاوة على ذلك فضمن نظام تكرار التاريخ البشري العصبوي جدير بنا أن نطرح ذلك السؤال المتعلق بصلب الموضوع ألا وهو: ماهي الطرائق الموجودة لمعالجة الحظر المفروض رسمياً على تعاقب السلاسل الأبوية والعائلية، ماهي الأشكال ماهي الصور، إن لم تكن الطرائق التوليدية والإنسانية التي كان من الممكن أن نسخرها لأغراض أخرى دون تغيير أفكارنا عنها؟‏

إن هذه الأسئلةهي ماأود سبر أغوارها الآن من خلال بعض الأمثلة المحددة، مع العلم أن منطلقي سيبقى ذلك المنطلق الذي يكون فيه التكرار مرآة موظفة (أو سهلة التوظيف)، لبحث استمرارية التاريخ البشري وأبديته وتواتره. ومن بين أهم الجهود المعاصرة وأكثرها شأناً لمعالجة ظهور شيء ما لأول مرة، كاكتشاف علمي مثلاً، أو نشوء مؤسسة ما نشوءاً موثقاً بالحقائق، هي الدراسات التي أجراها فيكو حول جذور وأصول موضوعاته. فالفرق بين مايفعله في "منشأ المستوصف" و"المراقبة والعقوبة": "منشأ السجن".‏

وبين ماجرى فعله في تاريخ الأفكار يكمن في أن فيكو قد عقد عزمه على تبيين التطابقات بين بعض الأحداث الفريدة وبين البنى المعرفية الكرارة التي يدعوها بالمحادثة والأرشيف. إنه يبين انتصار الانتظام والتواتر على الا انتظام والفرادة: وبهذا فهو يحذوحذو جورجز كانغويهلم، وحذو توماس كوهين في هذه البلاد. ومع ذلك فإن فيكو، كما ينجلي من العنوانين اللذين ذكرتهما أعلاه للتو، مفتون بالاستعارة الإنسالية دون محاولته محاولة كافية، كما يبدو لي، أن يوفق بين صياغاته المفاهيمية الرائعة وبين استعارات التكاثر البيولوجي هذه. فخلف مصطلحاته الفنية لمنابت الجذور يكمن تشابه جزئي مقبول بين توليد البشر والمؤسسات، وذلك لأن هنالك ثمة توتر فيما يكتب، وتوتر غير محوم، لابين الفرادة والتكرار وحسب، بل وبين القرابة والتقرب كمثلين من أمثلة التكرار.‏

ففي وضعية فوكو، كما هي عليه الحال في وضعية هارولد بلوم وفيكو والمؤرخين الطبيعيين موبر تويس وبوفون، هنالك توافق آراء من نوع عام جداً مؤداه: أنه منذ حوالي منتصف القرن الثامن عشر، ومشكلة التغيير تتعرض، في الوقت الذي يجري تصويرها فيه في ميادين عديدة على أنها استيلاد الحياة أو تكاثرها أو نقلها من الوالد إلى ذريته، تتعرض لانتهاكات بعض القوى التي تعكّر مسيرة استمرارها. ففي التاريخ الطبيعي المكتوب في مطلع القرن التاسع عشر -مع الأخذ بعين الاعتبار استقصاءات كوفيير -تورد أمثلة عن مثل هذا الانقطاع في نظرية الاضطرابات الجيولوجية. وعلى نحو مماثل فإن نظريات الأصل اللغوي كنظرية هيردر أو روسو، التي تصور أول إنسان والد متلفظاً بأول كلمة والدة ومتربعا من ثم على عرش اللغة كما نعرفها، تتعرض أيضاً للتعكير أولاً بالعمر المعروف حديثاً، والمنّاع على التخيل، لتلك اللغات غير الغربية وغير التوراتية، وثانياً باكتشاف استحالةوصف التاريخ اللغوي، بمقدار ما يتعلق الأمر بالباحث الحديث، بأنه يتحرك على شكل سلسلة سلالية متعاقبة وبسيطة.وعلاوة على ذلك ففي ميدان ثالث، ميدان التأويل التوراتي كما جاء على وصفه هانزو. فراي، يخضع الانسجام بين سير المسيح في العهد الجديد وبين التواترات الحقيقية في حياة المسيح، ذلك الانسجام الذي ظل حتى الآن موضع التخيل بأنه سلالي، إلى التمزيق التام من قبل شتراوس وباور وآخرين(7)، وقصارى القول فإن محاولة تطبيق المصطلحات التوالدية على عالم الوقائع الملحوظة علمياً، ماهي إلا ضرب من التوقات المجازي لإيمان مغرق في القدم وحسب. فالمفارقة هي أن البحث في كل الميادين عن الأصول والتفسيرات التطورية قد تُسعّر بدلاً من أن يتعوق جراء استحالة تطبيق هذه التفسيرات، إلا كاستعارات لتحقيق الرغبة.‏

إن الرؤية التنبؤية لفيكو قد تنبأت بالمفارقة ولمحت إلى بدائلها ففكرة التكرار تزداد فاعلية كنتيجة للاختلافات بين الاستعارة السلالية وبين المكتشف الواقعي. وإن الأنماط الكرارة التي يبدو أن الوجود البشري والطبيعي يتشكل منها تظفر بالثقة في الوقت الذي يخسرها أصلها فيه. ومع ذلك ففي مركز الواقع البشري نفسه تنتصب حقيقة التواصل البشري التي يجعلها المرء، إن كان سيشهد فيها حقيقة تواصل تاريخي، رهينة الإنجاب البشري. فكيف يكون بوسع المرء أن يربط بين هذه الحقيقة، حقيقة تكرار الإنجاب، وبين الحقائق القاهرة لذلك التنوع والتخالف والتشتت الثقافي والتأويلي والطبيعي؟ إن من الواضح أن الإلحاح منوط بالشيء المفهوم من مقولة التكرار، وأما بالنسبة للبديلين اللذين سيبلغان الذروة أولاً في كتاب "التكرار"، لكير كيفارد وثانياً في كتاب "في الثامن عشر من شهر بروميير بالنسبة للويس بونابرت"، لماركس، ففيكو مفيد مرة أخرى. هيا وتذكروا بأنه تصور دورة واحدة تخلص إلى الانحلال الذي منه البقايا البشرية "كالعنقاء... تبرز من جديد"، وسموّا هذا التجديد بأنه من فعل مشيئة فوق طبيعية. وماهذا التجدد إلا الشكل الأول للتكرار، وأما الشكل الآخر فيقتضي ضمناً تلك الظروف التي يتمكن فيكو من أن يوضحها بتفصيلات مسهبة. نشوء الحضارة وازدهارها وانحطاطها وانحلالها النهائي. فهنا نلاحظ نموذجاً لفعل مكرور -لوجود تاريخي واجتماعي وبشري- متسم بانخفاض عام في مستوى الوجود، من الكياسة إلى البربرية. وهذا النموذج، في الوقت الذي يبدو فيه مظهره الخارجي بأنه يحذوحذو نسب سلالي، منقاد في حقيقة الأمر بقوانين داخلية من قوانين التطور والارتداد، وقوانين تاريخية واجتماعية تنتهك قوة التواصل الإنجابي المباشر.‏

فكتاب "التكرار" لفيكو يستغل لصالحه الفكرة الأولى عن التكرار بيد أنه يفعل ذلك، مع التسليم جدلاً بغرابة أطوار عبقرية الكاتب، بتلك الطرق التي ماكان بمقدور أحد أن يتنبأ بها حتى فيكو نفسه. إن التركيز الذي يركزه كيريغارد، في هذا الكتاب كما في كتاب "الخوف والرعدة"، لا على الفكرة العامة للتكرار بل على خصوصيته المطلقة، علىاستثنائيته. وهنا يجب علينا أن نتذكر أن الشاب في مسعاه لتكرار حبيبته الأولى وأن إبراهيم التوراتي كانا يؤمنان معاً أن مجرد القرابة، أو بمقدار مايتعلق الأمر بأيةعلاقة إنسانية كعلاقة الزوج بالزوجة أو الاب بالابن، ليست بالشيء الكافي لا أخلاقياً ولا ميتافيزيقياً. فالتكرار ليس هو التذكر، وليس هو التوقان لشيء ما ليس موجوداً هناك. إن التكرار هو "الرجوع حين يكون مدار التصور بمعنى شكلي محض"، فبالنسبةللشاعر، والفارس الإيمان أيضاً، هناك صراع بين النفس وبين كل الوجود الذي هو الله. وإن مثل هذا الصراع بمثابة معركة خاسرة لأن النفس المعزولة، وهي عاجزة عن المجاراة وعاجزة عن الكلام، رهينة تهديد الانمحاق الذاتي على الرغم من أنها لا تحلحل البتة قبضتها على الواقع، وذلك لأن التكرار لا يعني ضمناً الاستسلام بل يعني رباطة الجأش محمولة إلى نقطة اللا رجوع. فالوجود نفسه، ممثلاً بزواج الحبيبة من إنسان آخر أو بإتاحة كبش لإبراهيم بشكل مفاجئ، يغفر للنفس "في اللحظة التي يبدو فيها أي منهما على وشك أن يمحق نفسه". ولذلك فإن إبراهيم والشاعر يتمكنان من تملك العالم مرة ثانية ويعيدان التفاصيل الدقيقة للخبرة فيه ويرجعان إلى الواقع "بإدراك مرفوع إلى القوة الثانية التي هي التكرار"(9)، فإبراهيم يستعيد إسحاق إلى حوزته من جديد، والشاعر في كتاب "التكرار"، يقول:"هأنذا نفسي مرة ثانية. فهذه النفس التي لن يتلقفها العالم الآخر من على قارعة الطريق أمتلكها مرة ثانية. لقد انحل التناقض في طبيعتي ، وأنا موحّد من جديد. إن تلك الأهوال التي وجدت لها التعزيز والرعاية في كبريائي لم نعد تتغلغل كي تعود علي بالتخبط والتباعد"(10).‏

ليس من المستغرب أن تكون هذه النتيجة الدينية، وبصحبتها إحساس "بأن الوجود الذي كان قائماً، يقوم الآن"، عسيرة على الفهم. فكير كيغارد يضع هذا النوع من الخبرة في موضع المواجهة مع التأمل الهيغلي، الأمر الذي يتنافى مع فجاءة التكرار المفصّل والذي بدل ذلك يحشر الواقع مواربة في قلب تلك الأصناف،ويخرج به منها علماً أنها الأصناف التي تسلبه من نفس آنيته الواقعية والتي يحاول جاهداً كيريغارد أن يحافظ عليها مهما كان الثمن. إن كتابة كيركيغارد نفسها، ولاسيما بالأشكال التي تستفيد منها، تحاول أن تعوض عن التصدع الموجود بين ماكان قائماً وبين ما يقوم الآن. فكتاب "التكرار" مثلاً مبني بنية رواية لجيمز أو كونراد، طافح بالأطر والرواة الذي يحيطون بعمل يصعب فهمه. ومع ذلك فإن الاستعارة السلالية والإنسالية قوية جداً حتىعند كيركيغارد، الذي خطط لفلسفته عن التكرار أن تتسامى على الاستعارة حتى إنه في خاتمة بحثه يصف نفسه، قسطنطين قسطنطيوس، بأنه "كالقابلة في علاقتها بالطفل الذي تستولده، ولذلك بما أنني الإنسان الأكبر سنا فإنا الذي يقوم بالتحدث"(11)، وفي حين أن فلسفة التكرار تبقى تقرباً فإن الوسائل المستخدمة لوصفها ما هي إلا، لكير كيغارد نفسه، قرابة. ولكن التوتر القائم بين الفكرتين مسموح به لأن الإيمان، من باب الافتراض، يتيح امتلاكهما معاً. ولقد كان بمقدور فيكو أن ينعت كيركيغارد بنعت المؤرخ الديني الملتزم بالمناهج العصبوية.‏

هيا بنا الآن نلتفت إلى البديل الآخر، وهوالبديل القائم في كتاب ماركس المعنون "الثامن عشر من شهر بروميير بالنسبة للويس بونابرت". إن صفحاته الاستهلالية المتألقة، وكذلك المقدمة التي كتبها ماركس عام 1869 تعلن عن عدائها للفرضية التي مفادها أن التاريخ يحدث تلقائياً أو وفق نزوة إنسان عظيم مولود ذاتياً، وعلى الانفعالات الفوضوية الناجمة عن الأحداث المعقدة، وعلى غياب النظام في مناهج التحليل التاريخي المعتمدة على التشابهات الجزئية السطحية، وفي كل مكان يؤكد ماركس على الصيغة التي صار العمل من جرائها أكثر الأعمال شهرة ألا وهي: أن كل الأحداث التاريخية العالمية تحدث مرتين أولاهما كمأساة، وثانيتهما كمهزلة. فالتكرار هو الخساسة بيد أنها بالنسبة لماركس، على نقيض ماهي عليه عند سويفت في "المحادثة المهذبة"، أو عند فلوبير في "معجم الأفكار المكتسبة"، ليست مهمة من مهمات النظر إلى المجتمع البشري وكأنه منظومة مغلقة من الصيغ المبتذلة المنطوقة بمنتهى الغباء، بل نتيجة لنظرية منهجية عن العلاقة بين حدث وآخر. إن ماركس ليرغب في البقاء بعيداً عن المذهب الوضعي وعن الحتمية السوقية وعن المخطوطة أو الندم الكئيب. فلئن كان صحيحاً أن الأحداث الهامة تحدث مرتين، يكون التكرار وقتها بمثابة شكلها المكاني، في حين أن شكلها الزمني والسياسي والجمالي يكون شيئاً آخر. ولكن ما السبيبل لتبيان هذا؟‏

إن الواقف وراء لويس بونابرت ليس أباه بل عمه، الامبراطور العظيم، تماماً مثلما أن قدام عام 1848 لا عام 1847 بل عام 1789، وأن قبل المهزلة تقف المأساة، وأن قبل كتابة ".... الثامن عشر من بروميير...، لا مجرد كل من كتب قبل ماركس وإنما هيغل وديدرو. فالشيء الذي يحدد المواضع الصحيحة لهذه السابقات المكسوة قسراً كساء المؤسسات ، كما يقول لنا ماركس في مقدمة عام 1869، هوحدث وقع في صميم الأدب الفرنسي، وحدث مر مرور الكرام خارج فرنسا- وكل كتاب"الثامن عشر..... بروميير...."، تكرار مقنع لهذا الحدث وفقاً لعبارات ماركس -أي ضربة مسددة للخرافة النابليونية" بأسلحة البحث التاريخي والنقد والهجاء والحصافة "mit den wafen der geschichts chung der kritic ,der satire und derwitzes" فإذا كان نابليون الثالث يتظاهر بأنه فعلاً نابليون الثاني، أي السليل المباشر للامبراطور، تكون مهمة المؤرخ أن يرى الوقائع كما هي عليه، أي أن الابن ماهو بالفعل إلا ابن الأخ: وهكذا فإن كتابة ماركس تطرح النسخة السلالية المنقحة عن لويس طرحاً صائباً وجدلياً، كما إنها تتعمد تعميم واقعة فرنسية، لصالح الاشتراكية العلمية كما كان على إنغلز أن يقول لاحقاً، "إن كلمة gen في Legend ، وهي كلمة منسوبة اتيمولوجياً إلى كلمتي legere وLogos، ليس لها إلا علاقة سطحية ومضللة بكلمة gen في genitor أو في genitalis. وبناء على ذلك فإن ماركس يصحح ذلك الخطأ الفادح الذي استولدته الخرافة النابليونية، والذي مفاده أن رجلاً عظيماً ينجب إبناً يرث بدوره مركز أبيه. وإن مايفعله ماركس في كتابته هو إظهار إمكانية تكرار التكرار لكتابة التاريخ مرة ثانية، أي أن نوعاً واحداً من أنواع التكرار المغصوب من قبل ابن الأخ لا يعدو أن يكون تكراراً سخرة لصلة القرابة.‏

إن اللغة والتمثيل ينطويان على أهمية حاسمة بالنسبة لمنهج ماركس، فاستغلال ماركس لكل الأحابيل اللفظية لا يستهدف جعل كتاب ".... الثامن عشر...... بروميير". قدوة للأدب العقلاني وحسب، لا بل وإن ماركس ليعكس في لغته فهماً أيضاً لتلك الطريقة التي ليست اللغة نفسها فيها مجرد حقيقة من حقائق الوراثة البيولوجية بكل تلك البساطة وحسب، بل وهي حقيقة ذات هوية مكتسبة أيضاً علىالرغم من انتقالها بشكل سلالي من جيل إلى آخر.‏

إن ثورة عام 1848 لم تجد ماتحاكيه استهزاء به أفضل من عام 1789 من بعض الزوايا، وأفضل من التقاليد الثورية لأعوام 1793 - 95 من زوايا آخرى. وبالأسلوب نفسه فإن الإنسان المتبدئ الذي يتعلم لغة جديدة يعيد على الدوام ترجمتها إلى لغته الأم: إذ ليس من الممكن أن يقال عنه بأنه اقتنص روح اللغة الجديدة وبأنه صار قادراً على التعبير عن نفسه بها بكل بساطة إلا بعد أن يتمكن من استعمالها دون الرجوع إلى لغته القديمة، وبعد أن يكون قد نسي لغته الأصلية إبان استخدامه اللغة الجديدة(13).‏

إن مايلمح إليه ماركس هو أن الماضي في اللغةوفي العائلات على حد سواء، ينيخ بكلكله على الحاضر ملحاً على طرح مستلزماته أكثر من إتيانه بالعون، فالخط السلالي المباشر يتمثل بالأبوة والبنوة وهو الذي سيغضي في اللغة كما في العائلة، إلىنسل مخادع شبه مشوّه، أي إلى مهزأة أو إلى لغة خسيسة. بدلاً من أن يفضي إلى نسخة وسيمة عن السلف أو الأب -إن لم يتعرض الماضي إلى تقليص قواه تقليصاً حاداً ليهيمن على الحاضر والمستقبل. ولكن ماركس يدرك، في حالة نابليون الثاني، وجود سلسلة كاملة من الضغوط التي تنشط لصالح التضليل والتي كلها تطل برؤوسها، كتشقلب الأشياء في المرايا، من صميم حافز التكرار. فهذا هو الأب، أو الأم، فارضاً بصمة على الطفل تدفعه لتكرار الماضي، وثانياً ابن الأخ متظاهراً أنه الابن، وثالثاً ذلك المسخ الأخرق (مشاراً إليه حوالي نهاية الكتيب) مطلاً برأسه قبل الأوان وبكل اصطناع كجنين يتيم، لا بل وبلا أي نسب سلالي صحيح، ورابعاً الرجل الممثل مدعياً بالانتماء إلى طبقة ما ولكنه عملياً يفرض نفسه على طبقة أخرى لترضى به ممثلاً لها (إذ كما يقول ماركس عن هذه الطبقة من صغار الملاكين"، بأنهم لايستطيعون تمثيل أنفسهم ولذلك يجب تمثيلهم")، وخامساً كل القطاعات غير المنتجة في المجتمع -كاللصوص وقطاع الطرق والمومسات والسفلة - التي تنجب هذا المخلوق وحتى الطبقة التي يدعي تمثيلها، أي جمهرة الفلاحين الملاكين الذين يقتصر دورهم في المجتمع على أن يكونوا منتجين، تعاني من تكميمه أفواهها وتدميره لها إلى أبد الآبدين. فهل هنالك إذاً مايثير العجب في أن استغلال لويس بونابرت لتراث عمه يتمركز حصراً على ذلك البند في الدستور النابليوني، الذي يشترط أن "البحث عن الأبوة [أي عن الأصل]، شيء ممنوع؟" "la recherche de la paternité est interdite"?‏

وبكلمات أخرى فإن لويس بونابرت يضفي الصفة الشرعية على اغتصابه السلطة باستنجاده بالتكرار في دورات طبيعية متعاقبة. ومن ناحية أخرى يكرر ماركس تكرار ابن الأخ وبذلك فإنه يسير عامداً متعمداً في اتجاه معاكس لاتجاه الطبيعة. ففي كتاب "... الثامن عشر... بروميير...."، يكون التكرار بمثابةالأداة التي يعتمدها ماركس لإيقاع ابن الأخ في فخ عالم متحلل العناصر. وبدءاً من الجملة الاستهلالية للعمل، وهي الجملة الشهيرة المقتبسة من هيغل، كان على منهج ماركس أن يكرر بغية إظهار الفرق، لا لتثبيت مزاعم بونابرت، وإيراد الحقائق بتصحيح مسيرتها الظاهرية. وتماماً كما يتكشف الابن الدعي بأنه ابن أخ بمنتهى الوضوح. كذلك حتى هيغل، الذي كان يعتبر أن تكرار حدث ما تعزيز وتوكيد لقيمته، يكون موضع الاستشهاد والانقلاب عليه. فالتكرار يبين تنزيل الطبيعة من مستوى الواقع الطبيعي إلىمستوى المحاكاة الزائفة. إن الهيبة والسلطة والقوة تنحدر بالاصل من خلال كل تكرار إلى مادة مدعاة لاحتقار المؤرخ.‏

حين حل كرومويل البرلمان الطويل، دخل بمفرده إلى وسطه وأخرج ساعته حتى لا يبقى دقيقة واحدة بعد الموعد الذي حدده له، وطرد خارج المبنى أعضاء البرلمان فرداً فرداً متجلبباً بالذم والاستخفاف والاستهتار. وأما نابليون، مع أنه أصغر من قدوته، فذهب على الأقل إلى مجلس الخمسمائة يوم 18/ بروميير وقرأ عليه حكم إعدامه، ولو بصوت متهدج. ولكن بونابرت الثاني، الذي وجد نفسه بالمناسبة، صاحب سلطة تنفيذية مختلفة جداً عن سلطة كرومويل أونابليون، فقد فتش عن قدوته لا في حوليات التاريخ العالمي بل في حوليات (جمعية 10 ديسمبر)، في حوليات المحاكم الجنائية.(15).‏

ولن يكون بوسعنا إلا في نهاية العمل أن نفهم النقيض الحقيقي لجوهر التاريخ الذي نفذه بونابرت، والذي يعلن عنه ماركس حوالي البداية ألا وهو: "كل ماهو موجود يستحق الفناء"(16)، فلكي تكرر حياةكائن مالا يعني خلق حياة جديدة، بل يعني وضع الموت في المواضع الذي كان فيه حياة من قبل.‏

إن "الثامن عشر... من بروميير...." يجسد النقل التصحيحي للحيوية من عالم فرنسا في عام 1848، حيث كانت قد تقوضت بالموت الذي كان يقنع نفسه بالحياة، إلى صفحات النثر النقدي والعلمي لدى ماركس. فالنثر يحلل القنيص ويعطي التفاصيل الدقيقة للتنكر الذي تنكره لويس بونابرت كبديل لنابليون"، "أي البديل المزيف لنابليون"(i)، إن عمل ماركس ماهو بالمأثرة الطبيعية ولا بالتوكيد المذهل: إنه تكرار لصلة التقرب وتكرار صار ممكناً بواسطة الوعي النقدي. إنه يبشر بثورة ميثودولوجية تكون من خلالها حقائق الطبيعة، كما هو عليه الأمر في العلمين الطبيعي والبشري، موضع التفكيك، ومن ثم موضع التركيب من جديد بشكل يثير الجدل العنيف، مثلما جرى تماماً خلال القرن التاسع عشر في المتحف أو المخبر أو في غرفة الصف أو المكتبة، حيث قام تفكيك الحقائق وتركيبها في وحدات ذات معنى تعليمي، ولربما بمقصد تبيين أن القوة البشرية أكثر قدرة على تحويل شكل الطبيعة منها على تثبيت الشكل الذي هو عليه. وإن سيرورة أخرى موازية لسيرورة صلة التقرب تحدث في الفيلولوجيا وفي الرواية والسوسيولوجيا، حيث يتحول التكرار إلى مظهر من مظاهر التقنية البنيوية التحليلية. فالتكرار على أرجح الظن مقيد بالانتقال من إعادة تجميع الخبرة بشكل فوري إلى إعادة تشكيليها وترتيبها بشكل متكاثر الوساطة، الأمر الذي يفضي إلى تزايد التفاوت بين هذه النسخة وبين نسختها المكرورة، وذلك لأن الشيء المكرور لا يمكنه أن يتملص طويلاً من السخريات التي يحملها في صميمه. إن التكرار حتى في الوقت الذي يحدث فيه يثير التساؤل التالي: هل يعزز التكرار حقيقة ما أم سينزل بمرتبتها إلى تحت؟ غير أن هذا التساؤل يطرح إدراك شيئين، في المكان الذي كان فيه استرخاء لواحد منهما من قبل، مع العلم أن مثل هذه المعرفة، شأنها شأن الإنجاب. يتعذر فعلاً عكسها إلى النقيض. وبعد ذلك تتفاقم المشكلات، ولكن هل تتفاقم بشكل طبيعي أو بشكل غير طبيعي، بشكل قرابة أو تقرب؟ وذاك هو السؤال.‏

* أي تعبيراً معادياً للسامية والشيوعية- المترجم.‏

* معانيها على التوالي: أسرة أو عشيرة كريمة الأصل، أسر أو عشائر كريمة الأصل، قرابة أو عصبية، زوجية، خصية أو أب- المترجم.‏

(i) المترجم ـ "als den Ersatzmann Napoleons"‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244