العالم والنص والناقـد - إدوارد سعيد - ت:عبد الكريم محفوض

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:06 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

7 - الدروب المطروقة والمهجورة

في النقد المعاصر‏

لا يزال من صحيح القول أن المقتطفات الأدبية المختارة عن النظرية والنقد الأدبيين الحديثين، المجموعة استجابة لمطلب النصوص النظرية، تساعدنا في أن نخمن قيام مقدار واف وتشكيلة واسعة من العمل الجاري في هذه الأيام(1). ولكن على الرغم من أن هذه المقتطفات معينة في كونها مؤشراً عما يمكن اعتباره بأن الكتلة الرئيسة للنظرية الأدبية، إلا أنها غير مُعينة جداً في مساعدتنا على تقدير مدى التحسن أو السوء الذي بلغه النقد الأدبي على العموم.‏

فالأمر لا يقتصر على معرفة الشيء الذي يمكن مقارنته بالنقد الحديث أو المعاصر (فهل هو النقد الكلاسيكي؟ أو النقد التقليدي؟ أم هل هو مع النقد قبل جيل مضى؟ وما معنى الجيل في النقد، بالمناسبة؟) يكاد يكون من المستحيل أن تحمل القراء، أو نقاداً أقل احترافاً من غيرهم بكثير، على الاتفاق حول أغراض النقد أو حول جدواه. وأمر أكثر إشكالاً هو التمييز القائم في أغلب الأحيان بين النظرية النقدية وبين النقد العملي، أو بين نظرية شيء ما وبين توجيه النقد إليه أو عنه. وإن من المستغرب جداً أن يكون هنالك احتمال باكتفاء المحجاجين النقديين المتحذلقين بيافطات وطنية فجة (كفرنسي أو أوربي قبالة إنكليزي أو أمريكي)، في التعامل مع هذه التمييزات وفي السماح لها باحتلال مساحات واسعة جداً في مضمار التعصب الفكري. وأما فيما يتعلق بالأسماء فحدّث ولا حرج ففراي وليفيز يثيران مشاعر غير لائقة، في الوقت الذي قد يثير فيه ديريدا وليفيز مشاعر أكثر فظاظة حتى. إن النقد الجيد، بمعنى النقد المستحسن، من الممكن لذلك أن يقترن بالشأن الأخلاقي الأنغلو/ ساكسوني، بالتوكيد التقويمي بنوع معين من الاهتمام بالأداء الأسلوبي، وبتوكيد على القراءة الواقعية كشيء متناقض مع شيء مجرد (وأجنبي) من مثل فلسفة زائفة أو عمومية. ولئن وقفت على الطرف الآخر من هذا الشرك لوجدت نعوتا، كالإقليمي وغير النظري وغير المعضل وغير المدرك لذاته، تطلق سهامها على الخصم، وبعد كل هذا وذاك فبمقدور المرء أن يطوّح بكلمات من أمثال البنية ودلالة اللفظة والتأويل، وبتلك الكلمة التي تحتل أقصى ركن تقريباً في الجانب المضاد، ألا وهي كلمة التفكيك. وإن أي قارئ من قراء الصحف الأدبية يعرف مخزون كلا الجانبين معاً، وقد ينتابه السأم منهما كليهما أيضاً، وبمقدار ذلك السأم الذي يتعرض أو تتعرض إليه جراء أي انتقائي يحاول استخدام كل المفردات الانشقاقية ليصنع منها أطروحة مناقضة مبهمة. بيد أن بمقدور المرء أن يقول، على غرار مقولة مؤرخ انطباعي، أن هنالك أشياء تقال عما يدور في النقد المعاصر في هذه الأيام ألا وهي تلك الأشياء التي تمثل الزي السائد. فما هي، ترى، الافتراضات التي تعتمدها المقتطفات الأدبية حيال اهتمام قرائها بالنقد المعاصر في الوقت الذي تتظاهر فيه أنهم بالنقد المعاصر يفهمون "ذلك النقد الذي ليس بوسع المرء أن يتجاهله" أو ذلك "النقد الذي يظهر، جراء غرابته، بمظهر الزي السائد أو صاحب السلطان الفكري المحض لكي يجعل الناس يصدقون بأنه ممثل النوع المعاصر أوحتى طليعته ربما؟‏

إن سؤالاً من هذا النوع لا يتظاهر بأنه يجيب على بعض المعضلات الأساسية التي يواجهها النقد، لا ولن يتخطى أيضاً، منذ البدء، مستوى الممارسة المفيدة التي يستطيع المرء بها أن يرسم حدود الميدان النقدي بغية اقتراح تغييرات لصالحه أو ترميم بعض الثغرات فيه. ولئن كان لهذه المقتطفات أن تؤدي أية وظيفة حقيقية - بغض النظر عن كونها طرائق مريحة للقارئ لكي يتشبث بتلابيب بعض المقالات الشاردة -فهي أن تجعل المرء يظن بأنها تشكل توافق آراء النقاد في هذه الأيام، وأساساً في متناول اليد تفترض بأنه دقيق، ومنه تطلق عملها هي، وإليه تستجيب، وبناء عليه تحدد أنفسها، أي حلفاءها وخصومها، ففي قبول مثل هذا الاساس يفترض النقاد أيضاً اساساً لهذا الاساس وقد يقولون، دون مراوغة مفرطة، أن هذه المقتطفات وما تمثله تتقصد أن تكون مختلفة عن غيرها من المقتطفات وتوافقات الآراء السابقة، التي هي مختلفة بدورها عن سابقاتها أيضاً وهكذا دواليك. إن من الواضح أن التغيير النقدي أقل تعاقباً وفجائية من ذلك، ولكن هيا بنا نسلم جدلاً بوجود مسحة من التغيير تتضمنها هذه المقتطفات وتستغلها أيضاً.‏

فالنقد في أمريكا في هذه الآونة أكثر عالمية، بطريقة واضحة تماماً مما كان عليه منذ أول عقدين من عقود هذا القرن، إن مجموعة ماكسي دوناتو المعنونة بـ "الجدل البنائي"، تسجل بمنتهى التوثيق ذلك التدخل الفرنسي الدائب على مايبدو في الخطاب النقدي الأمريكي، مثلها مثل مؤتمر عام 1966 الذي اشتملت محاضر جلساته المنشورة على أول تجميع هام للنقاد الأجانب في الولايات المتحدة. فالتدخل الفرنسي أدى فضلاً عن ذلك إلى انفتاح الأبواب والنوافذ على بقية أوربا، أولا على الأقاليم والبلدان الرومانسية (كجينيف وإيطاليا علىوجه التخصيص)، ومن ثم على مناطق كألمانيا والاتحاد السوفياتي. إن هذه النزعة العالمية الجديدة أحيت بالفعل الاهتمام بالتوجهات القديمة أو الوطنية التي ماكانت معروفة من قبل إلا للاختصاصيين، كتوجهات س.س. بيرس.، كما أحيت الاهتمام بفيلولوجيين من أمثال أورباخ وكيرتيوس وسبيزر، وبالشكلين الروس أيضاً.‏

فثمة نتيجة هامة بالنسبة لمن كان يمارس النقد ويكتب بالإنكليزية، ولمن كان يهتم بالمسائل النظرية، كانت تآكل مركزية الدراسات الإنكليزية. إن المقالة الشهيرة لريتشارد بويرير في مجلة بوليتاركن "قضايا" المنشورة في عام 1970 أفصحت عن هواجس الناقد الناطق بالإنكليزية حيال الموقف الذي كان يعتمده النقاد، بدءاً بآرنولد وانتهاء بليفيز، والذي مفاده أن الواجب يقضي بالعثور على محورنا الأخلاقي مبسوطاً في الكلاسيكيات الإنكليزية(2)، فالمحكات تعرضت للتحول إلى فاعلية، كتلك التي دعاها "بارثيز"، بالفاعلية البنيوية والكتابة"(3)، أو إلى كينونة منعوتة بالأدب الحديث بعد أن خلع عليها التصور مقداراً أوفى من الاتساع. وما تلك العبارة الأخيرة إلا من عنديات ليونيل تريلينغ التي كانت، حين استخدمها لأول مرة في عام 1961، تردد أصداء الاحتجاج ضد آرنولد على وجه التخصيص. ولما كان آرنولد يرى أن الناقد الأمثل هو ذلك الناقد الذي يتحدث، مع العلم أن أرنولد نفسه كان الناقد الذي وضع عمله الدراسات الإنكليزية في قلب البرنامج الأدبي في الولايات المتحدة بكل تأكيد، عن نوع من الأدب الحديث الذي يشتمل على كل من ديدرو ومان وفرويد وجيد وكافكا، كان رأيه ذاك إعلاناً هاماً عن مقدار اتساع المدى العالمي والديالكتيكي الذي أضحى عليه النقد الناطق بالإنكليزية.(4).‏

لم يعد على أوثق ارتباط بالموضوع أن يكون الناقد النبيه الشاب قد تلقى دورات تعليمية في (المجمع الإنكليزي)، باللغة الفرنسية عن الكتاب الفرنسيين وحسب، لابل وصار عليه الآن أن يقضي ردحاً طويلاً من الزمن في قراءة بارثيز وديريدا وتودوروف وجينيت، وأن يستشهد بهم أيضاً. وعلاوة على ذلك ثمة مفردات جديدة -سمّها إن شئت فرنسية/إنكليزية،- طفقت تطرح مصطلحات من أمثال " bricolage و décodage, decoupage"،(i) بشيء من الثقة أن فهمها سيكون بمقدور أي إنسان. وحفنة من المحظوظين كانت سوف تستشهد تطرّبا بكل من زوندي وبينيامين وأدورنو ومايرو إنزينبيرغ وباختين وإيكو ولوتمان، وبالطبع بجاكبسون الكلي الوجود، وهكذا لم يعد موضع الاعتراض أن تعتمد مقتطفات من النظرية الأدبية ذلك الاعتماد الكبير علىالعمل العالمي كشيء مناقض للعمل المحلي على وجه الحصر. فبالتحول الذي تحوله (النقد الجديد)، مما كان يبدو تزمتاً ضيقاً في أفق التفكير إلى الانغماس الذي انغمسه أحياناً هذا (النقد الجديد) في النزعة العالمية، كان التكامل المعزول للدراسات الإنكليزية- ككتلة من النصوص، كموروث، كموضوع، كنبرة صوت، كفرع دراسي محكم جيد التحديد - هو الذي عانى الأمريين في هذا التحول.‏

إن بمقدور المرء أن يدعو هذه الخسارة بأنها خسارة للموضوعية، أي بمعنى الحالة الموضوعية، فأفكار عن الحدود والتخوم، وبصحبتها أفكار عن كل مايتعلق بالوطن من أدب وجنس أدبي وعصر ونص بأم عينه وكاتب، يبدو أنها وهنت فالسهولة التي كان بوسع المرء أن يؤكد فيها أن الحركة الرومانسية هي كذا وكذا، أو أن الموروث هو ثمة أعمال معينة مرتبة وفق ترتيب معين، جرى استبدالها إما بنظرية أوبأمثلة تطبيقية عن المقاصد النصية.إن نظرية بارثيز النقدية، بتوكيداتها على الكتابة "écriture" وعلى التخفيف من غلواء كاتب ما (كما في حديث بارثيز عن راسين)، وعلىنص كلي النفوذ (كما جاء في(ii) Z/S) وعلى نص مثير كما في " "Le plaisir du texte" ، (متعة النص)، تصور بدقة معقولة ذلك التحول الذي تم في نوع من أنواع النزوع التاريخي المصبوغ بصبغة موضوعية والمتمركز على الدراسات الإنكليزية أو الفرنسية كمحور له، إلى نوع من أنواع الأدوات النقدية العالمية التي تأتيها الأهمية من فاعليتها لا من، بحال من الأحوال، المادة الأدبية التي قد تعززها وقد لاتعززها. ومن العجب العجاب أن قيداً معيناً قد فعل فعله على جامعي المقتطفات الذين جاؤوا بمقتطفاتهم من بارثيز وتودوروف وأغفلوا، في الوقت نفسه، من بين أكثر النحاة أصالة كلا من كريستيفا وسوليرز وجان بيير فاي، وآخرين من عصبة مجلة "Tel Quel"(iii) التي عمدت لاحقاً بالطبع للتنكر لماضيها اليساري وآلت إلى تذكرة مزعجة عن ذلك التقلب الكبير الذي تتقلبه الأنماط الفكرية.‏

فمن ناحية أولى كان يبدو أن المفردات النقدية العالمية لم تكن تتقصد النصوص أو الموروثات وإنما تتقصد حالة من الوجود قد يحق لنا أن ندعوها بالنصية، ومن الناحية الأخرى تبرز ثمة معتقدات بديلة أخرى لتحل محل الأفكار القديمة عن الكاتب أو العصر أو العمل أو الجنس الأدبي. وكما هو عليه الحال دائماً مع النقد، تظهر الأهمية فجأة على بعض الكتاب القدماء. فكروا في دانتي أو دون "Donne" و "النقاد الجدد"، وفكروا في هولدرلين فيما يتعلق بها ييداغر، وفكروا في روسو وآرتود وباتيل وسوشور وفرويد ونيتشه بالنسبة لأواخر النقاد، "الجدد"، إن هؤلاء الكتاب يحظون بشرف معاملة المبادئ التي ليس على النصوص كنصوص أن تتخطاها ولا حاجة بها لذلك. فالعودة إليهم تعني، كما عاد لاكان إلى فرويد، توطيد أركانهم كقديسين مصونة لهم مشروعيتهم بالولاء الصادق. وأما النتيجة المشؤومة بالنسبة للنقاد الموالين فهي أنهم، حتى لو لم يستعملوا صورة آرنولد ذات التحجر المهيب كمرادف لقيمة سامية، ليسوا أقل عرضة لسلطة متأتية من أعمال وكتاب مبجلين. ولكن الجدير بالملاحظة يكمن في ذلك الاختزال النقدي الجديد الذي يبعث على الجنون، إذ بدلاً من مناقشة نقطة ما تميل الأمور على الأغلب إلى الأسناد الباهت لنيتشه أو فرويد أوآرتود أو بينيامين -وكأن الاسم وحده يحمل قيمة كافية لإبطال أي اعتراض أو لتسوية أي نزاع. ففي معظم الأحيان لا يحمل الاستشهاد معه أي تمييز كالقول أن المقطع الفلاني في العمل الفلاني أفضل من غيره من المقاطع أو أكثر إفادة منها، لا بل والواقع أقل من هذا في بعض الأمثلة الهزلية الواردة عفو الخاطر، إذ ما من حاجة تدعو لذلك لأن الاسم والإسناد كافيان. بحد ذاتهما.‏

إن الشرعة الجديدة تعني أيضاً ماضياً جديداً، أو تاريخاً جديداً كما تعني، لمزيد من سوء الحظ، ضيق أفق جديد. فأي قارئ للنقد الفرنسي الحديث سوف يعتريه الذهول حين يتيقن أن كانيث بيرك، الذي تناول إنتاجه الضخم أول ما تناول بحث العديد من المسائل والمناهج التي ينهمك بها الفرنسيون الآن. إنسان مغمور(5)، فهل هذا الشيء نتيجة الجهل أو الاستخفاف أو الحذف المقصود إيديولوجياً؟ ومثال آخر، وهو المثال الذي يجب عدم تحميل الأوربيين ملامته طبعاً، هو موقف التبيّع الذي يتبع به النقاد الأمريكيون أقرانهم الأوربيين. ولكن الشيء الذي يبدو هذراً على وجه التخصيص هو تلك الطريقة التي يتحذلق بها أحد النقاد أو ينتقد عمل ناقد جليل كبارثيز أوديريدا وقلما تنطبق على المعايير التي حتى لا تقرها أصلاً. وعلى نفس الشاكلة هنالك اتجاه واضح لتفادي البحث التاريخي باعتباره، من حيث الجوهر، أقل أهمية من التأمل النظري. فمقالات ديريدا عن روسو وكوندياك، إن اكتفينا بمثلين بارزين، فرّخت سلسلة كاملة من التقليدات التي كانت كلها هزيلة تاريخياً ونصياً هزال مقالات ديريدا(6).‏

فماذا، ترى، عن الخطاب النقدي السائد نفسه، أو، بمزيد من الدقة، ماذا يفعل الخطاب النقدي؟ وهنا سوف أتحدث عن ذلك المعتقد البديهي"، "apriori" السامي الذي يبدو بأنه يوجه اهتمام النقاد إلى جانب هام واحد من جوانب الخبرة الأدبية: ألا وهو الجانب الوظيفي، ففي معظم ضمائم المقتطفات، وفي الأساليب النقدية السائدة، التي تمثلها هذه المقتطفات، نجد أن الناقد يتحدث عما يفعله نص ما، وعن كيفية عمله، وعن كيفية انضمام بعضه لبعض ليفعل أشياء معينة، وعن كيفية كون النص منظومة متكاملة ومتوازنة ككل، إن هذا النوع الخاص من النزوع الوظيفي كان له أثر مفيد بنفس المقدار الذي قد يبدو فيه بأنه فكرة مهزولة عن الأدب، وذلك لأنه تخلى عن تلك البينات البلاغية الفارغة التي لا تفعل أكثر من الإعلان عن عظمة عمل ما وعن قيمته الإنسانية وما شابه ذلك، مع العلم أنه أتاح للنقاد، من جانب آخر، أن يتحدثوا حديثاً جاداًوتقنياً ودقيقاً عن النص. فالنقد الذي كان يمارسه الأكاديميون أو الصحافيون أو الهواة، كان في العادة موضع الاعتبار بأنه فرع من الأدب المحض "belles - letters"، ناهيك عن أن عمل الناقد كان، حتى ورود "النقد الجديد"، الإنكليزي والأمريكي، إطراء عمل ما أمام القراء العاديين وأمام النقاد الآخرين سواء بسواء، وأما النقد الوظيفي فإنه يعمل انفصالاً حاداً جداً بين جماعة النقاد والرأي العام، وذلك بالاستناد إلى الفرض القائل أن كتابة عمل أدبي والكتابة عن عمل أدبي ما هما إلا وظيفتان اختصاصيتان بلا أي مرادف أو موجب بسيط لهما في الخبرة البشرية اليومية. ولذلك يجب على المفردات النقدية أن تؤكد على المميزات المناهضة للميزات الطبيعية وحتى البشرية التي يتميز بها السلوك الكلامي في اللغة المكتوبة. وبما أن الفرضيات التطورية تبدو مشوهة على وجه التخصيص بمقدار ما يتعلق الأمر بالأدب - إذ لا يمكن تقليص الكتابة بتلك البساطة إلىماض طبيعي أو إلى حافز طبيعي أو إلى لحظة سابقة تجريبياً - فإن النقاد سيهجرون دربهم للتفتيش عن لغة تقنيية ليس لها استخدام ممكن آخر سوى وصف وظائف النص.‏

وثمة قرار سابق لهذا القرار القاضي باستخدام مفردات تقنية محض موجود في النقد الذي جاء به إ.أ. ريتشاردز الذي لم يستخدم بالطبع مصطلحات لغوية علمية، علماً أن ما يميزه، وإمبسون أيضاً، عن (النقاد الجدد)، الأمريكيين كان بحثه عن الدقة النقدية دون أية مداهنات لهيبة الأدب أوهيبة الخبرة اليومية. فالدقةفي التعامل مع الأدب تتأتى بالنسبة إليه من استخدام الكلمات، والكلمات لا يمكن أن تكون دقيقة، إلا من خلال علم الكلمات إثر تنقيتها من التزييف أو العواطف أو الشوائب. وإن الشيء الذي عزله عن أقرانه كان اهتمامه اللاحق بالإنكليزية الأساسية "Basic English" ، فضلاً عن استعاراته المتواصلة من اللغة العادية أو من الفلسفة النفعية والسيكولوجيا السلوكية والتجريبية. والصحيح الإضافي عن عمله صحيح أيضاً عن النقاد الذين أنا بصدد بحثهم الآن: فإغراءات المفردات النقدية التقنية المحض تفضي إلى سقطات مؤقتة في نوع من أنواع التزمت العلمي. وفي أمثال هذه اللحظات تصبح القراءة والكتابة مثلين من أمثلة الإنتاج المنظم والمصنف منهجياً، وكأن العوامل البشرية المعينة لا تمت بصلة لهذا الأمر. فكلما ضاقت النواة اللغوية (ولنقل مثلاً في نقد غريماس أو لوتمان)، زادت منهجية المدخل وزيادات علمية المذهب الوظيفي.‏

ففي معظم الأحيان تعود التعريفات بالقارئ إلى المنهج باعتبار أن أحد مقاصد المذهب الوظيفي هو تكميل أداة التحليل مقدار تكميل أي فهم لأشغال النص. وهكذا ففي الوقت الذي يتوفر فيه الذوق السليم لناقد نبيه كبارثيز لمعرفة الفرق النوعي بين إيان فلامينغ وبلزاك، يكون ما يقوله عملياً أن الأخير يشتغل على نحو أفضل من الأول (أي أن الأخير أكثر استجابة لقراءة بارثيز قراءة دلالية(iv) صرفة). فهذا القول يشبه تقريباً القول بأنك تستطيع كتابة قصة إن كنت تعرف قواعد التأليف، الأمر الذي لا يكفل بمنتهى الوضوح مثل هذه النتيجة، ولكن التعرض الدائم لمخاطر محاباة الوظيفة، يتمثل لأغراض عملية، في إعطاء القارئ إحساساً مرضياً ثابتاً منتظماً بالرهبة من الأماكن المغلقة. وبما أن العلاقة بين العمل والناقد علاقة ذاتية الأحكام وذاتية التأبيد. وبما أن الطابع المخصص الذي يطبع تلك العلاقة طابع مقصور عليها ونظامية، فإن القارئ لا يمكنه أن يتوقع إلا الحصول على معرفة من النوع المؤكد والمغلق سلفا جراء التعريفات الأولية. فأنت تختبر النص وهو يدفع الناقد للعمل، والناقد يبيّن النص إبان عمل النص: إن محصلة هذه التقاطعات ماهي بمنتهى البساطة إلا أنها حدثت. وهكذا فإن البراعة النقدية مقصورة جداً على تغيير تناسق كلمات العمل وتحويلها إلى مثل عن المنهج.‏

إن معظم عظماء النقاد منهجيون، الأمر الذي قد لا يعنى إلاأنهم قادرون على توضيح وعقلنة معرفتهم المبدئية بالأدب، بيد أنه يعني في الوقت نفسه أنهم غير خائفين من جعل مناهجهم وكتابتهم مشوقة بحد ذاتها ومتناسقة فكرياً، أكثر بكثير من عمل أو مناسبة ما. ولكن أمثال هذه التحديات نادرة بالنسبة للنقاد الأقل شأناً. فهم يستخدمون العمل كي يجعلوه يعمل، وهو الشيء الذي يقوم به كما أن منهجهم يبين فاعلية العمل، وهيي الشيء الذيي يحتازه على الدوام على الدوام، وهكذا دواليك دون إي إحساس بالقوى المتضاربة التي تشكل أساس المنهج أو بمكمنها الجوهري في الحياة الفكرية.‏

إن الميزة العظيمة لكتاب ديريدا المعنون بـ "البنية والإشارة والتلاعب بالألفاظ في خطاب العلوم الإنسانية"، هي تبيانه المنهج وهو يدور حول نفسه في نفس تلك اللحظة التي يحقق فيها أعظم انتصاراته، لإحراز سلاسة أكثر جدة وأكثر تميزاً أيضاً. ويردف ديريدا قائلاً أن "خطر العقم والتعقيم كان دائماً ثمن السلاسة(7)، ويلمح بشجاعة مناسبة إلى أنه على استعداد لدفع الثمن طواعية. ولكن ليست هذه المقولات إلا مقولات متميزة جيء بها بعد التيقن التام من أن منظومة المناهج المعاصرة تخطر على البال في لحظة معينة من لحظات الوعي الذاتي البشري، ولا تجيء عشوائياً جراء التفكير، بمنهج ما ومن ثم استخدامه حسب مشيئة المرء. إن مقالات من أمثال مقالات ديريدا يمكن العثور عليها بين الحين والحين في المقتطفات الأدبية، وأما قيمتها فتكمن في توضيحها الإحساس بقوى المنهج المتضاربة وجذورها الراسخة في صلب النشاط الفكري، الأمر الذي يحسّن بعدئذٍ إدراكنا أن الخطاب النقدي المعاصر معارض في مواقفه لكل ماهو سلالي - سواء أكان ذلك يتعلق بالعمل أو بالناقد أو بالمعرفة أو بالواقع. فما أن آل النقد المعاصر إلى اليتم، جراء المقالات النقدية المتطرفة لكل من فرويد وسوشور ونيتشه، بخصوص الجذور والموروثات والمعرفة نفسها، حتى نال استقلاله المنهجي باحتلاله موقعاً فعالاً في هذا العالم. إن النقد المعاصر لا يؤمن بالتواصلات التقليدية الموروثة (كالأمة والأسرة والسيرة والعصر)، بل ويرتجل نظاماً، بأفعال تأتي كيفما اتفق من وحي عفو الخاطر "bricolage" ، في أغلب الأحيان، من صميم انقطاع نهائي. فثقافته ثقافة نفي الغياب ومعارضة التمثيل، وثقافة جهل (كما كان يعبر عنها بلا كمور مراراً وتكراراً).‏

ولكن الجهل المكتسب أو الموهوب ليس بشيء وضيع. فكل أكابر النقاد الذين يكتبون في هذه الآونة يجعلون من أنفسهم أدوات نقدية ومنذ الوهلة الأولى، وذلك لأن جهلهم الافتراضي يجعل من الممكن العثور على حقائق هامة عن دراسة الأدب، وعلى مناهج هامة لتلك الدراسة. هيا وتأملوا كوكبة من النقاد فيها كل من أورباخ وسبيتزر وبلا كمور وبارثيز وجينيت، ممن حياتهم المسلكية تغطي قرناً من الزمان تقريباً، على الرغم من وجود مقدار كبير من التشابك فيما بين بعضهم بعضاً، فهم كلهم موجودون ضمن إطار المقتطفات الأساسية. وإن كلاً منهم، بادئ ذي بدء، ذلك القارئ الذي تعلّمه لصالح النص والذي منهجه من النص، علاوة على أن الاختلافات فيما بينهم واسعة جداً نظراً للطريقة التي يسوس بها كل منهم جهله.‏

ومع ذلك فما من واحد منهم يهتم ذلك الاهتمام الكبير بالفروق الدقيقة بين النظرية السقيمة والتطبيق أو بين النقد الأدبي وبين الفيلولوجيا والفلسفة وعلم اللغة والسيكولوجيا والسوسيولوجيا. فمنهجهم العام، والحالة على ماهي عليه، منهج توحيدي لأنه يحول الشيء الذي يبدو مادة دخيلة، أو الشيء الذي يبدو في بعض الحالات مادة وهمية وتافهة، إلى أبعاد على صلة وثيقة بالنص.‏

وإن بعض هذه العناصر تبدو غريبة على المألوف إلى حد الابتذال، لا بل وإنها لتبدو على هذه الشاكلة على نحو متعمد. ولكنني أظن أن تعمد هذه الغرابة ماهو إلا خطة أساسية من خطط الخطاب النقدي المعاصر، بما في ذلك خطاب نورثروب فراي. فالنصوص، بالنسبة للناقد، نصوص لا كرموز لشيء آخر بل كزحزحات لأشياء أخرى (ومفردات فراي مفيدة هنا)، إذ أن النصوص انحرافات عن الوجود البشري ومبالغات عنه ونافيات له، فضلاً عن أنها في بعض الأحيان ظواهر للمبالغة والتمزيق. إن الأسلوب لايمثل الكاتب، شأنه بذلك شأن القول أن سبر الكتّاب هي الكتاب. فحقائق الأسلوب، بدلاً من ذلك، توجد جنباً إلى جنب في علاقة تقرب من النص الذي يشكل بحد ذاته قسطاً من بنية تقرب تتغذها العناصر الغريبة على المألوف. فهذا كله لا يعدو أن يكون النتيجة المعروفة جداً للموقع المهزول الذي تحتله الذاتية بالقياس إلى النص. وما أن تلاشى الإيمان الشائع بأن معطيات "تين"، (العرْق واللحظة والبيئة)، هي مايرهق ويكبل الكاتب كمنتج لنصه حتى صار ناقد كجورجز باوليت يتقبل قبل أي شيء آخر، علماً أنه ذلك المدافع الصنديد عن الوعي الإبداعي الخصب، شذوذ الذات عن المألوف وعرضيتها وتزعزعها، أمي تقلبها وخواءها أمام النص. "فالقراءة إذاً هي ذلك الفعل الذي يتعرض فيه للتحوير المبدأ الذاتي الذي أدعوه بالأنا، بتلك الطريقة التي لا يعود لي فيها الحق بأن أعتبره حصراً ذاتي أنا"(8)،‏

إن مايجعل هذه المقولات فعالة منهجياً، كشيء مناقض لكونها بينات عن التعاطف الجياش بين الناقد والنص، هو أن الهوية الصحيحة للناقد، أي نقطة انطلاق العمل، ليست بالذات التجريبية (نفس الذات التي تأكل وتتسوق وتتنفس وتموت)، وليست بالقناع الرسمي.‏

فالهوية النقدية، أي المنهج الموثوق والمأذون للناقد في تعامله مع النصوص، مبنية على قاعدة لغوية ومصبوغة بصبغة المؤسسة على الأرجح، لا على قاعدة سيكولوجية أو اجتماعية أو تاريخية.وهذامايعني بالنتيجة أن النظرة إلى اللغة هي أنها جماعة مؤلفة من مستخدمي اللغة، لا مجرد أداة شاقولية للتواصل. وإن مثل هذه الجماعة على تشابك ذاتي فيما بينها طبعاً، ولكن لها قوانينها التي تعطيها النظام والترابط المنطقي والوضوح. فالمنهج النقدي -لدى أورباخ أو سبيتزر أو بلاكمور أو بارثيز أو باوليت -شيء فعال لأن أي مظهر، من مظاهر اللغة له دلالته، مع العلم أن الإتيان بالدلالة هو تحديداً المقدرة الأساسية للغة. وإن مايهم الناقد هو الكيفية التي تدل بها اللغة، والشيء الذي تدل عليه، والشكل الذي تعتمده لذلك.‏

ولسرعان ماتنفتح على مصاريعها أبواب نطاق واسع من الاحتمالات. فهل هذه الدلالة اللغوية مقصودة، وهل كلها متكافئة بعضها مع بعض، وهل هذه الدلالة متعمدة تاريخياً أو سوسيولوجيا أكثر من تلك، وكيف تؤثر واحدتها بالأخرى؟ - إن جدول الخيارات أمام الاهتمام النقدي يمكن توسيعه حتى يشتمل على أي عمل نقدي. وبما أن النقاد من المفروض بهم أن يكونوا قراء أذكياء قبل أي شيء آخر، فإن دورهم بعد ذلك ينحصر في الدور الفعال والديالكتيكي ولاشيء سواه. فعملهم -أي وجودهم، دورهم - هو الذي يحدد الدلالة كموضوع للدراسة والتحليل. وهكذا فإن تاريخ النقد الأدبي هو، كما تسهب في تبيانه مقتطفات ها زارد آدامز، تاريخ الوساطات النقدية، مما يعني، بطريقة أخرى، قولك أنه تاريخ حصول النقاد على الهوية من جراء إضفاء الدلالة على بعض الموضوعات اللغوية لمصلحة الناقد أولاً، ومن ثم لمصلحة غيره من النقاد والقراء الآخرين(9)، فالهوية النقدية هي الأحبولة التصويرية لبعض الأشياء المعينة والمحددة شكلاً في اللغة. إن دراسة تاريخ النقد ماهي في الواقع إلا فهم تاريخ الأدب من زاوية نقدية. فتاريخ كهذا عليه أن يعثر، وليس بشكل أقل مما وصف به فرانسوا جاكوب تاريخ البيولوجيا، "على الكيفية التي استلمت فيها بعض الموضوعات للتحليل، وبذلك صار من الممكن لميادين بحوث جديدة أن تحظى رسمياً بنعت العلوم".(10).‏

***‏

ولكن الموقف الوظيفي في الخطاب النقدي يتسم بقيود مؤسفة.فأي موقف وظيفي يبالغ في كثرة اهتمامه بالعمليات الشكلية للنص، في الوقت الذي يبالغ فيه بقلة اهتمامه بمادية النص. وبكلمات أخرى فإن النطاق المفروض بعمليات النص أن تكون عليه يميل إلى أن يكون إما داخلياً برمته أو بلاغياً بأسره، حيث لا يتعدى دور الناقد فيه دور الإنسان الأوحد المتلقي.‏

فالنص، من الناحية الأولى، موضع التخيل بأنه يعمل منفرداً ضمن نفسه، أي متمتعاً بامتياز حيازته مبدأ التلاحم الذاتي أو إن لم يكن على شكل امتياز فباحتيازه له كمبدأ بديهي خبط عشواء وعلى ارتباط به، في حين أن النص، من الناحية الأخرى، موضع الاعتبار بأنه بحد ذاته سبب كاف للإتيان ببعض التأثيرات المحددة على أي قارئ مثالي. ولكن النص في كلتا هاتين الحالتين لا يبقى كما كان عليه من قبل بل يتعرض للمسخ والتحول إلى ما دعاه ستانلي فيش بالشيء الاصطناعي الذي يستنفد نفسه بنفسه. ولربما تكون النتيجة على غير توقع أن النص يصبح مصبوغاً بصبغة المثالية، أو الجوهرية، بدلاً من بقائه موضوعاً ثقافياً من نوع خاص كما هي عليه حقيقته في واقع الأمر، وله سببيته ودوامه وصموده وحضوره الاجتماعي، أي كل تلك الأمور التي تشكل حقاً من حقوقه الخاصة.‏

إن بعض المحذوفات المهمة من المقتطفات تدل على سطوة هذا الانحياز المثالي واللامادي. فميشيل فوكو قلما يوجد في تلك المقتطفات، على الرغم من أنه أحرز مرتبة التقديس في وقت أحدث عهداً وبكل جدارة. كما أن أورباخ وسبيتزر -اللذين يعني بحثهما الفيلولوجي أساساً لا بالقراءة بل بوصف أنماط ديمومة النص -ضحيتا سوء التمثيل المطلق إلى الحد الذي يجعل القراء ذوي التثقيف الهزيل يفترضون (إن لم يقرؤوا المقالتين أو الثلاث عن سبيتزر وأورباخ)، بأنهما كانا على الأرجح نسختين عتيقتين عن بروكس أووارين. وأما لوكاش فيبرزكمحجاج غليظ في دفاعه عن الواقعية لأن أقرانه في المقتطفات يطنبون بإطراء التفرد الفني وبقيمة الصقل الجمالي. فالمختارات من عمله هي نفسها وعلى نسق واحد في كل المقتطفات النقدية، وبالنتيجة فهي مملة وعلى نسق واحد أيضاً كونها مختارة بمنتهى البساطة للإتيان بالملل والبرهنة على ماركسيته(11). وإن تلك المقتطفات، حتى وهي تبذل الجهد الجهيد لإعطاء فكرة ما عن مدى براعة الوظيفيين في الأسلوب كوسيلة أساسية من وسائل فعالية النص. لا تقتبس شيئاً من أعمال ميشيل ريفاتير أوم.أ.ك.هاليدي، أو غيرهما من كبار الأسلوبيين. وعلاوة على ذلك فإن مثل هذا النقد التاريخي المحرّف الذي تطرحه المقتطفات لا يمكنه أن يتماثل في انفصاله عن التاريخ الثقافي السوسيولوجي مع كتابة تاريخ الأفكار على نحو مباشر، والذي يملأ صحائف الصحف المتبحرة به، فهذا الاستخفاف بالتاريخ يفسد المادة المقتبسة نفسها في الوقت الذي لا يمت فيه التاريخ بأية صلة لصلب الموضوع. إن مقتطفات "غراس" عن "النظرية الأدبية الأوربية"، الحديثة، تتحلى بتصوير رائع بدون إنغاردن، أو بدون سارتر كاتب "ماهو الأدب؟"، و"نقد العقل الديالكتيكي"، أو بدون هايدغر كاتب "الوجود والزمن".‏

إن هذه التشويهات تنجم جزئياً عن فوضى خاصة تضرب أطنابها في النقد الحديث نفسه. فالنقد، كفرع من فروع المعرفة، لم يعر من الاهتمام إلا أقله لتاريخه كفرع من فروع المعرفة أيضاً. وإن إحدى سمات النقد الحديث تتمثل بالرغبة في كتابة النقد عن النقاد الآخرين. بيد أن من النادر نسبياً أن نجد نقاداً ممن يتولون العناية بالتواريخ النقدية حول النقد نفسه. فمن صحيح القول أن هنالك جهوداً موسوعية كجهود رينيه ويليك، ولكن يجب أن نسأل عن السبب الذي يجعل التاريخ النقدي يفضل دائماً التاريخ النقدي الموسوعي (من كتيب ومرجع ومقتطفات)، وقلما يعني بنقد التاريخ النقدي، وخير دليل على ذلك يتجسد بمثلين حديثين ممتازين هما: كتاب فرانك نتريشيا بعنوان "في إثر النقد الجديد"، وكتاب جيوفري هارتمان بعنوان: "النقد في مهب الريح"، إذ يشذان عن القاعدة ويبرهنان على ذلك التفضيل العام. فمثل هذا التاريخ سيفضي ولاشك إلى إمعان النظر في الضغوط الاجتماعية والسياسية التي تنيخ على النقد، مع العلم بأنه سوف يستدعي الاهتمام بالسؤال الذي يدور عن الوقت الذي يكون فيه النقد فرعاً من فروع المعرفة وعن الوقت الذي لا يكون فيه كذلك. وقصارى القول فإن الاهتمام النقدي بالنقد باعتباره ظاهرة فكرية في إطار تاريخي واجتماعي يتعرض للمقاومة بتلك الطرق التي تتماثل تماماً مع الطرق التي أدرجتها في لائحة عن المواقف الوظيفية. فالنظرة إلى النقد هي أنه الشيء الذي يفعله النقاد، بصرف النظر عن ظروفهم الدنيوية أو الأرشيفية. إن الإتيان بالنقد معناه فعلك ماكان موضع الفعل على الدوام، ودون التحدث عن أي تغيير أوماض.‏

وأما بالنسبة لجامع المقتطفات فإن اختيار هذا أواستبعاد ذاك، فأمر يمليه على الأغلب مجرد استغلاق إدراك احتمال الاختيار عليه، وذلك لأن فهم المقتبسات شيء أصعب حتى من فهم كتاب كامل، إذ إن الترزيم أكثر صلة بذلك التجميع من الدقة التاريخية لابل ومن الدقة الجمالية أيضاً. بيد أن الحالة ليست دائماً على تلك الشاكلة. إن ما نكتشفه، حينئذٍ، هو ذلك التفادي المقصود المتعمد للنقد الذي يتمركز حول النص كشيء مغاير للمناسبة النقدية، أي كشيء أكبر تاريخياً ومادياً من تلك المناسبة. ففي هذه الحالة أقصد بالمادية تلك الطرائق التي يكون فيها النص. مثلاً معْلماً، موضوعياً ثقافياً نجدّ في طلبه، نحارب من أجله، نتملكه أو ننبذه أو نناله في زمن معين. وعلاوة على ذلك فمادية النص تتضمن أيضاً مدى سلطانه. فلماذا ثمة نص يتحلى بالرواج في وقت من الأوقات، وبالعودة إلى الذهن في أوقات أخرى، وبالانطواء في مجاهل النسيان في وقت ثالث؟ (12)، إن صيت الكاتب "fama"، أي شهرته ومنزلته، ليس شيئاً مستديماً بحال من الأحوال، وللسبب السابق نفسه. فهل تعليل هذا التحول، أو هذا التقلب على الأقل، ضمن عمل الناقد؟ إنه ضمن عمله على ما أعتقد. وصار الآن ضرورة أكثر إلحاحاً ولاسيما بعد أن عمد فوكو إلى توسيع وصقل إمكانات تمحيص المبادئ تاريخياً وعلمياً إلى هذا المستوى الرفيع.‏

إن منهج فوكو يقضي بدراسة النص كجزء من أرشيف يتألف من أحاديث تتألف بدورها من مقولات. وباختصار فإن فوكو يتعامل مع النصوص كجزء من منظومة انتشار ثقافي -منظومة ذات انضباط صارم وذات تنظيم محكم، واختراقها عسير. ويحاول فوكو أن يبرهن على أن كل ماهو مطروح في ميدان كالخطاب الأدبي أو الخطاب الطبي لا يمكن إيراده بالشكل الذي يرد فيه إلا بأعظم الطرق اصطفاء وبقليل من الاهتمام بالعبقرية الفردية(13)، وأما أنا فقد سقت الحجج للبراهين على أن أشياء مماثلة تحدث حين تدور البحوث عن ثقافات وشعوب أخرى. ولذلك فكل مقولة إن هي إلا جهد مادي يستهدف تجسيد حيز معين من الواقع بمقدار من الاصطفاء قدرالمستطاع. ولكن هنالك طرائق أخرى للتعامل مع مادية النصوص، وهذه الطرائق ليست بالأقل نقصاً من جراء انعدام توافق الآراء عليها. فنقيض التجسيد كما بحثه فوكو، وهو لا يقل مادية عن التجسيد، يكمن في النفوذ الأدبي بالشكل الذي عمل على تنظيره حديثاً وج.بيت أولاً ومن ثم هارولد بلوم على نحو أكثر تحبيكاً.(4). إن البيئة هنا تشكل أيضاً قسط من الماهية باعتبار أن افتراضهما مفاده أن كل كاتب، ولاسيما الكاتب الرومانسي بعد عصر ميلتون، يدرك مادياً تقريباً أن أسلافه يحتلون ذلك الميدان الشعري الذي يتمنى أن يملأه بشعره الآن، فالتصارع بين النصوص بالنسبة للشاعر ليس، كما يقول بلوم، نزهة استجمام ممتعة، وإنما معركة ضارية تتساقط فيها حراب معمعتها من كل حدب وصوب في صميم موضوع أشعار الشاعر الجديدة، لا بل وتصبح موضوعها نفسه أيضاً. إن مادية النص هنا هي ماهو عليه الشعر، في حين أن التساؤل عما إن كان بمقدوره أن يكون نصاً شعرياً أم لا فشيء ليس بديهية من البديهيات بالنسبة للشاعر. فكل شطر، بوجيز العبارة، عبارة عن مأثرة، عبارة عن حيز مخطوف من بين براثن السلف، وحيز يعبئه الشاعر بكلماته التي يتوجب على شاعر لاحق أن يتعارك معها حين يؤون الأوان. إن عائلة الشعر الرومانسي،كما يصورها بلوم، تلد شعراً دفاعياً، إبناً أسير التقييد والقلق الدفاعي.‏

فالشيء الذي يتشاطره كل من فوكو وبلوم وبيت هوأن عملهم يدور حول الموقع الذي يحتله النص في هذا العالم، وهو يحتله لنفسه فعلاً. إن العالم الذي يختاره فوكو هوعالم الثقافة بالطبع، وهو العالم الذي يدعوه "بفرع من فروع المعرفة"، في حين أن عالم بلوم وبيت هو عالم الفن. وهذا مايشبه تقريباً القول بأن النقد يجب أن يكون في العالم على الدوام ، وبأن أي عالم سيكون وافياً بالغرض تماماً. بيد أن ذلك التصورماهو إلاتصور متهافت، مع العلم بأنه التصور الذي حاولت سابقاً صقله قليلاً في هذا الكتاب. ولكن الجدير بالذكر أن الخطاب النقدي المعاصر يعيش خارج إطار أي عالم في هذه الأيام وفي حالة خدر بين الحين والحين، لا بالمقارنة مع فوكو وبيت وبلوم ليس إلا، بل وبالمقارنة مع ذلك التجاهل غير المعقول لعمل ريموند شواب(15)، فمع الأخذ بعين الاعتبار أن الكثير من العمل القيم فعلاً والجاري في أمريكا الآن في مضمار النظرية والدراسة الأدبيتين عمل يتناول الحركة الرومانسية (ولاحظوا بالمناسبة أن المقتطفات التي أمامنا هزيلة إلى حد لافت للنظر بخصوص الدراسات النقدية لمبادئ الشعر وأشكاله أو فيما يتعلق. بمختلف النظريات عن الأداء الشعري)، ليس هنالك أي سبب وجيه على مايبدو لاستبعاد شواب. إن فرضيته في كتابه المعنون بـ "الانبعاث الحضاري الشرقي"، (La Renaissance orientale) لفرضية بسيطة ألا وهي: أن من المتعذر فهم الحركة الرومانسية مالم يؤخذ بالحسبان شيء من المكتشفات اللغوية والنصية العظيمة التي قامت عن الشرق خلال مؤتمر القرن الثامن عشر ومقدم القرن التاسع عشر. ولكي تتوفر القناعة بمثل هذه الفرضية يجب تعزيزها بمقدار هائل من التفاصيل المستمدة من التاريخ والسوسيولوجيا والأدب والاستشراق الأكاديمي نفسه ومن الفلسفة وعلم اللغة أيضاً. ولما كانت التفاصيل متوفرة لدى شواب فإنه ينظمها، علماً أن هذا التنظيم أقرب لصلب الموضوع بالنسبة لمنظرٍ نقدي، بمنتهى الفخامة لا وفق مخطط تنقيص مستقيم بل في ضوء تحليل رائع لعملية تلقيح ثقافي، بدأت تدريجياً ومن ثم تسارعت باطراد، تلفح بها الشرق بالثقافة والمجتمع الأوربيين، إن وجهة نظر شواب تكمن في أن النصوص ماهي إلا نتيجة مجابهة بين أفكار مألوفة وأفكار غريبة، بيد أن هذه المجابهة ظرفية ومادية إلى حد بالغ، كما حين يغامر بحياته آنكويتيل دوبرون في محاولة منه للأطباق على نصوص الزند آفيستا في مرفأ سيورات بالهند، ومن ثم يترجم تلك النصوص لمصلحة الثقافة الأوربية ككل. إن تلك الوقائع المتعلقة بأمثال هذه المجابهات، وهي بالمناسبة وقائع لا عدّ ولا حصر لها ودقيقة في بعض الأحيان، يتقصد تسخيرها شواب لدعم رأيه عن التغيير الذي طرأ على المؤسسات الثقافية الأوروبية كنتيجة لتلقيها الشرق. فبعض النصوص الخاصة تحظى بالنظر إليها من ذلك المنظور الذي يستطيع أن يجذب إليه لا الصالون الأدبي وحده، بل والمتحف والمخبر والأكاديميات العلمية وحتى المؤسسات البيروقراطية والحكومية.‏

إنني أستشهد بشواب وفوكو وبيت وبلوم كرموز لاتجاه مفتوح لا يمن فيه حمل النقد على محمل الجد إلا إذا كانت الدراسة سوف تتناول الأدب بطريقة مدركة ذاتها بذاتها - وطريقة ذات بعد مكاني وزماني أكبر مما هي عليه الآن، على الرغم من أنها لاتنطوي في الوقت نفسه.‏

على بعد نظري أقل. وهنا ليس من المنطق في شيء أن أستفيض في وصف المكاني والزماني لأن الواجب يقضي أن يكون من الواضح أنني أقصد بهما الدنيوي والتاريخي. فالأدب من إنتاج الكائنات البشرية في صميم الزمان وفي قلب المجتمع، وهي أنفسها الأدوات التي تحرّك تاريخها الفعلي كما أنها، علاوة على ذلك، تلعب أدوارها في ذلك التاريخ بشكل مستقل إلى حد ما. لقد افترض النقد الطليعي المعاصر، لسبب ما، أن العلاقات فيما بين النصوص بعضها بعضاً، وفيما بين النصوص والمجتمع شؤون تحت رعاية الهيكل العلوي، أو تحت رعاية ذلك الشيء المدعو بالدراسة التقليدية، ولكن ذلك الافتراض ليس موثقاً إن كان المرء يقصد بالعلاقة بين النصوص والمجتمع شيئاً كالتعقيد المنسوب لها من قبل بنيامين (تلميذ بودلير)، أو غولدمان في "الإله الخبيء"، "Le Dieu cashé" أولوكاش. فالدراسة التقليدية المزعومة قلما كانت تتحلى بتينك الدقة والرؤيا المنهجيتين اللتين يتحلى بهما أمثال هؤلاء النقاد. بيد أن النقاد ذوي الشأن يتميزون بتلك الميزة والعظيمة التي مؤداها أن الأدب يكون قيد الإنتاج من جراء نصوص أخرى وشعراء آخرين، في صميم توادهم لا رغم أنوفهم. لقد اشتط شواب وفوكو أكثر مما ينبغي في تحديد القيود الاجتماعية والخارجية المفروضة على الإنتاج. فضلاً عن تحديد النظم الاستطرادية والثقافية (أي الداخلية)، التي تحفز الإنتاج الأدبي وتستوعبه.‏

إن كيل الإطراء والإعجاب لهؤلاء النقاد الفياضيين تاريخياً لا يعني بحال من الأحوال غض الطرف عن المعضلات التي تعتور نظريتهم وممارستهم. ولكنهم، من منطلق المعرفة، لم يقولوا أي شيء متميز بذلك الحسم القاطع الممل والنيّرتقنيا ليسم أداء نقدياً بنيوياً "critifact" إن دفعتنا الحاجة لنحت كلمة جديدة لوصف شيء لا يعدو أن يكون في واقع الأمر أكثر من كلمة تحليلية جديدة. ومع ذلك ففي رأيي أن عمل شواب وفوكو يبالغ في إضفاء القيمة على التغيير الدرامي، علماً أن هذا القول نفسه ينطبق تماماً على بيت وبلوم لأنهم كلهم يعتبرون التاريخ الأدبي دراما ثابتة إلى حد ما تتوالى فيها العصور العظيمة، بخطى متثاقلة، عصراً إثر عصر آخر. وهكذا فإن التاريخ يصبح في جوهره ، حينئذٍ، "سلسلة متوالية على نسق واحد على الرغم من أن الشيء الذي يعقب الشيء الآخر موصوف بتفاصيل بالغة التعقيد وعلى أنساق شتى. وفي عهد أحدث حاول فوكو، محاولة مبرمجة تقريباً، أن يفهم التاريخ النصي في ضوء تلك الوقفات النسبية التي دعاها (اقتباساً من براوديل): "بالتحركات البطيئة للحضارة المادية"(6)، ولربما إن إعادة التركيز هذه على الكيفية التي تحافظ بها النصوص على التاريخ، بدلاً من تبديله على الدوام، ماهي إلا عودة إلى الاهتمام القديم الذي كان يهتمه فوكو برايموند روسيل: "إن آلية روسيل لا تختلق الوجود، وإنما تحافظ على الأشياء في صميم الوجود"(17).‏

ترى، ماهو ذلك الشيء الذي يحفظ النصوص في صميم الواقع؟ وماهو الشيء الذي يؤدي إلى رواج بعض النصوص واختفاء بعضها الآخر؟ وكيف يصور الكتاب لأنفسهم "أرشيف"، زمانهم الذي ينوون وضع نصهم فيه؟ وماهي مراكز الانتشار التي من خلالها تروج النصوص؟ فمثلاً ماهي النظائر التي كانت موجودة في الثقافة الإنكليزية في مطلع القرن التاسع عشر لتلك الأكاديميات الفرنسية والصالونات الأدبية العلمية الباريزية كوسائط للانتشار القومي والتنظيمات الثقافية؟ إن نظرية غولدمان عن البنى المتماثلة لاتمضي قدماً إلى الأمام بما يكفي حتى للبدء بالإجابة على هذه التساءلات، على الرغم من أنها تستبق بعضها. وعلاوة على ذلك فنحن بحاجة أن نفهم، وبمنتهى الدقة الدور الذي تلعبه الدراسة النقدية في إنتاج الأعمال "الأدبية"، علماً أن هذه القضية هي المسألة التي أثارها بشكل جاد كل من أوسكار وايلد ونيتشه، وعلى سبيل المثال، ما مقدار الأثر الذي خلفته على الشعر تلك المكتشفات الفيلولوجية العظيمة المعاصرة للحركة الرومانسية الأوربية، مع التذكير بأن كولريدج والأخوين شليغل وهولدرلين وشاتوبريان وغيرهم كانوا كتاباً من ذوي الاهتمام العميق بتلك المكتشفات؟ ماهو المنهج الذي بحوزتنا حتى نشبّه منهجياً أمثال هذه المؤسسات الكلامية، في عصر اجتماعي معين، بالسرد القصصي أو الفيلولوجيا أو التاريخ؟ ماهي الطريقة التي ترتبط بها الإتيمولوجيا في الفيلولوجيا بتفاقم الحبكة في الرواية؟ فلئن تدعو كل هذه الأشياء بالظواهر النصية لجواب قلما يحظى بالقناعة، بيد أنه الجواب الوحيد المتاح لنا حتى حينه. ففي أية لحظة، يا ترى، بالنسبة للتاريخ الأدبي تقوم الصدوع في العلاقات بين اللغة والفلسفة والدين، وهي الميادين التي وضعت موضع التراصف في نهاية القرن الثامن عشر، ومتى يقوم التقارب الجديد بين اللغة والتاريخ الطبيعي (ولاسيما التشريح المقارن)، بحلول الثلث الأول من القرن التاسع عشر؟ هيا وفكروا في القرب بين لوك، وستيرن، ومن ثم فكروا في الكيفية التي يأتي فيها معاً بعد جيل واحد بلزاك وكيوفيير أوجيوفري دي سانت هيلير. ومامن سؤال بهذا المضمار عن استمداد الأفكار بل عن رواجها الضمني، أو عن تكرار رواجها إن كنا نحبذ هذا التعبير.‏

إن أي اهتمام بهذه الأسئلة ومثيلاتها يجب أن يجرّ النقاد إلى أعماق الأساس المنطقي لعملهم. فإحدى الخسائر المؤسفة في الخطاب النقدي المعاصر هي إحساس النقاد ذات مرة بأن عملهم لا يعدو أن يكون مغامرة فكرية. وثمة تقليد سابق، وهو التقليد الذي دام حتى منتصف القرن الثامن عشر، كان يتمثل في أن النقاد كانوا يعتبرون حياتهم ذات قيمة مثلى، حتى إن سيرتهم الدراسية كانت نوعاً أدبياً مفروغاً منه. وفي كلا هذين المثلين كان مايفعله النقاد، أي كيفية مضيهم من عمل إلى آخر وكيفية صياغتهم مشاريعهم، يلقى معاملة حيز ذي مغزى من خبرتهم المنهجية، لامعاملة نزهة استجمام. وإن ما أقصده في التنبيه إلى هذه الجوانب التاريخية من الممارسة النقدية هو إبداء مصادقتي على قيمتها بالنسبة لمستقبل الخطاب النقدي. فمن منطلق بيداغوجي هنالك كل الأسباب الوجيهة لاعتبار اختيار موضوع ما وصياغته بأنهما لا بداية مشروع نقدي وحسب بل والمشروع النقدي نفسه. ولو تيسر لنا الحصول على بعض التقارير من النقاد عن الشيء الذي قادهم إلى مشروع معين، أي عن سبب وكيفية صياغة ذاك المشروع، وعن كيفية اضطلاعهم بعبء تكميله وفي أي سياق، لانفتحت أمامنا الفرص لدراسة مستقبلية من نوع هام جداً، ولكان بمقدورنا أن نفهم لا وحدنا توا وإلى الأبد أن النقد يخلق موضوعه -دون أية مشكلات متناثرة هنا وهناك بمنتهى البساطة جديرة بالمعالجة -ولكان أيضاً بمقدور النقاد الشباب أن يفهموا أن النقد ماهوإلا تلك الفاعلية التي تتمثل مقاصدها الأساسية في توطيد أركان المعرفة وتعاظم الخطاب النقدي وانعتاقه من التقييد إلى الحرية النسبية، ولئن كان النقاد يشعرون اليوم بالشلل جراء الصعوبة المحض في العثور على موضوع يكتبون عنه، فالسبب يعود إلى أنهم لما يحققوا بعد دور الخلق المستقل في مضمار النقد.‏

إن الخطاب النقدي لا يزال أسير الشرك الساذج المتمثل بوضع الأصالة قبالة التكرار، والشرك الذي يخلع التصنيف الأول على كل النصوص الأدبية الجديرة بالدراسة، في حين أن التصنيف الثاني مقصور منطقياً بالأساس على النقد وعلى كل ماهو غير جدير بالدراسة. فأمثال هذه المخططات مدعاة لشلل مهلك كما سبق وسقت الأدلة على ذلك. وهي على خطأ حين تعتبر اتساق معظم الإنتاج الأدبي بأنه أصالة، في الوقت الذي تصرفيه على أن العلاقة بين "الأدب"، والنقد ماهي إلا علاقة أصل بفرع، فضلاً عن أنها تتغافل في الأدب التقليدي وفي الأدب الحديث، سواء بسواء، عن استخدام التكرار ذلك الاستخدام التأسيسي الهام والعميق -كموضوع وأداة والبيستميولوجيا وأنطولوجيا. ولربما أن نظرة كهذه إلى التكرار لم تبلغ مبلغ الانجلاء إلا في القرن التاسع عشر (كما هو عليه الأمر لدى كير كيغارد وماركس ونيتشه)، على الرغم من أن كيريتوس وأورباخ قد علمانا أن الحالة لم تكن فعلاً على تلك الشاكلة. فلئن أخذنا الفن الروائي كمثل إضافي لوجدنا أن بناءه أقيم، منذ بداياته الأولى، حول تلك الصورة الملصة للعائلة التي نجد فيها أن الديمومة الظرفية الكرارة لها أسيرة التصادم مع بروز البطل "الأصلي" بشكل مباغت. ترى، ماهي الغاية عن هذا الاطراد الشكلي إن لم تكن حفظ وصيانة وتكرار شكل الرواية في صميم "الحركات البطيئة للحضارة المادية؟".‏

وأما فيما يتعلق بالعلاقات، من حيث القيمة، بين الأصالة وبين أفكار الجدة، أو الأولوية أو "الأول" - فهذا أمر عويص. فكل النقاد يسلمون بداهة أن هنالك علاقة مابين عمل عظيم وبين أسبقيته. إن نظرية بلوم عن النفوذ مبنية حول هذا التصور الذي مفاده أن عملاً عظيماً يتحلى بالسلطة لأنه كان الأول، أي لأنه جاء قبل غيره من الأعمال وجاءته السلطة بحق الشغعة. وإن أمثال هذه الأفكار تحمل معها الآن فهماً بمنتهى الوضوح لمعنى أن يكون العمل هو الأول أو أنه جاء أولاً. فضرورة مثل هذا الوضوح البيولوجي -فهو بيولوجي لأن "الأول" يعني في السياق "الأب"، و"الثاني" يعني "الابن" - بالنسبة لبلوم ليس البتة موضع تساؤل، وليس بحال من الأحوال شيئاً عرضياً لدى استخدامه له في بحثه عن إساءة قراءة الشعر. وأما بالنسبة لغيره من النقاد الآخرين فإن الأولوية مرتبطة ارتباطاً واهياً تقريباً بالجدة، بالمجيء أو الحدوث أولاً، بأسبقية بسيطة، وكأن التاريخ يشبه سلسلة من الأطفال المولودين الواحد بعد الآخر من الماضي حتى الحاضر إلى مالا نهاية له "ad infinitum" فتصور الزمن التاريخي الاجتماعي مثل هذا التصور التسلسلي التوالدي الممنوع من التقليص ليحجب تماماً تلك المشكلة الطريفة المتعلقة بالنشوء، زد على أنه التصور الذي لا تحظى فيه الظواهر الثقافية بشرف الأسبقية أو الولادة العجائبية، بل تلقى معاملة جمهرة من الأفكار التي لاتنفك عن النشوء "دوماً وأبدا في الخطاب(18). وإن الأحداث الثقافية لا يكون مآلها أحسن الفهم حين تكون موضع النظرة وكأنها كائنات بشرية مولودة في يوم معين، إذ أن الماضي ليس زمرة من أمثال تلك الولادات، فضلاً عن أن الزمن لا يتحرك كالساعة على شكل لحظات متفردة.‏

فلئن كان تاريخ العلم قدتعلم أن يتعامل مع مشكلة النشوء، فلم لا تتعلم ذلك النظرية الأدبية؟ وماهي الحدود التي تحدد تسخير دورة الحياة البشرية كنموذج للتاريخ الأدبي"؟ وما مدى الفائدة بالفعل من منهج نقدي قائم على وحدات مجسّمة للأصالة كالعمل" أو الكاتب أو الجيل وما شابه ذلك"؟ وأية مفردات بمقدورنا أن نستخدم من تلك المفردات التي تعالج العامل البشري وتعالج أيضاً خطاب البنية الأدبية ذلك الخطاب الكرار غير المشخص.‏

فهنالك أسئلة صعبة جديرة بالإجابة، ولكن لا مناص منها لتطور ذلك الخطاب النقدي الذي سيكون جاداً فكرياً ومستجيباً اجتماعياً بأعراض المعاني الإنسانية.وليس من الممكن ديالكتيكياً تحديد القوة الحقيقية للتهديدات التي تحيق، في التاريخ الأدبي والمؤسسات الأدبية؛ بالترابط المنطقي أو النظام إلا إذا حدث مثل ذلك التطور وحسب. فما من سبيل لإدراك هذه المخاطر مادامت النظرة إلى التاريخ الثقافي على أنه سلسلة خاملة من الولادات والميتات. فإذا كانت الثقافة مصونة مادياً، لن يكون بوسعها إذاً أن تكون معتمدة على أحداث بل على مؤسسات مبنية بأيدي الرجال والنساء، مع العلم أن هذه المؤسسات تتمتع أيضاً بتاريخ مستقل خاص بها.‏

إن النقيض الديالكتيكي للحضارة المادية الكرارة التي ما فتئت أشير إليها هو مجموعة من القوى المتحالفة التي دعاها بلا كمور بشكل جماعي باسم "Moha"(19)، والتي حضورها في الحياة البشرية يزعج ويبدد المفهوم الذهني للقسر الذي تمارسه الثقافة. فواحد من تلك الإنجازات المتميزة التي أنجزها النقد التحليلي النفسي كان محاولة التعامل مع "الموها ـ Moha"، ولكن مؤشرات العصاب، أومجرد الرغبة في اعتبار هذه القوة شاذة ثقافياً (وحصرها بعد ذلك بنقائص الفنان العصابية)، هي ماكانت تخلص إليه تلك المحاولة في أغلب الأحيان. وإن تزايد الاهتمام حديثاً في فرنسا بنيتشه وفرويد أنقذ الموقف، مع أننا لا نزال بأمس الحاجة لوصف يزيد في تحديد المكان الذي دخلت فيه الموها إلى ميدان الأدب. وما هذا التيار في التحليل النقدي إلا التيار الذي استهله بمنتهى الفاعلية جورجز باتيل في عام 1933، بمقالته المعنونة بـ "مفهوم الأعباء" (La Notion de dépense) (20)، علاوة على أن الاضطلاع بعبء تأريخ زمان هذا التحدي لم يقم به إلا كتاب "توقان الإنسان للفوضى)، لمورسى بيكهام وكتاب "الذات إبان إنجازها"، لريتشارد بويرير.(21).‏

إن تفاعل النظام واللا نظام يؤطر المعنى الشتيت بالأصل للنص الأدبي. ولكن ضمن ذلك الإطار هنالك نسق كامل من الأسئلة التطورية المهملة منذ ذلك الهجوم الذي شنه على المغزى ويمات وبيردسلي في بحر عام 1944-1945، والذي بقي كاسحاً على قدم وساق في مقالة ويمات القوية المعنونة بـ"سفر التكوين: التعريج على مغالطة من جديد" (22)، وبالتأكيد على المرء أن يشعر بأن تلك الثنائيات - من أمثال الذاتية /الموضوعية والداخلي/ الخارجي والكاتب/ القصيدة وهلم جرا- التي يتشبث بها ويمات وآخرون تنتزع ثمناً باهظاً جداً فيما يتعلق بالفهم والإدراك.‏

وعلاوة على ذلك هناك فيض كبير من الأدب الحديث الذي يتوصل إلى القراء كي يقوموا بقفزات مقصودة للولوج في ذات الكاتب وفي ذواتهم هم (راجعوا مقالة تريلينغ المعنونة بـ "حول تعليم الأدب الحديث" أومقالة بلاكمور المعنونة بـ "سنوات الكوارث ـ Anni Mirabiles")(23). فالحدود الصارمة بين النفس والموضوع أو بين الذات والعالم تشجع قيام فرع تعليمي مفيد ولو أنه أولي، مع العلم أن تلك الحدود لا تصف شيئاً أكثر من واقع تحليلي. "إن أي مظهر من الظواهر الفكرية والغنية ما هو إلا من عمل كاتبه وحده دون سواه علاوة على أنه يعبر عن فكره وعن طريقة شعوره، بيد أن هذه الطرائق التي تعبر عن التفكير والمشاعر ليست كينونات مستقلة فيما يتعلق بأفعال وسلوك الناس الآخرين. وقد لا يكون بالإمكان فهمها. على الرغم من وجودها، إلا في ضوء علاقاتها الذاتية الداخلية التي تمنحها كل مغزاها وغناها"(24)، فإذا اعتبرنا هذا لشيء من المسلمات، كما يعتبهر غولدمان، تتمثل مسؤوليتنا عندئذٍ في الإقدام على المغامرة خلف البقية الباقية من الحدود.‏

وهكذا لا أرى أية فائدة خاصة في الإصرار على القول بأن القصيدة موضوع قائم بأم عينه وموجود بشكل مستقل عن أي سياق: إذ أن من الواضح أنها ليست بكذلك. فكل قصيدة أو شاعر تعبير بالإكراه عن تكتلات جماعية. وأما ما يصبح مشكلة نظرية طريفة بالنسبة للنقد فهو تجديد الكيفية أو الزمان أو المكان الذي يمكن فيه القول عن الشاعر أو القصيدة بأنه تعبير طوعي (شخصي ومقصود)، عن الاختلاف والجماعة، فهنا أصل التكوين ليس بالفكرة التجريبية البسيطة كتاريخ الولادة، وليست له أية قوة تطورية خاصة للإتيان بالتوضيح، ولا بعدو أن يكون إلا اختباراً ذهنياً للتأويل النقدي. وإن الاعتراف بأن ما بحوزتنا الآن ليس أكثر من بضع فرضيات عن الإنتاج الأدبي لشيء مختلف جداً عن القول دون تحفظ أن من غير الممكن بتاتاً وجود فرضية تطورية مرْضية. فالتطرق التدميري لما هو في خاتمة المطاف بحوزة الناقد كوجود تاريخي مرهف الحس -ألا وهو القدرة على صياغة مظان تطورية - لتنكر صارخ لقسط مامن إنسانية الناقد ذكراً كان أم أنثى، وذلك لأن المظان التطورية، من مثل كيفية أو سبب تقيّض الكتابة للعمل الفلاني، ليست بأسانيد وحيدة الاتجاه تعزو عملاً ما إلى سيرة أو مجتمع ما أو إلى شيء آخر، شأنها بذلك شأن الدراسات النصية أو الصنمية التي ليس عليها دائماً أن تستبعد السياق التاريخي الذي يغلف النص. إن المظنة التطورية تقر وجود فكرة العامل البشري في صميم العمل -مع أنها ليست بحد ذاتها فكرة جسورة. ولكن الالتزام بالتأويل العقلاني وفق هذه الأسس يشتط إلى حد احتوائه، كقسط من الديالكتيك، وعي الناقد نفسه في صياغته ماهو فاعل، أو ماهي فاعلة. فمن الواضح أن هذا الوعي يتزايد ويخضع للصقل في نفس فعل صياغة طريقة نقدية.‏

ولربما أن إحدى الطرائق لتخيل المسألة النقدية للتكوين الفني هي النظر إلى النص على أنه ساحة دينامية، لا كتلة جامدة، من الكلمات، وهذه الساحة لها سلسلة معينة من الصلات، أي منظومة من المجسات (التي دأبت على دعوتها بصلات التقرب)، الكامنة جزئياً والفعليةجزئياً: بالنسبة للكاتب وللقارئ ولحالة تاريخية ولغيرها من النصوص وللماضي والحاضر سواء بسواء. فبمعنى من المعاني ما من نص يبلغ نهايته وذلك لأن سلسلة صلاته المحتملة خاضعة للتمديد على الدوام بواسطة أي قارئ إضافي. وها قد صار من الواضح الآن أن مهمة الناقد بادئ ذي بدء أن يفهم الكيفية التي صيغ ويصاغ بها النص (مع العلم أن الفهم في هذه الحالة فعل تخيلي). فما من تفصيل من التفصيلات بالغ التفاهة شريطة أن تكون دراسة المرء موجهة بمنتهى العناية نحو النص ككل ثقافي وفني حيوي.ولذلك فإن الناقد يقلد أو يكرر النص في تمديده له منذ البدء إلى أن يصبح كلاً متكاملاً، على غرار بيير مينارد. أو على غرار بروست في معارضاته (pastiches)، لفلوبير وبلزاك ورينان والأخوين غونكور. ففي التحولات التي أجراها بروست على الكتاب الذين قلدهم، كان يضع نصب عينيه هدف تقديمهم مروراً بهم من فتحة في ممر حتى نهايته. ومامن سبيل لنا إلا الاستنساخ حتى نتمكن أن نعرف الشيء الذي كان قيد الإنتاج وما معنى الإنتاج الكلامي بالنسبة لكائن بشري: وهذا جوهر المبدأ الفيشي(v) Vichian الامر الذي لا ينطوي على فعالية أقل بالنسبة للناقد الأدبي الذي يعتبر أن أصل التكوين لعمل بشري ما هام وعلى أوثق ارتباط بصلب الموضوع مقدار أهمية وارتباط وجود العمل.‏

(i) عفو الخاطر: bricolage.‏

حل الألغاز: décodage.‏

تزويق: découpage - المترجم.‏

(ii) - عنوان دراسة نقدية بهذا العنوان. لرولان بارت _ (المترجم).‏

(iii) - كما هو أو كما هي - المترجم.‏

(iv) قراءة على ضوء علم دلالات الألفاظ أو الكلمات - المترجم.‏

(v) المبدأ الفيشي:معاداة السامية والشيوعية، المترجم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244