|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:06 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
10- النظرية المهاجرة إن الأفكار والنظريات لتهاجر مهاجرة الناس والمدارس النقدية -من شخص إلى شخص ومن حال إلى حال، ومن عصر إلى عصر آخر. فالحياة الفكرية والثقافية تجد غذاءها عادة وأسباب بقائها غالباً في تداول الأفكار على هذا النحو، وذلك لأن هجرة الأفكار والنظريات من مكان إلى آخر ماهي إلا حقيقة من حقائق الحياة وماهي، في الوقت نفسه، إلا شرط مفيد للنشاط الفكري، سواء اتخذت تلك الهجرة شكل التأثير الذي يقر به الناس أو الذي يأتيهم عفو الخاطر، أو شكل الاستعارة الخلاقة، أو شكل المصادرة والاستيلاء جملة وتفصيلاً. ولكن القول بأن على المرء أن يمضي قدماً بغية تحديد أنواع الهجرة الممكنة لقول يبعث على التساؤل ما إن كانت أية فكرة أو نظرية تتزايد قوة أم تتناقض جراء هجرتها من عصر تاريخي وثقافة قومية إلى مكان وزمان آخرين، وما إن كانت ثمة نظرية تتحول إلى شيء مغاير تماماً في انتقالها من ثقافة قومية وعصر تاريخي إلى عصر أو حال آخر. وهنالك حالات تستدعي التأمل العميق على وجه التخصيص في مهاجرة الأفكار والنظريات من ثقافة إلى أخرى، مثلما جرى في استيراد الأفكار المعروفة بالأفكار الشرقية حول التسامي على الخبرة البشرية إلى أوربا في مطلع القرن التاسع عشر، أو مثلما جرى نقل بعض الأفكار الأوربية عن المجتمع إلى مجتمعات شرقية تقليدية في مؤخر القرن التاسع عشر. ولكن مثل هذه الهجرة إلى بيئة جديدة لاتخلو البتة من المعوقات، وذلك لأنها تستدعي بالضرورة عمليتي التمثيل والتأطير في المؤسسات على نحو مغاير عما كانت عليه تلك الأفكار والنظريات في موضعها الأصلي، الأمر الذي يعقّد عليها أية محاولة من محاولات الازدراع والانتقال والتداول والاتجار. بيد أن هنالك نمطاً كراراً وقابلاً للتمييز لهذه المهاجرة نفسها، ألا وهو تلك الأطوار الثلاثة أو الأربعة المألوفة التي تمر بها أية نظرية أو فكرة مهاجرة. فهنالك أولاً موضع أصلي، أو مايبدو أنه كذلك، أي مجموعة من الظروف الأولية التي صادف أن ولدت فيها الفكرة أو راجت من خلالها في الخطاب. وثانياً: هنالك ثمة مسافة تعترض سبيل الفكرة التي تنتقل من موضع سابق إلى زمان ومكان آخرين ولذلك عليها أن تجتازها، أن تشق لها درباً في خضم ضغوط قرائن شتى، حتى تحظى بلألائها الجديد. وثالثاً: هنالك مجموعة من الظروف -قل عنها إن شئت ظروف التقبل، أو ضروب المقاومة لكونها جزءاً لايتجزأ من ظروف التقبل- التي تواجه من ثم النظرية أو الفكرة المزدرعة، والتي تتيح لها الاحتواء، أو التساهل مهما كان كبيراً مظهر غربتها. ورابعاً: تتعرض هذه الفكرة، التي أضحت الآن موضع الاحتواء أو الدمج بشكل كامل أو جزئي، إلى شيء من التحوير جراء استخداماتها الجديدة، أي من خلال الموقع الجديد الذي تحتله في زمان ومكان جديدين. وإن من الواضح أن الإقدام على وصف كامل ومقنع لهذه الأطوار سيكون مهمة شاقة. ومع أنني أفتقر إلى النية والمقدرة بخصوص الاضطلاع بعبء هذه المشكلة، فإنني أرى أنها جديرة بالوصف بشكل عام ومقتضب حتى أتمكن في النهاية من أن أعالج بالتفصيل جانباً واحداً منها، وجانباً على أضيق مايكون من التحديد وعلى أوثق ارتباط بصلب الموضوع. وأما التناقض الصارخ بين المشكلة العامة وبين أي تحليل خاص ليستحق منا التعليق بحد ذاته طبعاً. وإن الانحياز إلى جانب تحليل مفصل محلي للكيفية التي تهاجر بها هذه النظرية أو تلك من مكان إلى آخر يعني إبداء مقدار أساسي من الشك حيال تخصيص أو تحديد الميدان الذي قد تنتمي إليه تلك النظرية أو الفكرة. لاحظوا مثلاً أن الطلاب الذين يحترفون الأدب الآن ليس من المفروض بهم، حين يستعملون كلمات من أمثال النظرية والنقد، أن يقيدوا اهتماماتهم بالنظرية الأدبية أو بالنقد الأدبي، ولا يجب عليهم ذلك. فالتمييز بين هذا النوع من المعرفة وذاك صار أغبش، وذلك يعود بالتحديد إلى أن ميادين كالأدب والدراسة الأدبية لم تعد النظرة إليها أنها جامعة مانعة أو إجمالية كما كانت حالتها عليه ذات مرة، وحتى عهد قريب. وعلى الرغم من أن بعض دارسي الأدب من المحجاجين لايزال بمقدورهم أن يهاجموا بعضهم الآخر لكونهم غير متبحرين بما يكفي في مضمار الأدب، أو لكونهم لايفهمون (ومن ذا الذي يتسنى له الفهم الكامل؟) أن الأدب ماهو أساساً إلا، على نقيض غيره من أشكال الكتابة، محاكاة، وماهو أساساً إلا الشيء الأخلاقي، وما منزعه أساساً إلا المنزع الإنساني، علاوة على أن المناظرات التي تدور حول هذه الأمور وتنجم عنها ماهي بحد ذاتها إلا دليل على الحقيقة التي مفادها انعدام توافق الآراء حول الكيفية التي تتحدد بها الحدود الخارجية لكلمة الأدب أو لكلمة النقد. فقبل بضعة عقود تنطح التاريخ الأدبي والنظرية التصنيفية، من ذلك النوع الذي استهله نور ثروب فراي، ووعدا بالإتيان ببنية نظامية ومنفتحة وصالحة للسكنى، أي تلك البنية التي قد يكون من الممكن فيها مثلاً إقامة الدليل على أن من الممكن تحوير مقومات الصيف لتصبح، بشكل قاطع، مقومات الخريف. "إن الفعل البشري الأساسي في منظومة فراي" كما يكتب فرانك لانتريشيا في (بعد النقد الجديد) مستشهداً "بالخيال البارع" على حد قول فراي "كونه نموذجاً لكل الأفعال البشرية، هو فعل توجيهي خلاق يحوّل عالماً موضوعياً خالصاً، معداً سلفاً ضدنا بحيث نشعر فيه بالوحشة والرعب والنبذ، إلى موطن مأمون"(1). بيد أن معظم الدارسين الأدبيين يجدون أنفسهم في هذه الآونة، مرة ثانية، موضع التجاهل. وعلى نحو مماثل: فإن تاريخ الأفكار والأدب المقارن، ألا وهما الفرعان المرتبطان ارتباطاً وثيقاً بدراسة الأدب والنقد الأدبي، لايزود روتينياً ممارسيهما بنفس الإحساس الذي كان يحسه غوته- الإحساس بانسجام كل الآداب وكل الأفكار. ففي كل هذه الأمثلة يبدو أن الموقع أو الموضع المحدد لمهمة فكرية بعيد بعداً مؤكداً عن التوحد والتلاحم والتكامل الخرافي لذلك الميدان العام الذي ينتهي إليه المرء مهنياً، فضلاً عن أنها لاتنال من ذلك كله إلا مساعدة بلاغية طنانة. ويبدو أن هنالك عدداً أكثر مما ينبغي من الانقطاعات ومن التشوهات ومن النشازات تتدخل في شؤون ذلك الميدان المتجانس التكوين الذي من المفروض به أن يقرّب الدارسين فيه بعضهم من بعض. فتشعب العمل الفكري، الذي صار يعني تزايد الاختصاصات، يزيد طمس أي إدراك مباشر قد يخطر على بال الفرد بوجود ميدان واحد متكامل للأدب والدراسة الأدبية، لابل وعلى النقيض من ذلك فإن الغزو الذي يتعرض له الخطاب الأدبي من جانب اللغات الاصطلاحية الشاذة "outré" التي ترطن بها السيميوطيقا ومابعد البنيوية والأقوال المقتضبة للتحليل النفسي، كلها زادت في انتفاخ عالم النقد الأدبي إلى حدود يتعذر تبيانها تقريباً. وقصارى القول لايبدو أن هنالك أي عنصر أدبي محض في صميم دراسة تلك الأمور التي كانت النظرة التقليدية إليها بأنها نصوص أدبية، ومامن نزعة أدبية مهما كان عمقها يمكنها أن تمنع ناقداً أدبياً معاصراً من اللجوء إلى التحليل النفسي أو السوسيولوجيا أو علم اللغة. فالتقليد والعرف التاريخي والاحتكام إلى بروتوكولات الفلسفة الإنسانية والدراسة التقليدية كلها مطروحة بالطبع على نحو منتظم كدليل على صمود تكامل هذا الميدان، بيد أنها تميل بشكل متزايد للظهور بمظهر الاستراتيجيات البلاغية في مناقشة عما يجب أن يكون عليه الأدب والنقد الأدبي لا بمظهر التعريفات المقنعة لما هما عليه في حقيقة الأمر. لقد خلع جيوفري هارتمان كساء مسرحياً أنيقاً على ذلك المأزق بتحليله التوترات والتذبذبات التي تتحكم بالنشاط النقدي المعاصر. فالنقد في هذه الأيام "كما يقول، نقد رجعي جوهرياً لأنه بعد "تحرره من لياقة الكلاسيكية الجديدة التي خلقت طيلة قرون ثلاثة نثراً متنوراً ولو أنه كان مجاملاً أكثر من اللزوم، يعاني في هذه الآونة مما يدعوه "حركة لغوية استثنائية"(2). وفي بعض الأحيان تكون هذه الحركة اللغوية مختلفة المراكز إلى الحد الذي يجعلها تضاهي الأدب نفسه، لابل وتتحداه أيضاً، في حين أنها في بعض الأحيان الأخرى تستحوذ على النقاد المولودين على تياراتها فيما يتعلق بالمثل الأعلى للغة "نقية" تماماً. وأما في أحيان ثالثة فالناقد يكتشف أن "الكتابة ماهي إلا بمثابة المتاهة والأحجية الطوبولوجية واللغز النصي للكلمات المتقاطعة، هذا في حين أن على القارئ، من جانبه، أن يغرق نفسه لهنيهة من الزمن حتى تضيع في متاهة تمديد لانهائية تأويل ما إلى مالانهاية له مما يجعل كل قوانين الإغلاق تبدو ضرباً من العبث"(3). وسواء أحظيت هذه البدائل للخطاب النقدي بنعت الإرهابية أو بنعت "طراز جديد من التعالي أو من التسامي الوليد"(4)، فذلك متوقف على الحاجة للناقد الإنساني كي يحدد بمزيد من الوضوح "الحيز الخصوصي الذي تحتله الآداب الإنسانية" وكي يضفي، في الوقت نفسه، صبغة مادية (لا روحانية) على الثقافة التي نعيش فيها(5). ومع ذلك فإن هارتمان يستنتج أننا نعيش مرحلة انتقالية، الأمر الذي يعني القول بطريقة مختلفة (كما يقول في عنوانه "النقد في البراري") أن النقد اليوم وحيد، بين حدين سائبين، عاثر الحظ، حزين، ولعوب لأن مملكته تتحدى الإغلاق واليقين. إن الحماسة المفرطة لدى هارتمان -لأن موقفه بالأساس حماسي- كانت تقتضي التعديل بذلك التعليق الفتاك الذي ساقه ريتشارد أوهمان في كتابه المعنون بـ "اللغة الإنكليزية في أمريكا" والقائل أن الأقسام الإنكليزية تمثل "جهداً متواضعاً ناجحاً في لدن الأساتذة لاغتنام بعض منافع الرأسمالية وتفادي مخاطرها في الوقت نفسه، وللإحجام عن إبداء إقرارهم أيضاً بوجود أية علاقة بين الكيفية التي ننجز بها عملنا وبين الطريقة التي يدار بها المجتمع الكبير"(6). ولكن هذا القول لايعني أن الأكاديميات الأدبية تطرح جبهة إيديولوجية متحدة، حتى لو كان أوهمان مصيباً مائه بالمائة "grosso modo". فالانقسامات فيما بين النقاد لايمكن تقليصها ببساطة إلى صراع بين أقدمين ومحدثين أو إلى أيديولوجيا سائدة وطيدة الأركان مناهضة للمحاكاة، على النحو الذي يسوق أدلته فيه جيرالدغراف بمنتهى التضليل. ولئن قلصنا عدد مسائل الخلاف إلى أربع للاحظنا أن الكثيرين ممن يتصدرون الدفاع عن مسألة ما يصبحون محافظين جداً في مسألة أخرى: 1-النقد كدراسة، كفلسفة إنسانية، "خادم" للنص، منحاز للمحاكاة، ضد النقد كنزعة رجعية وضد كونه بحد ذاته شكلاً من أشكال الأدب. 2-دور الناقد كمعلم وقارئ جيد: يكمن في صيانته المعيار ضد تخريبه أوضد خلق معيار جديد. فمعظم نقاد مدرسة ييل رجعيون بالقياس إلى رقم (1)، ومحافظون بالقياس إلى رقم (2). 3-النقد باعتزاله العالم الاجتماعي/ السياسي ضد النقد كشكل من أشكال الميتافيزيك الفلسفي والتحليل النفسي وعلم اللغة، أو أي فرع من هذه الفروع، ضد النقد كنشاط عليه أن يتعامل عملياً مع ميادين "ملوثة" من أمثال التاريخ ووسائل الإعلام والنظم الاقتصادية. وهنا يكون الانتشار التوزيعي أوسع نطاقاً بكثير مما هو عليه في رقم (1) أو رقم (2). 4-النقد كنقد للغة (اللغة كلاهوت سلبي، كعقيدة خاصة، كميتافيزيك لا تاريخي) ضد النقد كتحليل للغة المؤسسات ضد النقد كدراسة للعلاقات فيما بين اللغة وبين الأشياء اللالغوية. ففي غياب ميدان مسيّج يدعى الأدب، وله حدوده الخارجية الواضحة، لن يكون هنالك موقع رسمي، أو مفوض، للناقد الأدبي. ولكن في الوقت نفسه لن يكون هنالك أي منهج جديد فعّال، ولا أية تقنية جديدة قادرة على فرض الولاء والإخلاص الفكري. وبدلاً من ذلك سيكون هناك هياط ومياط في تلك المماحكات التي تدافع عن لامحدودية التأويل بأسره، وفي تلك الأيديولوجيات التي تدعي سرمدية وجزم قيمة الأدب، أو "الآداب الإنسانية" وماذلك إلا لأن المناهج التي تجزم على أنها قادرة أصلاً على أن تنجز مهما تؤكد ذاتها بذاتها لاتفسح المجال لقيام دليل مناهض للدليل الواقعي. إن بمقدوركم أن تدعوا مثل هذا الموقف بالتعددي إن شئتم، أو باليائس إن كنتم تتذوقون الموقف الميلودرامي. وأما أنا من طرفي فأفضل النظر إليه بأنه فرصة سانحة للبقاء شكاكاً ونقاداً ودون أي إذعان لا للدوغمائية (اليقينية) ولا للغم العبوس. وهكذا فإن المشكلة الخاصة التي تحدث لنظرية مهاجرة من مكان إلى آخر هي أنها تطرح نفسها كموضوع شيق جدير بالبحث. فلئن كان هنالك ميادين كالأدب أو تاريخ الأفكار دون أية حدود محسومة أصلاً، ولئن كان معدوماً، على النقيض مما سبق، وجود أية منظومة يتعذر عليها تقبل فرض ذلك الشيء الذي هو بالأصل حيز نشاط مفتوح ومتعدد العناصر - أي الكتابة وتفسير النصوص- يصبح من الحكمة إثارة الأسئلة عن النظرية والنقد بتلك الطرق الملائمة للوضع الذي نجد أنفسنا فيه. ومايعنيه هذا القول، بادئ ذي بدء، هو المدخل التاريخي. ولذلك افترضوا قيام نظرية أو فكرة ما، كنتيجة لبعض الظروف التاريخية الخاصة، وهي على أوثق ارتباط بتلك الظروف. فماذا يحدث لها إن صادف وتم استعمالها مرة ثانية في ظروف مغايرة ولأسباب جديدة، ومرة ثالثة في ظروف أشد اختلافاً؟ وماذا بوسع هذا الشيء أن ينبئنا عن النظرية نفسها- عن حدودها، إمكانياتها، مشكلاتها الكامنة فيها- وماذا بمقدوره أن يوحي لنا حول العلاقة بين النظرية والنقد، من ناحية أولى، وبين المجتمع والثقافة من ناحية ثانية؟ إن العلاقة الوطيدة لهذه الأسئلة بصلب الموضوع سوف تتجلى في الوقت الذي يبدو فيه النشاط النظري كثيفاً وانتقائياً في آن واحد معاً، وفي الوقت الذي تتكشف فيه صعوبة تحديد العلاقة بين الواقع الاجتماعي وبين الخطاب النقدي المهيمن والساحر، وفي الوقت الذي يتبين فيه، نظراً لكل هذه الأسباب وغيرها من الأسباب التي أشرت للتو إليها، عقم الإتيان ببرامج نظرية لمصلحة النقد المعاصر. إن كتاب لوكاش المعنون بـ "التاريخ والوعي الطبقي" (1923) حظي بالشهرة عن جدارة نظراً لتحليله ظاهرة التجسيد المادي، ألا وهي المصير الشامل الذي ابتليت به كل جوانب الحياة في عصر هيمنت عليه فيتيشية السلع. فبما أن الرأسمالية هي أكثر النظم الاقتصادية تمفصلاً وتفصيلاً كمياً، فإن ماتفرضه على الحياة والجهد البشريين في ظل سطوتها، كما يأتي بالبينات لوكاش، يفضي إلى تحويل جذري لكل ماهو بشري وفياض ومطرد وعضوي ومترابط إلى أشياء ومواد وذرات مفككة، عديمة الحياة، ومن "مقتنيات" أناس آخرين. وعندئذ فالزمن، في مثل هذا الوضع، يتجرد من طبيعته الفياضة والمتقلبة والنوعية، ويتجمد على شكل سلسلة متواصلة مفصولة الحدين بمنتهى الدقة، وقابلة للقياس الكمي ومليئة بالأشياء" القابلة للقياس الكمي أيضاً (أي "بأداء" الصانع البشري أداء خاضعاً للتجسيد المادي ومصبوغاً بصبغة موضوعية بشكل آلي): أي أن الزمن يستحيل، بوجيز العبارة، إلى مدى زمني. وفي هذا المناخ الذي يستحيل فيه الزمن إلى مدى مادي مجرد قابل للقياس بمنتهى الدقة، ألا وهو ذلك المناخ الذي هو للتو سبب ونتيجة إنتاج مقصد الجهد المخصص والمتبعثر ميكانيكياً وعلمياً، يقتضي الواجب بعزقة فَعَلة الجهد عقلانياً وعلى نفس تلك الشاكلة. إن إضفاء السمة المادية على قوة عملهم وتحويلها إلى شيء مناقض لمجمل هويتهم الشخصية (وهي العملية التي يتم إنجازها بمجرد بيع قوة العمل تلك كسلعة) تتحول الآن، من ناحية أولى، إلى واقع حياتي دائم لا مفر منه في حياتهم اليومية. فهنا أيضاً لاتتمكن الشخصية من فعل أي شيء يتعدى النظرة البلهاء في الوقت الذي يجري فيه تقزيم وجودها إلى ذرة معزولة وتقديمها لقمة سائغة إلى نظام غريب. وأما من الناحية الثانية فإن التفكك الآلي الذي تتفككه عملية الإنتاج إلى عناصرها المكونة تدمر بدورها أيضاً تلك الروابط التي كانت قد ربطت فيما بين، الأفراد وجعلت منهم جماعة مشتركة في الأيام التي كان فيها الإنتاج لايزال "عضوياً". وبهذا الإطار أيضاً تجعل المكننة منهم ذرات مجردة معزولة إلى الحد الذي لايعود فيه عملها يقرّب فيما بينها على نحو مباشر وعضوي، إذ إن ذلك العمل يصبح عرضة بشكل متزايد للوساطة التي تتوسطها حصراً القوانين المجردة للمكننة التي تحبس الأفراد(7). ولئن كانت هذه الصورة للعالم بأسره كئيبة، فإن من الممكن مقارنتها بالوصف الذي وصفه لوكاش لما يحدث للفكر، أو للعقل "the subject" كما يسميه. وبعد أن يأتي لوكاش بوصف رائع مذهل عن تناقضات الفلسفة الكلاسيكية من ديكارت إلى كانط إلى فيخته وهيغل وماركس، حيث يبين فيه تراجع العقل تراجعاً مطرداً إلى حالة من التأمل الشخصي السلبي واتخاذه موقفاً على مزيد ومزيد من الانفصال عن وقائع الحياة الصناعية المعاصرة الممزقة إرباً إرباً إلى حد مرعب، يمضي قدماً إلى وصف الفكر البورجوازي الحديث بأنه قد وصل إلى طريق مسدود وأضحى متسمراً ومشلولاً في وضع من السلبية النهائية. فالعلم الذي ينتجه قائم على مجرد جمع الحقائق، ولذلك فالأشكال العقلانية للفهم لايمكنها مجاراة لاعقلانية المعطيات "données" المادية، وحين تبذل الجهود لإجبار "الوقائع" على الإذعان "للنظام" فإن بعزقتها والتجزيء الدائب لوجودها إلى ذرات إما أن يخلصا إلى تقويض النظام أو إلى تحويل العقل إلى سجل سلبي لأشياء منفصل بعضها عن بعض. بيد أن هنالك شكلاً واحداً من أشكال الخبرة بمقدوره الإتيان بالتمثيل المادي لجوهر التجسيد وقصوره في الوقت نفسه: ألا وهو الأزمة. فلئن كانت الرأسمالية هي رمز التجسيد المادي بلغة الاقتصاد، يجب عندئذ أن تخضع الأشياء كافة، بما فيها الكائنات البشرية، للقياس الكمي ولنوال قيمة السوق. وهذا بالطبع هو مايقصده لوكاش حين يتحدث عن التمفصل تحت مظلة الرأسمالية، وهو مايسمه في بعض الأحيان وكأنه لائحة هائلة متبعزقة. فمن حيث المبدأ ما من شيء- لاشيء لاشخص لامكان أو لازمان- متروك خارج تلك اللائحة، باعتبار أن من الممكن حساب أي شيء. ولكن هنالك ثمة لحظات يتحول فيها "الوجود النوعي للأشياء التي تعيش حيواتها خارج قوانين علم الاقتصاد كأشياء بحد ذواتها ضحايا سوء الفهم والإهمال، كقيم انتفاع [وهنا يشير لوكاش إلى أشياء "لاعقلانية" من أمثال الوجدان والعاطفة والحظ]، ويصبح فجأة بمثابة العامل الحاسم (فجأة أي بالنسبة للفكر العقلاني المتجسد مادياً). أو بدلاً من ذلك: فإن هذه القوانين تخفق في أداء وظيفتها ويصبح العقل المتجسد مادياً غير قادر على إدراك أي نموذج في خضم هذه الفوضى"(8). ففي لحظة كهذه يغتنم العقل أو الفكر لحظته الوحيدة كي يتهرب من التجسيد المادي: بالتفكير من خلال الشيء الذي يجعل الواقع يظهر بمظهر مجموعة من الأشياء والمعطيات الاقتصادية. وإن مجرد التفتيش نفسه عن العملية الكامنة خلف مايبدو بأنه كان محط العطاء والتشيء بشكل أبدي، يجعل من الممكن للعقل أن يعرف نفسه كفكر لا كشيء عديم الحياة، وأن يمضي قدماً بعد ذلك خلف الواقع التجريبي ليدخل حيز الإمكانية المأمول. فحين تستطيع أن تتصور، بدلاً من حيرتك في أمر قلة الخبز، العمل البشري، ومن ثم بالتالي المخلوقات البشرية التي تنتج الخبز وكفت عن ذلك لأن هنالك إضراباً للخبازين، تكون قد قطعت شوطاً لابأس به على طريق معرفتك أن الأزمة معرضة للفهم لأن العملية معرضة للفهم، ولئن كانت العملية عرضة للفهم يكون كذلك عرضة للفهم شيء من الإحساس بالكل الاجتماعي الذي خلقه الجهد البشري. وقصارى القول فإن الأزمة تتحول إلى نقد الوضع القائم: فالخبازون مضربون لسبب ما، والأزمة يمكن تعليلها، والنظام لايعمل بشكل معصوم عن الخطأ، والفكر تكشف لتوه عن انتصاره على الأشكال الموضوعية المتحجرة. إن لوكاش ليضع هذا كله في ضوء العلاقة بين الفكر والشيء. بيد أن الإنصاف المناسب لهذه المماحكة يتطلب متابعتها إلى النقطة التي يبين فيها أن التسوية بين الفكر والشيء ستكون أمراً ممكناً، على الرغم من إقراره أن مثل هذا الاحتمال بعيد جداً في غياهب المستقبل. ومع ذلك فهو على يقين أن بلوغ مثل هذا المستقبل أمر محال بدون تحويل الوعي التأملي السلبي إلى وعي نقاد وفعال. فالوعي النقدي (الوعي الذي يدرك أنه انبثق عن الأزمة) يصبح مدركاً بشكل حقيقي، في افتراضه وجود واسطة بشرية خارج متناول التجسيد المادي، لقوته "التي تدأب بلا انقطاع لتقويض الأشكال الموضوعية التي تحدد حياة الإنسان"(9). إن الوعي ليمضي قدماً إلى ماخلف المعطيات التجريبية وليدرك، دون أن يختبر عملياً، التاريخ والمجموعية، والمجتمع ككل -أي تلك الوحدات التي أخفاها التجسيد المادي وتنكر لها في آن واحد معاً. فالوعي الطبقي، في جوهره، موضع الظن بأنه يحاول أن يشق طريقه من قلب البعزقة إلى الوحدة، كما أنه موضع الظن بأنه مدرك لموضوعيته الخاصة كشيء فعال ونشيط، وشعري أيضاً بأعمق المعاني (وعلينا هنا أن نشير إلى أن لوكاش كان قد ساق الحجج، قبل عدة سنوات من صدور كتابه "التاريخ والوعي الطبقي "، على أنه ليس من الممكن التغلب على قيود النظرية المحض وقيود الأخلاق المحض إلا في ميدان الجمال، حيث كان يقصد بالأولى تلك النظرية العلمية التي ترمز موضوعيتها نفسها إلى تجسيدها المادي نفسه، أي إلى عبوديتها للأشياء، في حين أنه كان يقصد بالثانية ذاتية كانطية ليس لها أية علاقة بأي شيء إلا ذاتيتها هي. ومامن شيء إلا العنصر الجمالي يحيل معنى الخبرة إلى خبرة معاشة في شكل مستقل ذاتياً: وبذلك يصبح التفكير والشيء شيئاً واحد(10). والآن بما أن الوعي يرقى فوق الأشياء، فهو يدخل مضمار الاحتمالية، أي مضمار الإمكانية النظرية. إن الإلحاح الخاص الذي يلحه وصف لوكاش لهذا هو أن لوكاش يصف شيئاً بعيداً بعض الشيء عن مجرد التهرب إلى ميدان الخيال الجامح. فالوعي الذي يتوصل إلى الوعي الذاتي ليس هو البتة كإما بوفاري في تظاهرها أنها سيدة في (يونفيل). إن الضغوط المباشرة التي يمارسها القياس الكمي الرأسمالي، أي الإعداد الصارم للائحة عن كل شيء على سطح الأرض، يتواصل الشعور بها كما يرى لوكاش، وأما الشيء الوحيد الذي يتبدل فهو أن العقل يدرك طبقة من الكائنات على شاكلته تتمتع بقوة التفكير عموماً، لاتستوعب الحقائق إلا لكي تنظمها على شكل زمر، كما أنها تدرك العمليات والاتجاهات التي لايتيح فيها التجسيد المادي ظهور دليل سوى دليل الذرات عديمة الحياة. وهكذا فإن الوعي الطبقي يبدأ بالوعي النقدي. فالطبقات ليست واقعية بتلك الطريقة التي تكون بها الأشجار والبيوت واقعية، إذ إن من الممكن إرجاعها إلى الوعي الذي تستغل طاقاته لافتراض نماذج مثالية تعثر على نفسها فيها بصحبة كائنات أخرى، إن الطبقات نتيجة فعل من أفعال العصيان المسلح يرفض الوعي من خلاله أن يكون مقيداً بعالم الأشياء، ألا وهو المكان الذي كان مقيداً فيه في مخطط الأشياء الرأسمالي. لقد انتقل الوعي من عالم الأشياء إلى عالم النظرية. وعلى الرغم من أن لوكاش قد وصفه على أحسن ما يكون الوصف المتاح لفيلسوف ألماني شاب- بلغة طافحة بالميتافيزيك والتجريدات أكثر من اللغة التي كنت أستعملها- يجب عليا ألا ننسى بأنه يقوم بفعل من أفعال العصيان السياسي. إن بلوغ النظرية يعني تهديد التجسيد المادي، علاوة على تهديد مجمل النظام البورجوازي الذي يعتمد عليه التجسيد المادي، بالتدمير. ولكن هذا التدمير، كما يؤكد لقرائه، "ليس بمثابة تمزيق وحيد لايتكرر للحجاب الذي يقنّع عملية التجسيد المادي وإنما هو تناوب دائب للتحجر والتناقض والتحرك"(11). فالنظرية، بوجيز العبارة، تكون موضع الاغتنام كنتيجة للعملية التي تبدأ حين يختبر الوعي لأول مرة التحجر المريع الذي هو عليه في التجسيد المادي الشامل لكل الأشياء تحت مظلة الرأسمالية، ولكن حين يعمّم الوعي (أو يصنف) نفسه كشيء معارض لأشياء أخرى، وحين يشعر بنفسه أنه مقاوم للتشييء (أو أنه بمثابة الأزمة في صميم التشييء)، يبرز وعي التغيير في الحالة الراهنة، وفي الختام يتنطح الوعي، إبان تحركه نحو الحرية والتحقق، لاستكمال تحقيق الذات، ألا وهي بالطبع تلك العملية الثورية التي تمتد مسافات إلى الأمام في المستقبل، والتي ليس من الممكن الآن إدراكها إلا كنظرية أو مشروع. وماهذا الشيء إلا بالمادة المتهورة فعلاً. ولقد أوجزتها كي أطرح مؤشراً بسيطاً عن عتو ردود الأفعال لأفكار لوكاش عن النظرية على النظام السياسي الذي جاء على وصفه بمثل هذا الاتزان والرعب المخيفين. فالنظرية بالنسبة إليه كانت بمثابة الشيء الذي أنتجه الوعي، لا على شكل تفادي الواقع بل على شكل إرادة ثورية ملتزمة مطلق الالتزام بالنزعة الدنيوية والتغيير. إن وعي البروليتاريا كان يمثل، بالنسبة للوكاش، النقيض النظري للرأسمالية، كما أن البروليتاريا التي كان يعنيها ماكان لها أن تتشبه البتة، كما قال ميرلوبونتي وآخرون، بمجموعة من العمال الهنغاريين ذوي الثياب الرثة والوجوه المتجهمة. فالبروليتاريا كانت رمزه للوعي الذي يتحدى التجسيد المادي، وللعقل الذي يؤكد طاقاته فوق المادة المحض، وللوعي الذي يطالب بحقه النظري في إقامة عالم أفضل خارج إطار عالم الأشياء البسيطة. وبما أن الوعي الطبقي ينجم عن عمال عاملين ومدركين للواقع الذي هم عليه، فإن على النظرية ألا تفقد ارتباطها بتاتاً بجذورها في السياسة والمجتمع والاقتصاد. هذا هو إذاً لوكاش وهو يصف أفكاره عن النظرية -وطبعاً عن نظريته حول التبديل التاريخي الاجتماعي- في مطلع العشرينيات. هيا وتأملوا الآن تلميذ لوكاش ومريده لوسيان غولدمان الذي كان كتابه المعنون بـ "الإله الخبيء"(1955) بمثابة إحدى أوائل المحاولات ومن بين أروعها لوضع نظريات لوكاش موضع التطبيق العملي الاستبحاري. ففي دراسة غولدمان لباسكال وراسين جرى تحويل الوعي الطبقي إلى "رؤية دنيوية"، أي إلى شيء ماهو بالوعي المباشر بل بالوعي الجماعي الذي يعبر عنه عمل بعض أكابر الكتاب الموهوبين(12). ولكن هذا ليس كل مافي الأمر. فغولدمان يقول أن هؤلاء الكتاب يستمدون نظرتهم الدنيوية من ظروف اقتصادية وسياسية حاسمة شائعة بين أفراد زمرتهم، بيد أن النظرة الدنيوية نفسها لها منطلقها لافي التفاصيل التجريبية بمقدار ماهو في إيمان بشري بوجود الحقيقة "التي تتجاوزهم كأفراد وتجد تعبيرها في عملهم"(13). ولما كان غولدمان يكتب كأستاذ ملتزم سياسياً، (لا على غرار لوكاش المناضل المعني بالأمر على نحو مباشر)، فإنه يسوق الأدلة على أن عمل باسكال وراسين، باعتبارهما كاتبين من ذوي الامتيازات، يمكن أن يشكل كلاً متكاملاً هاماً من خلال عملية تنظير ديالكتيكي، ألا وهي تلك العملية التي يعزى فيها الجزء إلى الكل، والتي يتحقق فيها تجريبياً ذلك الكل المفروض من خلال الأدلة التجريبية. وهكذا فإن النظرة إلى نصوص بأم عينها هي أنها أولاً: تعبر عن رؤية دنيوية، وثانياً: أن الرؤية الدنيوية هي مايشكل كل الحياة الاجتماعية والفكرية للجماعة (أي الجماعة المدعوة باسم جانسينيي بور رويال)*، وثالثاً: أن أفكار ومشاعر الجماعة هي التعبير عن حياتهم الاجتماعية والفكرية(14). وفي هذا كله -حيث يسوق الأدلة غولدمان بروعة وفخامة نموذجيتين- يكون المشروع النظري، أي الدائرة التأويلية، بمثابة عرض للتلاحم: بين الجزء والكل، بين الرؤية الدنيوية والنصوص في أدق تفاصيلها، بين واقع اجتماعي حاسم وبين كتابات بعض الأفراد الموهوبين بشكل استثنائي ضمن جماعة ما. فالنظرية، بكلمات أخرى، هي ميدان الباحث، هي المكان الذي تتوحد فيه الأشياء المتباينة، والأشياء المتفككة بمنتهى الوضوح، لكي تتطابق فيما بينها تطابقاً تاماً: الاقتصاد والعملية السياسية والكاتب الفارد وسلسلة من النصوص. إن الدين الذي يدين به غولدمان للوكاش دين واضح، على الرغم من عدم الإشارة إلى أن ماهو تناقض مضحك، لدى لوكاش، بين الوعي النظري وبين الواقع المتجسد مادياً قد تحول وتموضع، على يد غولدمان، إلى تطابق مأساوي بين الرؤية الدنيوية وبين الوضع الطبقي التعيس الذي كانت عليه طبقة "أشباه النبلاء"** الفرنسية في مؤخر القرن السابع عشر. ففي حين أن الوعي الطبقي لدى لوكاش يتحدى النظام الرأسمالي، لابل ويتمرد عليه لمقاومته فعلاً، نجد أن النظرة المأساوية إليه من لدن غولدمان موضع التعبير التام والمطلق من قبل أعمال باسكال وراسين. إن من الصحيح أن نقول أن النظرة المأساوية ليست موضع التعبير المباشر من قبل ذينك الكاتبين، وصحيح أيضاً أن نقول أن الباحث الحديث بحاجة ماسة، للإتيان بالتطابق بين الرؤية الدنيوية وبين التفاصيل التجريبية، لأسلوب من أساليب البحث الديالكتيكية البالغة التعقيد، مع العلم أن التكييف الذي أجراه غولدمان على نظرية لوكاش ينزع عنها دورها الثوري. فمجرد وجود الوعي الطبقي، أو النظري، بالنسبة للوكاش، كاف بحد ذاته للإيحاء له بمشروع الإطاحة بالأشكال الموضوعية. وأما بالنسبة لغولدمان فإن إدراك الوعي الطبقي أو الجماعي ماهو قبل أي شيء إلا ضرورة استبحارية ومن ثم التعبير -في أعمال كتاب من ذوي الامتيازات الرفيعة- عن وضع اجتماعي محدود بشكل مأساوي. إن الوعي المنسوب لمصدره لدى لوكاش هو حاجة نظرية ممتنعة على الإثبات، ولو أنها حاجة نظرية مسبقة بشكل مطلق، إن كان المرء يود الإتيان بالتغيير في الواقع الاجتماعي، إذ في النسخة التي جاء بها غولدمان عن ذلك الوعي، وهي النسخة المقصورة باعتراف الجميع على وضع محدود جداً، يقوم التعبير عن النظرية والوعي في الرهان الذي يراهنه باسكال على إله صامت ومحجوب عن الأنظار "deus absconditus"، كما ويقوم التعبير عنهما بالنسبة لغولدمان الباحث العلمي، كما ينعت نفسه، في التطابق النظري بين النص والواقع السياسي. ولئن وضعنا الأمر في إطار آخر لقلنا إن النظرية عند لوكاش تبدأ كنوع من التنافر الممنوع من التقليص بين العقل والشيء، في حين أنها بالنسبة لغولدمان هي العلاقة المتماثلة التي من الممكن رؤيتها موجودة بين جزء فارد وكل متلاحم. إن الفرق بين النسختين المطروحتين عن نظرية لوكاش حول النظرية لفرق واضح تماماً: فلوكاش يكتب كمشارك في صراع (الجمهورية السوفياتية الهنغارية لعام 1919)، في حين أن غولدمان يكتب كمؤرخ منفي في السوربون. فانطلاقاً من وجهة نظر واحدة يمكننا أن نقول أن التكييف الذي كيف به غولدمان نظرية لوكاش يخفض منزلة النظرية، يقلل من أهميتها، يشذبها بعض الشيء وفق مقتضيات أطروحة دكتوراه في باريز. ولكنني لا أتصور هنا أن ذلك التخفيض ينطوي على أي مضمون أخلاقي، بل إنه (كما يدل أحد معانيه الثانوية) ينقل تخفيض اللون، وزيادة ابتعاد المسافة، وفقدان القوة المباشرة الذي يطرأ حين إجراء المقارنة بين أفكار غولدمان عن الوعي والنظرية وبين المعنى والدور اللذين يقصدهما لوكاش بالنظرية. وليس في نيتي فضلاً عن ذلك أن أوحي أن هنالك شيئاً من الخطأ الكامن في التحويل الذي حول به غولدمان الوعي من وعي مقاوم ومعارض معارضة جذرية إلى وعي بمقدوره استيعاب التطابق والتماثل. فكل مافي الأمر لايعدو القول بأن الوضع قد تغير بما يكفي لحدوث التخفيض، مع أنه مامن شك في أن قراءة غولدمان للوكاش تمحو تلك المسحة النبوية تقريباً عن النسخة التي جاء بها هذا الأخير عن الوعي. يالكثرة ماتعودنا أخيراً على أن نسمع أن كل الاقتباسات والقراءات والتأويلات ماهي إلا قراءات مغلوطة وتأويلات مغلوطة حتى كدنا أن نعتبر أن حادثة غولدمان/لوكاش ليست إلا قسطاً ضئيلاً آخر من الدليل على أن أي إنسان، حتى الماركسي، يسيء القراءة ويسيء التأويل. بيد أنني أعتبر أن مثل هذا الاستنتاج مقنع بتاتاً. فهو يوحي ضمناً، قبل أي شيء آخر، أن البديل الممكن الوحيد عن النسخ الذميم هو القراءة المغلوطة الخلاقة، وأن إمكانية الوساطة شيء لا وجود له. وثانياً: إن الفكرة القائلة أن كل القراءة قراءة مغلوطة ماهي أساساً، حين يصار إلى رفعها لسوية مبدأ عام، إلا إلغاء لمسؤولية الناقد. فليس من الكافي بتاتاً بالنسبة للناقد الذي يحمل فكرة النقد على محمل الجد أن يقول بمنتهى البساطة أن التأويل هو إساءة تأويل، أو أن الاقتباسات تنطوي ضمناً على قراءات مغلوطة بشكل لامناص منه. إن الأمر على النقيض من ذلك تماماً: إذ يبدو لي أن من الممكن تماماً تقويم القراءات المغلوطة (بالشكل الذي تحدث فيه) بأنها جزء من الانتقال التاريخي الذي تنتقله الأفكار والنظريات من إطار إلى آخر. لقد كتب لوكاش لصالح وضع، وفي وضع، كان ينتج أفكاراً عن الوعي والنظرية، وأفكاراً مختلفة جداً عن الأفكار التي جاء بها غولدمان في وضعه الذي كان فيه. فلئن تدعو عمل غولدمان بأنه قراءة مغلوطة لعمل لوكاش، ولئن تربط للتو مباشرة بين قراءة مغلوطة لنظرية عامة عن التأويل وبين إساءة التأويل، يعني عدم إعارة أي اهتمام نقدي للتاريخ وللوضع اللذين يلعبان كلاهما دوراً هاماً وحاسماً في تغيير أفكار لوكاش وتحويلها إلى أفكار خاصة بغولدمان. وإن هنغاريا إبان عام 1919 وباريز في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمثلان محيطين مختلفين الاختلاف كله. وإلى الحد الذي تتم فيه قراءة لوكاش وغولدمان قراءة دقيقة، يصبح بمقدورنا إلى ذلك الحد نفسه أن نفهم التغيير النقدي -في الزمان وفي المكان- الذي يحدث بين كاتب وآخر، مع العلم أنهما يعتمدان معاً على نظرية لإنجاز شيء معين من العمل الفكري. وهنا ما من حاجة تدعوني للجوء إلى نظرية عن التداخل النصي الذي لاحدود له لكي تكون نقطة أرخميدس* خارج إطار الوضعين معاً. فالرحلة الخاصة من هنغاريا إلى باريز، بكل ماينجم عنها من نتائج، تبدو قاهرة جداً وكافية جداً لصالح التمحيص النقدي، إن لم نكن راغبين في الاستغناء عن الوعي النقدي واللجوء إلى الشعوذة النقدية. ففي المقارنة بين لوكاش وغولدمان نتيقن من الحد الذي تكون فيه النظرية رد فعل على وضع تاريخي واجتماعي محدد، ألا وهو الوضع الذي تشكل فيه المناسبة الفكرية قسطاً منه. وهكذا فإن الشيء الذي يكون وعياً متمرداً في مثل من الأمثلة يصبح رؤية مأساوية في مثل آخر، وذلك نظراً لتلك الأسباب التي تتوضح عند إجراء مقارنة جادة بين بوادبست وباريز. وهنا لاتحدوني الرغبة إلى الإشارة بأن بوادبست وباريز هما اللتان حددتا نوعية النظرية لدى كل من لوكاش وغولدمان، بل ماأقصد بالفعل هو أن بودابست وباريز هما الشرطان الأوليان الممنوعان من التقليص، وهما الشرطان اللذان يطرحان الحدود ويمارسان الضغوط التي يرد عليها كل كاتب منهما، مع التسليم بداهة بمواهب ونوازع واهتمامات كل منهما على حدة. هيا بنا الآن نجتاز خطوة إضافية مع لوكاش، أو بالأحرى مع تلك النسخة التي استخدمها غولدمان عن لوكاش: أي نسخة غولدمان التي أفاد منها ريموند وليامز. فبما أن وليامز كان قد ترعرع في تراث الدراسات الإنكليزية في كامبردج وتدرب على تقنيات ليفز وريتشاردز، كان تكوينه تكوين ذلك المتبحر الأدبي الذي لم تكن فيه أية فائدة للنظرية. إنه يتحدث بلغة تثير الحنق إلى حد ما عن الكيفية التي تمكن مفكرين تثقفوا بالطريقة التي تثقف بها من أن يستخدموا "لغة مستقلة تحدد ذاتها بذاتها" وتعبد التفاصيل الدقيقة الملموسة عبادة الأصنام، الأمر الذي كان يعني أن بمقدور المفكرين التقرب من السلطة والتحدث بلغة التطهير عن أدق الرموز، وأن عليهم أن يجاهروا بالولاء للتجسيد المادي لابنيّة استنتاجه، وأن يتحدثوا بدلاً من ذلك عن التلازم الموضوعي، لا لتبيين مكان التسوية على الرغم من معرفتهم بموضع التنفيس(15). فها هو وليامز يخبرنا أن غولدمان جاء إلى كامبردج في عام 1970 وألقى محاضرتين هناك. وهذه الزيارة كانت حدثاً ضخماً، طبقاً لما جاء به وليامز في المقالة التذكارية الشجية التي كتبها عن غولدمان بعد مماته، وذلك لأنها طرحت النظرية على كامبردج، كما يدعي وليامز، حيث استوعبها واستخدمها، بالشكل الذي كانت عليه، كل المفكرين المتضلعين في التراث الأوربي الرئيسي. ولقد حرض غولدمان وليامز على إطراء مساهمة لوكاش كونها جعلتنا نفهم تلك الكيفية التي استحال بها التجسيد المادي إلى موضوعية زائفة بمقدار ماكان الأمر يتعلق بالمعرفة، وإلى تشويه ينخر، في الوقت نفسه أيضاً، كل ثنايا الحياة والوعي أكثر من أي شكل آخر من أشكال النشاط البشري في عصر "هيمنة الفعالية الاقتصادية على كل ما عداها من الفعاليات البشرية". ويتابع وليامز قائلاً: إن فكرة الانجماع كانت إذاً سلاحاً نقدياً ضد هذا التشويه بالحصر، لابل وضد الرأسمالية نفسها في حقيقة الأمر. ومع ذلك لم يكن هذا الإجراء بمثابة نزعة مثالية- أي توكيد سيادة قيم أخرى. ولكن على العكس تماماً: فكما أن هذا التشويه لايمكن فهمه في جذوره إلا من خلال تحليل تاريخي لنوع خاص من الاقتصاد، كذلك محاولة التغلب عليه وتجاوزه لايمكن أن تقوم في شاهد فارد أوفي فعالية مستقلة، وإنما تقوم في جهد عملي بغية العثور على غايات اجتماعية إنسانية أسمى، وتوكيدها وتوطيدها، بوسائل اقتصادية وسياسية وإنسانية أسمى(16). ومرة ثانية تعرضت فكرة لوكاش -وهي في هذه الحالة الفكرة الثورية العلنية عن الانجماع- لشيء من الترويض. فبدون أية رغبة عندي بشكل من الأشكال للتقليل من أهمية مافعلته أفكار لوكاش (من خلال غولدمان) لصالح الدراسات الإنكليزية وقتما كانت في حالة جمود عليل في كامبردج في مؤخر القرن العشرين، أرى أن الحاجة الماسة تدفعني للقول بأن تلك الأفكار قد صيغت بالأصل لتفعل شيئاً أكثر من مجرد قلقلة حفنة من أكابر أساتذة الأدب. بيد أن هذه النقطة نقطة واضحة ناهيك عن أنها بسيطة، إذ إن الأهم هو التالي: فنظراً لأن كامبردج ماهي بوادبست الثورية، ونظراً لأن وليامز ماهو لوكاش المناضل، ونظراً لأن وليامز ناقد تأملي- وهذه نقطة عويصة- أكثر مماهو ثوري ملتزم، فإن بمقدوره رؤية حدود نظرية ماتبدأ كفكرة تحريرية ولكنها يمكن أن تتحول، على الرغم من ذلك، إلى فخ لذاتها هي. على أعلى المستويات العملية كان يسيراً علي أن أوافق [على أن نظرية لوكاش عن الانجماع كانت رداً على التجسيد المادي]. ولكن الحديث عن مجمل قوة التفكير بلغة الانجماع يعني التوكيد على أننا جزء منه، أي وضع كل وعينا وعملنا ومناهجنا في زاوية نقدية محفوفة بالمخاطر. لقد كان في ذلك الميدان الخاص، ميدان التحليل الأدبي، هذه العقبة الواضحة: ألا وهي أن معظم العمل الذي كان علينا أن نتفحصه كان نتاج نفس هذا الوعي المتجسّد مادياً، حتى إن ذلك الشيء الذي ظهر بمظهر الغنيمة المنهجية (الميثودولوجية) صار، وعلى جناح السرعة، مظنة الفخ المنهجي. ولكن لما يكن بوسعي حتى الآن إطلاق هذا الحكم النهائي على لوكاش كوني لما أتوصل بعد إلى عمله كله، غير أن بعض ما جاء في عمله على الأقل، كالتبصرات الأساسية الواردة في كتاب "التاريخ والوعي الطبقي"، التي تنصل حالياً منها ولو بشكل جزئي، تتعذر ترجمته إلى ممارسة نقدية [وهنا يلمح وليامز إلى العمل التالي الذي أصدره لوكاش عن الواقعية الأوربية، والذي كان أقل صقلاً بكثير من كتاب "التاريخ و...."] فضلاً عن أن بعض العمليات الأقل إتقاناً تدأب على معاودة الظهور -ولا سيما ما يتعلق منها بالقاعدة والهيكل العلوي. وأما أنا فلا أزال أقرأ غولدمان بروح من التعاون والنقد ولا أزال أطرح السؤال نفسه لأنني على ثقة تامة أن تطبيق الانجماع لا يزال بالنسبة لأي واحد منا، وفي أي زمان، غاية في العسر لا بل وغاية في الوضوح أيضاً. إن هذا المقطع لمثار الإعجاب، ولكن على الرغم من أن وليامز لا يقول شيئاً عن التكرار الكرار في العمل الذي أصدره غولدمان لاحقاً، فإن من الأهمية بمكان كبير أن يكون قد تعلم، ولو من نظرية إنسان آخر، رؤية حدود النظرية ولا سيما حقيقة إمكانية تحول الغنيمة إلى فخ، إن تم استخدام النظرية بشكل عشوائي وكرار وبلا حدود. فما يعنيه، على ما أتصور، هو أن أية فكرة ما أن يكون لها رواجها نظراً بمنتهى الوضوح لفعاليتها وقوتها حتى تقوم كل الاحتمالات، خلال مهاجراتها، لتقزيمها وتصنيفها وتوشيحها وشاح المؤسسات. إن ذلك العرض الرائع المعقد الذي عرض به لوكاش ظاهرة التجسيد المادي استحال بالفعل إلى نظرية تأملية بسيطة، ولو إلى حد ما طبعاً، على يدي غولدمان، مع العلم أن وليامز لم يقل ذلك عن صديق قديم مات منذ عهد قريب لأنه كان حزيناً عليه ذلك الحزن الوقور. فالتماثل، بعد كل ما قيل، ما هو إلا نسخة منقحة عن نموذج القاعدة والهيكل العلوي الدولي الثاني القديم*. إن تأملات وليامز، علاوة على تذكيرها لنا بالشيء الذي يحدث بالتحديد لنظرية طليعية، تساعدنا على الإتيان بتعليق آخر حول النظرية بعد أن تنبثق من صميم وضع ما وتصبح من ثم قيد الاستخدام وتهاجر وتحظى بالقبول على نطاق واسع. فلئن كان من الممكن لنظرية "التجسيد والانجماع" (إن حولنا الآن نظرية لوكاش إلى عبارة موجزة لتبسيط المرجعية) أن تكون أداة للتقليص، لن يكون هنالك أي سبب يمنعها من أن تكون شاملة جداً وفعالة جداً بدون انقطاع، وأن تنشر عادة فكرية على أوسع نطاق. وبوجيز العبارة، إن كان بمقدور نظرية ما أن تنزل إلى تحت، إن جاز التعبير أي أن تصبح تقليصاً دوغماتياً لنسختها الأصلية، يكون بمقدورها أيضاً أن ترتفع إلى فوق حتى تصل إلى نوع من اللاتناهي الرديء، ألا وهو الاتجاه الذي كان يقصده لوكاش نفسه بخصوص نظرية التجسيد والانجماع. فالحديث عن نبذ لا يكل ولا يمل للأشكال الموضوعية، والحديث كما يتحدث في المقالة عن الوعي الطبقي، عن كيفية كون النهاية المنطقية للتغلب على التجسيد المادي هي الإبادة الذاتية للطبقة الثورية نفسها، يعني أن لوكاش قد دفع نظريته أشواطاً إلى الأمام وإلى الأعلى، أي إلى حد غير مقبول (في رأيي أنا). إن التناقض الذي تنطوي عليه هذه النظرية- ولربما معظم النظريات التي تتطور كردود على ضرورة التحرك والتبدل- هو أنها تخاطر بالتحول إلى مبالغة نظرية، إلى مسح نظري لذلك الوضع الذي صيغت بالأصل لمعالجته أو التغلب عليه. فلئن يصف المرء "تعاقباً دائباً للتحجر والتناقض والتحرك" نحو الانجماع كعلاج نظري للتجسيد المادي ما هو إلا، بمعنى ما، استبدال صيغة ثابتة بصيغة أخرى. وإن القول عن النظرية والوعي النظري بأنهما، كالقول الذي يقوله لوكاش، يتداخلان في التجسيد المادي ويستهلان عملية ليس بالقول الدقيق بما يكفي كي يأخذ في اعتباره، وفي حساباته، التفاصيل وضروب المقاومة التي يبديها واقع حرون متجسد مادياً للوعي النظري. وعلى الرغم من البهاء الذي يتحلى به الوصف الذي جاء به لوكاش للتجسيد المادي، وعلى الرغم من كل دقته فيه، فإنه لم يكن قادراً على أن يرى كيف أن التجسيد المادي نفسه حتى تحت مظلة الرأسمالية لا يمكن أن يكون كلي الهيمنة- ما لم يكن لوكاش مستعداً بالطبع أن يترك شيئاً يقول بأن الانجماع النظري (وسيلته الثورية للتغلب على التجسيد المادي) أمر ممكن، أي أن الانجماع على شكل تجسيد مادي كلي الهيمنة أمر ممكن نظرياً تحت مظلة الرأسمالية. فلئن كان التجسيد المادي كلي الهيمنة، كيف يكون إذاً بمقدوره لوكاش أن يفسّر عمله هو كشكل من أشكال الفكر البديل تحت وطأة التجسيد المادي؟ ولربما أن هذا بقضه وقضيضه مجرد هياط ومياط وشعوذة. ومع ذلك يبدو لي أن المسافة التي نأى بها وليامز عن لوكاش الشاب المتأجج حماسة تنطوي، مهما كانت بعيدة زماناً ومكاناً، على فضيلة استثنائية حتى بالنسبة لبرودة تأملاته النقدية حول لوكاش وغولدمان اللذين لولا ذلك لكان فكرياً على أوثق ارتباط حميم معهما كليهما. فهو يأخذ عن هذين الرجلين إدراكاً نظرياً نفاذاً بالقضايا التي ينطوي عليها ربط الأدب بالمجتمع، بالشكل الذي يطرحه فيه في مقالته النظرية الوحيدة المثلى المعنونة بـ "القاعدة والهيكل العلوي في النظرية الثقافية الماركسية". فالمصطلحات الفنية المطروحة في النظرية الجمالية الماركسية لرسم حدود ذلك الميدان المتعرج والمعقد القائم بين القاعدة والهيكل العلوي لمصطلحات غير وافية بالغرض على العموم، ولذلك فإن وليامز يمضي قدماً للإتيان بالعمل الذي يجسد نسخته النقدية عن النظرية الأصلية. إنه يعرض نسخته على أحسن ما يرام، كما أتصور، في كتابه المعنون بـ"السياسة والأدب" حيث يقول: "مهما بلغت هيمنة نظام اجتماعي ما، فإن معنى هيمنته نفسها تقضي ضمناً بوجود تحديد أو اصطفاء للفاعليات التي يغطيها، ولذلك لن يكون بوسعه تحديداً استنفاد كل الخبرة الاجتماعية التي تشتمل دائماً، نظراً لذلك، على حيّز لقيام أفعال بديلة ونوايا بديلة من تلك التي لما تتبلور بعد كمؤسسة اجتماعية أو حتى كمشروع اجتماعي"(18) فكتاب "الريف والمدينة" يدوّن كلاً من حدود الهيمنة وبدائلها على شكل ردود أفعال عليها، مثلما عليه الأمر في حالة جون كلير الذي يسم عمله "نهاية الشعر الرعوي [كتقليد منهجي لوصف الريف الإنكليزي] بمجرد الصدمة التي واجهته جراء اصطدامه بالخبرة الريفية الفعلية". إن نفس وجود كلير كشاعر صار محفوفاً بالمخاطر نظراً لإزالة النظام الاجتماعي المقبول من المشهد المألوف الذي تزيا بالزي المثالي على أيدي جونسون وثومسون، الأمر الذي أدى إلى ذلك التحول الذي تحوله كلير- كإجراء بديل لما يكن وقتها قد صار موضع التحقق الكامل ولما يكن قد استسلم الاستسلام المطلق للعلاقات اللاإنسانية التي ترسخت في ظل نظام استغلال السوق- إلى "اللغة الخضراء للطبيعية" أي إلى الطبيعة لتكون هدف التمجيد بطريقة جديدة على ألسنة أكابر الشعراء الرومانسيين"(19). ما من سبيل لتقزيم الحقيقة التي مفادها أن وليامز ناقد هام نظراً لمواهبه وتبصراته. بيد أنني على قناعة أن من الخطأ التقليل من أهمية الدور الذي لعبه في كتاباته الناضجة ذلك الشيء الذي كنت أدعوه بالنظرية المستعارة أو المهاجرة. فعلينا أن نستعير بالتأكيد إن كنا نريد التملص من كوابح محيطنا الفكري المباشر. ونحن بأمس الحاجة لنظرية لكل أنواع الأسباب التي قد ينطوي تكرارها الآن على ملل كبير. ولكن الشيء الذي نحتاجه أكثر بكثير من النظرية هو الإدراك النقدي الذي مفاده أنه ما من نظرية قادرة على التنبؤ بكل الحالات التي قد تكون مفيدة فيها، وتغطية تلك الحالات وتطويقها. وهذا القول ما هو إلا طريقة أخرى للقول، كما يقول وليامز، بأنه ليس بوسع أي نظام فكري أو اجتماعي أن يكون على هيمنة كبيرة إلى الحد الذي يجعله لا محدوداً في قوته. وهكذا فإن وليامز يتوفر له ذلك الإدراك النقدي الذي يستخدمه بمنتهى التعقل لكي يصف ويسوغ ويصقل استعاراته من لوكاش وغولدمان، علماً أن علينا أن نعجل ونضيف أن حيازته ذلك الإدراك لا تجعله معصوماً عن الخطأ ولا أقل تعرضاً للمغالاة. ولكن ما لم تكن النظرية قاطعة، من خلال جوانب نجاحها أو جوانب فشلها، حيال هذا الوجود الفوضوي أساساً، والسائب أساساً، الذي يشكل قسطاً كبيراً من الأوضاع الاجتماعية والتاريخية (وهذا ينطبق سواء بسواء على النظرية التي تنبثق من أي مكان وعلى النظرية "الأصلية")، فإنها تصبح فخاً إيديولوجياً تنصيد وتسمّر مستخدميها والشيء الذي يدور استخدامها عنه في آن واحد معاً. وفي هذه الحالة يصبح النقد أمراً غير ممكن أبداً. فالنظرية، باختصار، لا يمكن لها أن تكون كاملة البتة، شأنها بذلك شأن ولوع المرء بالحياة اليومية ولوعاً لا سبيل لاستنفاده أبداً من خلال الإتيان بمتشابهات عنه أو بصور نموذجية أو بتجريدات. إن المرء ليستمد المتعة بالتأكيد من فلاحه في أن يجعل الأدلة تحتل مكانها المناسب في مخطط نظري أو تفعل فعلها فيه، وإن لمن السخف بمكان كبير أن يتقول المرء أن "الوقائع" أو "النصوص العظيمة" لا تستدعي أي إطار عمل نظري أو أي منهج لتكون بموجبه موضع إطراء مناسب أو قراءة مناسبة. فما من قراءة حيادية أو بريئة، وعلى المنوال نفسه ما من نص وما من قارئ إلا، إلى حد ما، نتاج منطلق نظري مهما كان هذا المنطلق ضمنياً أو لا شعورياً. وهأنذا أسوق الحجج على أننا نميز بين النظرية وبين الوعي النقدي بالقول أن هذا الأخير نوع من أنواع الإحساس المكاني، أي نوع من أنواع تقدير المقدرة الشخصية على تحديد موقع النظرية أو مكانها، وهذا يعني أن الواجب يقضي بإدراك المكان والزمان اللذين تنبثق عنهما النظرية كقسط من ذلك الزمان حيث تفعل فعلها فيه ولفائدته وحيث تستجيب له، ومن ثم يصبح بالإمكان لاحقاً إجراء المقارنة بين المكان الأول وبين الأمكنة التالية التي تبرز فيها النظرية كي تكون قيد الاستعمال. فالوعي النقدي هو إدراك الفروق القائمة بين مكان وآخر، علاوة على أنه إدراك الحقيقة التي مفادها أنه ما من منظومة أو نظرية تستنفد المكان الذي تنشأ فيه أو المكان الذي تترحل إليه. والوعي النقدي هو، قبل أي شيء آخر، إدراك ضروب المقاومة للنظرية، وإدراك ما تواجه من ردود أفعال أو تأويلات متضاربة معها. وإنني لأود بالفعل أن أشتط إلى حد القول أن مهمة الناقد ما هي إلا الإتيان بضروب المقاومة للنظرية، وتشريع أبوابها باتجاه الواقع التاريخي، باتجاه المجتمع، باتجاه الحاجات والمصالح البشرية، لتوضيح تلك الأمثلة الملموسة المستمدة من الواقع اليومي الذي يقع خارج أو خلف إطار التأويل المحدد سلفاً بالضرورة والمقيد من ثم بأية نظرية. إن الكثير من هذا يؤول إلى التوضيح إذا قارنا لوكاش ووليامز من ناحية أولى مع غولدمان من ناحية ثانية. لقد قلت من قبل أن وليامز عارف بما يدعوه بالفخ المنهجي. وأما لوكاش، من طرفه، فيبين في حياته المسلكية كمنظّر (إن لم يكن في النظرية الناضجة نفسها) معرفة عميقة بضرورة الانتقال من متاهة النزعة الجمالية إلى العالم الواقعي المتمثل بالسلطة والمؤسسات، في حين أن غولدمان، على النقيض من ذلك، أسير شرك حتمية التماثل التي تكشف عنها كتابته الرائعة والمقنعة لاسيما في كتابه المعنون بـ"الإله الخبيء" (Le Dieu caché). إن التسييج النظري، شأنه شأن العرف الاجتماعي أو العقيدة الثقافية، لعنة على الوعي النقدي الذي يفقد حرفته حين يفقد معناه الفعال المتمحور حول عالم مفتوح عليه أن يمارس مقدراته فيه. إن أفضل الدروس الناجمة عن ذلك هو الدرس الموجود في الكتاب الفخم للانتريشيا المعنون بـ "بعد النقد الجديد" الذي هو بمثابة سرد مقنع كله للشيء الذي يدعوه بـ"المساجلات المشلولة حالياً حول النظرية الأدبية المعاصرة(20). ففي مثل في أعقاب مثل آخر يبين التوهين والترقيق اللذين يلحقان بأية نظرية ليست نسبياً موضع الاختبار من قبل العالم الاجتماعي وليست معرضة لتسييجه المعقد، ألا وهو ذلك العالم الذي ليس البتة مجرد بيئة لينة العريكة يسيرة الاستخدام لسن قوانين المواقف النظرية. (فكترياق لبلاء الخواء الذي ابتلى به الموقف الأمريكي، يوجد في كتاب فردريك جيمسون المعنون بـ"اللاوعي السياسي" وصف مفيد غاية الفائدة لثلاثة "آفاق سيمانتيه" يجدر أخذها بالحسبان ديالكتيكياً من قبل المفسر على أنها أجزاء من عملية فك طلاسم الرموز، الأمر الذي يدعوه أيضاً "بالنمط الثقافي للإنتاج")(21). ومع ذلك علينا أن ندرك أن الواقع الاجتماعي الذي كنت ألمح إليه ليس بأقل تعرضاً للمبالغة في التلخيص النظري، حتى حين يتعمد، كما سأبين في حالة فوكو، بحث تاريخي في غاية القوة إلى الخروج بنفسه من الأرشيف إلى عالم السلطة والمؤسسات، وتحديداً إلى تلك المقاومات للنظرية التي تتغافل عنها وتسقطها من حاسبها أشد النظريات شكلية- كالتفكيك والسيميوطيقا والتحليل النفسي اللاكاني* والماركسية الآلثوسيرية التي كانت هدفاً لهجوم إ. ب. ثومبسون(22). إن العمل الذي قام به فوكو لمن أكثر الأعمال تحدياً وذلك لأن النظرة إلى فوكو هي أنه بحق خصم نموذجي للشكلية اللااجتماعية واللاتاريخية. بيد أنه يقع أيضاً، كما أتصور، ضحية لتقليل قيمة النظرية تقليلاً منهجياً بتلك الطرق التي يعتبرها أتباعه أدلة على عدم إذعانه للشعوذة. إن فوكو ليجسد مفارقة عجيبة. فحياته المسلكية تقدم لجمهوره المعاصر له مساراً أخاذاً بشكل استثنائي يبلغ ذروته، في زمن أحدث عهداً بكثير، في الإعلان الذي أعلنه هو نفسه، والذي أحاله أتباعه لمصلحته، ومفاده أن موضوعه الحقيقي هو العلاقة بين المعرفة والسلطة. ونظراً لبهاء أدائه في الميدانين النظري والعملي، فإن السلطة والمعرفة (pouvoir and savoir) أتاحتا لقرائه (ولسوف يكون من الوقاحة ألا أعد نفسي بينهم، لا بل وراجعوا أيضاً كتاب جاك دونزيلوت المعنون "بشرطة العائلات") العدة للتعامل مع المفاهيم لتحليل الخطابات الذرائعية التي تتناقض تناقضاً صارخاً مع ذلك الميتافيزيك الجديب نسبياً الذي كان ينتجه عادة تلاميذ منافسيه الفلسفيين الكبار. ومع ذلك فإن أقدم عمل من أعمال فوكو كان من وجوه عديدة غافلاً بشكل ملفت للنظر عن قوته النظرية الخاصة. فحين تعيدون قراءة كتاب "تاريخ الحماقة" بعد كتاب "الرقابة والعقاب" ستصابون بالذهول من جراء الاستشراف المذهل الذي كان عليه الكتاب الأول بالنسبة للثاني، ولسوف تصابون بالذهول أيضاً حين تكتشفون أن فوكو حتى وهو يعالج الحبس والحجر، وهو الموضوع الذي كان يهجس في ذهنه، في بحثه البيمارستانات والمستشفيات، لم يأت على ذكر السلطة صراحة أبداً، لا ولم يأت على ذكر الإرادة "volonté" أيضاً. وأما كتابه المعنون بـ "الكلمات و..." فيقوم عذره، في التغافل عن ذكر السلطة، في أن الموضوع الذي كان يبحثه فوكو فيه كان تاريخ الفكر لا تاريخ المؤسسات، في حين أن كتاب "علم آثار المعرفة" يتضمن بعض التلميحات هنا وهناك مما يدل على أن فوكو بدأ يدنو من موضوع السلطة من خلال عدد من التجريدات التي تعني السلطة ضمناً: إذ إنه يشير فيه إلى أشياء من أمثال القبول والتكديس والمحافظة والتشكيل المعزوة كلها لإنشاء المقولات والخطابات والأرشيفات والوظائف التي تقوم بها، غير أنه يفعل ذلك دون أن يهدر شيئاً من وقته على ذكر ما قد يكون المصدر العام لقوتها ضمن المؤسسات أو في ميادين المعرفة أو حتى في المجتمع نفسه. فنظرية فوكو عن السلطة -التي سوف أقيد نفسي بها هنا- تنبثق عن محاولته تحليل الفعل الذي تفعله أنظمة الحبس من الداخل، أي تلك الأنظمة التي تعتمد في أدائها وظائفها على كل من ديمومة المؤسسات ومن تفريخ الإيديولوجيات التقنية التي تسوغ وجود تلك المؤسسات. وما هذه الإيديولوجيات إلا الخطابات والمعارف التي ينهمك بها فوكو. ففي عرضه الواقعي لبعض الواقف المحلية التي تحتشد فيها مثل هذه السلطة ومثل هذه المعرفة لا نظير له، علاوة على أن ما فعله لشيء في غاية التشويق بأي معيار. إن السلطة كي تكون فاعلة يجب أن يكون بوسعها، كما يقول في كتاب "الرقابة والعقاب"، تدبير التفاصيل والتحكم بها وحتى خلقها أيضاً: إذ كلما تزايدت التفاصيل تزايدت السلطة الفعلية، إدارة تفرخ وحدات يسيرة الإدارة، الأمر الذي يفرخ بدوره معرفة ذات مزيد من التفاصيل، ومعرفة ذات تحكم أدق. فالسجون، كما يقول في تلك الفقرة التي لا تنسى، ما هي إلا المصانع التي تنتج الجنوح، وما الجنوح إلا المادة الخام للخطابات التأديبية. إنني لا أجد أية مشكلة فيما يتعلق بأوصاف وملاحظات مخصصة من هذا النوع، ولكن حين تتحول اللغة الخاصة لفوكو إلى لغة عامة (أي حين ينتقل بتحليلاته للسلطة من التفاصيل إلى المجتمع ككل) تتحول الغنيمة المنهجية إلى فخ نظري. ومن الطريف أن هذا الأمر يزداد وضوحاً زيادة طفيفة حين يقوم نقل نظرية فوكو من فرنسا وزرعها في عمل أتباعه فيما وراء البحار. فمنذ عهد قريب، على سبيل المثال، كان موضع التهليل بلسان إيان هاكينغ باعتباره بديلاً صعب المراس لأولئك الناس المتخلفين أكثر من اللزوم والتقدميين "الحالمين" من الماركسيين (ومن هم أولئك الماركسيون؟ الماركسيون كلهم؟)، وباعتباره خصماً فوضوياً لدوداً لناعوم تشومسكي الموصوف وصفاً غير مناسب بأنه "مصلح ليبرالي حصيف إلى حد الروعة"(23). هذا في حين أن كتاباً آخرين، ممن يرون بشكل صائب أن بحوث فوكو عن السلطة تلعب دور نافذة الإنعاش المفتوحة على العالم الواقعي للسلطة والمجتمع، أساءوا عشوائياً قراءة إعلاناته ونعتوها بأنها أحدث شيء عن الواقع الاجتماعي(24). وما من شك أن عمل فوكو بديل هام بالفعل للشكلية اللاتاريخية التي كان يتجادل معها على نحو ضمني، وأن رؤيته تتحلى بميزة عظيمة لكونه مفكراً مختصاً (كشيء مناقض للمفكر العام(25)) قادراً وآخرون من أمثاله على خوض معركة فدائية نطاقها صغير ضد بعض مؤسسات القمع، وضد "الصمت والتكتم". بيد أن ذلك كله لايعني تقبل رؤية فوكو المطروحة في كتاب "تاريخ الغريزة الجنسية" والقائلة أن "السلطة موجودة في أي مكان"، وتقبل كل النتائج التي تنجم ولابد عن مثل هذه الرؤية المبسّطة ذلك التبسيط الهائل(26). إن بمقدور أي واحد أن يرى أن فوكو، كما أسلفت القول، في حماسته لتفادي الوقوع في شرك النزعة الاقتصادية الماركسية، انساق إلى طمس دور الطبقات، ودور الاقتصاد، ودور العصيان والثورة في المجتمعات التي يبحثها. هيا ولنفترض أن السجون والمدارس والجيوش والمصانع كانت، كما يقول، مصانع للتأديب في فرنسا إبان القرن التاسع عشر (باعتباره يتحدث حصراً على وجه التقريب عن فرنسا)، وأن الحكم الجامع كان يهيمن عليها كلها. فما هي ضروب المقاومة التي تصدت لنظام التأديب، ولماذا لم يبحث فوكو البتة ضروب المقاومة التي تخلص دائماً إلى الإذعان لهيمنة النظام الذي يصفه، كما يسوق الأدلة نيكوس بولانتزاس بمنتهى حدة الذهن في كتاب "الدولة والسلطة والاشتراكية"؟ وأما الوقائع فإنها أكثر تعقيداً بالطبع، مثلما يستطيع أن يبين أي مؤرخ جيد لقيام الدولة الحديثة. وعلاوة على ذلك، يتابع أقواله بولانتزاس، فحتى لو قبلنا الرأي القائل أن السلطة عقلانية في جوهرها، وأنها ليست بحوزة أي إنسان ولكنها استراتيجية ومزاجية وفعالة إلى الحد الذي يجعلها تستثمر كل زوايا المجتمع، كما يدعي كتاب "الرقابة والعقاب"، فهل من الصواب أن نستنتج، كما يستنتج فوكو، أن استخدام السلطة يستنفد السلطة؟(27) أوليس من الخطأ بمنتهى البساطة أن نقول، كما يتساءل بولانتزاس، أن السلطة لاتستند إلى أي أساس في أي مكان وأن النضال والاستغلال لا يحدثان(28)، مع الإشارة إلى أن كلا هذين التعبيرين غائبان عن تحليلات فوكو؟ فالمشكلة تكمن في أن استخدام فوكو لمصطلح السلطة "pouvoér" يدور ويدور أكثر من اللزوم إلى الحد الذي يجعله يبتلع أية عقبة تعترض سبيله (المقاومات التي تقاومه، الطبقة والقواعد الاقتصادية التي تنعشه وتزكي ناره، والاحتياطات التي يكدسها هو نفسه)، ويطمس التغيير، ويعمي سلطانه المادي الصغير(29). وعلامة من العلامات الدالة على الانتفاخ الكبير الذي يمكن أن ينتفخه تصور فوكو للسلطة حين يهاجر وتنأى به المسافات هي قولة هاكينغ أنه "ما من كائن حي يعرف هذه المعرفة، وما من كائن حي يتنازل عن سلطة كهذه". فما هذا القول بكل تأكيد إلا غاية في الشطط لكي يبرهن على أن فوكو ليس ذلك التابع الساذج لماركس. إن نظرية فوكو عن السلطة هي، في حقيقة الأمر، تصور من تصورات اسبينوزا، ألا وهو ذلك التصور الذي خلب لا لب فوكو وحده بل وألباب الكثيرين من قرائه ممن يتمنون تجاوز تفاؤل اليسار وتشاؤم اليمين لكي يسوغوا الخنوع السياسي بنزعة فكرية متكلفة، ويتمنون في الوقت نفسه الظهور بمظهر الواقعيين وعلى ارتباط بعالم السلطة والواقع، علاوة على لبوسهم لبوس التاريخيين والمعادين للشكلانيين في انحيازهم. فالمشكلة تكمن في أن نظرية فوكو رسمت دائرة حول نفسها مسيجة بذلك فسحة منفردة حيث سجن فوكو نفسه فيها وسجن آخرين معه. وإن من الخطل بالتأكيد أن نقول، مع هاكينغ، أن الأمل والتفاؤل والتشاؤم قد تبدت كلها على يد فوكو بأنها مجرد توابع لفكرة عن عقل متسام موطود الأركان، باعتبار أننا تجريبياً نختبر الأمور يومياً ونتصرف بها وفقاً لتلك الأشياء دونما أية إشارة لأي "عقل" كذاك العقل الذي لاعلاقة له بتلك الأمور. وهنالك، بعد كل ماقيل، فرق معقول بين hope وHope* ، كذلك الفرق الموجود بين Logos- words**: الأمر الذي يفرض علينا ألا ندع فوكو يعبث بالخلط بين هذا وذاك، وبألا يجعلنا ننسى أن التاريخ لايمكن أن يتسنى له البناء دون عمل ونية ومقاومة وجهد وصراع، وأن لاشيء من هذه الأشياء عرضة للامتصاص بصمت في صميم صغريات شبكات أعمال السلطة. وهنالك نقد أهم من سابقه يجدر توجيهه لنظرية فوكو عن السلطة، ألا وهو ذلك النقد الذي ساقه لها تشومسكي على أحسن ماتكون البراعة. ويبدو، لسوء الحظ، أن معظم القراء الجدد لفوكو في الولايات المتحدة، لايعرفون شيئاً عن المناظرة التي جرت بينهما قبل عدة سنوات خلت على التلفزيون الهولندي (30)، ولا عن المقالة النقدية البليغة لتشومسكي عن فوكو الموجودة في كتاب "اللغة والمسؤولية". فلقد وافق كلا الرجلين على ضرورة مقاومة القمع -وهو الموقف الذي صار فوكو يجد مزيداً من المشقة منذ ذلك التاريخ في تبنيه بشكل لا لبس فيه. وأما بالنسبة لتشومسكي فقد كان يرى أن المعركة السياسية السوسيولوجية يجب أن يخوضها المرء وفي ذهنه مهمتان: أولاهما "تخيل مجتمع مستقبلي يتطابق مع مقتضيات الطبيعة البشرية بالشكل الذي نفهم فيه تلك المقتضيات على أحسن مايكون، وثانيهما طبيعة السلطة والقمع في مجتمعاتنا الراهنة"(31). لقد وافق فوكو على الثانية دون أن يتقبل الأولى بشكل من الأشكال. فأية مجتعمات مستقبلية قد نتخيلها الآن ماهي إلا، كما كان يرى، "ابتكارات حضارتنا وثمرة نظامنا الطبقي". وإن تخيل مجتمع مستقبلي تسوده العدالة لن يكون محدوداً بوعي زائف وحسب، لابل وإن التخطيط له سيكون أيضاً طوباوياً جداً بالنسبة لأي إنسان كفوكو الذي يعتقد أن "فكرة العدالة بحد ذاتها لهي تلك الفكرة التي جرى تلفيقها بالنتيجة واستغلالها في مجتمعات مختلفة كأداة لسلطة اقتصادية وسياسية معينة أو كسلاح ضد تلك السلطة"(32). وماهذا الرأي إلا شاهد حي على إحجام فوكو عن التعامل الجاد مع أفكاره عن ضروب المقاومة ضد السلطة. فلئن كانت السلطة تقمع وتهيمن وتستغل، فإن أي شيء يقاومها ليس موازياً لها أخلاقياً، ليس حيادياً وليس بمنتهى البساطة سلاحاً ضد تلك السلطة. فالمقاومة لا يمكن أن تكون بديلاً مناوئاً للسلطة ولا أن يكون وجودها مشروطاً بوجود السلطة في آن واحد معاً، إلا بمعنى من أكثر المعاني المتيافيزيكية تفاهة. وحتى لو كان من العسير إجراء التمييز، فهنالك تمييز جدير إجراؤه- مثلما يفعل تشومسكي، مثلاً، حين يقول أنه على استعداد لتقديم ماندته لطبقة بروليتاريا مسحوقة إن هي وضعت نصب أعينها العدالة كهدف لنضالها. إن التداول المزعج لنظرية فوكو عن السلطة لشكل من أشكال المغالاة في التلخيص النظري الذي تنطوي مقاومته ظاهرياً على مزيد من الصعوبة وذلك لأنه، على نقيض العديد من الأشكال الأخرى، موضع التصييغ، وموضع تكرار التصييغ والاقتباس لاستعماله فيما يبدو عليها بأنها حالات موثقة تاريخياً. ولكن الجدير بالذكر أن التاريخ لدى فوكو ماهو، في خاتمة المطاف، إلا نصي، أو بالأحرى مصبوغ بصبغة نصية، علاوة على أن شكله هو ذلك الشكل الذي لو سئل بورجز عنه لانتسب إليه، في حين أن غرامشي لو سئل السؤال نفسه لقال بأنه واجد عدم التجانس فيه. ولو طولب غرامشي بإبداء الرأي في التنقيبات الأثرية لفوكو لأطرى دقتها بالتأكيد، ولأبدى استغرابه من أنها لاتتيح حتى مبرراً إسمياً للحركات الصاعدة، ولا أي مبرر للثورات أو الهيمنة المضادة أو الكتل التاريخية. ففي التاريخ البشري هنالك دائماً شيء ما خارج متناول الأنظمة السائدة مهما كان عمق استنفاع المجتمع بها، وهذا الشيء هو مايجعل التغيير أمراً ممكناً بمنتهى الوضوح، أي مايقيد السلطة بالمعنى الذي يقصده فوكو ويكبح جماح نظرية تلك السلطة. والمرء ليس بوسعه أن يتخيل فوكو مكابداً مشقة تحليل معزز لمسائل سياسية موضع نزاع شديد، ولا ملزماً نفسه، على غرار تشومسكي نفسه وغيره من الكتاب الآخرين كجون بيرغر، بتوصيفات للسلطة والقمع بشيء من النية لتخفيف المعاناة والآلام البشرية، وآمالها الخائبة. إن أنواع النظريات التي كنت أبحثها يمكن أن تتحول بسهولة متناهية إلى عقيدة ثقافية، الأمر الذي يعني أن التوصل إليه قد يبدو بمثابة النتيجة المفاجئة. فما أن تقوم عملية تخصيصها للمدارس أو للمؤسسات حتى تحوز لها على جناح السرعة على منزلة السلطة ضمن الزمرة أو النقابة الثقافية، أو ضمن الأسرة الثقافية المتواشجة. وعلى الرغم من أن الواجب يقضي بتمييزها عن أشكال عقائد ثقافية أكثر فظاظة منها كالعرقية والقومية، فإنها ماكرة في كون مصدرها الأصلي -أي تاريخ منشئها المعارض والمناوئ- يجعل الوعي النقدي كليلاً بإقناعه أن تلك النظرية التي كانت ذات مرة متمردة لاتزال على تمردها وحيويتها وردها على التاريخ. فالنظرية، ما أن تستبقى بين أيدي اختصاصييها وكهانها، حتى تميل لإقامة الأسوار حول نفسها، إن جاز مثل هذا التعبير، غير أن هذا لايعني أن على النقاد إما أن يتجاهلوا النظرية وإما أن يفتشوا يائسين عن بدائل أجد. إن قياس المسافة بين النظرية بالأمس وفي هذا اليوم، وهنا وهناك، وتدوين الصدام الذي كانته النظرية مع ضروب المقاومة لها، والتحرك الشكاك في العالم السياسي الفسيح حيث يتوجب النظر إلى الآداب الإنسانية أو إلى الآداب الإغريقية والرومانية بأنها فروع صغيرة من المغامرة البشرية، وتعيين حدود المساحة التي تتغطى بكل تقنيات الانتشار والاتصال والتأويل، واستبقاء شيء ضئيل (ولربما متضائل) من الإيمان بجماعة بشرية معادية للقمع: فإذا لم تكن هذه الأشياء إلزامية، فإنها على الأقل تبدو بالفعل بدائل جذابة. وماهو الوعي النقدي في جذوره إن لم يكن ذلك النزوع والجموح للتفتيش عن البدائل؟ * بور رويال: مؤسسة ثقافية غربي باريز انتشعت منذ عام 1638 حتى عام 1704 حيث أغلقها البابا بأمر بابوي لأنها صارت بؤرة ثقافية حيث كان الأساتذة فيها يعملون في مضمار علم اللغة -جانسينيي: نسبة إلى كورنيل جانسين، صاحب المذهب الديني في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية- المترجم. ** أشباه النبلاء: طبقة من الأغنياء كانوا يشترون لقب النبالة بالمال ولكن ماكان يحق لهم توريث اللقب لأبنائهم -المترجم. * من المعروف عن أرخميدس قوله أنه لوتسنت له نقطة يقف فيها على سطح الأرض لتمكن من تحريك العالم كله -الترجم. * الاتحاد الدولي للأحزاب الاشتراكية والنقابات العمالية الذي بدأ في باريز عام 1889 وانهار خلال الحرب العالمية الأولى- المترجم. * نسبة إلى جاك لا كان- المترجم. * Hope: إحدى ثلاث إلهات شقيقات كن رمزاً للفتنة والجمال لدى قدماء الإغريق، في حين أن hope تعني الأمل أو الرجاء -المترجم. ** Logos: ترمز في العهد الجديد إلى السيد المسيح (الابن -أو كلمة الله) في حين أن words تعني الكلمات المحض- المترجم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |