|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:07 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
11- ريمون شواب ورومانسية الأفكار على الرغم من أن ريمون شواب كان شاعراً وكاتب سيرة وأديباً وروائياً ومحرراً صحفياً ومترجماً وأستاذاً، فإنه مجهول (من قبل معظم الهيئات الأنكلو -أمريكية النموذجية المهتمة بالحركة الرومانسية، على سبيل المثال)، علاوة على أن لاعمل من أعماله حظي بالترجمة إلى الإنكليزية. فبالنسبة لإنسان ما كانت اهتماماته تعرف أية حدود وطنية كما كانت طاقاته مكرسة ذلك التكريس العميق لكل مايتخطى الحدود الوطنية، فإن هذا التجاهل مفعم بسخرية كئيبة. لقد ولد في نانسي في عام 1884 ومات في باريز في عام 1956. وإن الشيء القليل الذي اكتشف بسهولة عن حياته وشخصيته يأتي من ثلاثة أعداد من "Mercur de France"،= (رسول فرنسا) حيث ظهرت بعض أشعاره ومذكراته التي لم تكن قد وجدت طريقها إلى النشر حتى حينه، علاوة على الذكريات التي كتبها عنه أصدقاؤه(1). ويبدو عليه أنه كان ذلك الإنسان المتواضع بعض الشيء والهادئ الذي قضى معظم حياته في خدمة الأدب. ولبضع سنين (1936-1940) أصدر بالتعاون مع غي لافود مجلة مكرسة للشعر بعنوان "Yggdrasill"(*) حيث كان من الملفت للنظر فيها شمولية اهتماماتها وانفتاحها على تيارات في الشعر غير التيارات الأوربية والعصرية. إن شواب يخلف وراءه الانطباع بأنه رجل مرهف الحس والذوق وذو تأمل عميق بطبعه وانطوائي بعاداته، وذو نوع من الإحساس الديني العنيف، ولو أنه خامد، إلى الحد الذي يدفعه لترجمة "المزامير" أو كتابة ملحمة شعرية عن "نمرود" دون أن يكون ملتزماً بالضرورة بأي دين منظم. إن شواب يماثل خورخس(**) في وجوه عديدة، هذا إن لم يكن أيضاً شخصية من شخصيات قصصه القصيرة المجموعة تحت عنوان "Ficciones"+ . فحين كان يتعاطى الأدب كان ينتج كتباً عن شخصيات مغمورة إلى حد ما من مثل ألامير بورج، وحين طلب منه أن يكتب مقدمة لترجمة فرنسية لحكايات "ألف ليلة وليلة" كتب بدلاً عن ذلك عملاً من ثلاثمائة صفحة عن أنطوان غالاند، الذي كان تلك الشخصية التي عاشت في أواخر القرن السابع عشر، والذي كان أول مترجم فرنسي "لألف ليلة وليلة". ويحكى لنا عن اهتمام خورخس بشخصيات شاذة كجون ويلكينز وج.ك. تشسترتون، اللذين أفادا من الاهتمام الجاد المفاجئ، إلى حد ما، المعروض في دراسته عنهما، وذلك لأن الكتب المجهولة والكتاب المغمورين لايستقطبون في العادة مثل هذا النوع من الاهتمام. إن كلاً من شواب وخورخس يتكشفان عن تكتم شخصي جوهري مقرون بفكرة تقريباً من أفكار مالارميه عن الكتاب المقدس -البحث عنه، عن حياته، كياسة وهدوء البطولة الموجودة فيه بصرف النظر عن الجهود المبذولة لصالحه إلى حد لايخطر على بال. وإن المرء ليخالجه الإحساس في شواب، وفي خورخس، بالطبع، بأنه يجسد مكتبة إنسانية عرضة للاكتشاف رويداً رويداً، للسير فيها ولوصفها، غير أن القيمة لاتأتيها من آدابها الكلاسيكية العريضة بمقدار ماتأتيها من شواذها المستغرب. إن التفاصيل اللامتناهية هي مايسم أهم أعمال الاستبحار لشواب حيث يمثل كتاب "الانبعاث الشرقي" أهم المنجزات(2). فالموضوع الكامن في هذا العمل هو الخبرة الأوربية للشرق، ألا وهي تلك الخبرة التي تعتمد بدورها على الحاجة البشرية لاستيعاب "الغريب والمغاير". وللوصف الذي يصف فيه شواب هذه الخبرة يضيف موهبة نادرة للتعامل مع تفاصيل شديدة التمركز ومجموعة بمنتهى الصبر والأناة. فالشرق، في رأي شواب، مهما قد تبدو درجة شذوذه "outré"، مكمل لنصف المعمورة الغربي، والعكس بالعكس. وإن المشهد، كما عبر عنه أحد المعجبين بشواب، لمشهد إنسانية متكاملة(3). وأما شكله -أي العبارة الاصطلاحية اللفظية علاوة على زاوية رؤياه -فشكل جليل وعسير في آن واحد معاً، وذلك لأن شواب يحاول دائماً أن يصف ظاهرة ما بالشكل الذي هي عليه بحد ذاتها وكشيء كان له أثره على حيوات عديدة على مدى ردح طويل من الزمن. إنه أهل لبذل ذلك الجهد المضني اللازم لتوثيق التبادلات الثقافية بين المشرق والغرب الأوربي. ولكن بمقدوره أيضاً أن يخلق بعض الزوايا الخلابة، المحجوبة عن الإطار العريض لموضوعه الكبير، التي تظهر فيها من حين إلى حين فراغات جديدة أساسية. فمثالان كافيان هنا. فأولاً: في الوصف الذي يصف فيه شواب سلسلة الأحداث المعقدة التي تسبق مغادرة غالاند باريز إلى تركيا، لايعدم الوسيلة أيضاً للكشف عن الكيفية التي كانت فيها هذه الأحداث موضع تلميح موليير في مسرحية "البورجوازي اللطيف"(4). وبعدئذ في كتاب "الانبعاث الشرقي" يبين شواب لا ذلك التكافل العجيب بين العلوم البيولوجية وبين علم اللغة الأوربي الهندي وحسب، بل وتفاعل هذه القوى في عمل كوفييه، علاوة على الأثر الاجتماعي الذي خلفه ذلك التكافل في الصالونات الباريزية في تلك الآونة. فسواء أكان الأمر يتعلق بحفنة من العبارات الشفافة ظاهرياً المنطوقة بلسان م.جوردين أوبلسان كوفييه في الصالونات التي كان يرتادها بلزاك، فإن شواب يفتح مغاليق سلسلة رائعة من التلميحات مبرهناً بذلك، مثلاً، أن تجاذب أطراف الحديث بين محدثي النعمة كان يخفي بعض الإشارات عن نشوب أزمة في العلاقات بين لويس الرابع عشر وبين البلاط التركي، أو أن فهم بلزاك للمنجزات التي جاء بها كوفييه كان مظهراً من مظاهر الانتشار الثقافي المقصور على باريز في عشرينات ذلك القرن(1820). فالتفاصيل في أمثال هذه الشواهد هي تفاصيل التأثير -أي كيفية تأثير كاتب بأم عينه أو حدث على آخر. ولكن شواب، على غرار إرخ أورباخ، شحيح في إعطاء التفسير النظري عما يفعل، علاوة على أنه قنوع، على غرار إرخ أورباخ أيضاً في بحثه في كتاب "المحاكاة" (Mimesis) الفكرة الكلاسيكية عن الأسلوبين الأدبيين الرفيع منهما والمبتذل، باعتماد موضوع صريح صراح تقريباً، أي تأثير الشرق في الغرب، والسماح لبصمات ذلك الموضوع بالظهور في أمكنة لاعد لها ولاحصر في كتلة هائلة من الأدب اللاحق. وبالفعل فإن التماثل مع إرخ أورباخ لابل وحتى ذلك التماثل الأكثر سحراً وأسراً مع أيرسنت روبرت كورتيوس يفرضان الانكفاء داخل الوطن على المعرفة الفيلولوجية لدى شواب، ولاسيما على قدرتها على الكيفية التي تتمكن بها وحدات ضخمة (أي السطوة الثقافية اللاتينية، الشرق) من أن توحي وتعيش وتتخذ شكل كتلة نصية في عصور وثقافات تالية. إن شواب مهووس إلى حد كبير جداً، على غرار أورباخ وكورتيوس وخورخس، بصورة النص كمكان للجهد البشري، كخصوبة نصية "text-ile* محشودة في هوية ثقافية تنشر الحياة البشرية أينما كان في الزمان والمكان كنتيجة. فأهمية الانبعاث الشرقي (وهو التعبير المأخوذ من العمل المهمل الذي أصدره صدره إدغار كوينت عام 1832 بعنوان "جنّي الأديان") بالنسبة لشواب تكمن في أن هذا الانبعاث الثاني عرض العالم كله أمام الإنسان الأوربي، في حين أن الانبعاث الأوربي حبسه ضمن حدود حيز لاتيني/ إغريقي مكتف بذاته. إن هذا الانبعاث الثاني، كما يسميه شواب في إحدى التعميمات المتراصة التي يفيض بها عمله، جمع الهند والعصور الوسطى وأزاح بذلك عصري أوغطس ولويس الرابع عشر فبمهمة الإزاحة توزعت بالتساوي على العواصم الكبرى: فكالكوتا زودت ولندن وزعت وباريز نقحت وعممت. إن نظرة شواب للشرق نظرة فياضة بالعمق والفائدة حتى لبوسع المرء أن يكون بلاشك على مزيد من الدقة إن وصفه بأنه شرقي أكثر مما هو مستشرق، فضلاً عن أنه إنسان أكثر اهتماماً بالإدراك الواسع منه بالتصنيف النزيه(5). وبمقدار مايمكن أن يقال عن إدراك الأوربي للشرق كان له تأثير، فإن شواب يعتقد بأنه كان تأثيراً منتجاً، وذلك لأن التأثيرات الشرقية يمكن العثور عليها أينما كان في الثقافة الرومانسية وفي الثقافة السابقة للرومانسية أيضاً. ولكن على الرغم من ذلك فإن باحثين حديثين اثنين للفترة الرومانسية، هما هارولد بلوم و و.ج. بيت، جاءا بفرضية مناقضة مفادها أن التأثير كله عاد بالقلق وإحساس بالدونية والتخلف على كتاب العصر فمن كانت الأصالة غير المتأثرة بشيء بالنسبة لهم هي الهدف الأسمى (والأقل احتمالاً). ولكن شواب يتخذ لنفسه الموقف الذي مفادها أن الحركة الرومانسية هللت للشرق كتأثير فيه النفع للشعر والنثر والعلم والفلسفة. فهنا يساهم عمل شواب تواً مساهمة دراسية ونظرية جلى: التأثير في الأدب الرومانسي باعتباره عامل إغناء وديمومة مفيدة أكثر مما هو عامل توهين وحضور مقلق. فالتفصيل هو من جديد ذلك الشيء الذي يراه شواب ويورد فيضاً منه لتعزيز التعميم. والشيء الذي يقوله على مايبدو هو أن عملاً بهذا الحجم الكبير جداً -الذي يؤرخه زمنياً بدقة متناهية تدوّخ القارئ- إذا دأب على اكتشاف الشرق بشكل إرادي وواع، يجب علينا وقتئذ أن نعتبر التأثير بأنه يزودنا، في خاتمة المطاف، بشيء لولا ذلك لكان الشعور حياله بأنه غياب مربك. والشيء الذي ينجم ماهو بالنزاع العنيف بين الكتاب حول الزمان والمكان المرسومين تخطيطاً من قبل بلوم بمثل ذلك الإلحاح، بل توفيق لاحدود له مماثل للتوفيق الذي يراه شواب في الفطرة الآسيوية، ألا وهو ذلك التوفيق الذي لايغاير فيما بين البدعة والوافد الجديد بل يرى بدلاً من ذلك أن الزمن كله ملك الشاعر: "إنه يكرر نفس النماذج المتشابكة إلى مالانهاية، لالتوفير الوقت، بل لأن بحوزته تحديداً، على النقيض من ذلك، ردحاً طويلاً من الزمن تحت تصرفه بحيث أن استنفاده له في الإتيان بتفاصيل صغيرة عابرة بالضرورة أمر لاينطوي على أية مخاطر. وهكذا فإن نقد شواب نقد مطبوع بطابع المشاركة الوجدانية. فالثنائيات والتعارضات والاستقطابات -كما بين الشرق والغرب، وبين كاتب وأخر وزمن وأخر- تتحول في كتابته إلى خطوط متصالبة ومتقاطعة، وهذا صحيح بيد أنها ترسم في الوقت نفسه صورة إنسانية هائلة. فقبل عام واحد من وفاته كانت تراوده فكرة مؤداها أن الحاجة تفضي بوجود "تاريخ عن الشعر العالمي"، ولكن من المؤسف أنه لم يكتبه، إذ كان يحاول أن يتنبأ بصورة عن الأدب كخطوة في ذلك الاتجاه(7). إن الصورة البشرية كانت دائماً تطغى على نقد شواب، ولكن مايثير اهتمامنا بها هو أن مثل هذه الصورة، حين ندركها، من منجزات الكاتب وماهي بمثابة الهبة إليه بتاتاً. فهنالك تفاصيل الجهد البشري، ومن ثم تنظيمها، وبعدئذ تصويرها كلها في نهاية الأمر. إن نقد شواب، في محاولته تخصيص موضوع دراسته واستنساخه، لقد على أوثق ارتباط بنقد كل من جورج باولي وآلبرت بيغوين وآلبرت ثيبوديه وجين ستاروبينسكي، وبنقد آخرين من أمثالهم، ممن خيالهم الصابر الدؤوب يهيمن على عمل جمع الحقائق المضني. فشواب، على نقيضهم كلهم (باستثناء ستاروبينسكي على الأرجح في "ابتكار الحرية")، يسير دائماً على هدى الأحداث واللحظات التاريخية المتميزة والتحركات الكبرى التي تتحركها الأفكار. إن الوعي، بالنسبة إليه، مسألة ثقافية مثقلة بالخبرة التجريبية في هذه الحياة الدنيا ومنها. ولئن كان يصف نشوء علم اللغة استناداً إلى المكتشفات العديدة التي جاءت من لغة الزند آمنيستا أوالسنسكيريتية أو إحدى اللغات السامية أو الأوربية /الهندية، أو كان يصف ذلك الانحباك الغني الخرافي الذي تنحبكه الموضوعات الشرقية في الكتابة الإنكليزية والفرنسية والألمانية والأمريكية، أو كان يصف حتى المعطيات الدقيقة المرتبطة بالنشاط الفني أوالعلمي في غضون تلك السنوات بين عام 1771 وبين عام 1860 على وجه التقريب، فإن عمله دائماً بمثابة الكنز الحقيقي للتبصر والمعرفة. وقبل كل هذا وذاك فعمله يعمق إطراءنا لذلك النوع النادر ندرة بالغة وخاصة من الدراسة المتأنية التي قلما يخطر فحص دورها على بال واحد من منظري النقد أو الأدب، كما أشعر. إن شواب، بصرف النظر عن ظواهر الأمور، ليس بتين "Taine" أو لانسون. فالنقد التاريخي ليس علماً بالنسبة إليه، على الرغم من أن الوقائع التاريخية جديرة بالاحترام طبعاً. ولكن تاريخ الإنسان ينال حوافزه من الرغبة بنشدان الحقيقة، لا من توطيد أركانها بمنتهى البساطة، فالتاريخ "يعلمنا أن توطيد أركان الحقيقة أقل أهمية من جعل حقيقة معينة أمراً مرغوباً. ومن هو ذلك المبتكر العظيم الذي وجد في الدنيا كلها حقيقة جديدة من دون أن يكون قد فتش عنها قبلاً في المكان المغلوط؟"(8). فلقد كتب شواب هذا الشيء عن أوائل المستشرقين، بيد انه ينطبق على عمله أيضاً. إن عجائب الأمور الثقافية التي كانت تنكب عليها كل دراسته تتمثل بالصراع بين زمرة الحقائق (لا الوقائع) التي هي موضع الاكتساب وزمرة الحقائق التي هي موضع الشعور، بالشكل الذي يحدث فيه في صميم ثقافة ما وفيما بين ثقافتين في آن واحد معاً. فشواب، الذي كان يجد له مايعززه في خلفيته، يرى أن المركب المسيحي/اليهودي في الثقافة الغربية كان مضطر للإذعان لاكتشاف حضارة أقدم منه، الأمر الذي جعل علم اللغة الأوربي/ الهندي ينافس أولوية المجتمع العبري في العقل الأوربي. وهكذا فإن ذلك العقل يستوعب لاحقاً ذلك الاكتشاف ليجعل من العالم وحدة تامة مرة أخرى. ولكن المأساة المزعجة التي عاشها الاستشراق، كما يعبر عنها شواب في الصفحات الثلاثين الأول من كتاب "الانبعاث الشرقي". تكمن في المناقشة التي استهلها الكتاب عن معنى "البدائي"، أي كيف أن عالمين مختلفين يبدوان للناظر كأنهما يطالبان بحقهما في الأصالة والعبقرية، وكيف أن فكرتين عن الحضارة والهمجية، وعن البداية والنهاية، وعن الأنطولوجيا والغائية، تعانيان من تحول صارخ في السنين الواقعة بين عام 1770 وعام 1850: وتحديداً في ذلك الزمان الذي قامت فيه رغبة عارمة للاختلاف وانتشرت في طول أوربا وعرضها واتخذت شكل الأزمة الوحيدة الناجمة عن موجة الثورات السياسية، طغت على سطح الأحداث تلك الجوانب الاستشراقية التي لاتعد ولاتحصى(31)". فمهمته إذاً هي دراسة التطور الذي أدى إلى تبديل صورة الغرب عن الشرق من صورة بدائية إلى فعلية، أي من انبهار شكوكي إلى توقير لامثيل له. إن من الواضح أن هنالك توهيناً محزناً من صورة إلى أخرى. ومع ذلك فإن التصوير تصوير حصيف وتعديلي جداً كما أن نطاقه نطاق موسوعي جداً إلى ذلك الحد الذي يجعلنا نشعر أن التوهين قانون من قوانين التغيير الثقافي أكثر مما هو فكرة عاطفية. فالشرق يتحول من مكتبة... خاصة بالأقسام الدراسية (30) ويصبح قطاعاً أيديولوجيا أو دراسياً: فالإلهامات تفضي إلى الاختصاص(131). فقبل عام 1800 كانت أوربا تعيش عالم التصنيف الطبقي "le monde du classé" حيث كان هوميروس يمثل فيه نموذج الكمال التقليدي الأول والأخير، ولكن بعد عام 1800 يتطفل "المنشق" على ذلك العالم. فإلى جهنم وبئس المصير بالاعتماد على الخرافات والموروثات والكلاسيكيات. وبدلاً من ذلك ثمة نصوص ومصادر، وعلوم قائمة على عمل مضن ومجهد وعسير، طفقت تفرض حقيقة جديدة وغريبة على العقل. وهكذا فإن الشغل الشاغل لشواب صار ينصب على كيفية حدوث هذا الأمر وعلى السرعة العجيبة التي تسلم نفسها فيها حتى الغرابة للتحول إلى معتقد رصين. ثمة سمة خاصة تطبع دراسة شواب هي أنه لايولي اهتماماً واضحاً لمجرد الحماقة والفوضى اللتين يثيرهما الشرق في أوربا. وما ذلك إلا لأن الانبعاث الشرقي، كموضوع، لا يشكل تياراً في الخيال الرومانسي أقل شذوذاً من تلك التيارات التي يوثقها ماريو براز، مع الإشارة إلى أن شواب ليس أقل كفاءة من براز للتعليق عليها. بيد أنه لايقدم على ذلك، حتى وهو يدون بالتفاصيل -مثلاً؛ جنون حياة آنكوتيل دوبرون الذي على الرغم من تجشمه مشاق سفر فعلي مستحيل وعبوره أدغالاً فياضة بالأبخرة، لم يحظ بشرف الإقرار به كباحث إلا في أواخر سنوات حياته، فهضم المتبحرين حقوقهم "des érudits abnégatoin" ليس مفيداً جزئياً إلا كتعليل لرجال من هذا القبيل. وإن ما رأوه وشعروا به حيال الشرق في حالات عديدة استحوذ على عقولهم عملياً، ولكن شواب منهمك أكثر مما ينبغي بتبيين التناسق الإنساني فيما بين هذا الانبعاث والانبعاث السابق لكي يهجس بتلك الحماسات المجنونة التي كان بمقدورها إنتاج بيكفورد أو آنكوتيل أو رينان أو روكرت. وعلى النقيض من ذلك فإن نظرة شواب إلى الانبعاث الشرقي تتفادى، في الوقت الذي تتجنب فيه المظاهر المربكة للخبرة الأوربية في الشرق، الميول الفطرية الرومانسية الكبيرة الأخرى نحو الطبيعية، أي الوعي المشحوذ الرهيب بخصوص الثقافة الشعبية. إن كتاب "الانبعاث الشرقي" يمثل في الحقيقة ذروة الحياة المسلكية الدراسية لشواب، على الرغم من أنه يحتل زمنياً مركز الصدارة تقريباً فيها. فكما أن موضوعه يعد العدة لتقبل الغرب الشرق والمجابهة معه ومن ثم استيعابه، فإن هذه الأمور كانت هي الأشياء التي أوحى بها عمل شواب الأسبق كما كانت أيضاً في الوقت نفسه من الأمور المفروغة في عمله اللاحق. ولسوف أتحدث هنا بإيجاز عن حلقة من الكتب والكتيبات التاريخية والدراسية التي تتحلق حول كتاب "الانبعاث الشرقي"، ألا وهي تلك الحلقة التي تستثني الكتلة الأساسية من أشعاره وقصصه وترجماته. إن التناوب الذي يتناوبه شواب بين الأمانة لموضوعه أمانة وراثية أو سلالية، وبين مطامحه البنيوية الشاملة لتبيين التنبؤ والاستتار والانكسار والاستبدال على الرغم من مسيرة التاريخ المستقيمة -ماهو بوجيز العبارة إلا التناوب في منهجه بين القربى والتقرب كأسلوبين من أساليب فهم التاريخ ومواكبته. وأول كتاب من كتب شواب كان "حياة آنكوتيل دوبرون" (1934)، أي سيرة حياة ذلك الدارس الفرنسي، والمنظّر لفلسفة المساواة، وداعي الدعاة لتوحيد العقائد (الجانسينية والكاثوليكية والبراهمية) الذي بين عامي 1759 و 1961 نسخ "الزند آفيستا" وترجمه لاحقاً وقتما كان في منطقة سيورات الهندية. إن هذا الحدث بالنسبة لشواب يتنبأ بفيض من الوثائق المترجمة التي ستظهر في الغرب لاحقاً خلال الانبعاث الشرقي. وعلاوة على التحليل الاعتباطي لحماقات وحماسات آنكوتيل الغريبة نجد في الكتاب بشائر معظم الموضوعات التي كان يعتزم شواب معالجتها لاحقاً. والأول بين تلك الموضوعات هو موضوع نكران الذات لدى المتبحرين "selflessness= abnégation des érudits" إبان لهاثهم خلف مخطوطة ما، أي مطلق الالتزام بقضية التعلم: "إن ماكنا نراه نكبات كان في نظره فرصة إضافية أخرى لتعلم شيء ما"(9). وأما الموضوع الثاني فهو التولع الذي يتولعه شواب بالإدلاء بالتفاصيل، كما حين يصف الظروف الحقيقية للحياة على ظهر السفن في القرن الثامن عشر أوحين يؤرخ زمنياً علاقات آنكوتيل مع كل من غريم ودريدرو ووليام جيمز وهيردر. والموضوع الثالث هو اهتمام شواب بالخلاف في العقل الأوربي بين الأسبقية الشرقية وبين "التاريخ" التوراتي. ومن الجدير بالذكر أن كلاً من آنكوتيل وفولتير كان مهتماً بالهند وبالكتاب المقدس، بيد "أن هم الأول كان جعل الكتاب المقدس أكثر بعداً عن التفنيد، في حين أن هم الثاني كان جعله أكثر بعداً عن التصديق"(10). إن تلك الموهبة المحكمة لدى شواب سوف تتعزز في عمله اللاحق بفقرات ذات جمال شعري فائق. ولكن الموضوع الذي انكب عليه خيال شواب أكثر من كل الموضوعات الأخرى هو حياة الصور والأشكال في الوعي البشري، أي وضعها دائماً وجودياً في سياق تاريخي محدد وعدم تركها البتة تطفو هنا وهناك كما تشاء. فالتاريخ الثقافي ماهو إلا بمثابة سلسلة من الأحداث الوجدانية لأن الأفكار التي تستمد وجودها من صور ذات طراز بدئي تدفع الناس، من الناحية الأولى، للنضال دفاعاً عنها وتغرس في أذهان الناس، من الناحية الثانية، نوعاً من السلبية اللعوب أو حتى من، كما هو عليه واقع الحال في حالة آنكوتيل، الميل الفطري المضطرب: نحو الأفكار أو المعتقدات بصرف النظر عن التناقض الذي هي عليه. إن الصور أمور تاريخية، مصنّعات شبه طبيعية ناجمة عن تفاعلنا كلنا أجمعين "nous, à tous". وعلاوة على ذلك فهي محددة العدد، فالخيال نفعي جداً ومداها قوي جداً: الشرق، الغرب، الجماعة، الأصل، المقدس. زد على أن تلك الصور تشكل فيما بينها مستنبتاً يولد قصة ومغامرة ثقافيتين للتعبير عنها كأفكار متصارعة فيما بينها أو منسجمة بعضها مع بعض. وعلى الرغم من أن الصورة والفكرة تتحركان بمنتهى الحرية على مايبدو، فإنهما أولاً من إنتاج البشر والنصوص التي يكتبها البشر، ومن ثم تصبحان النقطتين المحوريتين للمؤسسات والمجتمعات والعصور والثقافات. وبما أن الصور هي الثوابت في الخبرة البشرية، فإن الأفكار التي تحظى بمشروعيتها منها تتخذ لها أشكالاً مختلفة وقيماً متفاوتة. فها هنا في فقرة من كتاب "حياة..." يبين شواب ذلك التفاعل الذي سيهيمن على كتابته: "إنه يذهب إلى آسيا ليعثر على برهان علمي عن أولوية (الشعب المختار) وعن سلالات الكتاب المقدس. ولكن سرعان ما أفضت استقصاءاته، عوضاً عن ذلك، إلى انتقاد نفس تلك النصوص التي ظلت حتى حينه محط الاعتبار أنها من وحي الله، ألا وهي تلك السيرورة التي كان "علم تاريخ الآشوريين" سيبرهن لاحقاً على تعذر الإتيان بنقيض ذلك"(11). إن هذه الأفكار المرتبطة بالضرورة لها بعد مادي بحيث أنه ينقل لا التناوب بين المحدود واللامحدود في الثقافة وحسب (كما حين يتحدث شواب عن الاستشراق في المرحلة السابقة لمرحلة آنكوتيل قائلاً: "تنبثق الرغبة في الأشياء الجليبة من طرافتها")(20) بل وينقل أيضاً تحولات أفكار المسافة والزمان والعلاقة والذاكرة والمجتمع واللغة والجهد الفردي. في عام 1759 ينهي آنكوتيل ترجمة كتاب آفيستا في سيورات، وفي عام 1786 ينهي ترجمة كتب الأوبائيشاد في باريز- لقد حفر قناة فيما بين عالمي العبقرية البشرية، مطلقاً بذلك العقال للنزعة الإنسانية لدى حوض البحر الأبيض المتوسط. وقبل ذلك بخمسين سنة تقريباً كان مواطنوه يتساءلون كيف بمقدور أي امرئ أن يكون فارسياً، في الوقت الذي كان يعلمهم فيه أن يقارنوا بين مآثر الفرس ومآثر الإغريق. فقبله كان المرء يفتش عن المعلومة عن الماضي البعيد لكوكبنا حصراً بين أكابر الكتاب اللاتينيين والإغريقيين واليهود والعرب. لقد كانت النظرة إلى الكتاب المقدس بأنه الصخرة الوحيدة، النيزك السماوي. ولكن كونا صار متاحاً في الكتابة إلى الحد الذي ندر فيه أن يشك امرؤ في شسوع هذه الأراضي غير المعروفة. فلقد نشأ التيقن من ذلك من ترجمته لكتاب الآفيستا، وبلغ أوج ذراه نظراً لاكتشاف اللغات التي تكاثرت في أعقاب بابل إذ كان ذلك الاكتشاف في آسيا الوسطى. ففي مدارسنا، التي كانت مقصورة حتى ذلك الوقت على الإرث اللاتيني/الإغريقي الذي جاء به الانبعاث الحضاري الأول، أقحم ملامح حضارات لاتحصى في غابر الأزمان، وملامح سلسلة لانهاية لها من الآداب، وفضلاً عن ذلك صار من المعروف أن بلداننا الأوربية القليلة ماهي بالأمكنة الوحيدة التي تركت بصمتها على التاريخ، "وأن الاتجاه الصحيح للكون لم يعد متمركزاً بين شمال إسبانيا وشمال الدانيمارك من ناحية وبن انكلترا والحدود الغربية لتركيا من ناحية أخرى"(13). إن تصوير شواب لآنكوتيل يشتط كثيراً في محاولته تبديد الغموض الذي يخفي دائماً بدايات الاكتشافات"(14). ففي خاتمة المطاف يحدد شواب مكان البداية في تبديل التركيز الناجم عن جزيء غامض من كتاب "الزند" الذي يظهر في أوكسفورد، في الوقت الذي كان فيه الدارسون ينظرون إلى هذا الجزيء الهام ليعودوا من ثم إلى دراساتهم، بينما آنكوتيل نظر مثلهم ومضى إلى الهند"(15). فعلى الرغم من أن شواب كان سيعبر لاحقاً عن بعض الشكوك في طريقة الغرب في تناول السيرة تناولاً مصبوغاً بصبغة عبادة الأصنام، فإن عمله التالي، "حياة الأمير بورج"، محكوم بإطار عمل يتناول الحياة والأعمال. لقد امتدت حياة بورج من عام 1852 إلى عام 1925، ومع أنه كان موضع إعجاب عدد من الكتاب -من بينهم كان إدمون جلو وهنري دي رونييه- فيلسوف يبقى على الأرجح كاتباً مغموراً وضئيل الشأن (16). إن كتاب شواب عن بورج لأقل كتبه شهرة، وإن المرء ليتعجب من السبب الذي جعله -علاوة على العلاقات الشخصية البسيطة المشار إليها بين بورج وشواب- يضطلع بعبء هذه المهمة الشاقة والخاصة كي تكون أطروحته التكميلية في السوربون. وبين الحين والحين نلتقط بعض التلميحات عن شواب الحقيقي، ولاسيما في تحليلاته لاصطفائية بورج، وأيضاً في قدرته على إحياء المشاعر الروحية في حياة، لولا ذلك، لبقيت حياة عرضية. وفي هذا السياق علينا ألا نتغاضى عن الحقيقة التي مفادها أن شواب كان في مطلع سنواته الستين حين تقدم رسمياً للحصول على شهادة الدكتوراه، إذ إنه حوّل نفسه، كأحد موضوعات دراساته، من رجل أدب إلى دارس أكاديمي. فتعرجات عمل شواب- ذلك الفيض المتوسع الجذاب الذي حدث في صميمه نفس تغيير الأفكار الذي كان خبيراً جداً بوصفه- هي ما أتاح له الحد الأعظم من التحول الذاتي بالحد الأعظم من التماسك المنطقي والوضوح. ولذلك من العسير أن يصدق المرء أن عمق الانكفاء الداخلي في حياة بورج ليس هو العمق نفسه فعلاً في حياة شواب، مطروحاً من قبل شواب كشيء يخص بورج بتلك الأمانة التي تقتضيها الزمالة. فالتغاير مع كتاب "الانبعاث الشرقي"، الذي كان سيجيء بعد عامين في عام 1950، واضح لتوه. إن عنوانه الفرعي المفصل يدل على أنه شيء يماثل الموسوعة، إن لم يكن يماثل برنامجاً لنيل شهادة الدكتوراه في الآداب الشرقية الغربية (وعرضاً كان ذلك الكتاب أطروحة رئيسية لنوال شواب الدكتوراه) في: "الاكتشافات السنسكريتية- عصر الكتابات المحلولة الطلاسم- ظهور الإنسانية المتكاملة- أكابر الشخصيات الشرقية- فلسفة الأديان والتاريخ- العلوم اللغوية والبيولوجية- فرضيات الآرية- الهند في الآداب الغربية- آسيا والرومانسية- الهندوسية والمسيحية". فهذا العمل بدوره تلاه عملان آخران كلاهما كانا محصلتين منطقتين. الأول منهما، وقد كان عبارة عن مائتي صفحة حول "مجمّع تاريخ الآداب" وبعنوان "الميدان الشرقي" ويحمل تواضعاً عنواناً فرعياً هو "الرواق الشرقي". فلقد حول شواب اهتمامه هنا لكل تلك المادة التي كان قد دون آثارها من قبل بمنتهى الاجتهاد والكد. والأمر بدا وكأن مالارميه قرر في خاتمة المطاف أن يكتب حول ذلك الموضوع الذي كان يؤرقه فيما مضى (وذلك طبعاً لأن كتاب "الانبعاث الشرقي" عبارة عن عمل دراسي مكتوب من منطلق رمزي). وبعدئذ صدر بعد مماته، في عام 1964، كتاب "حياة أنطوان غالاند". وعلى الرغم من أن هذا الكتاب كان أقل تشويقاً من كتاب "حياة آنكوتيل دوبرون"، فإنه أكمل العمل السابق واختتم الحياة المسلكية لشواب في الوقت نفسه أيضاً، نظراً لمعالجة الظاهرة السابقة للاستشراق كأسلوب وأدب في تلك اللحظة التي سبقت استسلام الشرق للعلم الغربي)(17). ثمة سمة رئيسية لكل العمل الناضج لشواب هي اهتمامه بما يدعوه بالثانويين "le secondaire"، بالشخصيات الصغيرة -كالمترجمين والوراقين والدارسين ممن يفضي جهدهم الجهيد لإتاحة الفرص لظهور الأعمال القيمة لغوته وهوغو وشوبنهاور وأمثالهم. وهكذا فإن الانبعاث الثقافي العظيم الذي نعته شواب "بالشرقي" كان موضع استهلال الترجمات التي أنجزها رجلان منسيان عملياً هما آنكوتيل وغالاند -إذ واحد منهما شق الطريق أمام الثورة العلمية واللغوية في أوربا، والثاني استهل الأسلوب الأدبي الغريب المقرون في أوربا بالاستشراق(18). فالشيء الذي يفتن شواب في أمثال هذين الرجلين هو، بمنتهى الوضوح، أنهما لايتمتعان بأية سمة من السمات التي تدفع أكابر الشخصيات الأدبية أو الثقافية، ولا بأي شكل يسير التمييز لحياتهما المسلكية، ولا بأي دور جدير بالإطراء الكامل في التحركات الكبيرة التي تتحركها الأفكار التي يعملان على خدمتها. إنهما يشبهان على الأرجح النتف الصغيرة التي تساهم، كما قال شواب ذات مرة، في مخطوطة خيالية من تلك المخطوطات التي يذعنان لمشيئتها(19) والتي تشبه كليتها جمعاء ماكان سيدعوه فوكو، لو سئل، بأرشيف عصر معين. وعلاوة على ذلك فنكرانهما الذات يفرض نوعاً من رد الفعل المعكوس في نفس الدارس المعاصر الذي لن يتيح لتواضعهما الاختفاء خلف أكابر الأعمال أو الشخصيات التي ساهما بظهورها بكل ذلك الوضوح. فإحدى المحاولات الناجحة التي حاولها شواب لإحياء الإنصاف تحدث حين يبين كيف أن أسلوب غالاند، أكثر من كونه نسخاً مباشراً لأصل عربي، يخلق بالفعل ذلك المناخ الذي تصاغ في صميمه مآثر الرواية الرومانسية المعنونة بـ "أميرة دي كليفز"* . هنالك مظهر آخر لاهتمام شواب بالشخصيات الثانوية: ألا وهو إطراؤه، الواضح في طول وعرض "الميدان الشرقي"، لغفلية الأدب الآسيوي والإهمال النسبي للفردية الذاتية القوية التي يتكشف عنها. فما مقدار نشوء هذا الإطراء من انطباعات شواب عن الأدب الذي يبحثه ومامقدار كونه عاملاً حقيقياً فيه (إذ إن المرء ليصاب بخيبة الأمل لدى اكتشافه أن شواب لايعرف الأدب الشرقي إلا بالأساس من خلال الترجمة)، أمران ليس بوسعي تقديرهما. ومع ذلك يخالجني الشك في أنه بعد أن تقدمت به السنون كان يفتش عن وسائل أخرى -وكان يجدها بطريقته الخاصة- لنقل التاريخ الثقافي، أي لنقل وحدات جديدة يجدّ في طلبها الدارس الأصيل النيّق، ألا وهي تلك التعميمات الأكثر فاعلية. إن عمله ليستهل تلك العملية التي كانت ستقلص الفجوة بين المؤرخين الموسوعيين -شكلانيين كلهم على بكرة أبيهم- من أمثال إيلي فور وهنري فوسيون وأندريه مارلو، وبين ماكان على يسارهم من مادية التحريات الأثرية لفوكو، تلك المادية المنهجية والفعلية والمؤسساتية. وهنالك بالطبع مغزى سياسي لهذا النوع من العمل، على الرغم من أن شواب نفسه قلما يفصح عن ذلك. فسابقاً في "الميدان الشرقي" يقول بالفعل أن أوربا، أو الثقافة الغربية، يجب تذكيرها بأنها ومنجزاتها وأبطالها ماهم، في خاتمة المطاف، إلا مجرد حالة خاصة في العمومية السامية للثقافة البشرية ككل(20). إن تجنب المواقف العرقية المتمركزة، في الوقت نفسه، حول اعتبار الإنسان محور الوجود، يملي وجوب الاهتمام بالأدب الشرقي كرمى لذاته ليس إلا. وما "الميدان الشرقي"، ضمن الحدود المرسومة آنفاً، إلا تأمل شعري منثور رائع. فالأسلوب الذي اعتمده شواب في خريف عمره لأسلوب صعب ومجهد، في بعض الأحيان، كأسلوب ر.ب. بلاكمور. وهاكم هذا المثال: على الشكل الذي كانت فيه لانهائية الآثار الأدبية الزاخرة بالانفعالات تستدعي إجراء التسويات مع الكلمات الجوفاء والبدائل المؤقتة للكلمات المعينة، فإن الاحتجاجات الصارخة للدعاة الأخلاقيين تبدو بدورها عقيمة جزئياً للأجيال القادمة. وماذلك إلا لأن تلك الأشياء التي تصبح موروثاً تتخذ لها أشكالاً صارمة تعلي من شأنها بعدئذ بتحويلها إلى أدوات معينة للذاكرة، ومن ثم فإن هذا الدرع المنيع يصبح، جراء منعته ذاتها، مصدراً للضعف والتفسخ، وهكذا فإن الذاكرة تثبط همة الخيال وتخلص فضائل التكرار إلى الإفراط: كأدب المختارات والمنتخبات في الهند وفارس والجزيرة العربية، وأدب الخطابات والتلميحات والمقتطفات في الصين واليابان ومملكة يهوذا(21). فنثر محكم جداً كهذا ينطلق من تعميمات كبيرة عن الأدب الآسيوي إلى أمثلة مقتضبة عن تنوعه. وفي الواقع فإن إحدى مميزات ذلك الأدب، كما يدأب على توكيدها شواب، هي أنه مضرب مثل للجمع بين وحدته وبين أشكاله المختلفة في آن واحد معاً. وإن الجانب (الباخي)* من "الميدان الشرقي" ليبين، مثلاً، كيف أن بعض الشخصيات المعينة -كالرعاة والعمال والأشجار والرحالة والخيالة والباعة المتجولين- تمنح الأدب الآسيوي دعامته القوية في أرض الواقع. ولكن شواب لايظهر على أروع مايكون إلا في دراسته للوسائل اللفظية والجمالية. فانطلاقاً من الفكرة التي مفادها أن الآداب الشرقية تتصور الواقع التاريخي كشيء جدير بالتحويل، ظلماً وعدواناً، إلى "قطاعات مكافئة خرافية"، يتحرى شواب هيمنة الصبغة الإسمية على القواعد الفنية الشرقية للغة، وتحليل رموز النبرة المتواترة وشاعرية الطول، والنظرة إلى الزمن كمفهوم تأملي، واستخدام جذور الألفاظ "mot- germes" في بنية الشعر الإيقاعية الساحرة، والتفاعل بين خصوصية لانهائية وعمومية لانهائية، وتوظيف مزاج الابتهاج مراراً وتكراراً فيما يدعوه بالملاحم المشرقية العظيمة. فهذا كله خاضع، مع سلسلة واسعة من الإيضاحات، إلى الافتراض بأن الأدب الغربي يحاول أن يحول كل الوسائل الموجودة تحت تصرفه إلى لفظ ونطق، في حين أن الأدب الشرقي يسعى لتحويل أي شيء، بما في ذلك الكلمات، إلى جرس موسيقي. إن الخلخلة النسبية الموجودة في "الميدان الشرقي" هي من عمل القيود المفروضة على شواب من جراء العمل العام الجماعي الذي كان يساهم فيه ومن جراء اتساع الموضوع الذي كان يحاول معالجته اتساعاً خارج إطار التخيل. ولكن ما من قيود مماثلة كانت موجودة بالنسبة إليه في كتاب "الانبعاث الشرقي" الذي يأتي فيه على ذكر مقادير ضخمة من المعلومات التفصيلية التي كانت كلها موضع المعالجة المباشرة بمنتهى الوضوح. فقراءة هذين العملين كليهما تدل على أنهما بمثابة توطئة وتكملة لكتاب فوكو المعنون بـ "الكلمات والأشياء"، الذي ينطوي على أهمية فائقة لفهم ذلك التحول الكبير الذي حل بالثقافة والتعلم في أواخر القرن الثامن عشر وفي أوائل القرن التاسع عشر. ولكن في الوقت الذي يبدو فيه فوكو على شيء من الغموض فيما يتعلق بتحديده لزمرة خاصة من الأسباب التي أدت إلى ذلك التحول، فإن شواب ليبدو أكثر تزمتاً وأكثر تقيداً بالمعلومات التي تعزز موقفه برد السبب إلى الشرق. ولكن كلا الرجلين يدركان أن حيازة المعرفة ومؤسساتها ورواجها ماهي إلا تلك الأمور التي تحدد لا التطبيقات العملية الثقافية على العموم وحسب، بل وتحدد في الوقت نفسه أيضاً التطبيقات العملية الجمالية. فلا دارس من هذين الدارسين يتبنى النظرة التي مفادها أن تقديس "الشاعر" شيء كاف بحد ذاته لفهم الإنتاج الأدبي، ولايتبنى أي منهما الرأي القائل أن من الممكن دراسة الأعمال الأدبية في عزلة اعتباطية عن ظروف الإنتاج الكلامي والثورة النصية، أي تلك الظروف التي كانت تتحكم بكل أنواع النشاط الكلامي خلال عصر معين. إن شواب ليضفي التوكيد القاطع على صحة مقولات فوكو صحة لايرقى إليها الشك -من مثل أننا كنا نعيش ذلك العصر، حوالي بداية القرن التاسع عشر، الذي شهد ولادة الفيلولوجيا والبيولوجيا في آن واحد معاً. وإن شواب ليبين، علاوة على ذلك، بصبر كصبر أيوب المعنى الفعلي لدعوة فوكو (التي صاغها في كتاب "علم آثار المعرفة" بعد مرور تسعة عشر عاماً على صدور كتاب "الانبعاث الشرقي") بضرورة إقامة أرشيف. فوسطاء وأبطال التشكيل والتغيير الثقافيين هم، بالنسبة لشواب، الدارسون وذلك لأن التحولات الثقافية لاتقوم إلا لأن البشر يميلون فطرياً للمعرفة أولاً ومن ثم لتنظيم الأشياء الجديدة. وماهذه الصيغة إلا بالصيغة البسيطة، بيد أنها تعني ضمناً، في كتاب "الانبعاث الشرقي"، إعادة تثقيف قارة بأخرى. إن هذا العمل منقسم إلى ستة أبواب رئيسية فضلاً عن عشرات الأقسام الفرعية والخاتمة. فكما أفلح موضوع "الاستشراق الشرقي" في أداء مهمته من خلال الإسهاب والاختزال على مايبدو، كذلك أفلح الكتاب. إن الباب الأول يرصد ويؤكد ظاهرة الإدراك الأوربي للشرق -كيف أن الاكتشاف الجغرافي، والمقام الرفيع لعلم الآثار المصري، والمهمات الاستعمارية المختلفة للهند، أمور عززت كلها التحدي الشرقي والنزوع للتعامل معه منهجياً في المجتمع الأوربي. والباب الثاني يشرح مفصلاً ذلك التكامل الذي تلقت أوربا فيه الشرق وأدخلته ضمن كتلة بناها الخيالية والمؤسساتية والعلمية. ويتضمن هذا الباب موجة الدراسات السنسكريتية التي اكتسحت القارة الأوربية، واتخذت من باريز قاعدة أساسية لها، والحماسة التي ضاعفت العالم على حد العبارة البهيجة لشواب. وفي الباب الثالث يكرر شواب مجدداً البابين الأولين كي يبين التحولات الفعالة التي تحدث في معرفة الشرق. والشيء المركزي هنا يكمن في تحول المعرفة عن اللغة من كونها مسألة دينية إلى كونها مسألة لغوية وعلمية وحتى عرقية. وفي صحبة هذا التحول يأتي التحول الذي حازت الهند بموجبه على بعد رمزي كامل في الأدب الغربي، من ذلك الاستشراق السابق لكل من ميلتن ودرايدن مروراً بشعراء البحيرات وصولاً إلى أميرسون و ويتمان والمتسامين على الخبرة البشرية وريختر ونوفاليس وشيلينغ وروكيرت وهاين وغوته، وفردريك شليغل بالطبع. وأما الباب الرابع فهو بنية محبوكة لكتلة فسيفسائية من "السير التاريخية" والمواد حول شهود شخصيين على التأثير الشرقي مستمدة كلها من حيوات أربعين شخصية أو قرابة ذلك العدد. إن شواب مهتم بتقديم ملامح أساسية وبانورامية أيضاً عن إعادة التوجهات في أعمال الدارسين والعلماء والنقاد والفلاسفة والمؤرخين. إن كل صورة تضاعف تعقيد الاستشراق كظاهرة من ظواهر التلقي والنقل. فمعالجة موضوع الكتاب لهي معالجة تصويرية، أي أن شواب سواء أكان يتفحص بلزاك أو كوفييه أوجيل مول أوسيلفستر دي ساسي أو أمبير أو أوزانام أو فورييه، فهو يصور أيضاً تبدل التصورات عن الزمان والمكان لدى كل منهم. إن القضبان الهوائية (الأنتيلات) لدى شواب تفرز التحولات التي طرأت على العلاقات اللارسمية فيما بين الناس المتأثرين بالشرق (في الصالونات والزمر شبه السرية في مصانع القال والقيل) وفيما بين المعارف (كعلم اللغة والجيولوجيا والبيولوجيا). فتحرياته للتشكيلات المنطقية يمكنها أن تبين، مثلاً، أن المكتبة والمتحف والمخبر تعرضت كلها لتعديلات داخلية ذات أهمية قصوى. وإن مايرقش شبكة شواب هو الأشياء التي لاتعد ولاتحصى من تواريخ وأسماء ومجلات وأعمال ومعارض وأحداث (كمعرض نينوى، مثلاً، الذي أقيم في باريز في عام 1846)، ألا وهي تلك الأشياء التي تضفي على سرده فورية أخاذة: والبابان الخامس والسادس يرفعان الآلاف المؤلفة من التفاصيل عن الاستشراق من مستوى المدارس والدارسين والأكاديميات والعلوم والصالونات والأيديولوجيات، ليدخلا بها في سلسلة الأحداث المثيرة الأكثر تمييزاً والجارية في الحياة المسلكية لأكابر الكتاب الخياليين. فالباب الخامس يعني بالكتاب الفرنسيين في عراكهم مع مشكلة الخلق الشاقة التي كانت تنوء بعبء المعرفة الواسعة: من أمثال لامارتين وهوغو وفيني وميشيليه و كونت ليل وبودلير. وهنالك، فضلاً عن ذلك، قسم عما يدعوه شواب بـ "الشرق الخارجي"، أي ذلك الشرقي العجيب النافذ التأثير في أعمال نيرفال وغوتييه وفلوبير، مع العلم أن هنالك بعض التعليقات الشيقة على وجه التخصيص على عمل فلوبير المعنون بـ "قصة الآثار"، ذلك العمل الذي مادته مقتبسة من كوابن غير أن لهجته تناقض صراحة لهجة ذلك الكاتب. وأما الباب السادس، المعنون بـ "التحولات والاستطالات"، فيركز في معظمه على الكتاب الألمان (ومن بينهم نيتشه وفاغز وشوبنهاور) والكتاب الروس في مؤخر القرن. إنكم لواجدون غوبينو في هذه الصفحات، علاوة على مذهبه عن تفاوت الأعراق. فشواب يولي اهتمامه، حين تقترب دراسته من نهايتها، للأقسام الخبيثة غالباً (كإيران قبالة الهند، والآريين قبالة الساميين، والشرق قبالة الغرب) التي تتسرب من خلال الكتلة الثقافية الهائلة الناجمة، طيلة قرن تقريباً من المقارنات، عن الوعي الاستشراقي. وإن من الممكن اقتفاء آثار هذه الأقسام كلها وردها إلى اثنتين من "التقنيات الروحية" (techniques spirtuelles) تقابل واحدتهما الأخرى من الغرب إلى الشرق. وهكذا: في غضون القرنين التاسع عشر والعشرين، قامت ثلاثة اتجاهات مختلفة بعضها عن بعض: المدرسة الصارمة للتقنيين -أي الفيلولوجيين والفلاسفة -ممن واظبوا على الإتيان بالتعريفات الضيقة مما أدى إلى إقصاء الهواة، وحلقة الأيديولوجيين والمبتدئين ممن طعّموا الخبرة المحلية بالتأثيرات الأجنبية، وبين اللاهوتيين ظهرت من جديد الحماسة التبشيرية القديمة إذ أدت إلى قيام الشكوك المتصارعة بين العلم والضمير. وإن هذه النظرات الثلاث لتوضح تلك الاحتكاكات، العديدة والمتواصلة، التي تعاظمت بشكل لم يسبق له مثيل من قبل فيما بين مختلف الثقافات. إن الباب الختامي، المكتوب بأسلوب رصين ومعقد، يؤكد أن الانبعاث الشرقي كان في جوهره ظاهرة من ظواهر الاختلاف، وظاهرة ولّدت تقنيات المقارنة، في حين أن الانبعاث الأول كان في جوهره انبعاثاً استيعابياً في كونه تملق أوربا دون قلقلة المركزية الثقافية لأوربا مركزية تؤكد ذاتها بذاتها. وهكذا فإن الانبعاث الثاني أفضى إلى تزايد، لا إلى تناقص، نقاط المقارنة والتقنيات المتاحة للثقافة الغربية "ومحاوريها المحتجبين عن الأنظار"، الأمر الذي تزايد على هذا النحو لأن الانبعاث اللاحق كان حدثاً كلامياً لا حدثاً كلامياً ومصطنعاً كما كان عليه الانبعاث السابق. فالاستشراق أتاح الفرصة أمام العالم الأول كي يتكلم "premier tour du monde parlé"، الأمر الذي استهل بدوره نظرية لغوية ذات أصول على انكماش واستحالة متواصلتين. فمثل هذه النظرية، بوقوفها بين التاريخ والإيمان، كانت حدثاً ذا شأن: إذ إن اللغويين اعتقدوا أنهم قد وجدوا الجواب على بابل، كما أن الشعراء توقعوا عودة جنة عدن، فضلاً عن أن موجة عارمة من الهوى بالأصول قامت في نفوس الناس لدى العثور على أي اكتشاف أثري جديد، وشيئاً فشيئاً تولد الانطباع، مع كل صيغة جديدة مطروحة بلسان صيدلاني، بأنه خلق حياة جديدة: فمسلمة عن لغة أم أدت إلى ولادة لغويين عن طريق التوالد العذري. غير أن فكرة البدائي الأولي ماكان بالإمكان توكيدها إلا بتشويهها، علاوة على أنه لم يعد بالإمكان اعتبارها كنقطة بداية التاريخ، بل مجرد نقطة متزايدة الهبوط في كفة ميزانه. لقد كانت قابلة للتحريك ولذلك أدت إلى تنشيط الأفكار عن التغيير - فالتاريخ لم يعد بمثابة الحصن للزمان كله، ولم يعد يستطيع بالتأكيد أن يقوم مقام الأساس. وفي الوقت نفسه، فإن جملة المعايير الجمالية والنظريات العلمية تخلت كلها عن مطالبها بحق الديمومة، فضلاً عن أن أي عامل في مضمار ماكان حقائق قديمة في قديم الزمان صار يشعر بأنه موضع الخذلان إن تعلق بأي شيء ثابت أو احتاز عليه. فالحركة الجمالية الرومانسية، والعقيدة البيولوجية بخصوص النشوء، وامبريالية اللغة في الامبراطوريات الفكرية، صارت الآن هي الأشياء الجديدة والهامة التي بوسع المرء الموافقة عليها. ففي يومنا هذا يتعمد ورثة شعراء التذبذب، وميتافيزيقيو اللاشعور، ودهاقنة الأسطورة، أن يتحدثوا عن "الكلمات الحرة" وكأنهم يتحدثون عن "خبرة روحية" -وإنهم بذلك ليؤكدون، على غير دراية منهم، صيغة بورنوف "Nomina numina" (التسميات المقدسة) [498-497]. إن المصادفة بين ورود الرومانسية ومجيء الاستشراق في الغرب، بالشكل الذي يصورها فيه شواب بمنتهى الحذاقة، أعطت الأولى أبعادها المعقدة وساقتها لإعادة تصييغ الحدود البشرية -وفعلاً إلى ذلك الحد الذي يستطيع فيه اللاشعور وحتى المستغرب أن ينتحلا لقب الشيء الطبيعي. وإن مايتحكم بتلك المصادفة ثمة قانونان هما: "صدفة العصور" و "مهمة الأجيال" (502). ولذلك فإن تصور شواب للتاريخ الثقافي في كتاب "الانبعاث الشرقي" تصور كوني لأنه يرى نفسه تتوسط بين القانونيين وبين استحقاقهما على الفهم الثقافي. إن كتاب "الانبعاث الشرقي"، وهو على شيء من الإيجاز نسبياً والإسهاب نسبياً (وهما نعتان من نعوت شواب)، لتثقيف فعلي في معنى المغامرة الفكرية، لنوع من العمل الكشاف الحيوي، الذي لايهمل لا الصغائر المادية ولا الكبائر التأملية المتعلقة بتصييغ الأحكام العامة. وأهمية شواب، تلك الأهمية الباقية على مر العصور، تكمن في أنه لايسمح للشكوك أن تساورنا البتة في أن الفيلولوجيا، كما يستعملها بذلك المعنى العريض الذي كان يقصده نيتشه وكما يدرسها في تاريخ علم الآثار الفيلولوجي الذي جيء من خلاله بالنصوص الشرقية إلى صميم المعرفة والوعي الغربيين، هي دراسة النصوص وكأنها آثار خالدة موضع التنقيب المتواصل لتنظيم وإعادة تنظيم إدراك الثقافة لهويتها. إن الدراسات الحديثة عن الأدب الرومانسي -من أمثال العمل الذي جاء به كل من آبرامز وبلوم وهارتمان ودي مان -ستجد ولابد دعامتها التي لامفر منها في شواب، وذلك لأن الاستفاضة النصية لشواب تقدم المادة الأولية الضرورية لتلك الدراسات، إذ أخذنا في الحسبان أن فهم الكتابة الرومانسية لايكون على أفضل مايرام، كما يبدو، إلا إذا اتخذ شكل الاستقصاء المتطاول للشكل الشعري واللغوي الذي يدأب على تركيب وتفكيك مستويات المعنى. وإذا لم يكن هنالك دائماً، بعد قراءة شواب، معبر منتظم يمكن رؤيته من الكلمات إلى الأشكال، أومن الاكتشاف اللغوي إلى الأداء اللغوي والجمالي، تكوين المشكلة هي أننا، كتلاميذ أدب، لما نتقن بعد العلاقة بين اللغة في التاريخ واللغة كفن. فشواب يرتأي أن العلاقة عويصة، بيد أن منهجه يستند إلى التهويل، المطروح على نحو معقد وموسوعي، فيما يتعلق بمواجهة ثقافية، ألا وهي تلك المواجهة التي تقوم بين عشق الكلمات، شبكة النصية، وبين جمعية التعليم والتخصيص الثقافي. وهكذا فإن المرء ليحسن صنعاً، على ما أظن، إن أطرى شواب، بدلاً من قراءته كمنظر فاشل، على إنجازه الدراسي العظيم الذي يوفر الفرصة لقيام توجه نظري وتفحص ذاتي. إن الأشياء التي لايعيرها اهتماماً شواب إلا تلميحاً على مايبدو هي القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت تفعل فعلها خلال العصور التي كان يدرسها. فهو خبير في إعطائنا ظروف العصر، مع العلم أن هذه الظروف قد تتضمن تفاصيل اجتماعية واقتصادية. بيد أن ظرفية تفصيلاته بعيدة عن أن تضيف شيئاً على القوى الفاعلة في تكوين تلك القوى العاملة في صميم التاريخ. وهكذا فإنه يذكر أن أوائل المستشرقين البريطانيين كانوا من رجالات الطبابة ذوي المهمات التبشيرية الدينية، كما كانوا، علاوة على ذلك، على علاقة وثيقة مع المشروع التجاري في المستعمرات الهندية. ومع ذلك فإنه لايحاول في أي مكان أن يدمج هذه الظروف المتباينة في تفسير سياسي للاستشراق البريطاني. وعلى نحو مماثل يشير هنا وهناك إلى أن تعاظم الموجة العظيمة للسنسكريتية وتفاقم الأستاذية السنسكريتية في طول أوربا وعرضها كانا على ارتباط بالتجارة الاستعمارية المتنامية على جناح السرعة، وأن المنزلة السامية التي حظي بها علم الآثار المصرية كانت نتيجة للمغامرة النابليونية في الشرق الأوسط. غير أن الجدير بالذكر أنه لم يطرح البتة أية فرضية مترابطة منطقياً عن الاستشراق باعتباره علماً أو موقفاً أو مؤسسة لمصلحة الهيمنة الأوربية على المستعمرات الشرقية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. إن التباين القائم بين الشيء الذي يعرفه شواب من خلال التفاصيل المرعبة وبين الشيء الذي يستنتجه من تلك التفاصيل لتباين صارخ، فالأمر لايقتصر على استنكافه عن عزو النتائج السياسية التي حلت بالشرق إلى تدميره على أيدي الأوربيين وحسب، لابل ويختار أن يرى أيضاً أن العلاقة بين الشرق والغرب علاقة متكافئة -في حين أنها لم تكن في الواقع في شيء من مثل هذا القبيل بالطبع. فلقد كانت السنسكريتية بمثابة اللغة التي احتازت على قيمة ثقافية في أوربا، بيد أنها كانت لغة بائدة وعلى بون شاسع عن التخلف الذي كان عليه الهنود الحديثون. وإن الخيال الرومانسي الذي كان يتحلى به الكتاب والدارسون الأوربيون كان مستنقعاً بالاستشراق، ولكنهم نالوا استشراقهم هذا على حساب أية رأفة يمكن أن يكونوا قد شعروا بها حيال المواطنين المحليين الجهلة الذين كانوا تحت وطأة حكمهم. فمن بين مسارات الفكر كان هنالك مسار واهن ناشط في الدراسة الاستشراقية في مطلع القرن التاسع عشر ألا وهو ذلك المسار القائل -كما في عمل آبيل ريمو سات مثلاً- أن الحماسة الاستشراقية تجد وقودها غالباً في الجهل المطبق لا بالشرق القديم وحده بل وبالشرق الحديث على وجه التخصيص. ولئن قرأتم شواب لن تنسوا أن كيرتز في رواية كونراد كان أحد النواتج الأساسية للاستشراق، أو أن النظرية العرقية ومعاداة الساميّة أكاديمياً وبراعم الفاشية ماهي إلا النواتج الفعلية للفيلولوجيا الاستشراقية في القرن التاسع عشر. وفي نفس ذلك الوقت الذي كان فيه فردريك شليغل ويلهيلم فون هامبولت وإيرنست رينان يقيمون تمييزهم بين الإنسان الهندي/ الأوربي الرائع والحيوي والمتناسق وبين الإنسان السامي القميء والجاسئ والمتهافت، كانوا يختلقون تلك الدراسة الاستشراقية التي كانت ستواصل تسبيحها بحمد الله في القرن العشرين على معاداتها العرب ومعاداتها اليهود. فهذا الشيء كله صار ممكناً لا عن رغبة في المعرفة بل عن رغبة في التملك والتحكم، كما كان يدرك شواب على مايبدو. وإن القول بأن هذه المسألة ماهي بالمسألة الأكاديمية المحض لقول بالإمكان البرهنة عليه ببساطة كافية إن ضربنا مثلاً حياً عما يدور في هذه المرحلة الراهنة. فالمستشرق الأكاديمي المعاصر هو الوريث المباشر للفيلوجي المستشرق زمن القرن التاسع عشر. ففي المسائل التي تنطوي على أهمية سياسية عاجلة يُسعى إليه طلباً لوجهة نظره ولمعلوماته ومساعداته، على الشكل الذي تصاغ فيه سياسة الولايات المتحدة حيال الشرق الأوسط، على سبيل المثال. ولكن بما أن الاستشراق هو تلك الظاهرة السياسية التي لايمكن فصلها عن الكولونيالية الأوربية (بيضاً وذكوراً)، فإن أبناءه الحديثين يحملون ذلك الماضي القبيح على كاهلهم وفي عملهم: إنهم يعتبرون الإنسان كائناً بشرياً بدائياً ومتخلفاً أساساً، وهو بأمس الحاجة لتلك الهيمنة التي تعمل على تحضره. وإن آراءهم كمستشرقين، مهما كان مقدار تحبيك الشكل الذي تظهر فيه، لآراء خسيسة في خاتمة المطاف. فحرب أكتوبر لعام 1973، على وجه التخصيص، جاءت بكتلة هائلة من التحليلات المستندة بالأساس على بعض المعتقدات الموغلة في القدم إلى حد لايصدق تقريباً عن الذهن العربي والعقلية الإسلامية والمجتمع العربي، والقائمة كلها على رأي استعماري مبسط شرير عن الشخصية المشرقية- ألا وهو ذلك الرأي العنصري في أشرف تعبيراته بمنتهى الصراحة. وهكذا علينا إذاً ألا نقول ببساطة إن الشيء المفقود لدى شواب هو إدراك فوكو للهيمنة السياسية والمادية المتمثلة في منظومات خطاب كخطاب الاستشراق، كما يجب ألا نقول حصراً أن شواب يفشل في أن يأخذ بحسبانه الجانب السياسي السوسيولوجي الذي ينطوي عليه التقوقع العرقي بالشكل الذي يمثله فيه الاستشراق. فعلينا بدلاً من ذلك أن ننبه إلى المشكلة التي تعترض سبيل أي عمل فكري موسوعي مثل "الانبعاث الشرقي" الذي فضائل نطاقه وتكريس كاتبه جهده للتفصيلات الظرفية تجعله خجولاً من الإتيان بتعميمات سياسية مغرضه. وبالأساس فإن ما أفضى إليه طموح شواب كان الرغبة في توكيد وجود وأهمية أي انبعاث شرقي، وفي فعل ذلك بأكبر قدر ممكن من الأمانة للقوى الداخلية الفاعلة في الحركة. وعلى الرغم من التوفيق الديالكتيكي الذي أجراه شواب فيما بين مختلف الحالات التي مرت بها الحركة، يبدو عليه أنه كان محجماً عن الإقرار بأن الاستشراق كان على تلك الإشكالية التي كانت تلامس في أي مكان، بشكل دقيق ومنهجي، المواقف والوقائع السياسية/ السوسيولوجية. ولذلك فهو يثير في أذهاننا ذلك السؤال الدائر عن الكيفية التي يتمكن فيها المرء من كتابة أفضل نوع من أنواع التاريخ الثقافي في الأكاديمي ومن الأخذ بعين الاعتبار، في الوقت نفسه، السلطة والنقود والغزو الاستعماري. ومن الواضح أنه لا أية غائية مبتذلة ولا أية نظرية مبتذلة ذات فكرة آنية بمقدورها الإجابة على هذا السؤال. ولكن حتى تفادي السؤال ولو بمنتهى الحذاقة والدقة لن يجدي فتيلاً أيضاً. وعلى الغالب يبدو أن الاعتقاد السائد عن الدراسة الدقيقة في ميدان الآداب الإنسانية عموماً، وفي ميدان الأدب خصوصاً، أن إحراز المدى والتفاصيل لايمكن أن يستقيم إلا بالبقاء بمعزل عن التشبث بالميول وأما النقيض لذلك فليس أقل صحة أيضاً: أي أن التنظير الرائع يأتي بلا أية مبالاة بالظرف أو بعمق المعرفة أومدى الشاهد الملموس. ولربما أن من طبيعة الدراسة وطبيعة المعرفة الفكرية المعاصرة أن يكون تخيل العمل بأنه فاعل هذا النوع من الشيء المختص أو ذاك، أي رؤية المهمة العقلانية بأنها تنطوي ضمناً على ظروف المنظر أو الدارس، أو الصحفي الشعبي إن استشهدنا بحالة راهنة. فالمنظر يرى نفسه مستجيباً لظروفه الخاصة به: سواء أكان ماركسياً أو بنيوياً أو ناقداً جديداً أو فينومينولوجياً. ولكن الأمر الهام، بالنسبة للمؤرخ، فهو الماضي "كما كان عليه في واقع الأمر"، في تفاصيله وفي عمقه. وثمة واحد قد يعترض ويقول بأنه لم يعد هنالك أي مفكر يعمل وفق مثل هذه الخطة المتهافتة، بيد أن الفروق توطد أركانها عملياً بمنتهى الصرامة. فليس هنالك من التفكير أو الوقت إلا القليل جداً، مع التسليم جدلاً بفهم ديالكتيك الضغط ورد الفعل عليه في العمل الأدبي، لانتهاك حرمة الظرفية التي ينوء بعبئها الإنتاج النقدي أو النظري أو التاريخي أو، في خاتمة المطاف، انتهاك حرمة الطريقة التي قد يتمكن بها إنسان ما من أن يكتب بدقة في الوقت الذي يكتب فيه أيضاً بشيء من الإدراك للقضايا السياسية الحادة التي هي على أوثق ارتباط بصلب الموضوع، كما هي عليه الحال مع الاستشراق بالضبط. إن هذا المكان ليس بالمكان المناسب لمعالجة هذه المسائل، بيد أن دراسة شواب، بفضل فخامتها وأهميتها، تعود بها إلى الذهن كما تعود بها ورطة أي دارس لايشعر أنه ملزم باتخاذ موقف سياسي صريح حيال العمل الذي يقوم به أو تقوم به أو حيال كل الأشياء على العموم. غير أننا هنا نصل إلى تلك المشكلة العويصة المتعلقة بتحديد الموضوع الدراسي أو حتى النظري الذي يستلزم أو لايستلزم اتخاذ موقف أو موقع سياسي صريح حتى تنال معالجة الموضوع كفايتها من الدقة والإنصاف. فالاستشراق كموضوع يصرخ غالباً بملء أشداقه مطالباً بحقه في الفهم الصريح لخلفيته القبيحة الغارقة في مستنقع التعصب العرقي واللهاث الاستعماري. ومع ذلك فإن الواجب يحتم علي أن أقول بأنني أفضل دراسة شواب البعيدة عن السياسة على أي تحليل كامل للاستشراق تحليلاً فياضاً بالجعجعة والدقة ولو كان أكثر بعداً عن تناول التاريخ -بيد أن من الواضح تماماً أن هذا البديل ليس بالبديل الوحيد. ولربما من الصحيح أن نقول أن المرء ليستطيع على الأقل، في عمل كعمل شواب بصرف النظر عن غنى توثيقاته، أو يشير إلى غياب بعض جوانب الواقع علماً بأنه قد يستطيع استكمالها أيضاً، علاوة على أن بعض الدراسات الأخرى، الأقل إثارة للإعجاب، تنطوي بالأساس على تلك المواقف التي (وهي تلغي التاريخ في أحيان كثيرة) بوسع المرء أن يساندها أو أن يهاجمها فضلاً عن شيء طفيف آخر. ولكنني سأحاول أن أكون دقيقاً حيال الكيفية التي تكشف فيها بعض الدراسات، حتى وهي تستبعد بعض الأمور، عن تعقيد ماتشتمل عليه ومالا تشتمل عليه في آن واحد معاً. فما من طريقة جراحية هناك لتحديد مقدار التعقيد والغنى الكافي والمناسب. إن الشواهد النموذجية تقدم لنا العون، من مثل كتاب "الانبعاث الشرقي"، على الرغم من انعدام إمكانية التعامل معها وكأنها تلك النماذج الأصلية التي تستوجب المحاكاة بمنتهى العبودية. وهكذا فإننا نعود إذاً إلى أمور من أمثال الصبر والمؤالفة والحماسة التي تعبر كلها عن أنفسها بشكل معدٍ وضمني في عمل الدارس مهما كان تعلمه هائلاً ونزيهاً. ولئن تبسم المرء أحياناً من هول البساطة التي تنطوي عليها بعض العبارات كعبارة "الذهن الآسيوي" (الواردة في "الميدان الشرقي")، فإنه يدرك دائماً على الرغم من ذلك أن نية شواب في تعميماته نية ودية وما هي بالعدائية أو العدوانية. وبالاختصار فإن عمل شواب، وبالمقدار نفسه تماماً في موضوعه ومناهجه، يزيد الفرص للدراسة والتعلم، ولا يحد منها حتى لوكان الخنوع السياسي الذي يخنعه شواب يمنعه من اعتماد الحكم القاطع بما مفاده أن الجشع الثقافي لهو مبعث الاستشراق. وكوننا نتمكن بعد ذلك من أن ندرس الحركة الرومانسية، أو أن نتحرى تأثير الأكاديميات على الحياة الفكرية إبان القرن التاسع عشر، أو أن نحلل العلاقة بين الفيلولوجيا والأيديولوجيا- أو أن نتمكن من التعامل مع كل تلك الأمور ومع العديد غيرها- هو السبب الذي يجعل رومانسية أفكار شواب نفسها جديرة بالاهتمام الجاد، وهناك مكمن المتعة الخالصة في تعلمها. ولكن استخدام "المتعة" بهذا الاستخفاف الكبير لوسم "التعلم" لايعني ضمناً الاستمتاع الرخيص. فليس في جعبة شواب من فن يحلله أو إنجاز فكري يخطط له إلا وله مايناسبه من إدراك حيال علاقته الفعلية بهذه الحياة الدنيا. ولذلك فالشيء الذي يكشفه له بحثه التاريخي، والذي يجعل قراءه يجدون فيه متعة فعلية، هو الدعامة الحقيقية التي تستند عليها الحياة الثقافية، ألا وهي تلك الدعامة التي تعني أن أية ثقافة ليست مجرد تجمع أو اندماج لزمرة من الذوات المنتصرة هنا وهناك، وإنما هي العمل الذي أنجزته الوسائط البشرية -القائمة في المجتمع، في الأواصر الاجتماعية، في مكان التوالد، في التاريخ. وهأنذا أستخدم هنا المفردات التي استخدمها كوانتين آندرسون كي أضع رأيين متناقضين عن الثقافة الأدبية والدراسة الأدبية أحدهما قبالة الآخر(22). فشواب ليس من المؤمنين بكفاءة أنفس ذوات شأن عظيم. والشيء الجدير ذكره عنه هو أنه، على الرغم من كل المغزى التجميلي والتمديني والتحويلي الذي ينطوي عليه الحدث الثقافي الذي يصفه، وعلى الرغم من كل الهزال السياسي الذي يصوره به، لايفترض أبداً أن يكون العمل نتيجة الهوى المباشر لفرد ما لإعادة صياغة العالم بكل تلك البساطة التي يضع بها امرؤ رفاً من رفوف الكتب، فالثقافة بالنسبة لشواب قاعة محاضرات أكثر مما هي محراب، لابل وقاعة طافحة بالهرج والمرج فيما يتعلق بذلك الخصوص. وأما بالنسبة للناقد المعاصر، الذي لايزال متسمراً بلا جدوى بالشكل المحض وغالباً ما يستخفه الطرب بالأشعار البنيوية غير المقرونة بالظروف، فإن شواب يجب أن يكون ترياقه الكافي الوافي لأنه يصر على نشر الشبكة حتى فوق أصغر النخاريب المعزولة. وختاماً مامن منظور غير هذا المنظور يتيح إمكانية فهم الثقافات على أنها تلك المنظومات التي كما هي عليها قولاً وفعلاً، والمنظومات التي يكبح جماح فاعليتها لجام فهم تاريخي يقظ وحكم أخلاقي بين يدي مؤرخ نقاد لامثيل له. * إغدراسيل: أسطورة نورويجية تتحدث عن شجرة من الرماد تظلل العالم بأسره، وتجمع الأرض والسماء في حين أن الجحيم يكمن في جذورها وأغصانها. وهي كلمة مؤلفة من مقطعين يعنيان ربما "الحصان المخيف"-المترجم. (**) خورخي لويس خورخس: أرجنتيني من مواليد عام 1899، شاعر وباحث أدبي وكاتب قصة قصيرة، له مجموعة قصصية بالعنوان المشار إليه -المترجم. + Ficciones: "الخيال"- المترجم. * text تعني النص في الإنكليزية، في حين أن textile تعني النسيج أو المنسوج المحبوك -وكأن الكلمة الثانية مشتقة من الأولى -المترجم. * رواية رومانسية لمدام دي لافاييت منشورة في عام 1678- المترجم. * نسبة إلى جوهان سيبيستيان باخ، عازف الأورغ والمؤلف الموسيقي الألماني -المترجم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |