|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:07 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الخاتمة: النقد الديني إن فكرة الشرق، شأنها شأن فكرة الغرب باعتبارها قطباً مناقضاً لذلك القطب، قامت بدور اللجام لما كنت أدعوه بالنقد الدنيوي. فالاستشراق هو الخطاب المستمد من "الشرق" والمعتمد عليه. والقول عن مثل هاتين الفكرتين الكبيرتين وعن خطابيهما أن لهما شيئاً مشتركاً مع الخطاب الديني يعني القول بأن كل واحدة منهما تؤدي دور المغلاق لكل ما هو بشري من استقصاء ونقد وجهد، إذعاناً منهما لسلطان ما هو أكثر من البشري، الخارق للطبيعة، صاحب الأمر والنهي في الدنيا والآخرة. ولذلك فالدين يزودنا، كالثقافة، بنظم للسلطة وبمعايير للطقوس الدينية من تلك التي تخلص بشكل منتظم إلى فرض الخنوع أو إلى اكتساب الأشياع. وهذا الأمر بدوره يفضي إلى عواطف جماعية منظمة من ذوات النتائج المشؤومة فكرياً واجتماعياً في أغلب الأحيان. فإصدار هذه النتائج على بقائها، وإصدار غيرها من الآثار الثقافية/ الدينية، يثبتان أكثر مما ينبغي ضرورة توفر اليقين والتضامن الجماعي وحس الإنتماء إلى جماعة لدى تلك المقومات التي تبدو أنها من المقومات الأساسية للحياة البشرية. وإن هذه الأشياء لأشياء مفيدة بالطبع في بعض الأحيان. ولكن لا يزال صحيحاً أيضاً أن الشيء الذي يتيحه موقف دنيوي- وهو الإحساس بالتاريخ وبالإنتاج البشري، علاوة على شيء من الشكوكية الصحية حيال مختلف أنواع الأوثان الرسمية التي تحظى بالتوقير من الثقافة والنظام -يكون مآله التقليص، إن لم يكن الحذف، من جراء الاستغاثات بذلك الشيء الذي لايمكن التفكير من خلاله وشرحه إلا بإجماع الآراء والاستغاثات بالسلطة. وهنالك فرق كبير بين الشيء الذي وصفه فيكو في كتاب (العلم الجديد) بعالم الأمم المعقد والتعددي و "العصبوي"، وبين الشيء الذي وسمه، على نحو مناقض، بأنه ميدان التاريخ المقدس. وإن جوهر ذلك الفرق هو أن العالم الأول يبرز إلى الوجود ويتطور في اتجاهات شتى ويتحرك صوب عدد من التأوجات، ويتداعى ليبدأ من ثم من جديد -وذلك كله بطرق يمكن تحريها لأن المؤرخين، أو العلماء الجدد، بشر وبمقدورهم أن يعرفوا التاريخ على أساس أنه من صنع الرجال والنساء. فالمعرفة تعني المبادرة لصنع شيء ما، كما قال فيكو، وما تستطيع الكائنات البشرية أن تعرفه لا يعدو أن يكون ما صنعوه، أي، ذلك الشيء التاريخي والاجتماعي والدنيوي. وأما فيما يتعلق بالتاريخ المقدس فإنه من صنع الله ولذلك لا يمكن معرفته بالفعل، على الرغم من أن فيكو كان يعلم تمام العلم أن الله، في عصر موبوء بالقساوسة كعصره، كان الواجب يقضي باحترامه وتمجيده على رؤوس الأشهاد. وفي زماننا هذا حدث تحول عجيب جعل العالم الدنيوي -ولا سيما الجهد البشري الذي يدأب على إنتاج النصوص الأدبية- يكشف عن نفسه على أنه ليس بشرياً خالصاً وليس من الممكن إدراكه تماماً من منطلق بشري فقط، والسبب ما هو ببساطة أن هذا التحول هو نتيجة اللاعقلانية (على الرغم من وجود فيض من ذلك الشيء) ونتيجة تبسيط مفرط، إذ إن النظرة الدنيوية البحتة إلى الواقع ليست بالتأكيد ضمانة لا ضد هذا ولا ضد ذاك. والأقرب إلى المنطق هو الزيادة المفرطة في عدد الاستغاثات بالسامي على البشري، بالمجرد الغامض، بالمقدس، بالملغز والسري. فكما أسلفت القول، إن تلك التعميمات الضخمة الزائدة عن المعقول من مثل الشرق أو الإسلام أو الشيوعية أو الإرهاب تلعب دوراً متزايداً جداً في صبغ "الآخر" بالصبغة اللاهوتية المانوية المعاصرة، وأن هذا التزايد لدلالة عن مدى قوة التأثير الذي أثره الخطاب الديني على ذلك الخطاب المتعلق بالعالم التاريخي الدنيوي. ولكن الدين عاد بطرق مختلفة، وعلى أوضح ما يكون في أعمال بعض الصناديد الدنيويين السابقين (من أمثال دانيال بيل ووليام باريت) ممن يبدو إليهم الآن أن العالم الاجتماعي/ التاريخي لرجال ونساء حقيقيين صار بأمس الحاجة للتسكين الديني. فهذا المزاج الجديد يشبه من حيث الظاهر -ولو أنه نقيضها تماماً- طوباوية إيرنست بلوش الذي كان عمله عبارة عن محاولة لمسخ الحماسة الاجتماعية الكامنة في النزعة السلفية إلى واقعة يومية. وإن ما يتبينه المرء في هذه الأيام هو الدين كنتيجة للإنهاك والعزاء والإحباط: فأشكاله في النقد، نظرياً وتطبيقياً معاً، عبارة عن تشكيلة من شلل التفكير والتردد والمفارقة المقرونة كلها بإلحاح ملحوظ على مناشدة السحر أو الطقوس الدينية أو النصوص المقدسة. وحين ترى زمرة من النقاد النافذين الذين ينشرون الكتب الضخمة تحت عناوين من أمثال "منشأ السرية، الدستور العظيم، القبلانية والنقد، العنف والمقدس، التفكيك واللاهوت، تدرك أنك في حضرة توجه هام. إن عدد الأفكار النقدية السائدة التي جوهرها لا يعدو أن يكون نسخة عن نظرية عتيقة من البشري والظرفي ليزيد في التوكيد على هذا التوجه. وحين القراءات الرجعية لنقاد ونظريات نقدية من الماضي -كالتداول الراهن لوالتر بنيامين لا كماركسي بل كباطني مستور، أو لنسخ عن تلك المواقف الراديكالية الناشطة كالماركسية أو الدعوة للمساواة بين الجنسين أو التحليل النفسي التي تعلي مقام الخاص والمشعوذ على مقام العام والاجتماعي -يجب النظر إليها على أنها جزء من ذلك التحول العجيب الذي يتحوله الاتجاه صوب الأديان. وما ذلك التصور الذي جاء به مارشال ماك لوهان عن فردوس تكنولوجي وما يلازمه من "عودة إلى حياة البداوة" كما يقول، إلا نذير هام لهذا الجنوح الديني المفرط والعشوائي أساساً. فهذا كله بقضه وقضيضه يعبر علناً، على ما أظن، عن تفضيل مطلق للحماية المضمونة التي توفرها منظومات الإيمان ( مهما كانت خصوصيتها) ولا يعبر عن نشاط نقدي أو وعي نقدي في الوقت نفسه. إن تكلفة هذا الإنجراف، الذي بدأ قبل أربعة عقود خلت في (النقد الجديد) وما يعشش فيه من نزعة جمالية لا تمت بصلة للتاريخ ودينية بشكل فاضح، لتكلفة بغيضة إن عنت على البال، وهنالك كوثر من المفردات الخاصة والثابتة التي عدد عديد منها مستغلق على الفهم، وغامض عامداً متعمداً وغير منطقي بكل تقصد. وقلة من الناس ممن يستخدمون هذه المفردات اليوم قد يجدون أن بمقدورهم الموافقة مع رولان بارت على أن منظومة لغة خاصة تنزلق غالب الأحيان نحو "نوع من التبسيط والاستهزاء": وهنالك شيء من هذا القبيل بكل تأكيد في خطاب الاستشراق، في التفكيك وفي السيميوطيقا سواء بسواء. وإننا نجد أمامنا اليوم، بدلاً من نفاذ الإدراك والتقييم، حيزاً مكثفاً من الجهد الفكري، فضلاً عن أن تلك الموضوعات المدروسة، وقد صارت ضحية الإفراط في استبعاد العنصر البشري، باتت تستحوذ على اهتمام النقاد، في حين أن المداولات الفكرية صارت أشبه ما يكون بحوار الطرشان في غرف ضيقة. وأما ثالثة الأثافي فتكمن في ذلك التشابه المتزايد بين المحافظين الجدد السياسيين الصرحاء وبين النقاد الميالين للتدين ممن لا تتيسر، لكلا الفريقين، خصخصة الحياة الاجتماعية والخطاب الثقافي إلا من خلال الإيمان ببازار شبه ديني وديع الطابع. وهكذا فإن النقد، بعد نكوصه على عقبيه، يرفض أن يرى وشائجه مع العالم السياسي الذي يعمل في خدمته، ربما عن قصد وربما عن غير قصد. فالناقد الحديث أضحى، بعد أن كان مفكراً ذات مرة، رجل دين بأسوأ ما تعنيه هذه الكلمة. وأما السؤال عن الكيفية التي من الممكن أن يعود بها خطاب النقاد كلهم إلى مشروع دنيوي حقيقي فهو من أخطر الأسئلة، على ما يبدو لي، التي يمكن أن يطرحها النقاد بعضهم على بعض في هذه الآونة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |