|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:06 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
8 ـ تأملات في النقد الأدبي "اليساري" الأمريكي. إن تاريخ الثقافة الأدبية الأمريكية لم يشهد بتاتاً من قبل بحث مسائل في النقد الأدبي مثل البحث الجاري في هذه الآونة على أوسع نطاق، مع العلم بأنه تقني في بعض الأحيان ومثار جدل عنيف في معظم الأحيان. فما من ناقد للأدب أو معلم له إلا وكان عرضة للتأثر بهذا البحث. ولكن ليس هنالك أي اتفاق أوتوماتيكي حول ماهية المسائل الأساسية أوحتى الهامة في كل هذا المعمان النقدي. وعلى الرغم من احتمال صحة القول، مثلاً، أن العديدات من المدارس النقدية(كالسيميائية والتأويلية والماركسية والتفكيكية من بين أخريات) لا يزال لها روادها، فإن المناخ النقدي مناخ خليط كل النقاد لهم فيه صلة طفيفة أوكبيرة بمعظم المناهج والمدارس والمعارف السائدة. ومع ذلك فمن المؤكد تقريباً أنه مامن ناقد بينهم يقلل من الأهمية السوسيولوجية والفكرية لذلك الانهدام الكبير القائم بين أشياع مايمكن دعوته (بالنقد الجديد) الحديث وبين أشياع النقد القديم أوا لتقليدي. ومن الجدير بالذكر أن هذا الانهدام الذي يعود غالباً بالمضرة لا يستقطب النقاد كلهم. بيد أن من الملفت للنظر، في المساجلات الدائرة بين الفريقين، وجود رغبةواضحة لاعتماد المواقف التي تقزم وتضخم لا الفريق المناوئ وحده وحسب، بل والفريق المشايع أيضاً إن جاز مثل هذا التعبير، فثمة ناقد تفكيكي وهو يلف ويدور للتحدث حديثاً عاماً (sub specie aeternitatis) دفاعاً عن النقد الطليعي يجعلنا نشعر بما ينم عن تحدي الفكر الغربي نفسه وهو يحلل، أو تحلل، بعض السطور من كتابة روسو أو فرويد أو باتر، في حين أن بعض النقاد الآخرين الذين يصدقون أنفسهم بأنهم يتحدثون باسم سلامة العقل والحشمة والعائلة في بحثهم ماهية كل ماتعنيه الفلسفة الإنسانية يلطخون، على نقيض الفريق السالف الذكر، سمعة حتى عملهم هم على غير دراية منهم حين يظهرون بمظهر من يبّسطون مجمل القواعد الهائلة التي يستند إليها البحث الأكاديمي، أي نفس القواعد التي تجلو ماهم فاعلونه كباحثين. وبمعزل عن التفكير ملياً بكل مظاهر هذا التعارض الكبير لن يكون بمقدورنا أن نأمل بشكل مناسب معرفة تفاصيل مايدور الآن فعلياً في النقد الأدبي والنظرية الأدبية، علماً أن بوسعنا أن نتحدث وعلى وجه الدقة عن بعض النماذج الشائعة في كل من النقد وفيما أنتج هذا النقد أيضاً من تاريخ، ومجتمع وثقافة. إن إحدى النقاط التي أود الإشارة إليها هي ما إن كانت تلك المماحكات العنيفة الدائرة، مثلاً، بين م.ه.آبرامز وبين ج.هيليس ميللر، أو بين جيرالد غراف وبين ما تدعى بمدرسة ييل، أو بين "التخم2" و"الأخدود"، و"العلامات الفارقة"، وغير ذلك من المجلات الصغيرة، تطرح حدوداً نظرية واضحة بين المواقع القديمة أو اليمينية وبين المواقع الجديدة أو اليسارية، وذلك لأن التفاوت بين فصاحة النظرية وبين وقائع الممارسة لهو نفسه تقريباً تماماً على كلا جانبي الجدل. وما هذا الشيء إلا صحيح دائماً بالطبع في كل المماحكات العنيفة: فنحن نسوق الدليل نظرياً دفاعاً عن الشيء الذي لا تفعله البتة عملياً، ونفعل الشيء نفسه، بخصوص ما نعارض أيضاً. ومع ذلك فإننا واجدون نوعاً من النقد الجديد الذي يتبنى موقفاً معارضاً مما يراه بحثاً أكاديمياً راسخاً أو محافظاً، والذي يتقصد عامداً متعمداً أن يؤدي وظيفة الجناح اليساري في السياسة ويدلي بالبينات وكأنه يبتغي تثوير الفكر والممارسة، لا بل وحتى المجتمع ربما، لا من خلال الكثير مما يفعله وينتجه، بل من خلال ما يقوله عن نفسه وعن خصومه. ولكن في الواقع هنالك الكثير من تلك الإنجازات الفعلية التي يحق لهذا النقد أن يتباهى بها. ففيما يتعلق بالتنظير والتأويل النقديين هنالك أعمال أصيلة. بمنتهى البهاء، بل وثورية حتى، متجلببة كلها بدرع بلاغي كامل من الدفاع والهجوم والتحبيك المبرمج على نطاق واسع: ولسرعان ما يخطر هنا على البال عمل هارولد بلوم، والمساجلات المتواترة عنه. ولكن عمل بلوم وما أفضى إليه من غضب وتقريظ على شكل نقد يبقيان بالأساس وطيدي الأركان في صميم تراث النقد الأكاديمي. فالنصوص والكتّاب والعصور ظلوا ضمن إطار قانون ميسور تمييزه ومتفق عموماً عليه. حتى لو تباينت الكلمات والعبارات المتداولة لوصفهم ذلك التباين الكبير استناداً إلى موقفك من بلوم معه كنت أم عليه. واعتراضاً على فرضية كهذه هنالك أولاً: رد فعلي أنا حيث أنني سائر بدوري في ركاب التجزيئيين، وثانياً: الواقع القاضي باقتصار النقد، بحكم الظروف، على الأكاديمية، وحظره عن الشارع لا بمقتضى تهذيبه ليس إلا. وعلى الرغم من وجود مايسوغ هذين الاعتراضين كليهما، فإن ما أحاول قوله (على شكل عمومية مربكة بعض الشيء)، هو أن طريقة المعارضة التي يعتمدها (النقد الجديد)الحديث لا تمثل تمثيلاً دقيقاً أفكاره وممارسته اللواتي تزيد، بعد كل الهياط والمياط قولاً وفعلاً، في ترسيخ وضمانة البنية الاجتماعية والثقافية اللتين جاءتا بتلك الأفكار والممارسة. فممارسة التفكيك تجري، مثلاً، وكأن الثقافة الغربية أسيرة التشظي، إذ ها هو التحليل السيميوطيقي يسوق الأدلة على أن عمله يرقى إلى مستوى ثورة علمية ومن ثم اجتماعية في علوم الإنسان. إن من الممكن الإتيان بفيض من الأمثلة بيد أن ما أقوله مفهوم لتوه كما أعتقد. فهنالك مناقشة تصادمية دون تصادم حقيقي، إذ حتى الماركسية كثيراً ما استسلمت، بهذا السياق، للمقتضيات المحمومة للفصاحة وتنازلت في الوقت نفسه عن امتيازاتها الراديكالية الحقة. إنني أقول هذا كله دون توضيح السبب الذي دفعني لوضع كلمة يساري، في عنوان مقالتي هذه ضمن أقواس استشهاد تعبيراً عن الشك والريبة. وفضلاً عن ذلك أجد من العسير علي الانتقال من فكرة اليسار في السياسة إلى اليسار في النقد الأدبي. فبالطبع هنالك تعارض بين آبرامز وديريدا أو ميللر، ولكن هذا بمقدورنا أن نقول بملء الثقة أن الشيء الذي يقف على كف عفريت، والذي يبدو في أحسن الأحوال مجرد سؤال عمن تصوراته للبنى الفوقية تتجلى بالأفضلية، لشيء يتناسب مع العنف الواضح لذلك التعارض؟ إن كل النقاد الأقدمين والمحدثين، كانوا على أتم القناعة بتقييد أنفسهم بالشأن الأكاديمي للأدب، وبالمؤسسات الموجودة لتعليم الأدب واستخدام تلاميذه، وبتلك الفكرة المضحكة أحياناً والمتملقة ذاتياً دائماً بما مفاده أن مناظراتهم ذات تأثير هام وجليل على المصالح الحساسة التي تعود بالمضرة على الجنس البشري. ففي قبول اليسار الدعيّ لهذه التقييدات، بشكل لا يقل عن اليمين بشيء، يكون بعيداً جداً عن لعب أي دور سياسي حقيقي. إن مايدفع الوضع الراهن هو بالفعل، من ناحية أولى، مزيداً من الانعزال الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ الثقافي الأمريكي الحديث، ذلك الانعزال الذي انعزله نقاد الأدب عما يدور اليوم في القضايا الكبيرة من فكرية وسياسية وخلقية وأخلاقية، وهو من ناحية ثانية فصاحة، وقفة، وضعية لا تظهر بمظهر مايمثل أي شيء (ولنكن صريحين في الختام)، مقدار ما تظهر على حقيقتها من أنها تلك البلايا الناجمة عن عداء سياسي سافر. فلو صادف وزارنا زائر من كوكب آخر لأصيب بالارتباك إن تقيض له أن يسترق السمع ممن يدعى، زوراً وبهتاناً، بناقد قديم وهو ينعت النقاد الجدد بأنهم خطرون، ولنتساءل أيضاً ولابد عن الشيء الذي يشكلون خطراً عليه، أهو الدولة؟ أم العقل؟ أم السلطة؟ إن نظرة خاطفة على التاريخ الفكري الحديث تجلو القصة على أحسن مايرام، فما من مرء يصادف أية مشكلة في محاولة العثور على نوع من أنواع اليسار في الثقافة الأمريكية بين عقودالعشرينات والخمسينات، كما يؤكد للتو كتاب دانيال آرون المعنون بـ "كتاب على اليسار". وإن من الصحيح بكل تأكيد أن المساجلات الفكرية إبان تلك العقود كانت تدار بأغلبيتها الساحقة في هذه البلاد بلغة سياسية على ارتباط مباشر بالسياسة الفعلية. فالسيرة المهنية لأناس من أمثال راندولف بورن وجوزيف فريمان، مثلاً، لا تنفصم عراها عن مشكلات الحرب أو سياسة عدم التدخل أو الصراع الطبقي أو الستالينية أو التروتسكية. ولئن كنا نشعر بأن ما كتبه هذان الكاتبان كان يفتقر إلى المستوى الثقافي الرفيع الذي كان عليه نقد معاصريهما - كإليوت وفاليري وريتشاردز وإمبسون - فإننا نشعر في الوقت نفسه أن إدراكهما للأدب كأدب (أي أن الأدب شيء أكثر من مبنى إيديولوجي)، كان عميق الجذور إلى حد الروعة. ففي عمل أفضل كاتب في تلك الزمرة ككتاب "هيا إلى محطة فيلندا"، لإدموند ويلسون، على سبيل المثال، هنالك مستوى رفيع من الفكر والبحث، وهنالك أيضاً تحبيك سياسي وانهماك تاريخي كبيران قلما يظهر أي منهما بمظهر الدعاية الرخيصة أو بمظهر ما تعودنا على دعوته مؤخراً بالماركسية المبتذلة. وحين يحاول ناقد مرموق في الأكاديمية أن يجد لنفسه، أو لنفسها، موقعاً مسؤولاً في هذا العالم، وفي هذه المرحلة المديدة والرجراجة إلى حد ما، ألا وهي تلك المرحلة التي أنعتها "بالتاريخ الثقافي الحديث". بمنتهى البساطة، يمكننا أن نقع على مثل تلك المحاولة في مقالة كمقالة ماثيسين المعنونة بـ "مسؤوليات الناقد"، المكتوبة أصلاً في عام 1949، فما ثيسين لا يدعي بأنه ماركسي، غير أنه يقول بكل وضوح أن ناقد الأدب يجب أن يولي اهتمامه للشأن المادي الذي تعالجه الماركسية علاوة على اهتمامه "بأعمال الفن الدارجة في زماننا هذا"، إن الاستعارة الأساسية في هذه المقالة إن هي إلا استعارة البستنة: فالنقد يمكن أن يتحول إلى "حديقة مسورة من نوع ما"، مالم يتوصل الناقد إلى التيقن من "أن الأرض الواقعة خلف أسوار الحديقة أكثر خصاباً، وأن مسؤوليات الناقد تكمن في تجديد احتكاكه بالتربة". فهذا القول لا يعني أن على النقاد أن يتعرفوا على "تلك الأسس الاقتصادية الكامنة خلف أية بنية فوقية ثقافية"، وحسب، لا بل ويعني أيضاً: أننا نحن معشر الجامعيين لم يعد بوسعنا أن ندير ظهورنا... على العالم.... إذ إن المكان المناسب للمفكر، كما تصوره وليام جيمز، كان في صميم النقطة المركزية التي تدور عليها رحى معركة ضارية، ونحن من المستحيل بالنسبة لنا أن ننظر إلىتلك الاستعارة بالخفة التي تعامل بها الكاتب معها. فأينما نظرنا في هذه السنوات القليلة المشؤومة منذ إسقاط أول قنبلة ذرية على هيروشيما لوجدنا أننا مهددون بتلك القوى الهائلة إلى الحد الذي يجعلنا نشعر فيه بأننا سائرون في طريق محفوفة بالمخاطر. ولكننا نبقى عرضة حتى لتهديد أفدح إن ظل على تقاعسهم أولئك الناس، ممن تتجسد مسؤوليتهم الرئيسية كنقاد في استبقاء أبواب الاتصالات بين الفن والمجتمع مشرعة على مصاريعها حفاظاً على أسباب الحياة، في القيام بواجباتهم للإتيان الدائم بفكر جديد لصالح مجتمعنا هذا(1). ففي هذه الملاحظات ثمة تلميح بمنتهى الوضوح مفاده أن قوى التهديد الذي يطفح بها التاريخ التالي لتاريخ هيروشيما من الممكن حشرها في زاوية ضيقة دفاعاً عن نفسها، ومن الممكن استيعابها من خلال "الفكر الجديد"، للناقد، وليس بوسعنا هنا إلا أن نتبسم بكل بساطة على سذاجة ماثيسين إذ ليس هنالك اليوم إلا حفنة قليلة من النقاد ممن يرون أن عملهم جدير بالشفقة عليه والدفاع عنه ضد هذه القوى التاريخية الغاشمة وبشكل مباشر، أو ضد أية قوى مثيلة أخرى. وعلاوة على ذلك فلغة الأزمة ملازمة للنقد، كما بمقدور أي قارئ لبول دي مان ان يقول لك، ولكن سيكون هنالك على أرجح الظن، مالم ترجع اللغة وتدور حول نفسها في أمثال هذه الحالات، كما ينبغي له أن يقول لك محذراً، تعمية وتضليل أكثر مما سيكون هنالك معرفة أو نقد حقيقي. فالنقد والأدب إذاً عند ماثيسين، يترعرعان على نفس تلك الخبرات التي ينجم من صميمها الاقتصاد والتاريخ المادي والصراع الاجتماعي. وإن مثل هذا الاقتراح، بكل بساطته الأنطولوجية غير المعضلة ظاهرياً، من المستبعد جداً أن يعاود الظهور في هذه الأيام، في الوقت الذي النظرة فيه إلى ما يدعوه دي مان" بتداعي واقعية عالمنا هذا"، تماثل نظرة السخرية إلى نوع من الأدب لغته"، هي الشكل الوحيد للغة متحررة من زيف التعبير المباشر". ومع ذلك كان إنجازماثيسين كناقد إنجازاً محترماً، إذ إن كتباً ككتابه المعنون بـ "الانبعاث الأمريكي"، لا تتكشف عن إنسان وديع "Ach?ne Seele" ضّليل ولا عن عالم ضحل من علماء سوسيولوجيا المعرفة. وأما المشكلة فتكمن في الكيفية التي تحدث بها حديثاً عاطفياً وسياسياً جداً عن مسؤوليات الناقد، وفي السبب الذي دفع نقاداً، بعد مرور عشرين سنةونيف، مثل دي مان (صاحب التأثير الراهن الجليل جداً)، لتكريس اهتمامهم على استحالة تحمل المسؤولية الاجتماعية والسياسية. فبالنسبة لدي مان "لا يمكن للمعرفة الفلسفية أن تبرز إلى الوجود إلا حينما تلتف على نفسها عوداً على بدء". وما هذا القول إلا طريقة أخرى للقول بأن كل من يستخدم اللغة كوسيلة لتوصيل المعرفة معرّض للوقوع في شرك الاعتقاد بأن سلطته، أو سلطتها، كحائز معرفة وموصلها، ليست مقيدة باللغة التي هي في واقع الأمر مجرد لغة وماهي بالشيء الواقعي المباشر. وأما الأدب، من الناحية الأخرى، فما هو أساساً إلا مايدور عن فضح المعمّى كما أن لغة الشعر، بالنسبة لدي مان، ماهي إلا "تلك اللغة التي تسمّي هذا الفراغ [أي وجود الخواء الذي من المفروض أن تدل عليه كلمات تركيب لغوي تتمثل مهمته الأساسية بالإشارة إلى نفسه فقط وبالإشارة إلى كونه مدركاً بمنتهى السخرية لفعلته هذه]، بفهم متجدد دوماً وأبداً، دون كلل أوملل البتة من تسميته مراراً وتكراراً بتوقان يماثل توقان روسو:"إن مثل هذا التبصر يتيح لدي مان أن يجزم على أن الأدب، في تسميته ذلك الفراغ وإعادة تسميته إلى أبد الآبدين، يؤكد على أنه نفسه ليس أكثر من ذلك وبأقصى درجات التوكيد، وبشكل لا يقل قوة بتاتاً عن قوته حين يبدو الأدب بأنه مكبوت كي يتيح إمكانية ظهور المعرفة. وهكذا: حين يعتقد النقاد المحدثون بأنهم يفضحون معميات الأدب، تكون معمياتهم هم موضع الافتضاح في الحقيقة بواسطة الأدب، ولكن بما أن هذا الأمر يحدث بالضرورة على شكل أزمة، يكون أولئك النقاد في وضعية مكفوفي البصر عما هو جار في صميم أنفسهم هم. وفي تلك اللحظة التي يزعمون فيها أنهم يفتكون بالأدب يتواجد الأدب في الأمكنة كافة، وذلك لأن ما يدعونه بالأنتروبولوجيا وعلم اللغة والتحليل النفسي ماهو إلا الأدب نفسه مطلاً برأسه من جديد، مثله مثل رأس هايدرا (الصدار)، في نفس تلك البقعة التي من المفروض أنه انقطع فيها، إن على العقل البشري أن يتعرض لأهوال تشوه مذهل حتى يتفادى مواجهة "خواء الأمور البشرية"(2). إن دي مان، على نقيض ديريدا الذي كان عليه لاحقاً أن يبدي ألفة محترمة حيال عمله، أقل اهتماماً بقوة وإنتاجية التشوه البشري (الذي يدعوه ديريدا بالشيء الذي لا يخطر على بال l'impensé)، منه باستمرار وتكرار أداء ذلك التشوه، أي إصراره على الألحاح كإلحاح إن جاز مثل هذا التعبير. وهذا هو السبب الذي يجعل من السخرية اللاذعة الشغل الشاغل بالفعل لدى دي مان كناقد: إذ إنه مشغول دائماً في تبيان وضع النقاد أو الشعراء الذين يكشفون بالفعل -النقاد بلا دراية والشعراءعن دراية- المنطلقات المستحيلة لصياغة أي شيء بتاتاً. أي ما يدعى بارتباكات الفكر التي يتصور دي مان أن كل الأدب العظيم يعود إليها على الدوام، وذلك في الوقت الذي يظنون فيه أنفسهم بأنهم يصوغون شيئاً ما. ومع ذلك فإن هذه القيود الفكرية على إمكانية الصياغة لم تمنع دي مان من صياغتها وإعادة صياغتها، في تلك المناسبات العديدة التي يحلل فيها، بشكل أقدر من معظم النقاد الآخرين، مقطوعةأدبية. إنني أتردد كثيراً قبل نعتي دي مان بالمحجاج، لكن بمقدار ما يحض النقاد على فعل هذا الشيء دون ذاك، أود أن أقول بأنه ينبئهم بأن يكفوا عن الحديث وكأن من الممكن تجاوز الدراسة التاريخية، وبأن يتحدثوا عن الأدب حديثاً جاداً. فما السبب يا ترى؟ لأن الأدب العظيم إن كان قد تعرض من قبل لفضح المعمى، فلن يكون بوسع الدراسة بتاتاً أن تخبرنا بأي شيء جوهري عن الأدب لم يتنبأ به الأدب نفسه سابقاً. وإن أعظم مايمكن أن يحدث هو أن الناقد يكون عرضة لفضح المعمى، مع العلم أن هذا القول يرقى إلى القول بأن الناقد يعترف بأن الأدب قد فضح بنفسه معمياته مسبقاً. ليست لدي الرغبة في أن أستخدم دي مان كممثل عمومي للشيء الذي تجري ممارسته هذه الأيام في النقد الأدبي: فعمله فائق الأهمية، ومواهبه فائقة الاستثناء ولو لمجرد الارتقاء به إلى منزلة التمثيل. بيد أنني أظن أن من الممكن اعتباره القدوة في تيار فكري معارض، لا بطريقة واضحة جداً، للشيء الذي هو في العادة معيار في الدراسات الأدبية الأكاديمية. فالعمل الأدبي عنده يحتل موقعاً يسمو بلا قيد أو شرط تقريباً على الواقعية التاريخية لا بفضل قوته بل بفضل وهنه المسلّم به. علماً أن أصالته تكمن في منطلق مؤداه أنه ألقى سلاحه "منذ البدء"، وكأنه قال سلفاً بأنه لا يحمل أية أوهام عن نفسه وبأنه أسلم مباشرة تخيلاته لميدان الشكل المقبول. وإن هذه الأفكار لتعبر بالطبع عن ميل كبير في الفن الرمزي بأسره، ألا وهو الميل الذي حظي بتشويق محترم من خلال أية نسخة من تشكيلة الشكلية النقدية في القرن العشرين: فإعادة سبك مقولة من مالا رمي، يكمن خلفها ذلك التصور الذي مفاده أن العالم إن كان له ثمة وجود على الإطلاق، فلابد من أن يكون قد خلص إلى كتاب أو على شكل كتاب، وما أن ينطوي العالم في كتاب حتى تدار له الظهور إلى أبد الآبدين. فالأدب، بوجيز العبارة، لا يعبر إلا عن نفسه فقط(وهذا موقف في أقصى درجات التطرف، في حين أن أدناها يتمثل بالقول أن الأدب يدور "عن" لاشيء): إذ أن عالمه شكلي، وعلاقته بالواقع العادي. لا يمكن فهمها، كما يوحي دي مان إلا من خلال النقض أو من خلال نظرية ساخرة إلى حد بالغ، صارمة بمقدار ماهي متلاحمة معتمدة في جدواها على افتراضات متناقضة تقول بأن العالم إنْ لم يكن كتاباً يكون الكتاب عندئذٍ ليس هو العالم. ولربما أن هذه الافتراضات ليست ممنوعة من الاعتراض كما قد تبدو، ولاسيما إذا تذكرنا الحد الذي أقر فيه معظم النقد منذ أرسطو بوجود مقدار معين من الانحياز السري في غالب الأحيان والانحياز المصبوغ بصبغة التقليد والمحاكاة ولو أنه موضع الإنكار. ولكن نقد دي مان يدخر لنفسه بعض سلطته المبررة لأن دي مان كان رائد "النقدالميتافيزيقي"، الأوربي، كما يحلو للبعض أن ينعت نقده. وهنا نخوض تواً غمار الواقع السوسيولوجي والتاريخي الذي مفاده أن النقد المعاصر "اليساري"، أو المناهض في أمريكا قد تعرض للتأثير العميق بالنقد الأوربي، ولاسيما الفرنسي منه، وإن بوسع المرء أن يدلي بعدد من الأسباب لذلك التغيير الدرامي في اللغة واللهجة الذي حل بالمشهد النقدي الأمريكي إبان عقد الستينات (1960)، المنصرم، بيد أنني لا أنوي هنا هدر وقت طويل في تعداد ذلك. غير أن الإنصاف يقضي أن نقول بأن الآثار التي تركها النقد الأوربي علىمفرداتنا ومواقفنا النقدية كانت عديدة ومن بينها تلاشي الشعور بريادة "الدراسات الإنكليزية"، في الميدان الأدبي. فمعظم النقد الأدبي الذي طغى على الأكاديمية، لا بل وحتى على عالم الصحافة في حقيقة الأمر، صار يعتمد على إنجازات الكتاب المحدثين من أمريكيين وبريطانيين، علاوة على تنامي الشعور القاضي بأن دعاوى السيادة الوطنية-بكل المعاني التي تنطوي عليها هذه العبارة -يجب أن تسود النقد. إن المؤمنين بهذا الجانب يتألفون من آرنولد في البداية، ومن تم لاحقاً من كل من ليغز وإمبسون وريتشاردز ومن معظم (النقاد الجدد)، الجنوبيين. والجدير بالذكر أنني لا أقصد القول بأن هؤلاء النقاد كانوا رجالاً إقليميين أوذوي تفكير محلي، بل القول بأنهم كانوا يرتأون أن كل ماهو خارج العالم الأنكلو/ ساكسوني يجب تجييره لصالح الغايات الأنكلو/ ساكسونية. فحتى ت.س. إليوت، الذي كان إلى حد كبير أعظم ناقد عالمي في تلك الآونة حتى مطلع عقد الستينات (1960)، كان يرى في شعراء أوربيين من أمثال دانتي وفيرجيل وغوته حماة القيم الأنكلو / ساكسونية كالملكية التي كانت بمثابة موروث متواصل لا ثوري، وكفكرة دين وطني. وهكذا فإن الهيمنة الفكرية لإليوت وليفز وريتشاردز و(النقاد الجدد)، تتزامن لامع عمل أقطاب كجويس وإليوت نفسه وستيفنز ولورانس وحسب، لا بل ومع تطور جاد و مستقل للدراسات الأدبية في الجامعة، تطور أضحى بمرور الزمن مرادفاً "للعنجهية الإنكليزية"، كموضوع ولغة وموقف. وفي أحسن أحوالها وجدت "العنجهية الإنكليزية"، في لوينيل تريلينغ و.و.أ ويمات وروبن براور، وفي حفنة ضئيلة من الناس الآخرين، تشكيلة متباينة من المدافعين عنها، وتشكيلة بارزة على شيء عميق جداً من الذكاء والإنسانية، بيد أنها تعرضت للتحدي -قبل بروز الزهو الفرنسي بزمن طويل - جراء أمرين اثنين أولهما داخلي وثانيهما خارجي. "فالعنجهية الإنكليزية"، لم تفض داخلياً إلا إلى إيديولوجيا ضمنية، وإلى مناهج ليست قابلية توصيلها من السهولة بمكان، الأمر الذي كان مرده ثمة أسباب معقدة إلى الحد الذي يفرض على المرء، إن حاول وصف الموقف الذي كان سائداً وقتها، أن يخوض غمار أمور كالتقزز من الستالينية والحرب الباردة ومراوغة النظرية،واقتران القيم والالتزام، وحتى الأفكار، "بالأسلوب"، اقتراناً لا تاريخياً مباشراً ومنطوياً على مفارقة عجيبة. ولكن مايهمني هنا بهذا الخصوص هو ما نجم، على العموم، عن ذلك كله على الصعيد الفكري: أي ذلك النموذج من النقد المعتمد بالأساس على تنميق لا نهاية له. ففي ذلك المزاج النفسي المفاجئ الناجم عن المنافسة والتوسع والتالي لإطلاق سبوتنيك (Sputnik)، كان هنالك برامج لغوية شتى تستهدف صيانة الأمن القومي وتحظى بالتمويل من مؤسسة (NDEA)، كما كان هنالك "العنجهية الإنكليزية"، التي زينت لنا "قوتنا"، كأمة دون إضافة شيء جوهري عليها. فالأطروحة الجامعية النموذجية انكفأت من رسالة بحث تاريخي مدروس دراسة جيدة إلى مجرد مقالة بالغة الدقة، فضلاً عن أن تلاميذ اللغة الإنكليزية صاروا تبّعاً لنقطة بعيدة جداً عما كان هاماً، ناهيك عن شعورهم بذلك. وأما الدور الذي صارت تلعبه الإنكليزية فما كان ليعدو، في أحسن الأحوال، دور الأداة (وهذا بوضوح، ماكان يدأب على مناهضته ريتشارد أوهمان ولويس كامبف في أواخر عقد الستينات)، على الرغم من أن من مارسوا ذلك الدور، من أمثال تريلينغ وآبرامز ويمات، كانوا محط النظر إليهم بإعادة توكيدات لا إيديولوجية على أن الأسلوب والدراسات الإنسانية والقيم إن هي بالفعل إلا من ذوات الشأن. فالنتيجة الخالصة لهذا كله كانت استيطان الترهل في الدراسات الإنكليزية، إذ مابعد المسافة التي يستطيع المرء أن يجتازها في هذه الظروف على درب التنميق ليس إلاه؟ كمثل عن الشأو الرفيع الذي كان بمقدور التنميق الأدبي بلوغه بهاء وحنكة كان هنالك نورثروب فراي، الذي يمكن جزئياً تعليل سطوع نجمه النظري المتألق على كل ميدان الدراسات الإنكليزية في عقدي الخمسينات والستينات بمناخ التنميق (الذي بجّله وعمقه في كتابه المعنون "بتشريح النقد")، وبطغيان الفراغ النظري/ التاريخي. وأما كمثل عن مدى اتساع هذا كله فتور ووهناً، كان هنالك كدس مكدس من تلك الصناعات الأدبية المختلفة (جويس، كونراد، باوند، إليوت)، التي لما يكن وقتها بوسعها البتة حتى أن تتظاهر بأنها جزء لا يتجزأ من المسيرة العامة باتجاه المعرفة، وهكذا بطريقة عجيبة لا بل ومربكة ربما، صارت الحداثة الأدبية تقترن أولاً لا بالحاضر وإنما بالماضي القريب كما أنها طفقت تكتسب المشروعية مراراً وتكراراً بشكل لا نهاية له، وصارت تقترن ثانياً بإنتاج تحبيك ثانوي متعذر فهمه عملياً لكتلة من الكتابات المقبولة عالمياً ككتابات أصيلة. ومن الجدير بالذكر أن هذه الكتلة ذات التحبيكات الثانوية -من مثل الكتابات الأدبية لدي مان- كان عرضة لفضوح معمياتها بادئ ذي بدء، وما كانت تحمل في الوقت نفسه أية أوهام عن نفسها، وكل ما كانته كان لا يعدو كونها ثانوية وغير ضارة وحيادية إيديولوجيا إلا ضمن القيود الداخلية لحرفة مكسوة بأكداس مكدسة من أكسية الاحتراف. وأما التحدي الثاني "للعنجهية الإنكليزية"، فقد كان خارجياً، وهنا وجدت من المفيد استخدام ذلك المفهوم الذي يدور حول المنشأ الأجنبي، والذي كان جورج شتاينر أول من أشار إليه. وهنا مرة ثانية هنالك العديد من الأشياء الجديرة بالذكر ضمن هذا السياق،ومرة ثانية أيضاً أجد لزاماً علي أن أكون مقلاً واصطفائياً. فلقد توسعت سوق الكتب ذوات الأغلفة الورقية توسعاً هائلاً وتزايد معها عدد الترجمات من اللغات الأجنبية تزايداً دراماتيكياً، فضلاً عن التأثير التدريجي الذي تأثرته "العنجهية الإنكليزية"، بميادين خارجية كالتحليل النفسي والسوسيولوجيا والأنتروبولوجيا، ناهيك عن الأثر السائب المفلوش (وتحت رعاية مؤسسة NDEA بالمناسبة)، للأدب المقارن مع ما لازمه من مقام رفيع شديد الوطأة لنقاد أجانب متألقين من أمثال أورباخ وكورتيوس وسبيتزر، علاوة في الختام، على مايبدو الآن بأنه كان تدخلاً عرضياً مفيداً وأصيلاً تدخله في مشهدنا الأدبي النقد الأوربي الذي كان سائداً وقتها أولاً من خلال نقاد مقيمين بين ظهرانينا كدي مان وجورجز باوليت، ومن ثم من خلال تزايد أعداد النقاد الزائرين القادمين من بلدان أجنبية. والجدير بالذكر عند هذا المفصل أن الماركسية احتازت لها على حضور فكري صار يؤخذ بعين الاعتبار في سياق التحدي الخارجي الذي ينطوي عليه الاستيراد من الخارج. وإلى حد ما أعلم فإن ذلك الصنف من الماركسية الذي كان قيد الممارسة أو الإعلان في الأقسام الأدبية الجامعية لا يدين إلا بقسط ضئيل جداً للحركة الراديكالية الأمريكية التي لاقت حتفها في عصر ما كارثي. فالماركسية الجديدة جاءت إلى هذه البلاد جزئياً كنتيجة للاهتمام بالنقد الفرنسي ومن ثم بمدرسة فرانكفورت، وجزئياً من جراء الموجة العامة للهيجان المعادي للحرب في الحرم الجامعية. لقد فعلت الماركسية فعلها على شكل اكتشاف مفاجئ وعلى شكل تطبيق مفاجئ أيضاً على المشكلات الأدبية. وأما نقاط ضعفها الأساسية فقد كانت تتمثل بالغياب النسبي لثقافة أو لموروث نظري ماركسي محلي متواصل لمؤازرتها وبانعزالها النسبي عن أي نضال سياسي ملموس. وبين هذين التيارين كانت حاسمة التحديات الداخلية والخارجية للدراسات الإنكليزية - ولكن بطرائق محدودة جداً وحسب، مع العلم أن هذا القول يجسد شيئاً عويصاً فهمه. فخلال الهيجانات الكبيرة في الستينات(1960) عمدت المؤسسات الأدبية الأكاديمية، التي اعتادت أن تكون طيلة سنوات مصنعاً لإنتاج العقول والمقالات المصقولة إلى الرد على تلك الأوقات بمطلب العلاقة المباشرة. ولقد كان هذا المطلب يعني، في حقيقة الأمر، أن تعليم ودراسة الأدب يجب أن يبينا لنا بين الحين والحين الكيفية التي ترتبط بها الروائع الأدبية بالواقع المعاصر، أي أننا بقراءة سويفت أو شيكسبير بمقدورنا أن "نفهم"، وحشية الإنسان أو مقدار الإثم الكبير الذي تنطوي عليه سياسة التفرقة العنصرية. وأما أنا افليس لدي من التردد إلا أقله حين أقول إن ذلك التبجح الثوري الفارغ الكبير الذي تبجحته (جمعية لغة الحداثة)، لم يجلب معه إلا تغييرات تجميلية وحسب، وبأن تلك التغييرات لم تكن أدلة دالة على وجود إرادة التغيير لدى مختلف فصائل الدارسين ممن عقدوا العزم على ذلك، بل كانت أدلة على عمق ومرونة إيديولوجيا التزيين التي امتصت بمنتهى الفاعلية حتى هذا التحدي الجديد الذي كان ينطوي ضمناً على التطرف. فلقد كان هنالك، والحق يقال، نزعة عجيبة، بل ومرعبة أيضاً، في اللغة الطنانة لكل من الفريقين المتعارضين لإجهاز هذا الفريق على ذاك، في مؤخر الستينات ومقدم السبعينات. فالمفردات جنحت فجأة إلى مزيد من "التقنية"، ومزيد من "الصعوبة"، الذاتية، كما أن مماحكة بارثيز/بيكارد أعيد إحياؤها وحتى استنساخها في العديد من المجلات والمؤتمرات والأقسام الأدبية، ناهيك عن أن الطموح لبلوغ منزلة "المنظر الأدبي"، صار ضربة لازب "de rigeur" مع العلم أنه كان المركز المربح للعديد منا، والأمر الذي لم يكن له عملياً ثمة وجود بتاتاً في لوائح الأقسام الأدبية قبل مضي عشر سنوات. ولقد كان هنالك سعي حثيث للعثور على مشروعات وبرامج و"عقول"، وأحابيل متشابكة المعارف، مما جعل هذا كله ينيخ بكلكله على المرء إلى الحد الذي جعله لا يستطيع فيه أن يبحث في قصيدة من قصائد دون (Donne) دون أن يشير في الوقت نفسه إلى جاكوبسون، لا بل وربما حتى إلى المصطلحات اللاتينية في اللغات الأوربية، وعلى الأقل إلى الاستعارات والكنايات. وهكذا صار أمام المرء، من ناحية أولى، فظهر ثقافة فرعية جديدة حقيقية معارضة نظرياً للموروثات الأدبية الوطنية القديمة المكسوة بكساء المؤسسة في الأكاديمية، وصار أمامه، من ناحية ثانية، تلك الموروثات القديمة وهي تدافع عن نفسها، استنجاداً بالدراسات الإنسانية، والذوق وسداد الرأي وما شابه ذلك، ويبقى السؤال في هذه الأمثلة ما إن كان (حمد وحمدو)(i) يختلفان فعلاً عن بعضهما بعضاً كل ذلك الاختلاف الكبير، وما إن كان أي منهما قد أنتج العمل الذي يبرر، في آن واحد معاً، فصاحة الأول العدوانية أو دفاع الثاني دفاعه الأخلاق المستميت. إن مدار اهتمامي الوحيد ينصب على الجانب "اليساري" من ذلك الجدل، ونقطة بدئي الحقيقية تتمثل بملاحظتين اثنتين عن الشيء الذي لم ينتجه اليسار. فلاحظوا أولاً أنه في الدراسات الأدبية الأمريكية، في الربع الماضي من هذا القرن، لم يقم ثمة عمل واف في مضمار الدراسة التاريخية الأساسية مما يمكن نعته "بالرجعي". وأنا أستخدم هذا النعت الأخير كي أشير إلى مقارنة من نوع ما مع ما جرى في ميدان الدراسات التاريخية الأمريكية، وذلك في عمل وليامز وألبيروفيتز وكولكو، وفي عمل الكثيرين غيرهم. فحتى يكون هنالك تفسير فعال فيما يدعى بالمعرفة التاريخية يجب أن يكون هنالك أيضاً، بعد كل ماجرى قوله وفعله، تاريخ فعال وعمل أرشيفي فعال وانهماك فعال في المادة الفعلية للتاريخ. إن العمل الفردي للأدب يوجد بالتأكيد إلى حد معقول بفضل بناه الشكلية، ويفصح عن نفسه بواسطة نشاط أو قصد أو طاقة أو إرادة شكلية. بيد أنه لا يوجد من خلال تلك الأشياء وحدها وحسب، ولا يمكن إدراكه وفهمه شكلياً ليس إلا. ومع ذلك فإن الدراسات الأدبية استسلمت في معظم الأحوال، حتى في نسختها الماركسية، لغياب نسبي للبعد التاريخي. فالبحث التاريخي عن اليسار خضع للتحييد جراء التصور القائل أن التفسير يعتمد إلى أقصى الحدود على المنهج أو الفصاحة، وكأن أياً من الشيئين هو الذي يدل بوضوح على الجدارة والعظمة المستقلتين للمنظر الأدبي، وعلاوة على ذلك فإن الاهتمام الشامل بالمعرفة الصدامية (أي تلك المعرفة الموجودة أساساً لتحدي وتغيير الأفكار المستوردة والمؤسسات الحصينة والقيم المشكوك فيها)، قد أذعن لسلبية الصقل اللا تاريخي الذي جرى على الأمور المسلم بها بداهة والمقبولة، والأمور المحددة سلفاً قبل أي شيء آخر. إن المرء ليفتش هنا وهناك وهنالك ولا يعثر إلا على بضعة بدائل للموقف الذي يحاول أن يبرهن على الكيفية التي ليس بوسعك فيها، مثلاً، أن تجيد فهم رواية "صديقنا المشترك" إلا إذا زدت من نظرتك إليها بأنها لا تعدو أن تكون بحد ذاتها رواية، الأمر الذي يعني تعميق دراستك لها كمثل ممتاز عن نظرية متشابكة. بمتهى الأحكام حول فن السرد الروائي الذي شروط إمكانية قراءته وقوته تعتمد على القواعد الشكلية للنحو والصرف، وعلى التجريدات النشوئية والبنى الفطرية، وهنالك عنصر معين من المحاكاة الساخرة في وصفي هذا، ولكن هنالك أيضاً شيء من الدقة فيه. وأما الملاحظة الثانية فتكمن في الوجه الآخر للعملة، أي أن الدراسات الأدبية عن اليسار، بدلاً من أن تنتج عملاً يتحدى أو ينقح السائد من قيم ومؤسسات وتقييدات، تمادت أكثر من اللزوم في حقيقة الأمر في تعزيز تلك الأمور. وهذا الشيء أخطر من سابقه بكثير من عدة وجوه. مامن مجتمع من المجتمعات المعروفة للتاريخ البشري كان له أي وجود بتاتاً بمعزل عن تحكم القوة والسلطة به، ناهيك عن أن أي مجتمع يمكن تقسيمه، كما يدأب غرامشي على القول، إلى طبقتين متشابكتين من حكام ومحكومين. وليس هنالك شيء ثابت بخصوص هذه التصورات الأساسية، إذ إن كان بمقدورنا أن نعتبر المجتمع بأنه توزيع ديناميكي للقوة والمواقع يجب أن يكون بوسعنا أيضاً أن نعتبر فئتي الحكام والمحكومين فئتين بالغتي التعقيد وبالغتي التعرض لتبادل المواضع. وإذا اقتصرنا الآن على استخدام مصطلحات غرامشي، يمكننا تقسيم المجتمع إلى طبقتين ناشئة وتقليدية. وإلى قطاعين مدني وسياسي، وإلى تبّع وسادة، وإلى قوتين طاغية وتنفيذية رسمية. ومع ذلك فإن مايكمن خلف هذه الفاعلية بقضها وقضيضها هو على الأقل فكرة ما، أو زمرة من الأفكار، وعلى الأكثر مجموعة من الوكالات ذوات النفوذ التي تستمد قوتها من الدولة. فالحقيقة المركزية للقوة والسلطة في التاريخ الغربي هي، منذ نهاية عصر الإقطاع على الأقل، وجود الدولة، وعلينا أن نقول كما أتصور أننا كي نفهم لا القوة وحدها بل والسلطة أيضاً -التي هي بمثابة فكرة أكثر تشويقاً وتبايناً من فكرة القوة -علينا أن نفهم في الوقت نفسه تلك الطريقة التي تتأتى فيها أية سلطة في المجتمع الحديث من وجود الدولة إلى حد ما. إن الثقافة والتشكيلات الثقافية والمفكرين يوجدون، إلى حد كبير، بفضل شبكة شيقة جداً من العلاقات مع قوة الدولة تلك القوة المطلقة تقريباً، وعن هذه المجموعة من العلاقات علي أن أقول تواً أن كل النقد اليساري المعاصر، من ذلك النوع الذي يدور بحثه عنه، أصم أبكم إلى حد مذهل في أغلب الأحيان. ولكن هنالك بعض الاستثناءات لهذه المقولة، إذ فوكو يمثل استثناءاً، وكذلك كل من أوهمان وباولنتزاس، مع العلم أن المرء ليتعذر عليه الإتيان بأسماء النقاد الآخرين ممن نقدهم يتناول هذا الأمر على نحو مباشر. بيد أن المقولة المناقضة للمقولة السابقة تماماً هي أن كل من ينتج دراسات أدبية أو فكرية لا يأخذ في حسبانه الحقيقة التي مفادها أن كل العمل الفكري أو الثقافي يحدث في مكان ما، وفي زمان ما، وعن ميدان ما مرسوم، ومرخص بمنتهى الدقة أسير احتواء الدولة له في خاتمة المطاف. ولقد بادرت الناقدات إلى افتتاح هذه المسألة إلى حد ما، غير أنهن لم يستكملن الشوط حتى نهايته. فلئن كان صحيحاً، بناء على نظرية الفن للفن، أن عالم الثقافة والإنتاج الفني له استقلاله الخاص به، بعيداً عن انتهاكات الدولة والسلطة، يجب علينا حينئذٍ أن نبقى على أهبة الاستعداد لتبيين كيفية الحصول على ذلك الاستقلال وتبيين كيفية الحفاظ عليه، وهذا أهم من سابقه، وبكلمات أخرى فإن العلاقة بين علم الجمال وسلطة الدولة تتوطد في كلتا الحالتين: في حالة الاعتماد المباشر، وفي حالة الاستقلال التام مع العلم أن هذه الحالة أقل احتمالاً من سابقتها بكثير. وأما الإحساس الذي يخالجني الآن بأنني أضطلع بعبء نطاق واسع من الخبرة التاريخية، لا بل وأوسع مما ينبغي بكثير، لإحساس يعمقه التيقن أن الخطاب الثقافي أو النظري أو النقدي لا يوفر اليوم لي أية مفردة ولا أية لغة توثيقية أو مفهومية، ولا يوفر لي، وهذا أقل من السابق بكثير، أية كتلة ملموسة من التحليلات المخصصة، ابتغاء الإفصاح عن نفسي. إن عبقريتنا النقدية مصوغة، في أغلب الأحوال، بفعل التحليل الخبيث الذي يأتي به ذلك التخم الأصم الذي يعزل، مثلاً، الخيال عن الفكر والثقافة عن القوة والتاريخ عن الشكل، كما يعزل النصوص عن أي رسم إضافي (horstexte)، وهلم جرا، ومن الجدير بالذكر أننا نسيء استخدام فكرة كينونة المنهج، فضلاً عن وقوعنا في فخ الاعتقاد أن المنهج هو الرائد وأن من الممكن له أن يكون نظامياً دون الإقرار في الوقت نفسه بأن المنهج يشكل على الدوام جزءاً من طاقم معين من العلاقات برئاسة وتحريك السلطة والقوة. ولئن كانت كتلة الموضوعات التي ندرسها - الكتلة التي تشكلها أعمال الأدب- تنتمي إلى مفاهيم الأمة والقومية، وحتى العرق، وتكتسب تلاحمها منها وتنبثق عنها بمعنى من المعاني، فلن يكون في الخطاب النقدي المعاصر إلا النزر اليسير الذي يجعل من هذه الوقائع موضوعات بحثها أمر ممكن. وأنا لا أنوي هنا الدفاع عن نوع من اللغة النقدية الاختزالية التي يتمحور أساسها المنطقي على الفرضية المؤكدة إلى مالا نهاية من أن "الأمر كله سياسي"، كائناً ما كان يعنيه المرء بكلمة "الأمر، أو كله، أو سياسي"، ولكن مايخطر على بالي هو ذلك النوع من التعددية التحليلية كما اقترحه غرامشي للتعامل مع كتل ثقافية/ تاريخية، المتعمدة بالعالم الذي يعيشون فيه وبالقيم التي ينخرط عملهم من خلالها بالتاريخ، لا يرون بأنهم أنفسهم يشكلون تهديداً لأي شيء، إلا لبعضهم بعضاً في أرجح الظن. فهم بالتأكيد مطواعون كما كان ديدنهم مذ صارت عبادة الدولة بمثابة الزي الدارج، كما أن من المؤكد أن انصرافهم الخنوع للروائع الأدبية والثقافية والنصوص والهياكل المثبتة بمنتهى البساطة في "نصوصهم"، هم لأداء وظيفة المشروعات الناجزة أيضاً، لا يشكل تهديداً للسلطة أو لتلك القيم التي يعمل المدراء التكنوقراطيون على ديمومة رواجها وتداولها. ولكن ماهوعملياً، بعبارات أدق، دور الوعي النقدي الحديث لدى النقد المعارض؟ إن الخلفية المرتبطة بصلب الموضوع، بوجيز العبارة، هي كما يلي: ثمة كلمات كالثقافة والمجتمع. كما بيّن ريموند وليامز، لم تحظ بمدلول واضح ملموس إلا في العهد الذي أعقب الثورة الفرنسية ليس إلا. فقبل ذلك العهد حددت الثقافة الأوربية هويتها بشكل قاطع ككل على أنها شيء مختلف عن المناطق والثقافات غير الأوربية من تلك التي أنيطت بها قيمة سلبية في أغلب الأحوال. ولكن إبان القرن التاسع عشر توشحت فكرة الثقافة بوشاح وطني وطيد الأركان، وأدت إلى نتيجة جعلت شخصيات كما ثيو آرنولد توحد بين الثقافة والدولة ذلك التوحيد الفعال. فواقع الحال بالنسبة للنشاط الجمالي أو الثقافي هو أن إمكانيات وظروف إنتاجه تحوز على سلطانها بفضل ما دعوته بالتقرب، أي بفضل تلك الشبكة المستترة من الترابطات الثقافية الفريدة بين الأشكال والمقولات وغيرها من المحبوكات الجمالية من ناحية أولى، وبين المؤسسات والوكالات والطبقات، والقوى الاجتماعية غير المتبلورة، من ناحية ثانية. إن التقرب كلمة فضفاضة إلى الحد الذي يتيح لها أن توحي بأنواع الطواقم الثقافية التي يبحثها غرامشي في المقطع الذي استشهدت به سابقاً. وإلى الحد الذي يسمح لنا فيه، في الوقت نفسه، أن نتذكر المفهوم الجوهري للهيمنة التي توجه النشاط الثقافي والفكري عموماً، أو التحبيك ككل. هيا واسمحوا لي الآن أن أشير إلى الأهمية الكبيرة التي تنطوي عليها هذه الفكرة بالنسبة للنشاط النقدي المعاصر. إن التقرب ، كمبدأ تأويلي عام، يخفف بعض الشيء، في المقام الأول، من غلواء تلك النظريات السطحية التي تحدثت عن التشاكل والقرابة، والتي ابتكرت الميدان الطوباوي المتجانس التكوين للنصوص التي لا ترتبط إلا بنصوص أخرى ارتباطاً تسلسلياً ومحكماً وفورياً. والتقرب، بالمقابل، هو الشيء الذي يمكن نصاً من أن يحافظ على نفسه كنص، وما هذه الحقيقة إلا بالحقيقة المستورة بسلسلة من الملابسات: كمنزلة الكاتب واللحظة التاريخية وظروف النشر والانتشار والتلقي، والقيم المعتمدة، والقيم والأفكار المنحولة، وشبكة من أي لرؤية الثقافة والفن في انتمائها لا إلى نوع من الأثير السائب الذي تذروه الرياح في الفضاء أو إلى نوع من الميدان المحكوم بمنتهى الصرامة أو بحتمية حديدية، بل في انتمائها إلى مسعى فكري واسع -إلى منظومات وتيارات فكرية- مترابط بطرائق معقدة لفعل الأشياء، لإنجاز بعض الأشياء المعينة، للقوة، للطبقة الاجتماعية والإنتاج الاقتصادي لنشر الأفكار والقيم والصور الدنيوية، وإذا وافقنا مع غرامشي على أن المرء ليس بوسعه أن يقلص على هواه الدين أو الثقافة أو الفن إلى وحدة وتلاحم، لكان علينا عندئذٍ أن نستكمل الشوط مع الفرضيات التالية لصالح الدراسة والبحث الإنسانيين: إن الشيء الذي يجب....شرحه هو الكيفية التي يتصادف بها في كل العصور تواجد عدة منظومات وتيارات للفكر الفلسفي، وكيفية توالد هذه التيارات، وكيفية انتشارها، والسبب الذي يجعلها تتبعثر في تلك العملية فوق خطوط معينة، وفي اتجاهات معينة. إن حقيقة هذه العملية تتواصل لكي تبين مدى ضرورة تنظيم المرء لحدسه عن الحياة والعالم بطريقة نقدية متلاحمة ونظامية، وضرورة تحديده الشيء الواجب فهمه بكلمة "نظامية" على وجه الدقة، كيلا تؤخذ بمعناها الأكاديمي المتحذلق. بيد أن هذا التحبيك يجب إنجازه في سياق تاريخ الفلسفة، ولا يمكن إنجازه إلا في ذلك السياق، وذلك لأن هذا التاريخ هو ما يبين الكيفية التي انحبك بها الفكر عبر القرون ويبين عمق الجهد الجماعي المبذول لتحقيق المنهج الراهن للفكر- ذلك المنهج الذي صنف واستوعب كل هذا التاريخ الماضي، بما فيه من حماقات وأخطاء. إن الواجب يقضي، في الوقت نفسه، عدم إهمال هذه الأخطاء ذاتها وذلك لأن المرء، مع أن تلك الأخطاء جرت في الماضي وتعرضت من ثم للتصحيح، لا يمكنه أن يكون متأكداً من أنها لن تجري مجدداً في الزمن الحاضر وتستدعي التصحيح مرة ثانية(3). لقد أوردت الجملة الأخيرة لا لأنني موافق عليها، بل لأنها تعبر عن ذلك الجد التعليمي الذي كان يؤمن به غرامشي، والذي كان يرى فيه وجوب إجراء البحث التاريخي كله بمقتضاه. ولكن هذه النقطة الأساسية هي بالطبع ذلك التبصر الإيحائي، بما مفاده أن الفكر يكون قيد الإنتاج كي يكون من الممكن إنجاز ثمة أشياء، وبأنه يكون موضع الانتشار لكي يكون فعالاً ومقنعاً وقوياً، وأن مقداراً عظيماً من الفكر ينحبك حول ماهو نسبياً عدد قليل من الأفكار التوجيهية الأساسية. ولكن الجدير بالذكر هنا أن مفهوم التحبيك مفهوم عويص. فبالتحبيك يقصد غرامشي أمرين متناقضين ظاهرياً في حين أنهما متكاملان عملياً. أولاً: أن تحبك يعني أن تصقل، أن تستنبط (e-laborare) فكرة ما مسبقة أوفكرة أقوى، أن تؤيد وجهة نظر دنيوية. وثانياً: أن تحبك يعني شيئاً أكثر إيجابية نوعياً، أي الافتراض بأن الثقافة نفسها أو الفكر أو الفن لامتداد للواقع السياسي، وامتداد بالغ التعقيد وشبه مستقل وله، مع التسليم بداهة بالأهمية الاستثنائية التي يخلعها غرامشي على المفكرين والثقافة والفلسفة،عمق وتعقيد وقيمة دلالية/ تاريخية على قوة بالغة إلى الحد الذي يجعل السياسة أمراً ممكناً. فالتحبيك هومركب الأنماط التي تيسّر للمجتمع أن يحافظ على نفسه. إن غرامشي يجعل من التحبيك، بعيداً عن الانحدار بسمعته إلى منزلة الحلية، السبب نفسه لقوة ما يدعوه بالمجتمع المدني الذي يلعب في الغرب الصناعي دوراً لا يقل أهمية عن المجتمع السياسي. وهكذا فإن التحبيك هو المسعى الثقافي المركزي وهو، سيان نظر المرء إليه أم لم ينظر بأنه أكثر بقليل من الدعاية الفكرية لمصالح الطبقة الحاكمة. المادة التي تجعل من أي مجتمع مجتمعاً ما. فما التحبيك، بكلمات أخرى، إلا ذلك القسط العظيم من النسج الاجتماعي الذي تحدثت عنه جورج إليوت، في رواياتها الأخيرة، في حين أن التبصر الذي كان عليه غرامشي هو ما ساقه إلى التيقن بأن التبعية والتمزق والتبعثر والإنتاج مرة ثانية أمور كلها، شأنها شأن الإنتاج والخلق والإكراه والإرشاد، مظاهر ضرورية من مظاهر التحبيك. إن بوسع المرء أن يشتط حتى إلى حد القول إن الثقافة -أي التحبيك- هي ما يعطي الدولة شيئاً تحكم من خلاله ومع ذلك فإن المسعى الثقافي،كما كان غرامشي حريصاً على القول في كل مكان، ماهو بالمتسق وماهو بالمتجانس التكوين خبط عشواء. فالعمق الحقيقي في قوة الدولة الغربية الحديثة هوقوة وعمق ثقافتها، وقوة الثقافة هي تنوعها، أي تعدد عناصرها التكوينية وتباينها. إن وجهة النظر هذه هي ما تميز غرامشي عن أي مفكرماركسي هام آخر تقريباً من مفكري عصره. وهو ذلك المفكر الذي لا تغيب عن بصره لا الحقائق المركزية العظيمة للقوة ولا كيفية تدفقها عبر شبكة كاملة من الوكالات العاملة بتوافق عقلاني، كما لا تغيب عن بصره تلك التفصيلات -المتناثرة والعادية واللا نظامية والمحتشدة- التي تستمد القوة منها ولابد بقاءها، والتي تعتمد عليها القوة ابتغاء قوتها اليومي. لقد فطن غرامشي. قبل فوكوبردح طويل من الزمن، لتلك الفكرة التي مفادها أن الثقافة تخدم السلطة وتخدم، في خاتمة المطاف، الدولة الوطنية، لا لأنها تمارس الكبت والإكراه بل لأنها توكيدية ويقينية ومقنعة. فالثقافة نتوج، كما يقول غرامشي، إلى حد أكبر بكثير من الإكراه الذي تحتكره الدولة، علاوة على أن هذه الحقيقة هي ما تجعل المجتمع الغربي الوطني مجتمعاً قوياً يتعذر فيه على الإنسان الثوري اختراقه والتغلب عليه. وبالنتيجة فإن المفكر ليس مماثلاً بالفعل لأحد أفراد قوة الشرطة، كما إن الفنان ليس مجرد داع لملاك المصانع الأثرياء. إن الثقافة مسعى مستقل ومتشح بوشاح الرأسمالية، الأمر الذي يعني بالفعل أن علاقتها بالسلطة والقوة شيء بعيد كل البعد عن الانتفاء.وهكذا يجب أن نكون قادرين على النظر إلى الثقافة كقوة تاريخية تمتلك الصور الخاصة بها، والصور التي تنجدل بتلك الصور الموجودة في الميدان الاقتصادي /الاجتماعي كي ترفع كلها عن أكتافها الدولة كدولة. فالتحبيك بلعبه دور المادة التي منها يجعل المجتمع من نفسه مشروعاً حياً متواصلاً، لا يعني إثبات وجوده على أنه هناك وحسب، بل يصبو لبلوغ منزلة الهيمنة التي يلعب فيها المفكرون ذلك الدور الذي يدعوه غرامشي بـ"خبراء إضفاء المشروعية". وبما أنني أعتبر هذه الأفكار جوهرية فقد استمديتها من غرامشي لتكون موضع المقارنة مع الأفكار السياسية والتاريخية التي تروجها الآن النظرية الأدبية التصادمية أو الطليعية. إن ما دأبت على دعوته بالنقد "اليساري" المعاصر منهمك عملياً بمشكلات شتى ناجمة عن السلطة. من مثل إشكالية العودة إلى ماركس وفرويد وسوسور، ومسألة التأثر والتداخل النصي، ومسائل عدم الورود على البال (l'impensé) والأمور المعلقة في النقد التفكيكي، والإيديولوجي كعامل في الإبداع والانتشار الأدبيين. وفي كل هذه المعمعة قلما يصادف المرء دراسة جادة عن ماهية السلطة، لا فيما يتعلق بالطريقة التي تنتقل بها السلطة تاريخياً وآنياً من الدولة إلى مجتمع مستنقع بالسلطة ولا فيما يتعلق بالتحركات الفعلية للثقافة، ولا عن دور المفكرين والمؤسسات والمنشآت. وعلاوة على ذلك، فحتى لوكانت لغة بعض المجلات، من أمثال Glyph, Critical Inquiry Diacritics طافحة بآراء عن العمق والتطرف والتبصر، نادراً ما توجد فيها فقرةتتطرق للتحريض على ما يعوق الأفكار والقيم والانهماك، كما أن المرء لا يقع حتى بالمصادفة، فيما يتعلق بذلك الأمر، على القيام بمحاولة جادة لوسم الشيء الذي من المفروض بالنقاد التقدميين أن يقاوموه تاريخياً لا بلاغياً.وأما الانطباع الذي نحمله فهو أن الناقد الشاب لديه ولابدّ إحساس سياسي متطور جداً، ولكن أي فحص دقيق لهذا الإحساس يتكشف عن مضمون طريف اتفاقي لا يأتيه الإغناء لا من معرفة كبيرة عما تدور حوله السياسة والقضايا السياسية ولا من أية دراية متطورة جداً بأن السياسة شيء أكثر من حب أو بغض عقيدة فكرية تطغى في هذه الآونة على قسم من أقسام الأدب. إن النقد اليساري المعارض،مع أخذ طاقته الكامنة بعين الاعتبار، لا يساهم إلا مساهمة طفيفة في المناقشة الفكرية الدائرة اليوم في مضمار الثقافة. فإفلاسنا فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وقد كانت فيما مضى مسألة فتانة، كفيل وحده بتجريدنا من حق انتمائنا للإنسانية، وأما فيما يتعلق بذلك التمييز الدقيق بين الفاشية والديكاتورية فلا تتوفر لنا حتى الرغبة في أن نحلل هذين المصطلحين تحليلاً لغوياً، فما بالك بالتحليل السياسي الذي رغبتنا فيه أقل من الرغبة السابقة بكثير. ومع ذلك فلا أبتغي الانحدار بقيمة ذلك التألق الذي تألقه بعض الشيء ذلك العصر الذهبي الذي مرّ به النقد الفني في العقود القليلة الماضية.وليس بمقدورنا إلا أن نقر بذلك بمنتهى الامتنان وأن نضيف في الوقت نفسه أن ذلك العصر كان موسوماً برغبة قبول عزل الأدب والدراسات الأدبية عن العالم. ولقد كان ذلك العصر أيضاً هو العصر الذي قلة منا فيه تفحصت الأسباب الموجبة لهذا التقييد، والعصر الذي تقبلت ضمناً أكثريتنا فيه الدولة وهيمنتها الصامتة على الثقافة، لابل وهلّلت لذلك، بدون حتى همسة احتجاج مؤدبة في مرحلة حرب فيتنام وفي المرحلة التالية لذلك. إن خيبة أملي في هذا الواقع تنبع من القناعة بأن قدرتنا الفنية كنقاد ومفكرين كانت الشيء الذي أرادت الثقافة تحييده، ولئن ساهمنا نحن بهذا المشروع، ولربما عن غير دراية منا، فقد كان السبب خشخشة النقود. وفي حماستنا البلاغية للكلمات الطنانة من أمثال الفضيحة والتفجير والانتهاك والانقطاع، ما خطر على بالنا الاهتمام بعلاقات تلك الكلمات بالقوة الفاعلة فعلها في التاريخ والمجتمع، وحتى حين ادعينا أن نصية النص أمر يجب استكشافه إلى ما لا نهاية، كان ذلك الادعاء يشير إشارة غامضة إلى المؤامرات، إلى السلالات الخداعة المؤلفة كلها من كتب عريانة من تاريخها وقوتها. فالزعم الكامن خلف ذلك هو أن النصوص متجانسة التكوين بشكل جذري، في حين أن نقيض ذلك كامن في تلك الفكرة الوهمية "Laputan" العجيبة التي مفادها أن من الممكن اعتبار أي شيء، إلى حد ما، نصاً من النصوص. وأما النتيجة حتى الآن، بمقدار مايدور الاهتمام حول الممارسة النقدية، فهي أن التنميق الفردي في النقد وفي النصوص المدروسة من لدن الناقد يتعرض للتشذيب كرمي للتنميق وحسب، هذا في حين أن النتيجة الإضافية هي أن الكتابة تكون محط النظر إليها بأنها تتقصد عمداً هدف الإبعاد -إبعاد النقاد عن النقاد الآخرين وعن القراء وعن العمل المدروس. إن السخرية الأخاذة التي ينطوي عليها هذا الانعزال الكئيب، مع التسليم جدلاً بالطريقة التي يتصورنا بها قادتنا السياسيون وكأننا جزء من الكهنوت الدنيوي في العصر الذي نعته باكونين "بعصر الذكاء العلمي"، في سبيلها إلى الترسخ، فثمة منشور من قبل لجنة ثلاثية في عام 1975 بعنوان "أزمة الديمقراطية"، مسح الحقبة التالية للستينات (1960)، بشيء من الاهتمام بمشاعر الجماهير حيال مطالبها ومطامحها السياسية، وكان المنشور الذي أفضى إلى بروز مشكلة ما يدعوه الكتاب "بيسارة الانقياد للحكومة"(governability)، وذلك لأنه صار من الواضح أن الشعب في معظمه لم يعد سهل الانقياد كما كان من قبل.(4). إن طبقة المفكرين تساهم في هذا الوضع بأمرين اثنين ناجمين مباشرة عن ذينك الصنفين من المفكرين الذين تنتجهم المجتمعات الديمقراطية المعاصرة في هذه الآونة. فهنالك من ناحية أولى التكنوقراطيون والمفكرون ذوو المنزع السياسي ممن يدعون، زوراً وبهتاناً، بالمسؤولين، وهنالك من ناحية ثانية المفكرون "التقليديون"، المحافظون على القيم والخطيرون سياسياً. إن الفئة الثانية هي التي من المفروض بنا أن نكون ضمنها، بناء على أي معيار معقول، وذلك لأن أفراد هذه الفئة هم المفروض بهم "أن يكرسوا أنفسهم للاستهزاء بالقيادة وتحدي السلطة وإماطة اللثام عن المؤسسات الوطيدة الأركان وتجريدها من لبوس المشروعية". ولكن المهزأة تتمثل في أن النقاد الأدبيين، نظراً للامبالاتهم المزاعم المقبولة ضمناً بتوافق الآراء، وخلفية مفروغ منها بداهة، وهكذا دواليك ودواليك. وإن دراسة التقرب تعني، في المقام الثاني، دراسة وإحياء الروابط بين النصوص والعالم، أي تلك الروابط التي طمس معالمها التخصص ومؤسسات الأدب طمساً كاملاً تقريباً. إن كل نص ماهو إلا فعل من أفعال الإرادة إلى حد ما، بيد أن الشيء الذي استبقي بعيداً عن الدراسة المعمقة هو تلك الدرجة التي بلغها تجويز النصوص. وهكذا فإن إحياء شبكة التقرب يعني استجلاء الوشائج التي تبقي النص على أوثق ارتباط بالمجتمع والكاتب والثقافة، فضلاً عن تبيان المعالم المادية لتلك الوشائج بغية توشيحها بها من جديد. وأما في المقام الثالث فإن التقرب يحرر النص من انعزاله ويفرض على الدارس أو الناقد مشكلة الإحياء التاريخي للإمكانيات التي انبثق عنها النص، أو إعادة بنائها مرة ثانية. وهنا يكون المكان الذي يتاح فيه للتحليل العقلي وللجهد أن يضعا النص في علاقات تشاكلية أو حوارية أو تصادمية مع غيره من نصوص وطبقات ومؤسسات أخريات. لاشيء من هذا الاهتمام بالتقرب -كمبدأ من مبادئ البحث النقدي وكمظهر، في الوقت نفسه، من مظاهر السيرورة الثقافية ذاتها -يستحق وقفة طويلة مالم يكن أولاً: وليد بحث تاريخي أصيل (وأقصد أن على النقاد أن يشعروا بأنهم أنفسهم يقومون بالاكتشافات، ويحيلون الأشياء غير المعروفة إلى معروفة)، وثانياً: تثبيته كان في خاتمة المطاف بهدف فهم وتحليل وتوكيد إدارة القوة والسلطة ضمن الثقافة. واسمحوا لي الآن أن أعبر عن ذلك على النحو التالي: نحن إنسانيون لأن هنالك شيئاً يدعى بالحركة الإنسانية التي تستمد مشروعيتها من الثقافة، ومن الثقافة أيضاً تُحظى بقيمة إيجابية. والشيء الذي يجب أن يكون محط اهتمامنا للتو هو تلك السيرورة التاريخية التي عمد بواسطتها الصميم المركزي للأيديولوجيا الإنسانية لإنتاج الاختصاصيين الأدبيين، الذي أوّلوا أن ميدانهم مقصور على شيء يدعى الأدب الذي أنيطت بمكوناته (بما في ذلك استئدابه "literarity") أولوية معرفية وأخلاقية وأنطولوجية. وهكذا فإن الناقد الأدبي، بانصرافه انصرافاً كاملاً لهذا الميدان، يعزز الثقافة والمجتمع الذين يفرضان تلك القيود تعزيزاً فعالاً، في الوقت الذي يقوي فيه هذا التعزيز المجتمعات السياسية والمدنية التي يكمن نسيجها في الثقافة نفسها. وأما ماينجم عن ذلك كنتيجة فهو مايمكن أن يدعى بمنتهى المنطق بتوافق الآراء توافقاً واسعاً: فتحليل الأعمال الجمالية الأدبية تحليلاً شكلياً مقيداً يضفي الصفة الشرعية على الثقافة، والثقافة تضفي الصفة الشرعية على المفكر الإنساني، والمفكر الإنساني يضفي الصفة الشرعية على الناقد، وهذا المشروع برمته يضفي الصفة الشرعية على الدولة. وهكذا فإن السلطة تصان بفضل السيرورة الثقافية، كما أن كل مايتعدى تزيين القوة محظور على الناقد المزيّن. وعلى هذا المنوال نفسه، كان صحيحاً أن "الأدب" كوكالة ثقافية زاد من تعاميه مؤخراً عن تواطؤاته الفعلية مع القوة. وما ذاك الوضع إلا بالوضع الذي نحن بأمس الحاجة لإدراكه. هيا وتأملوا الكيفية التي جرى بها تكوين هذا الوضع خلال القرن التاسع عشر بواسطة الخطاب الثقافي: وهنا سرعان مايخطر على البال أناس من أمثال آرنولد وميل ونيومان وكارلايل و راسكين. فنفس إمكانية الثقافة قائمة على فكرة التزيين. وإن فرضية آرنولد القائلة أن الثقافة ماهي إلا أفضل مايقال أوما يتمخض عنه الفكر هي الفرضية التي تعطي هذه الفكرة شكلها المرصوص. فالثقافة أداة لتحديد واصطفاء وتوكيد بعض "أفضل" الأشياء أو الأشكال أو الممارسات، أو لتفضيل بعض الأفكار على غيرها، وهي بفعلها ذلك فإنها تنقل وتنشر وتجزّئ وتعلم وتطرح وتبث وتغري، وفوق كل هذا وذاك فإنها تخلق نفسها وتعيد خلقها من جديد كجهاز مختص لفعل تلك الأشياء كافة. والأهم من ذلك كله هو أن الثقافة، كما أعتقد، تصبح بمثابة الفرصة السانحة لذلك المشروع الكلامي المنكسر الذي علاقته بالدولة مفهومة دائماً، ومفهومة دائماً سراً إن تكرمتم وجوزتم لنا لحن القول. فالرواية الواقعية تلعب دوراً أساسياً في هذا المشروع، وذلك لأن الرواية -ما أن تتحول إلى شيء "أعجب" من ذي قبل بكثير في عمل جيمز وهاردي وجويس- هي التي تنظم الواقع والمعرفة بتلك الطريقة التي تجعلهما عرضة لتناسخ كلامي نظامي. إن تلبيس الرواية لبوس الواقعية بعيداً عن أي عالم ما يعني الإتيان بمعايير تمثيلية أو تصويرية مصطفاة من بين احتمالات عديدة. وهكذا فإن الرواية تسعى جاهدة كي تضم وتقرر وتؤكد وتسوّي وتطبّع بعض الأشياء والقيم والأفكار، ولاسواها. ومع ذلك ليس من الممكن رؤية أو إدراك أي شيء من كل هذه الأشياء مباشرة في الرواية نفسها، علاوة على أن المهمة الوحيدة لمعظم النقاد الشكليين المعاصرين صارت تتجسد اليوم في التأكد من أن ذلك الإفصاح الدقيق الرائع الذي تفصحه الرواية عن اصطفائيتها يبدو بمنتهى البساطة إما كواقعية من وقائع الطبيعة وإما كشكلية أنطولوجية مسلّم بها، لا كنتيجة للسيرورة الثقافية السوسيولوجية. فرؤية الرواية على أنها متعاونة مع المجتمع لكي تلفظ المنبوذين من الناس كما نعتهم غاريث ستدمان جونز، تعني أيضاً رؤية الكيفية التي تنجم بها الإنجازات الجمالية العظيمة للرواية -في ديكنز وإليوت وهاردي- عن تقنية ماتستهدف تصوير واقتناص الأشياء والناس والبيئات والقيم في علاقة تقرب مع المعايير الاجتماعية والتاريخية الدقيقة للمعرفة والسلوك والجمال المادي. فالرواية، من أوسع المنطلقات، ومعها التيارات السائدة في الثقافة الغربية الحديثة، ليست اصطفائية وتوكيدية وحسب، ولكنها تمركزية وقوية أيضاً. وإن المدافعين عن الرواية يثابرون على توكيد دقة الرواية وحرية التصوير وماشابه ذلك، الأمر الذي يوحي مضمونه أن الفرص المفتوحة للتعبير أمام الثقافة لاحدود لها. وأما الشيء المقنّع والمعمّى خلف أمثال هذه الأفكار فهو بالتحديد تلك الشبكة التي تشد وثاق الكتّاب مع الدولة ومع امبريالية "ميتروبوليتانية" على نطاق العالم زودت الكتاب، وقتما كانوا يكتبون، من خلال التقنيات الروائية للسرد والوصف بنماذج ضمنية للتكريس والانضباط والمجاراة. وإن السؤال الذي يجب علينا أن نسأله فهو: لماذا ليس هنالك إلا نفر قليل جداً من الروائيين "العظماء" يتعاملون مع وقائع وجودهم الخارجية الاقتصادية والاجتماعية الكبرى -أي الكولونيالية والامبريالية- ولماذا يدأب نقاد الرواية، في الوقت نفسه، على إجلال هذا الصمت المهيب؟ ترى، ماهو الشيء الذي ترتبط به الرواية، ومعظم الخطاب الثقافي المعاصر. بمقدار مايتعلق الأمر بالموضوع نفسه، بصلة التقرب سيان في لغة التوكيد أو في بنية التكريس والنبذ والكبت والاختراق كما هو عليه الحال في وسم الشكل الجمالي الأساسي؟ وماهي الكيفية التي جرى بها بناء المبنى الثقافي على هذا المنوال الذي يفضي إلى كبح جماح الخيال ببعض الطرائق، وإلى إطلاق العنان له بطرائق أخرى؟ وماهي الكيفية التي يرتبط بها الخيال بأحلام وبناءات ومطامح المعرفة الرسمية، والمعرفة التنفيذية والمعرفة الإدارية؟ وماهي، ياترى، كتلة المصالح المشتركة التي تنتج كونراد وكتباً مثل كتاب س.ل. تامبل المعنون بـ "الأعراق المحلية وحكامها"؟ وإلى أي مدى ساهمت الثقافة في أسوأ تجاوزات الدولة، بدءاً من حروبها الامبريالية ومستوطناتها الاستعمارية وانتهاء بمؤسساتها التي تبرر لنفسها ذاتياً ممارسة القمع اللاإنساني والبغضاء العرقية والاستغلال السلوكي والاقتصادي؟ مامن شيء كنت أحاول قوله في هذه العجالة هنا يوحي ضمناً باختراق العمق الخصوصي للتحف الثقافية الفردية، أو باختزاله وعزوه إلى القوى اللاشخصية التي من المفروض أن تكون هي المسؤولة عن إنتاج تلك التحف فدراسة التقرب الثقافي تستلزم فهماً دقيقاً لخصوصية الأشياء لابل، وهذا الأهم حتى، لأدوارها العقلية أيضاً، علماً أن أيهما لايمكن إيفاءه حقه المناسب لا بالاختزال ولا بالتزيين اليقيني. وإني لأظن بأن النزعة المادية الثقافية، وهي المصطلح الذي أطلقه ويليامز، تناسب الموقف الميثودولوجي الذي أحاول وصفه. إن النقد الأدبي الأمريكي بمقدوره أن يتستر على انعزاله المشروع اجتماعياً والمفروض ذاتياً ولو إلى حد ما، بخصوص التاريخ والمجتمع على الأقل. فهنالك عالم بأسره قيد الاستغلال لإجراء الأسباب الحكومية المزعومة وحدها وحسب بل وجراء مختلف صور النزعة الاستهلاكية اللاتاريخية التي يبشر تقوقع نزوعها العرقي واستفحال أكذوبتها بإفقار واضطهاد معظم أرجاء المعمورة. وإن مايفتقر إليه النقد المعارض المعاصر لايتمثل بذلك النوع من الأفق الموجود في المنهج التمديني للثقافة والمجتمع لدى جوزيف نيدام ليس إلا، بل ويتمثل أيضاً بغياب شيء من الإحساس بالاهتمام الجاد في عمليات التقرب الجارية من حولنا على قدم وساق، سواء أكنا نقرها أم لا. ولكن هذه الأمور، بالشكل الذي مافتئت أقوله مراراً وتكراراً، لأمور على علاقة، بالمعرفة لا بالتزيين. وختاماً يخامرني الشك في أن أكثر سؤال ملحاح يتوجب طرحه الآن هو ما إن كنا ننعم حتى اليوم بنعمة الخيار بين الاثنين% (i) كنايةعن توأمين متماثلين تماماً إلى حد يتعذر فيه التمييز بينهما - المترجم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |