|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:06 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
6- عن الأصالة هنالك بضع طرائق أساسية تبدو فيها الاصالة، كخاصية أو فكرة، شيئاً جوهرياً بالنسبة لخبرة الأدب، ولكن الشيء الذي يخلف في الذهن نفس ذلك الانطباع هو العدو المطلق للتلميحات الفرعية عن الأصالة في تفكيرنا عن الأدب،. فالمرء لا يتحدث فقط عن كتاب بأنه أصيل، وعن كاتب بأن لديه من الأصالة مقداراً أوفى أو أقل مما لدى كاتب آخر، لا بل ويتحدث أيضاً عن الاستخدامات الأصيلة لكذا وكذا شكل ونوع وأسلوب وبنية، وعلاوة على ذلك فثمة أوصاف مختصة بالأصالة موجودة في مجمل التفكير المعني بتفصيلات أدبية من مثل الأصول والغرابة والراديكالية والابتكار والتأثير والموروث والأعراف والعصور. ومامن سبب وجيه يدعو الآن للاختلاف مع ويليك و وارن اللذين قالا بكل اقتضاب في عام 1948، أن الأصالة ماهي بالفعل إلا "مشكلة أساسية في تاريخ الأدب"(1). ولكن، ترى، مامقدار أساسية هذه المشكلة وما مقدار إصرارها على الروغان؟ وهل يجب أن تستأثر بالاهتمام التحليلي للباحث والكاتب المعلم وتلميذ الأدب؟ وأما أنا فلسوف أسوق الحجج على أن الأصالة شيء جدير بالبحث العميق، ولاسيما إن نظر المرء نظرة أكثر من عابرة إلى ذلك الاعتقاد الذي مفاده أن دراسة الأدب تلعب في العالم المعاصر دوراً نقدياً وفكرياًحاسماً ولو أنه ناقص التحديد. وأجد لزاماً علي أن أقول للتو أن أي اهتمام بهذه الخاصية الميازة نقرنه بالأدب، بغية ارتقاء هذا الاهتمام إلى أكثر من لائحة من الأمثلة (مارلو أصيل لأنه..... أو درايدن لديه أصالة لأنه.....)، لا يمكن تعزيزه على نحو مفيد إلا في مستوى من البحث ليس في العادة مقروناً بممارسة الدراسة الأدبية ، ألا وهو المستوى النظري إن العقيدة السائدة الآن هي أن الأدب هوالشيء الملموس، بشرياً واجتماعياً وتاريخياً، الأمر الذي يعني القول بأن الأدب يمدنا بأمثلة جمالية عن كل صنف من أصناف الخبرة. وأما النظرية، من ناحية أخرى، فمقرونة بالتجريدات والأفكار، أو بكل ما يتصوره تلميذ الأدب على أنه جدير بالدفاع عنه، بيدأن هذا القول لا يعني أن النظرية لا تأثير لها في أوساط الأدباء، وذلك لأن حد السطوة الذي تبلغه مختلف نظريات النقد على التلاميذ والمعلمين سواء بسواء ماهو إلا علامة من علامات التعرض للأحابيل النظرية. إنها لمصادفة تنويرية أن ما أعنيه بالمستوى النظري للبحث مرتبط تاريخياً في الغرب. بانطباع عن الأصالة. فالموضوع الذي تناولته محاورات أفلاطون قبل غيرها، ومن ثم أرسطو من زاوية نقدية، هو العلاقة بين معرفة الأفكار (أي النظرية) وبين حياة الإنسان. لقد كان أفلاطون، كما يقول: "ويرنرجيغر": "أول من طرح الإنسان النظري كمشكلة أخلاقية في صلب الفلسفة وأول من برر حياته ومجدّها"(2)، فبين أفلاطون والجيل المؤلف من تلامذة أرسطو- علماً أن أرسطو نفسه ما تخلّى قط عن إرثه الأفلاطوني (أي عن اعتقاده بالقيمة الأخلاقية للحياة النظرية)، "الذي كان حاسماً جداً بخصوص موقفه من البحث ومن تصوره المثالي للعلم"(3)، تغير ذلك الاعتقاد تغيراً انتقل من التصور المثالي لحياة التأمل الروحي إلى الإدلاء بالبراهين لمصلحة حياة مفعمة بالنشاط، وحياة معقدة، ويشير جيغر إلى أن القصص عن الفلاسفة كانت تستخدم كأدلة عن الأصالة، أي عن ذلك السلوك الغريب الذي كان يسلكه الفلاسفة، نظرياً وتأملياً، بين الناس وهكذا... نجد في البداية أن سقراط وأفلاطون يربطان العالم الأخلاقي بالمعرفة الفلسفية للوجود ومن ثم نرى لدى ديكاركوس [وهو تلميذ لأرسطو]، أن النموذج العملي المثالي والحياة والأخلاق مسحوبة مجدداً من تحت سلطة التأمل الفلسفي الرفيع لتستعيد استقلالها، وأن الجناح الجسور للفكر التأملي جناح مقصوص. وبتلك العملية تخور قوة النموذج المثالي للحياة النظرية. وحين نصادف الحياة النظرية بعد ذلك نجدها على الدوام عالم "العلم المحض"، ومتناقضه أيضاً مع حياة التطبيق... وماكان بمقدور الحياة النظرية أن تحرز التجديد إلا بعد تقويض الفلسفة العلمية والميتافيزيك بواسطة المذهب الشكوكي، مع العلم أن ذلك التجديد اتخذ الآن الشكل الديني للحياة التأملية، والشكل الذي كان المثل الأعلى الرهباني منذ ذلك الزمن الذي حمل فيه عمل أفلاطون ذلك النعت.(4). فمن هذه المناقشة يأتي التقسيم العام للعمل إلى ناشط من ناحية أولى، وإلى تأمل نظري من ناحية أخرى. وفي أحد الأوصاف المختصة يصر هذا التقسيم اليوم على وجوده في صيغةأدبية مبسطة على أنه التمييز بين الكتابة الأصيلة الإبداعية وبين الكتابة التأويلية النقدية. وهذا التقسيم يولد تقسيماً آخر، متساوقاً معه، معناه أن الكتابة الأصيلة الإبداعية هي الأولى، في حين أن أي نوع آخر من الكتابة لهو الثانوي. وليس هنالك إلا شيء طفيف من المبالغة في القول أن دراسة الأدب في الغرب تدور تحت إشراف أناس عقولهم فياضة بهذه التمييزات. فمن كاتب مؤلف يقترح التعامل مع سحر العمل والبوهيميا والأصالة أي قريباً من المادة الحقيقية للحياة (ونحن نجد دائماً هذا التقارب بين الواقع والأصالة)، إلى كاتب باحث ناقد يقترح صورة الكدح والسلبية والعنّة والمادة الثانوية والتنسك الباهت. وفي الوقت الذي تزايدت فيه بمرور الزمن تلك المقارنات بين العمل الأولي الأصيل والنقد كنشاط ثانوي تفاقم بخس الناقد حقه، على الرغم من ذلك التسامح الذي تسامحه الأوغسطيون الإنكليز في القرن الثامن عشر حيال مادعوه بالناقد الحقيقي. وفي هذه الايام يحظى تلاميذ الأدب بالتشجيع من خلال المنهاج الدراسي وإيديولوجيا الدراسة لكي يبتعدوا بأنفسهم عن ضبابية النقد ويقتربوا بها من المعايير الراسخة (مع العلم أن تصورات آرنولد النقدية لا تزال على نفوذها الكبير)، "للكتابة الإبداعية: فالتلاميذ يتنافسون على الملموس ولكن الحيوية تخونهم بالتحديد في الكتابة. وبما أن هذه السيرورة صارت وطيدة الأركان، صار على الأرجح يبدو ضرباً من التهافت الرخيص أن يطرح المرء الحياة النظرية الأفلاطونية الأروسطية كحياة جديرة بالدراسة المعمقة، إن لم تكن جديرة بالمعاش. فلا إن كانت النظرية "theoria" موضع فهم صحيح, ولا إن كان الآن بالإمكان تبيان قدرة المستوى النظري للبحث على التعامل مع مسائل كالأصالة، فضلاً عن تبيان قدرته على تحددي ميادين ومناهج للدراسة أقل تحفظاً من كل مجال الخبرة المتاحة أمام الكتابة الحديثة. إن هذ المنهاج هو ما يشكل صلة الوصل، ولكنني أقصد ذلك النوع البالغ التنظيم الذي يمر مرور الكرام بالموضوعات الدارجة والعسيرة التحديد بنظرة معاصرة. فبالنظرية والبحث النظري بالشكل الجاري تطبيقهما فيه على الأدب أعني بطريقة أساسية ومتناهية التحديد ذلك الاهتمام الفعال الموقوف على الشواغل المناعة على التقليص، ألا وهي الشواغل التي لا تخص أي ميدان إلا ميدان الخبرة الفعلية عموماً والأدب خصوصاً، ومامن ميدان سوى هذا الميدان لإمكانية قيام شيء من الأمل لتوفير الدقة والتصييغ لتلك المشكلات القادرة على الإتيان بالتمييزات والقابلة للدراسة الحقيقية. إن معظم البرامج والمناهج الأدبية الراهنة نتاج وجهة النظر الإنسانية التي لم تعد تنتجها الثقافة ولا حتى الجامعة. فدراسة الكتاب والعصور الأدبية، ودراسة الأجناس والموضوعات الأدبية بين الحين والحين، كانت دائماً تفترض سلفاً معرفة اللغات الكلاسيكيةعلى الأقل، وقسطاً من التبحر في التاريخ والفيلولوجيا والفلسفة: بيد أن الأمر لم يعد الآن علىهذه الشاكلة. وهكذا فإن كلا من التلميذ والأستاذ معاً يجدان لهما البديل الأول: في "إطراء" مناقب الأدب (الذي تلعب فيه دور السقالة الفكرية بعض المصطلحات من أمثال الحس المرهف والانطباع والفطنة)، والبديل الآخر في منظومات المناهج والتقنيات المتعلقة بالدراسة (التي تسعفها الوسائل اليقظة من منظومات أخرى بإعداد النص أولاً ومن ثم بطرحه للتأويل). فالنظرية، كما أفهمها، أكثر سماحة وأكثر قدرة على توفير الدقة المتناهية من أي من ذينك البديلين. إن القراءة والكتابة مسعيان ينطويان في الصميم على معظم الحوافز اللجوجة عند المرء لإنتاج نص وفهمه. وماهذا الأمر بالبديهي إلا لذلك الإنسان الذي لن يرى، مثلاً، أن الكتابة هي الترجمة المعقدة والمنظمة لعدد لا يحصىمن القوى وتحويلها إلى نص قابلة لحل طلاسمه. وهذه القوى تتقاطع بالأساس مع رغبة بالكتابة، وهي الخيار الذي كان له قصب السبق على الرغبة بالتحدث، بالتلميح، بالرقص وهكذا دواليك، وبمقدار مايتعلق الأمر بالرأي النظري فهنالك سؤال أولي جدير بالإجابة عنه ألا وهو لماذا كان المقصود بالكتابة أن تتخذ شكل نص معين، لا أي مسعى آخر غيره؟ ولماذا ذلك النوع الخاص من الكتابة لا نوعاً آخر؟ ولماذا، فيما يتعلق بكتابة مماثلة أخرى، في تلك اللحظة لا في لحظة أخرى؟ فالمقصود هنا هو تلك السلاسل والمجموعات والمركبات من الخيارات العقلانية التي أقدم عليها الكاتب والتي يتجسد الدليل عليها في نص مطبوع. إن الحافز اللا واعي وحتى اللا إرادي ماهو بالحصر إلا حد ذميم، بيد أنه ليس بشكل من الأشكال ذلك المسرح المقفل الباب في وجه البحث العقلاني للغة، كما بيّن فرويد وجاك لاكان في عهد أقرب من فرويد. وأما بالنسبة للقراءة فهنالك سلسلة من الأسئلة على أوثق صلة بالموضوع: فالقراءة تتقصد دائماً ذلك الهدف الذي ينطوي ضمناً على الكتابة التي نحن بصددها. لماذا نقرأ هذا ولا نكتبه؟ نقرأ لكي نفعل ماذا؟ أنقرأ بقصد التطوير أم بقصد التخصيص لغرض ما؟ وحتى في صياغة هذه الأسئلة نخلف وراءنا الكثير من الغموض والسرية المقرونين عادة باستخدامات "الأصالة" فمعظمنا لا يفعلون أكثر من النظر إلى الأصالة كسمة من سمات اهتمامنا، وسمة عرضة للإنعاش أو الاهتزاز جراء تلك الخبرةالتي تدفع بكل الأشياء الأخرى إلى المرتبة الثانية أو إلى الابتعاد عن الأنظار. وبما أن هذا النوع من الإزاحة شيء عام نسبياً، فإن من الممكن أيضاً أن تكون الأصالة إسماً لاستبدال خبرة بأخرى استبدالاً لا نهاية له، واستبدالاً عنيفاً على أرجح الظن بين الحين والحين، ولكن بدلاً من أن نترك الكتابة عند ذلك الحد يمكننا دراستها نفسها كمسعى تتفاعل فيه قوى حدودها عرضةللرصد كون بعضها مضموم وبعضها معزول وبعضها الآخر مقلوب رأساًعلى عقب. ولذلك فقيمة الكتابة كموضوع للتحليل هي أنها تحدد بمزيد من الدقة تعاقب الحضور والغياب تعاقباً يكاد أن يكون مغفلاً، وتعاقباً نقرنه، انطباعاً وإدراكاً، بالأصالة، فالحضور والغياب يكفان عن البقاء مجرد مهمتين من مهمات إدراكنا ويصبحان بدلاً من ذلك أدائين إراديين من قبل الكاتب. وهكذا فإن على الحضور أن يتعامل مع أمور كالتمثيل والتجسيد والمحاكاة والتبيين والتعبير، في حين أن على الغياب أن يتعامل مع الرمزية والتضمين والوحدة التحتية اللا واعية والتركيب. فلذلك يمكن النظر إلى الكتابة أيضاً على أنها الإطار الذي يحدث فيه منهجياً تفاعل الحضور والغياب. إن وصف ريلكه للعنصر الجوهري في فن روديه (i) ينطبق تمام الانطباق على المعنى الذي أقصده حين قال: "هذا السطح العظيم عظمة استثنائيةيتحلى بتبريز متنوع وقياس دقيق، ومن صميمه يجب أن تنبثق الأشياء كافة"(5). إن كل ماجئنا على ذكره حتى الآن يترك مسألة حساسة على شيء من الغموض. فماهي وحدة الاهتمام النظري: أي ماهو الشيء الذي يركز عليه المرء في تفحصه النظري للكتابة أو القراءة؟ أو ماهو السبيل لتحديد وتمييز تخوم الفاصل المكاني أو الزماني؟ وهنا علينا أن نضع أنفسنا في زماننا نحن، ولئن كان هنالك من شيء يسم الكتابة الحديثة بسمة أساسية فهو السخط على الوحدات التقليديةمن أمثال النص والكاتب والعصر، لابل وحتى على الفكرة. فالنظرة الآن في أحسن الأحوال إلى هذه الوحدات هي أنها تؤدي خدمة مؤقتة كاصطلاحات بديلة مؤقتة في موجز متفق عليه يتضمن النصية، بيد أنها ليست في الحقيقة هي أنفسها إلا بأمس الحاجة لتوضيح وتحليل دقيقين. وكما تساءل فوكو، عند أية نقطة يبدأ نص كاتب ما وأين ينتهي، وهل بطاقة بريدية أو قائمة جرد الثياب في مصبغة بخط نيتشه تشكل حلقة في نصه المتكامل أم لا؟ ومن منطلق الكتابة، من هو سويفت أو شيكسبير أو ماركس؟ وكيف بوسع المرء أن يفهم شخصية من المفروض أن تتضمنها الحروف على الصفحة؟ وقصارى القول فإن مستويات وأبعاد الفهم الفعلي أضحت غاية في التوسع والتنوع والتخصص، كما أن استغلال الكتابة الحديثة لهذه المستويات أضحى في غاية الرسوخ -لاحظوا ذلك الاستخدام المذهل للتشابهات والأصداء والنتف والمحاكاة الساخرة لدى إليوت وجويس وكافكا ومان وبورجيس -وبيكيت- الأمر الذي صار يستدعي التفتيش عن مخطط جديد واف لتجميع تلك المستويات في وحدات مفهومة. إن المخطط الحديث نسبياً كالأسلوب (أو الشكل اللغوي)، أو التركيب أديا إلى ولادة فروع دراسية مهمة على نحو استثنائي (كالأسلوبية وتحليل التركيب على التوالي)(7)، فهذه الفروع على ارتباط بالمناهج التقليدية كالفيلولوجيا أقل من ارتباطها بالدراسة العلمية الحديثة للغة، تلك الدراسة التي تعتمد نفسها على دراسة العموميات اللغوية التي تيسر الأداء اللغوي، فالنقد المنهجي القديم كنقد نورثروب فراي يفترض أيضاً، على الرغم من أنه غني، وجود قدرة أدبية محددة وباطنية قادرة على توليد "تركيب عويص" منظم تنظيماً دقيقاً. وأما رأيي هنا فهو أن نوعية الدراسة النظرية التي أقترحها لن تفترض جدلاً، إلا بطريقة بسيطة جداً، الحضور المسبق الشامل لتلك الإملاءات التي تضغط على الكتّاب للكتابة أكثر مما تفترض الوجود المسبق لوحدات كالرواية أو المقالة، ولكن المفترض بدلاًمن ذلك هومجموعة من الظروف أو الأحوال الدنيوية الطارئة التي منها جاء القرار بالكتابة - وهو مسار العمل المصطفى دون غيره من المسارات الأخرى. وأما وحدة الدراسة فمقيدة بتلك الظروف التي، بالنسبة للكاتب المقصود، يسرّت علىمايبدو، أو ولّدت، النية على الكتابة. فالتمييز الذي أميزه موضح تماماً قرب نهاية "فيدروس"، (المقطع 276)، حيث يعزل سقراط "الكلمة الذكية"، أي الكلمة الحية للمعرفة عن تلك الكلمات، "المتناثرة عشوائياً، هنا وهناك... دون آباء لحمايتها". فالكلمات الأولى هي الكلمات المصقولة والمبذورة والمزروعة عن عمد، في حين أن المثاني كلمات "مكتوبة بالماء". إن مناقشة سقراط العديدة الطبقات متمركزة على الكيفية التي تكون فيها المعرفة مصوغة ومبذورة ومكتسبة بالكلمات، ألا وهي تلك العملية التي يشبهها بتشذيب حديقة ما تشذيباً منهجياً بطيئاً وبخلق أسرة ما من قبل أب نيقّ. وهنا أيضاً تتصادف النظرية والأصالة وذلك لأنه ليس من الممكن وجود أية معرفة نظرية دون أصل قابل للإدراك: فكل المعرفة الحقيقية، مهما كان شكلها، توجد ضمن مجال الشيء القابل للمعرفة، الأمر الذي يعني أيضاً أن نقول أن الشيء القابل للمعرفة لا يمكن بلوغه إلا "بالدراسة الجدلية"، بالجهد الجهيد، وقبل أي شيء بالعناية بما هو "الذرية الشرعية"، للعقل، فالدمج الذي يدمج فيه سقراط المعرفة النظرية بأعز إنتاج الإنسان، أي ذريته، يؤكد على ماهو في غالب الأحيان في مجاهل النسيان، أي على التجاور بين مهمة بشرية خاصة وملموسة وبين الحاجة لنية عامة نظرية ومجردة. وعملياً فإن سقراط يدفع ذلك التجاور إلى مزيد من التقارب بقوله أن الأهلية النظرية ماهي إلا بمثابة الوالد للمشاغل العملية: ومن هنا يتأتى وجود صلة القربى. إن هذه الحقيقة بمنتهى البساطة لمن أخصب الحقائق المتاحة للفكر البشري. فهي موجودة عند ماركس بكل ذلك الجلاء، بيد أنها موجودة أيضاً لدى هيغل وكانط وفرويد، فضلاً عن وجودها في أية كتابة تقرّب بين التواصل والأصالة، كما هي عليه الحال في الرواية، فسقراط لا يتحدث ببساطة عن النية لإخضاع النظرية للتطبيق، بالشكل الذي يعرضها فيه الشعار المطروح، بل ويعزز أيضاً الصلة المباشرة بين معرفة مجردة، مما يجعلها محترسة، وبين حافز عملي. وبشكل معكوس ومثير لمزيد من الدهشة، فإن هذه الحقيقة تخلف في الذهن أرسخ الانطباعات عن تحملها مسؤولية أي توسع نظري علىحساب النية العملية. وأما طول الزمن الذي ظل فيه هذا الأمر موضع إهمال الدراسات الأدبية فهو من المهمات التي وسمها جورج لوكاش ورولاند بارثيز بأنها تجسيد الأشياء، أي توشيحها وشاح الأساطير، مع العلم أن الأشياء لا تكتفي بالظهورأنها موجودة ومفترضة وطبيعية وغير متبدلة وحسب، بل وتستبعد آثار أصلها وآثار أية فكرة قد تشير إلى أنها كانت نتيجة نظرية ما، أو سيرورة كان تصميمها يتقصد، بالضبط تغييب أية نظرية أو سيرورة على الإطلاق(8)، ولذلك فدراسة الأدب على أنه كتابة مفترضة ذات عطالة ذاتية، وذات قدسية في النصوص أو الكتب أو القصائد أو المسرحيات، تعني معاملة الشيء الذي ينبثق عن رغبة في الكتابة وكأنه شيء طبيعي وملموس -مع الإشارة إلى أن تلك الرغبة متواصلة ومتنوعة، ومجردة وغير طبيعية إلى حد بالغ باعتبار أن "الكتابة" ماهي إلا ذلك النشاط الذي لا يرتوي البتة باستكمال نص مكتوب. وهكذا فما من شيء إلا الشغف النظري في المجرد -الشغف الشامل بالشيء المرشح دوماً للمعرفة، على الرغم من خضوع الشغف لاحتمالات عديدة -ربما يستطيع أن يتعامل مع حافز أصيل (مناع على التقليص)، لا حدود له بمنتهى الوضوح. وإن بمقدور المرء، والحق يقال، أن يأتي بالأدلة المقنعة على أن من الأفضل النظر إلى الكتابة المعاصرة بأنها تخلف الشؤون العملية عن اللحاق بركب الرغبات النظرية واللا عملية، وحتى الطوباوية، وذلك لأن كتابة رواية أو قصة، كما هوعليه الحال بالنسبة لكتاب خرافات من أمثال بورجز وبينشون وغارسيا ماركيز، هي رغبة في سرد قصة ما أكثر بكثير مما هي رغبة في قصة مسرودة. وثمة اعتراض مشروع علىهذا النوع من المحاجة وهو أنني خلطت معرفة شيء ما كالكتابة بفعل إنتاج الكتابة.ومع ذلك ففي "فيدروس" وفي آيون وفي الجمهورية وفي القوانين"، يعزل أفلاطون الفيلسوف عن الفنان، والعارف عن الصانع المسوؤل أخلاقياً والمتصوف عن العامل، ولكن مثل هذا النوع من الاستدلال ليس بالتوجه الصحيح إلا جزئياً لأنه يتجاهل أساساً إلحاح سقراط في "فيدروس" على تقريب العاشق من عاشق المعرفة، أي الفيلسوف، مع العلم أنه يحجب نعت "الحكيم"، عنهما كليهما معاً. لأن ذلك النعت لقب عظيم لا يخص إلا الله وحده - وأما نعتهم بعشاق الحكمة أو الفلاسفة فهو لقبهم المتواضع والمناسب. فيدروس: هذا شيء ملائم تماماً. سقراط: وأما ذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يترفع على مؤلفاته وتجميعاته التي مر عليه ردح طويل من الزمن وهو يرقعها ويخزمها، ويضيف إليها بعض الأشياء ويحذف منها بعض الأشياء، فمن الممكن دعوته بمنتهى الإنصاف بأنه شاعر أو صانع كلام أو صانع قانون (المقطع 278). ولربما على نحو أقل شاعرية من سقراط، يمكننا أن نترجم "عشاق الكتابة"، "بالراغبين في الكتابة"، أو "بالتواقين للكتابة"، الأمر الذي يترتب عليه أن الناقد، مثله مثل الروائي، هو كاتب يتوق للكتابة بالكتابة. فعلى ذلك المستوى النظري والعملي يعمل السعي لإنتاج الكتابة على توحيد (أ)، الأصالة كنيّة مناعة على التقليص لإنجاز نشاط محدد مع (ب)، الأصالة كعمل لا بديل له مفض إلى الكتابة، ولئن كان واحدهما هو ذلك الروائي الذي ينتج رواية أو ذلك الناقد الذي ينتج عملاً عن تلك الرواية، فكلاهما أصيلان سواء بسواء وفقاً لتلك المصطلحات التي كنت أستعملها والتي هي مصطلحات خاصة باعتراف الجميع. فالسؤال عما إذا كان واحدهما أكثر أصالة من الآخر يعني المخاطرة باستنتاجات سوسيولوجية من نفس الصنف الذي يتأتى من الحديث عن المساواة في رواية "المدجنة"، ولكن حتى ذلك النوع من الاستنتاج يستلزم شيئاً أكثر شبهاً بدقة بيير ماشيري أو لوسيان غولدمان منه بدقة أورويل.(9). هنالك مثلان عن النقد معتمدان على بعض هذه المنطلقات المنطقية سرعان مايخطران على البال، أولهما من لوكاش وثانيهما من الكلاسيكي الفرنسي جان بيير فيرنان. فكتاب "نظرية الرواية"، يضطلع بعبء البحث عن ماهية الوعي الأصيل الذي يسرّ ظهور الرواية، مع التسليم جدلاً بتوفر مجموعة معينة من الظروف الفكرية والسيكولوجية والروحية. إن المذهب الذي ذهبه لوكاش كان لتحديد مهمته في صياغة ماكان عليه الحافز الروائي بالأصل وذلك لأول مرة، علماً أنه ماكان بمقدوره أن يفعل هذا إلا لأن الرواية، ولأول مرة أيضاً، كانت قد وصلت إلى مرحلة من التطور أتاحت ورود التعابير الواضحة عن الرواية بأسلوب لا روائي.(10). وأما مقالات فيرنان عن التراجيديا اليونانية فمعتمدة(كتحليلات نيتشه)، على افتراض مفاده أن تلك التراجيديات ماكانت بدائل عن الأفكار، وإنما كانت "أشياء"، مقصود بها بالأصل أداء عمل أصيل، وهكذا فإن التراجيديا تحدث على شكل ذلك الابتكار الذي هو بمثابة شيء جديد جدة أساسية في كل وجه من الوجوه، فالتراجيديا تقع في لحظة مشروطةجداً حين "تمثل المدينة اليونانية نفسها على المسرح....... وحين تمثل، وهذا أهم الأشياء كافة، أمورها المعضلة ذاتها"، ويخلص فيرنان إلى تقريره أن هذه الأمور المعضلة تدور حول ذلك التغيير العسير الذي طرأ على التصور العمومي للإنسان عن نفسه، ألا وهو التغيير الذي "ماكان بالإمكان تخيله، ولا معاشه، ولا حتى التعبير عنه إلا من خلال شكل التراجيديا وحده دون سواه من الأشكال الأخرى....... فكل مشكلات المسؤولية ودرجات النية والعلاقة بين العامل البشري وأفعاله والآلهة والعالم معروضة من خلال التراجيديا، وماكان بالإمكان عرضها إلا من خلال شكل التراجيديا وحسب"؟(11)، إن هيغلية لوكاش لم تكن وقتها قد تعرضت لتنقيح ماركسيتها، ولذلك فإن "النظرية" في الطور الأولي لتفكيره كانت لاتزال تعشش في ميدان مثالي فسيح. ولكن الأمر لم يكن على هذا النحو في نظريةفيرنان عن لحظة التراجيديا. إذ بالنسبة إليه كانت اللغةتحتل منزلة مادية وذات استخدامات بالغة التنظيم في الشكل التراجيدي، ومع ذلك لماذا كلا هذين الناقدين يلحان، شأن هذا كشأن ذاك علىالصعوبات البالغة لفهم الشكلين اللذين كانا يدرسانهما؟ وإن السبب ليكمن في أن الرواية والتراجيديا كلتاهما يعودبهما القدم إلى أصل تجريدي، روحي أو مادي، ألا وهو ذلك الأصل الذي يتعذر إدراكه تواً أو كاملا، فهاتان النظريتان، خلافاً للنظرية التأويلية لديلثي، لا تلجآن إلى حدس متجانس يتجاوز العمر الشفاف للوثائق المدروسة. إن التراجيديا والرواية كلتاهما تعودان إلى فترة زمنية ضائعة إلى أبد الآبدين. ولذلك فإن أصالة الشكلين ماهي، بأدق المعاني، إلا نوع من الضياع الذي تحاول كتابة الناقد التوصل إليه. فالأصالة بأحد معانيها الأولية، إذاً، يجب أن تكون ضياعاً، وإلا فإنها ستكون تكراراً، أو إن بمقدورنا أن نقول أن الأصالة، بمقدار ماهي مفهومة على هذه الشاكلة، هي الفرق بين فراغ بدائي وبين تكراردنيوي مؤكد، إن كيركيغارد، كواحد من ضمن العديد من الفلاسفة، لم يكن يرى أي تناقض (في مضمار الخبرة الدينية) بين التكرار والأصالة، بيد أننا عموماً نقرن التكرار إما بمرتبة دونية(المأساة في المرة الأولىوالمهزلة في الثانية)، وإما بعودة اعتراضية، وأما نيتشه فقد كان مهووساً، ولربما لأنه كان فيلولوجيا، بدراسة. سلاسل الأنساب انطلاقاً من الأصناف المختلفة للأصالة..وهكذا فكلمة "Ursprung" (التي تتطابق مع الأفكار التي جئت على بحثها آنفاً بخصوص لوكاش وفيرنان) تعني الظهور الأول والشفاف والأصيل، في حين أن كلمة "Enstehung"، تعني الظهور التاريخي لظاهرة ما، بدء انبثاقها "point de surgissement" أي (نوعية تلك الأصالة التي حللها توماس كون، وجورجز كانغيهيلم في تحليلاته التفرد(12)، كما أن كلمة "Hurkunft" تعين الأصل والمصدر اللذين تنبثق عنهما الأصالة.(13). ومع ذلك فما نيتشه وماركس وفرويد إلا أولئك الكتاب الذين يقوم في عملهم تناسق رائع بين المحاولات الرامية لوسم الأصالة (الثورة،نشدان الحقيقة، اللاو عي) وبين المحاولات الرامية لتنسيق ظروف الخبرة البشرية وتكييفها، وتخطيطها. وهكذا فلكل ثورة يجب أن تتوفر ولابد مجموعة من الظروف المتكررة بحيث تكون النتيجة، بناء على مقولة فوكو، تحول الاصالة الحقة كنوع من المصطلحات المطلقة إلى ضرب من الاستحالة (14)، فالتفرد البشري، ومن ثم أية أصالة مقرونة بالمسعى البشري، لهومهمة من مهمات تلك القوانين التي تتسامى علىالقوانين الفردية، والتي تشكل النماذج (السيكولوجية والاقتصادية والفكرية)، التي ندعوها بالتاريخ من حيث توثيقه بآلاف السجلات المكتوبة. ولذلك فالتاريخ المكتوب ماهو إلا تذكر مضاد، نوع من المحاكاة الساخرة للتذكر الأفلاطوني، وتذكر مضاد يتيح المجال لتمييز الأشياء الأصلية والأولى والحقيقية من خلال التأمل. فالإدراك التاريخي بالنسبة لنيتشه، وفق مقولة فوكو، إن هو إلا محاكاة ساخرة في اعتراضه التذكر، ومفصال فيما يتعلق بالتواصل، وهدام بالنسبة للمعرفة. وبما أن تمييز الأصالة يتزايد عسراً فإن وصف سماتها يتزايد دقة بدوره، وهكذا في خاتمة المطاف فقد انتقلت الاصالة من كونها مثلاً أفلاطونياً، وتحولت إلى شكل مغاير ضمن نموذج طاغ أكبر منها. إن اللغة لتلعب لها دوراً عظيماً في هذا التبدل. فكل لفظة، مهما كان حجم تفردها، يجب فهمها على أنها جزء من شيء آخر، ولذلك من الجدير بالذكر أن الثورة التي ثارها (آرنو)* كانت بالتحديد ضد هذا النوع من الاتساق. وعلى الرغم من ذلك فإن نتيجة الفهم هي أن النموذج الكبير يروض الفعل المنفرد، وأن ترتيب اللغة يتجاوز الخصائص حتى خصائص النص المكتوب. فالصلة بين الشيء المفهوم وبين اللغة لصلة وثيقة جداً إلى الحد الذي جعل فرويد، مثلاً، يتخذ من الترتيب الكلامي ميداناً له لاستكشاف الشيء غير المفهوم. ولذلك فالكتابة تعني شيئاً أكثر مما يعنيه التحدث (أي أنها تلك الحالة التكميلية(15) كما نعتها ديريدا)، وذلك لأن ظهور الكتابة وحده يعطي التوكيدات عن الاتساق والمعنى اللذين يتنكر لهما تبعثر الحديث وتشتته هنا وهناك. فالكتابة يمكنها، كما اكتشف مالا رميه فيما بعد، أن تستغني حتى عن أي كاتب يوم قال: "إن العمل الفني المحض يعني ضمناً استتار الشاعر كمتحدث وإسلامه المبادهة بتلك الوسيلة للكلمات ولقوة تباينها المحشود"(16)، إن الكتاب المقدس، وهو المخزن الذي لما ينضب ولا يمكن أن ينضب للكتابة برمتها، يقف فوق الكتب الخاصة كلها. وهيا بنا الآن نعود إلى ذلك السؤال الذي سألناه من قبل ألا وهو: ماهي وحدة الكتابة التي نستطيع أن ندرس فيها تفاعل التكرار والأصالة؟ فتلك الوحدة لم يعد بالإمكان أن تبقى مجرد عمل أو كاتب وحسب، باعتبار أن كلا من هذين العنصرين يطمح للكتابة-مع التسليم جدلاً بوجود منطلق نظري متكامل -خلف مثل هذه الحدود الوظيفية. ولكن بما أن الوقت ولا القدرة يتيحان للمرء دراسة الكتابة كلها، يصبح من الضرورة بمكان تحليل النية أو الرغبة المقصودة التي حيثما كان بالإمكان فك الرموز وتحويلها إلى لغة عادية، تنبثق عنها بالأصل مجموعة من الكتابة المحددة على وجه التخصيص. وإن مثال الكتابة المحدثة هنا يعطي درساً قاسياً، بيد أنه مقنع، للناقد النظري لكل العصور التاريخية الأخرى، وذلك لأن المرء ليس بوسعه أن يعلم الأدب أو يكتب عنه اليوم دون أن يكون متأثراً بطريقة ما بالوضع الأدبي المعاصر. وليس هنالك بحال من الأحوال أية سمة مترابطة منطقياً لوسم هذا الوضع مقدار ترابط سمة تذمره العميق من الوحدات والأجناس الأدبية والتوقعات من الأزمنة الماضية. ولذلك فمن العجب العجاب أن تكمن أصالة الأدب المعاصر، في خطوطها العريضة، في تجريد أسلافه من الأصالة أو من علو المقام. وهكذا فأفضل طريقة لدراسة الأصالة لا تتمثل بالتفتيش عن أول شواهد لظاهرة ما، وإنما تتمثل على الأرجح في رؤية نسخة طبق الأصل عنها، أو نسخة موازية لها، أو محاكاة ساخرة لها. أونسخة مكرورة عنها، أو في رؤية أصدائها -أي النظر إليها بتلك الطريقةالتي حول فيها الأدب نفسه إلى موضوع أساسي للكتابة. إن الشيء الذي يدور حوله الخيال الحديث أو المعاصر أقله تقييد شيء ما في كتاب، في حين أن أكثره يدور حول إعتاق شيء ما من كتاب بواسطة الكتابة. وأما إنجاز هذا الاعتاق فيكون بطرق مختلفة عديدة: فجويس يعتقه "الأوديسة" في دبلن، وإليوت يحرر نتفاً من فيرجيل، وبترونيوس في مجموعة من العبارات المتهافتة. فالكاتب قلما يفكر بالكتابة الأصيلة، وأكثر مايفكر به هو تكرار الكتابة: فصورة الكتابة تتبدل من مخطوطةأصلية إلى نص مواز، من جرأة عشوائية إلى إنجاب مقصود (فيه الجناس الاستهلالي لدى هوبكينز يعني التماثل)، من اتساق الأصوات إلى لحن أساسي مكرور. وبما أن الكتاب ما عادوا يستهلون مكاناً جديداً، فهم يميلون لرؤية زمانهم كفترة انقطاع. فهذا هوفيليب سولرز يعبر عن ذلك على النحو التالي:"إن حياة كاتب ما إن هي إلا فترة انقطاع. فالعمل الذي يمارسه الكاتب، والذي يبدوعقيماً في الظاهر، علاوة على اللعبة التي يبدو عليه بأنه يلعبها كلاهما على علاقة بالمستقبل في حقيقة الامر، ذلك المستقبل الذي نعرفه جميعنا على أنه مكان كل العمل الذي يستخدم الرموز. فالأدب ينتمي إلى المستقبل، وليس المستقبل بتاتاً، كما قال مالارميه، "أكثر من الصدمة الناجمة عن الشيء الذي كان الواجب يقتضي فعله قبل فعل الأصل أو قربه".(17). إن الكثير مما كنت أقوله عن تحول شكل المصطلحات التخييلية التي تمكننا الآن من فهم الأصالة تعبر عنه باختصار تلك العبارة النقدية الفرنسية التالية: "Le refns du commencement" "رفض البدأة، وبما أن إدراكنا الناتي لأنفسنا ككتاب قد تبدل من كوننا المبدئين المتوحدين (وهنا يخطر على البال هوبكينز مرة ثانية)، إلى كوننا عاملين في ميدان البدأة المتواصلة السابقة (أي السالفة على الدوام)، فإن من الممكن قراءة الكاتب بأنه ذلك الفرد الذي كان حافز تاريخياً أن يكتب دائماً في هذا العمل المعين أو ذاك لكي يحرز، كما أحرز مالا رميه، استقلالية الكتابة التي لا تعرف أية حدود. فالكتاب المقدس أسطورة الكتابة، وقلما كان حقيقتها البتة. إن التماثل المدعوم بالعديد من الصفحات والسنوات، كالتماثل القائم بين دبلن وآتيكا على سبيل المثال، يسوق الكاتب لا نحوكتاب آخر وإنما على الأرجح نحو "كتابة مطردة". والأكثر فتنة فما سبق هوحالة توماس مان في رواية "دكتور فاوست". فالأسلوب الفني الرائع لتلك الرواية، كما بيّنه العديدون من النقاد، يكمن في تركيب العناصر المتباينة (المونتاج)، والصدى. فكل من مان وشخصيته الرئيسية في الرواية يتقنان فن الاستبدال والتغلب والمحاكاة إلى أبد الآبدين. إن أصالتهما تتجسد في ممارسة هذه اللعبة إلى أن يتوصلا إلى حالة من الفراغ -تقويض الحضارة والأخلاق الغربية، والنكوص بالأصالة إلى الصمت من خلال التكرار. فالحلف الذي أقامه أدريان لافركون مع الشيطان يعطيه هبة التميز الفني طيلة سنوات عديدة، بيد أنه منذ أقدم أيامه، ومنذ استهلال الرواية، يظهر عليه وعلى مان الفتون بالتماثلات والمحاكاة الساخرة، والسبب بذلك يعود حصراً إلى أن الطبيعة نفسها، حتى الطبيعة، تستنسخ نفسها بأعجب الطرق: فالشيء اللاعضوي يحكي العضوي، وشكل يستنسخ شكلاً آخر، وهكذا دواليك. وهكذا فإن بنية الرواية، ناهيك عن موضوعها الرئيسي، مصوغة من بدأة ورجعة الكتابة، إذ إن ثمة نصاً مبدئاً أصلياً (Cantus firmus) يتعرض للمحاكاة مراراً وتكراراً حتى يفقد، في خاتمة المطاف، سمو شأنه. إن معالجة مان لهذا كله في رواية لها شبيه غريب بمقالة كتبها ليوسبيتزر. فمقالة "الدراسة العلمية للغة والتاريخ الأدبي"، ماهي إلا بعد إلقائها على شكل محاضرة للمرة الأولى في برينستون عام 1945، السيرة الذاتية المهنية لسبيتزر، أي وصفه لتطور نظريته الفيلولوجية وممارسته لها، إذ يروي فيها الافتتان الذي حل به منذ مجيئه إلى أمريكا بالجذر اللغوي وتطوره (إتيمولوجيا) لكلمتي "conudrunm" و "quandary". وإن سبيتزر ليكتشف، أثناء تتبعه تقلب البنية اللفظية لهاتين الكلمتين، أن البحث الإيتيمولوجي يبين الكيفية التي تجري فيها "عملية التحريض لمجرد تكتل من الأصوات". فهاتان الكلمتان تنبثقان من جذرين لاتينيين وفرنسيين عامين، ولذلك فإن مشتقاتهما تحتوي على "Calembuor"، (تورية) و"Carrefour" (تقاطع طرق)، و"quadrifurcus"، (كلمة لاتينية بمعنى تقاطع طرق)، و" calembourdaine"، التي تتحول في تطور ما إلى conimbrum وconundrum و quonundrum ، وأخيراً إلى quandery، ولذلك فإنه يخلص إلى مايلي. إن تقلب وتقطع أسرة الكلمة (Conundrum - quandary) يشكلان الدليل على الموقع الذي تحتله الكلمة في البيئة الجديدة. ولكن التقلب الواضح في كلماتنا الإنكليزية كان سمة لكلمة calembredaine - calembour)، حتى في البيئة البيتية. فأسرة هذه الكلمة الفرنسية، كما أسلفنا القول، كان خليطاً من جذري كلمتين على الأقل، وهكذا يقضي الواجب أن نستنتج أن التقلب مرتبط أيضاً بالمضمون الدلالي: فكلمة تعني "التورية أو النزوة"، تسلك مسلك النزوات بمتهى البساطة - مثلها بذلك تماماً مثل الكلمات الدالة على "الفراشة"، في كل لغات العالم(18). إن أي قارئ لرواية "دكتور فاوست" سوف يرى الآن للتو المقدار الكبير من الإيحاء الذي تحظى به الروية من مجمل هذا الخط من الاستدلال، لا لأن أدريان الراشد محاط في ميونيخ بزمرة مساخر من عائلته الأصلية في قيصر شخيرن ليس إلا، بل ولأن توقانه لفعل ماكان يفعله أبوه، أي "تأمل تلك المساخر"، يبقى على حاله أيضاً. وحوالي بداية الكتاب يصف زيتبلوم فراشة، بأنها "ذات عرى شفاف"، وذلك لأن مظهر وعادات هيتبرا إزميرالدا، التي تشبه مظهر وعادات فراشة النباتات، خداعة جداً. لم يكن على جانحي هيتبرا إلا بقعة سوداء بنفسجية ووردية، وماكان بمقدور المرء أن يرى فيها أي شيء آخر سوى تلك البقعة، وحينما كانت تطير كانت تبدو كتويج تذروه الرياح. وبعدئذٍ كان هنالك فراشة النباتات التي كان فوق جانحيها خيط مثلث الألوان، في حين أنهما في سافلتيهما كانا يشبهان بدقة عجيبة ورقة النباتات، لا في الشكل والتعريق وحسب بل وفي الاستنساخ الدقيق لعيوب صغيرة كنقاط ماء زائفة وناميات صغيرة من ثآليل وفطور وما شابه ذلك. وحين كان ذلك المخلوق الفطن يحط رحاله بين أوراق النباتات ويطوي جناحيه، كان يختفي جراء التكيف تماماً حتى إن ألد أعدائه كان يعجز عن تمييزه.... لأن المرء لا يستطيع أن يعزو تلك الحيلة لنباهة الفراشة وحساباتها. أجل، أجل، إن الطبيعة تعرف ورقتها بمنتهى الدقة: إنها لا تعرف كمالها وحسب بل وتعرف ثغراتها وعيوبها العادية، وهي تكرر مأربة أوحفاوة مظهرها الخارجي في مضمار آخر، كما تفعل على سافلة هذه الفراشة، فراشتها، بغية تضليل الآخرين وإبعادهم عن مخلوقاتها..... فهذه الفراشة صانت نفسها، إذاً، كونها صارت متوارية عن الأنظار.(19). إن هذه الأوصاف تنبئ بغواية أدريان من قبل المومس، بالشعار المستتر في موسيقاه، وبحلفه مع الشيطان، ألا وهي تلك الأمور التي تعزى عموماً إلى هيتيرا إزميرالدا، فدهاء الفراشة وظيفة من وظائف الطبيعة، كما أن فكرة فراشة متقلبة تردد أصداء طبيعة اللغة من خلال تأملات سبيتزر، وفي حالتي الفيلولوجي والروائي معاً، علاوة على ماقيل أعلاه، لا. تعزى البتة عملية الاستنساخ والتكرار لأي شيء أكثر تشخيصاً من "الطبيعة"، وهكذا فبمقدورنا أن نقول أن الأصالة لا تكمن لا في اللغة ولا في العناصر باعتبار أنهما كليهما يجعلان من المستحيل عملياً قيام أية محاولة للتمييز فيما بين الأصيل وبين نسخته التقليدية، وماهذا الأمر إلا استنتاج على المستوى الأول، في حين أننا نلاحظ كقراء، على المستوى الآخر، التدخل الشخصي الذي يتدخله كل من سبيتزر كفيلولوجي ومان كروائي وأدريان كشخصية فاوستية. في أعمال وسط متقلب لكي يوضحوا فيه نظام التناسق البارع. وهكذا فإن ممارسة السلطة الفردية، يحوّل العناصر تحولاً كافياً لتوريط الفرد في مهمة تشغيلها: سبيتزر كفيلولوجي وأدريان كموسيقار شيطاني. لقد تعمدت عن قصد تأجيل طرح السؤال التالي: هل كان مان تحت وطأة "تأثير" سبيتزر؟ وذاك التأجيل كان لأن مثل هذا السؤال يثير ولا بد مشكلة الأصالة، علماً أنني كنت بالفعل على مايبدو ألمح إلى أن الناقد أكثر أصالة، بمعنى ما، من الكاتب الأصلي. ولكن ذلك ليس بيت القصيد. فمساجلتي تتقصد إلقاء مسؤولية الأصالة على كل مهنة تعنى "بتشغيل" اللغة، وإن مان وسبيزر نفسيهما لا يقران، من وجهة نظري النظرية، بوجود أية أصالة قائمة بحد ذاتها "perse" لأن الطبيعة واللغة نظامان من أنظمة الاستنساخ ليس إلا. وانطلاقاً من المعقول فإن الأصالة، من الناحية الأخرى، هي تلك السمة المكتشفة في أي من الكاتبين نكتشفه أولاً وهي، علاوة على ذلك، في انطباعاتنا عن الجدة والقوة مغرقة في الذاتية إلى ذلك الحد الذي يحول بينها وبين أي تحليل مؤكد. ولكن جراء التحول من الكتابة الأصلية إلى الكتابة المثيلة يقوم تحول أخطر أيضاً في تصور الأصالة التي تصبح الآن سمة من نوع ما للعبة مركبة. وأما مسؤولية الكاتب فهي التحكم بهذه اللعبة التي تترك له أولها حرية الخيار تماماً فيما يتعلق بأمور من أمثال نقطة البدء والمركز الذي تتمحور عليه الكتابة وهكذا دواليك. ومع ذلك فمسؤوليات الكاتب هذه ليست بالأفكار المجردة أو الضمنية التي تتكدس فوق اللغة من لدن ناقد ما، ولكنها أفكار جوهرية مادياً للكتابة نفسها. وهنا أقصد أساساً الإحساس الفعلي بالبعد أو القرب من "الموضوع"، المنوط بالكتابة، والإحساس الذي تحسه الكتابة من أنها مادياً متساوية في الامتداد الزماني أو المكاني مع ما تقوله. وتقليدياً كان العرف الزماني في الدراسة الأدبية استذكارياً. فنحن ننظر للكتابة أنها كانت محط الاستكمال قبل حين من الزمان. ولذلك فإن الناقد يعيد لنص من النصوص معناه الأصلي، أي ذلك المعنى الذي يحسب الخيال قد ضاع خلال الزمن أو التقنية. لابل وإننا الآن حتى أقل احتمالاً أن نهتم بتلك الدراسة التي تبين علاقة نص ما بالمرحلة المعاصرة إلا، كما أسلفت القول، لدواعي مجاراة الزي السائد وحسب، ولكن يالعمق المزيد من التحدي الذي تطرحه ثمة نظرية للدراسة التي نعتبر الكتابة ثمرة شيء يترعرع في صميم الكتابة: الأمر الذي كان من اكتشاف مالارميه. وهكذا فإن الهدف الأسمى للكتابة، ولربما الهدف النهائي، هو الوصول إلى ذلك الكتاب الذي يراه التطور كمنظومة كتب، أي نوعاً من أنواع المكتبات الناشطة التي يكمن مفعولها في التحريض على الإتيان بأشكال من الحرية الانضباطية التي تتحول تدريجياً كي تصبح أمراً واقعاً، فإذا كان للأصالة كتصور تلك القدرة على ضغط الزمن لأمد طويل جداً والرجوع به إلى سمو مفقود في أحسن الأحوال، وإلى طوباويات مستعادة في أسوأ الأحوال، لكان هذا سبباً وجيهاً لإعادة توجيه دراستنا منهجياً نحو المستقبل. وإن الانقلاب بالمنطلق إلى هذا الوضع البالغ التطرف له، كما قال فوكو وغيلز دي لوز، أثر تجريد الفكر من صبغته الأفلاطونية.(20)، إذا ما الشيء الذي يمكن أن يكون أكثر أفلاطونية من رؤية الأدب كمحاكاة (بالنظر شزراً إليه)، والخبرة كشيء أصيل، والتاريخ كخط مستقيم من منبعه حتى الزمن الراهن؟ وفي الوقت الذي ينكشف فيه هذا النوع من الاستقامة الخطية للاهوت الذي هي عليه في حقيقة الأمر، يصبح فيه بالإمكان قيام واقع دنيوي للكتابة. فالتعبير الذي ساقه فوكو عن ذلك الواقع هو نظام الخطاب "l'order du dudiocours" بيد أننا نستطيع أن نميز فيه أصالة الكتابة أصالة حقيقية ذات تركيب هائل، في وشائجها المعقدة مع العالم الاجتماعي، وهي تسير في اتجاه معاكس لاتجاه الطبيعة. (i) أوغست روديه، نحات فرنسي، (1840-1917)، مشهور بتصويره الهيئة البشرية، المترجم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |