|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:08 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
الفصـــــل
الأول: أشـــكال الرحلات الخيالية
أولاً - رحلات إلى عالم الجنّ والمدن
المسحورة:
يرتبط هذا الشكل من الرحلات
الخياليّة بأماكن الجنّ والعفاريت والشياطين تلك الكائنات الغريبة التي اختارها
بعض الشعراء ملاذاً له يبثّها مواقفه من الحياة والفنّ والفكر وتشمل ((رحلة
عبقر))، لشفيق معلوف، و((في حانة إبليس)) لمحمد الفراتي، و((ترجمة شيطان))، لعباس
محمود العقّاد. أمّا المدن المسحورة فهي تلك
المدن التي عرفت في زمن ما واختفت بصورة غامضة، وارتبطت بشكل ما بالغرابة
والعجائبيّة نحو ((إرم ذات العماد)). التي استوحى منها نسيب عريضة مطولته ((على
طريق إرم)). وأول هذه الرحلات الخياليّة
إلى تلك العوالم الغريبة هي: رحلة ((عبقر))، لشفيق معلوف1905.
مطوّلةعبقر من أهم الرحلات
الخياليّة في الشعر العربي الحديث وقد نظمها الشاعر شفيق معلوف مستمداً مادتها من
الأساطير العربية القديمة. وقد صدرت بعض أناشيدها أوّل مرّة في صحافة المهجر
البرازيلية عام 1929، إلى أن صدرت عن مجلة الشرق البرازيلية عام 1936، وقد تضمنّت
ستة أناشيد هي ((في طريق عبقر، الإله الناقص، حسرة الروح، حكمة الكهّان، ثورة
البغايا، العبقريّون)). إضافة إلى مقدّمة عن أساطير العرب وشياطين الشعر بقلم
والده عيسى إسكندر معلوف. وقد لقيت اهتماماً كبيراً في الأوساط الأدبيّة والفنيّة
يومذاك، الأمر الذي حفّز شفيقاً إلى إصدارها سنة 1949 في 343 صفحة بعد أن تضاعفت
أناشيدها وبلغت اثني عشر نشيداً، فكانت الأناشيد المضافة: ((نهر الغي، وادي سجين،
الهوجل والهوبر، حلم هراء، العنقاء، أحاديث خرافة))([i])، وقد نظمت المطوّلة على البحر السريع المنوّع
القوافي. قدّم شفيق المعلوف مطوّلة
عبقر على أساس فكرة شيطان الشعر الذي يحلّق بالشاعر بعيداً عن عالم الواقع إلى
عالم الجنّ والشياطين في وادي عبقر. ذلك الوادي الذي تؤوب إليه كلّ الأساطير
والخرافات. وقد جاءت ((عبقر)) فريدة بين مطوّلات الشعر العربي ومن بين
موضوعات الرحلات الخياليّة لما في موضوعها من خصوصيّة، إذ تتناول أساطير العرب
وخرافاتهم وعباداتهم ومعتقداتهم في الجاهليّة. وقد حملت أناشيدها العناوين
التالية:
في النشيد الأوّل ينبري شيطان
الشاعر مستظلاً بغيمة، وقد بانت سُحنته البشعة، فيحيّي الشاعر بتحيّة الصباح، ثمّ
يعرض عليه أن ينطلق به إلى عالم السحر والخرافة حيث تأوي الجنّ والشياطين في وادي
عبقر فيوافق الشاعر على ذلك ويمتطي ظهره، يقول:
وفي النشيد الثاني يقف
علىأبواب عرّافة عبقر، وهي عجوز دردبيس تخال جهنّم في عينيها، ولكنّها دوّت سخطاً
ودعت ويلاً عندما شاهدت هذا الإنسيّ الذي اقتحم عليها عالمها حاملاً شرّه بين
جنبيه، وراحت تقذفه بعبارات التقريع والتذّمر قائلةً:
ويبتعد الشاعر في -النشيد
الثالث- مع شيطانه عن عرّافة عبقر مستاءً ممّا سمع، غير أنّ الشيطان يحثّه على
المُضي قُدماً في متابعة الرحلة، ثمّ يسمع صوتاً شجيّاً يعتصر الأسى نبراته، هو صوت أميرة الجنّ،بدت وقد أصابها
طائف من الإنس فذاقت لذّة الجسد واحترقت بنار الشهوة، فما تلبث تعانق الأرواح
دونما نفع، فلا شيء يشبع فيها النهم غير الجسد، لذا تراها تبيع الخلود بالكفن،
فتقول:
وفي الرابع من أناشيد عبقر
يثب الشيطان بالشاعر وثبة عظيمة تقذفهما إلى نهر الغي، حيث يلتقي مارداً اسمه
سرحوب، ما يفتأ يضرب النهر بعكّازه، فينفرج عن لجّة دهماء ظلماء كثيرة الشعاب يمشي
فيها هذا المارد الأعمى كالبصير في النور، ويقدّم للشاعر عدداً من النصائح الخلقية
التي تقوّم المجتمع في مواجهة الفساد الماديّ، يقول على لسان سرحوب:
ثمّ في النشيد الخامس يقفزبه
شيطانه إلى وادي سجين، فيرى إبليس قد استراح على عرشه بعد أن قلّد أبناءه الخمسة
مقاليد الغواية والضلال. الأوّل: ((ثُبَرّ)) شيطان
الحروب والدمار ومثير الفتن والأهوال، بدا وقد أطلق ضحكات الهزء والسخرية من بني البشر بعد أن نزع القيود من أرجل
العبيد ليتوّج بها رؤوس الغزاة، ثمّ يظهر أخوه ((داسم)) مزّيّن النقائص والدسائس،
ومعلّم الناس أساليب الرياء والخداع، ثمّ يبدو ((أعور)) إبليس الشهوة، يقول لبني
البشر:
ثمّ يخرج ((زلنبور)) شيطان
المال، معبود أهل الذهب ومفضّض الأغلال، غير أنّ الجميع يسيرون في النهاية تحت
راية ((مِسْوَطٍ)) شيطان الكذب. وفي النشيد السادس يتحدث
المعلوف عن الهوجل والهوبر شيطاني الشعر، والهوجل يوحي الشعر الجيد ويعمل لأجل
الحياة وبثّها في كلّ مكان، في حين يقوم الثاني على الإتلاف والتخريب وقد تمثّل
ذلك في صورة إيحائيّة تصوّر الهوبر يأكل البسر ويرمي بالنواة على الأرض ليلتقطها
الهوجل فيغرسها في الأرض. وفي النشيد السابع يتحدّث عن
رؤيا أميّة بن أبي الصّلت وخلاصتها: إنّ الشاعر الجاهلي كان يهيّئ نفسه للنبوّة
لما شاع في زمنه عن نبي يرسل في العرب،
وفي ليلة ماينام أميّة فيأتيه هُراء في المنام بهيئة طير جثمت بقربه فشقّت
أضلاعه واستخرجت قلبه المجبول على الشرّ والحسدوالرياء فعرضت على ذلك القلب نور
النبوّة فأباها، لأنّ النبوّة مقام
سامٍ لا يصل إليه إلاّ من صفا قلبه وخلصت سريرته، فيقول:
أمّا في النشيد الثامن فيقابل
المعلوف حكيمي عبقر، وهما: شقٌّ وسَطيح، فالأوّل كان نصف إنسان بعين ورجل ونصف
لسان، والثاني قد سُلّت من جسده العظام فصار يُطوى كطيّ السجل. ويعرض الكاهنان على
الشاعر عدداً من النصائح بما أوتيا من الحكمة. ويركز شفيق في هذا النشيد على
الجوهر الأساسي في الحياة، وهو الروح. لأنّ الجسد مجرّد وعاء لا يضرّ النقصان فيه
كمال الروح -ولاسيما- إذا تقوّت الروح ومُلئِتْ حكمة. وفي نشيد ثورة البغايا، وهو
النشيد التاسع يصوّر البغايا اللواتي ثرن في الجحيم على الله، واعترضن على قدره
فيهن حتّى ضجّ منهنّ أهل النار، فزجّ بهن الله في وادي عبقر، يقول شفيق على
لسانهنّ:
وفي النشيد العاشر يميل الشيطان بالشاعر إلى ناحية
من عبقر يضيق بها الأفق، ويملأ جنباتها طائر خرافي هوالعنقاء ومن خلفها فرخاها
الرُّخ والفينيق، ويصوّر المعلوف حال هذه الطيوروضخامتها وأوكارها مقارناً بين
عظمة أجسامها وعظمة عقول بني البشر التي أسكنها أهلها جماجمهم الضيّقة فحدّوا من
إبداعها وانطلاقها، يقول:
وفي أحاديث خرافة وهي النشيد
الحادي عشر يروي الشاعر أسطورة خرافة وأحاديثه التي يرويها، وهي نسور لقمان،
وأسطورة نصر بن دهمان، وحديث من البادية. ففي حديث نصر بن دهمان يتحدث خرافة عن
نصر بن دهمان شيخ غطفان الذي عاد شاباً بعد أن أحنت ظهره السنون حتّى بدا كنابش
قبره بيده، ولكنّ جنيّة تسلّلت ليلاً إلى مخدعه لتعيد إليه الشباب من دمعها وكحلها
وحرقة أنفاسها. وفي مقطوعة أناهيد يروي
أسطورةً تتحدث عن امرأة من الأعراب اسمها أناهيد باعت نفسها للهوى، وجعلتْ من
نفسها مستراحاً للركبان، فتثير غضب الآلهة عليها فتحوّلها إلى نجمة تهدي الركبان
في الليالي التائهة في قلب الصحراء. أما النشيد الثاني عشر، فهو
آخر محطات الرحلة حيث همس الجماجم، ولغة الفناء تشدّ إليها الرائي المتعظ، ويبقى
الخلود للروح وتبقى الأجسام قشوراً لا تفتأ تتيبّس ليتفتّق اللبّ عن خلق جديد،
ويظل الحبّ هدفاً تسعى إليه الشاعريّة ووسيلة لخلاص الإنسانيّة من آلامها، فيقول:
لقد تمثّل الشاعر في عبقر
الحياة الإنسانيّة المعاصرة، التي تقوم على الصراع بين المادّية الطاغية والروح
الإنسانيّة الطاهرة، فبدت عبقر كأنّها صورة ممسوخة لهذا المجتمع بكلّ ما فيه من
تناقضات، وقد أراد الشاعر فيها أن يرسم موقفه من الإنسان، الذي بدا شريراً بطبعه،
والحياة الاجتماعيّة المتردية التي رسفت في قيود الرذيلة، وغلبة الشهوات، وقد ألبس
شفيق مادته الأسطورية في هذه الرحلة رؤية إنسانيّة شفافة بعثتها بثوب جديد يتساوق
والهدف الذي صرّح به شفيق في مقدّمة عبقر وهو بعث التراث الأسطوري العربي والتجديد
في الشعر العربي المعاصر. * في حانة إبليس محمد الفراتي 1890-1978.
قصّة شعريّة نشرها الشاعر في
ديوانه النفحات في حوالي 1956-1957 وهي مؤلّفة من خمسة وستين ومائة بيت على بحر
الهزج منوّع القوافي. وتدور أحداث القصّة في طفولة
الشاعر عندما يلتقي جنيّة تغريه بالحلوى لتسوقه خلفها نحوعالم إبليس حيث يلتقي
هناك أبا مرّة ويدور بينهما حوار طويل ينتهي الحوار إلى هدّية يقدّمها إبليس لهذا
الطفل الناشئ، هي موهبة الشعر على أن يحتفظ الطفل بالسّر إلى أن يكبر وإلاّ فسيصاب
بالخبل انتقاماً تقوم به الشياطين والجنيّة لذلك. يقصّ علينا الشاعر، وهو شيخ
طاعن في السنّ ماكان في طفولته من لقائه جنيّة أخذت تناديه وتغريه بالحلوى
لتستجرّه وراءها بعيداً عن الدور، ثمّ لتأخذه إلى أعماق الأرض حيث تقطع به مسافة
طويلة ليقف أمام ظلمة داجية وتصيح بكلمة سحريّة تشقُّ دياجي الظلمة، لتضيء تحتها
دور وبساتين لا نكاد نلمح فيها شيئاً يتميّز عن عالمنا الأرضي يقول:
ثمّ يصوّر قصر إبليس فيتكئ في
تصويره على خيالات وصور مستمدّة من عالم ألف ليلة وليلة، فهو قصر مشيد من درّ
وماس، وأبوابه من الجواهر والذهب، وبناء القصر يغلبُ عليه الطابع الإسلامي ففي
وسطه قبّة عظيمة وبهو كبير، ودعائمه من الذهب وتحفُّ بإيوانه ولجّته أشباح
ومخلوقات عجيبة من الجنّ يقول:
ثمّ ينتقل الفراتي إلى وصف
إبليس ومالديه من زينة وأدوات إغواء، حتّى إذا اقترب منه ناداه أبومرّة مستعطفاً
إيّاه ومستغلاً سذاجته ليريه في مرآته أعاجيب عن الناس، ماكانت تخطر له ببال. فيرى
الناس يتقاتلون على الدنيا كالوحوش الضارية ويرى تهافت الناس على الشهوات وغيرها
من مهاوي الأخلاق، وكأنّه يؤكّد
سطوة الشهوات والغرائز في رسم مصائر كثير من البشر، لأنّ كل الناس في رأي إبليس صريع
الجنس والشهوة بدءاً بأبي البشر آدم. ويظهر إبليس تظلمه أمام الشاعر، فالله عزّ
وجلّ، على حدّ زعمه، قد ظلمه أكبر الظلم حين تاب على آدم ولعنه إلى يوم القيامة،
رغم أنّ آدم قد ركّبت فيه كلّ طباع السوء، فيقول:
وبعد هذه الحوارية يلتفت
إبليس إلى الشاعر ليقدّم له هدية ثمينة، ألا وهي صولجان الشعر، فيقول:
ثمّ تعود السعلاة بالشاعر
الفراتي بعد أن يأخذ منه إبليس المواثِيق بألاّ يخبر أحداً بما جرى حتى يغدو شيخاً
طاعناً في السنِّ. ثمّ يعرض الفراتي لبعض العادات الشرقية السائدة في بلده، ولاسيما،
المتعلقة بالأحزان ويشيد بالتآزر الذي يلقاه الإنسان المنكوب بمصيبة ما من أقاربه
وذويه، فيقول:
وينقلب حال أهل الشاعر سروراً
بعد حزن عندما يتلقونه ويخبرهم وهكذا انتهت رحلة الشاعر
الفراتي بعد أن حلّق بخياله في عالم الجنّ والشياطين ذلك العالم الغريب، لا
للتسلية والترفيه، وإنّما ليرسم ملامح موقفه من الحياة الاجتماعيّة التي صوّر
كثيراً من جوانبها وماكان ليرتحل إلاّ ليعرّض ببعض الجوانب الفاسدة، والتهافت وراء
الشهوات والانخداع ببعض الفئات المدّعية التديّن، كما استطاع أن يرسم لوحة صادقة
لمجتمع إنساني لا يزال يعيش أحاديث الجنّ وأساطير خرّافية. ولا يخفى تأثّر الفراتي في رحلته الخياليّة هذه
بأسطورة شيطان الشعر الذي يلهم الشاعر أجمل القصائد. * ترجمة شيطان عباس محمودالعقّاد
(1889-1964).
جاءت قصيدة ((ترجمة شيطان))
في ديوانه ((أشباح الأصيل)) مؤلفة من (220) مائتين وعشرين بيتاً على بحر الرمل.
موزّعة على شكل ثنائيات متّحدة القافية شغلت الصفحات من 272 إلى 289.([xvi]) وتروي القصيدة سيرة شيطان
ناشئ من ولد إبليس سئم الحياة التي خُلق لها فيتمرّد على هذه الخلقة والمهمّة التي تقتصر على الإغواء،
ويتوب إلى الله عزّ وجلّ عن الشرّ فيجازيه الله عن توبته بالجنّة مسكناً ومآباً،
ولكنّ روح الثورة لاتفارق هذا المخلوق فيرى أنّ أيّ منزلة دون الكمال الإلهي نقص
وعيب فيطلب إلى الله في تحدّ صارخ أحد أمرين: إمّا الخلود الإلهي المطلق، وإمّا
التحوّل حجراً صلداً تُخلّد فيه روعة الفنّ الجميل. يطالعنا العقّاد منذ البداية
بمقدّمة فلسفية قوامها فكرة بسيطة هي أنّ الله خلق هذا الشيطان محنة للعالمين
ووسيلة لتعليم الحكّام والملوك كيف يرمون من شاؤوا التخلّص منه بتهمة المروق
والعصيان. يقول:
ثمّ يقذف به من السماء إلى
أرض الزنوج ((أولاد حام)) فهم بجهلِهم وتخلّفهم أرضٌ خصبةٌ للإغواء، ولكنّه لا
يبقى طويلاً حتى يُرمى به في سواحل أوربّة، يقول:
فيلبس عليهم الشيطان الحقّ
ويخنس على القلوب، فإذا هي صراعات مرة مع الرغبات والشهوات والعادات والقوانين،
غير أنّ كلّ هذا يكون بأسلوب تقريري لا أثر بالغ للتصوير الشعري فيه. ثمّ يسأم الشيطان من دوره في
الإغواء ويكفر بالشرّ العقيم، لأنّ الناس قد تساوت لديه في الهدى والضلالة، فينوب
إلى الله ويتوب عن الإغواء، ومُحال أن يردّه الله، فيفتح له أبواب جنّته يختار
منها المقام الذي يشاء عند مصبّ السلسبيل في زمرة من الملائك والحور والولدان
المخلّدين يقول:
إلاّ أنّ الشيطان سرعان ما
يسأم حياة النعيم لأنّه لم يصل إلى
مقام الخلود المطلق، مقام الربوبيّة الذي لا يدانيه نقص، إذاً لابدَّ من الثورة
والتمرّد، وهنا تصل روعة التصوير الشعري عند العقّاد ذروتها، حيث يقول:
ويحسد الشيطان الله على مقام الربوبيّة ويظنّ أن الله
ظلمه لأنّه خلق فيه روح التمرّد والعصيان، فهو أسير إرادته، ولو أنه عصى الله
بإرادته لوجبت لعنته لمخالفته أمر الله، ويعترض الشيطان علىالله الذي يهب الجنّة
لعباده من السذّج الذين لا يطمحون بالنظر إلى الخلود المطلق ولا يفكّرون به مجرّد
التفكير في حين يشقى هو بعقله لأنه ينظر إلى البعيد ويطمح إلى الخلود. وتصل ذروة التمرّد لدى
الشيطان حين يتحدّى ربّه بأنّه لن يسأله الرحمة والشفقة أبداً، وأن يجعله حجراً
صلداً وفتنة تجذب إليها النفوس والعقول فيقول:
ويتخلّى إبليس عن ذلك الشيطان
الناشئ، ويسخر منه، ويرفض أن يسلكه سبيل شهداء الشياطين، فيقول:
وتبدو (ترجمة شيطان) للعقّاد
رحلة خالصة للخيال، وتكاد لا تحمل شيئاً من الارتباط للواقع، وكأنّ العقّاد اتخذ
من الموضوع مادة للإبداع والتجديد، فكانت القصيدة بذلك مخلصة لموضوعها، لم تحمّله
أبعاداً خارجة عنه. وهي من غير شكّ تكشف عن تجذّر
الفساد في نفس الشيطان، وكأنّها تريد توكيد
ثبات الشرّ في النفس الشريرة. * على طريق إرم نسيب عريضة (1887-1946)؟
وتعدّ (على طريق إرم) رحلة
إلى عالم عجائبي، بحثاً عن الراحة والطمأنينة وقد استغرقت من ديوانه (الأرواح
الشريرة) قرابة تسع عشرة صفحة بلغت أبياتها 247 بيتاً موزعة على ستة أناشيد هي: 1 ـ أوّل الطريق. 2 ـ القلوب علىالدروب. 3 ـ الطلل الأخير. 4 ـ في القفر الأعظم. 5 ـ القيروان. 6 ـ نار إرم([xxiii]) وهي منوّعة الأبحر والقوافي
وفيها مخمّسات في النشيد الأخير، أمّا الأبحر العروضية فهي: مخلّع البسيط في
النشيد الأول، ومجزوء المتدارك في الثاني، ومجزوء الوافر في الثالث، والمجتث في
الرابع والخامس أيضاً، وفي النشيد الأخير مجزوء المتدارك. لقد دفعت كثرة التفكير الشاعر
إلى أن يتخيّل عالماً نقيّاً صافياً ترى فيه النفس استقراراً وهناءة عند تحقيق
ذاتها فكانت ((على طريق إرم)) محاولة لتحقيق هذه الراحة بخوض غمار المغامرة وحضّ
أدوات النفس على الصمود في مواجهة القلق الناجم عن سطوة الحياة المادّية ويظل في
كفاح وجهاد، ومدّ وجزر إلى أن يصل إلى نار إرم التي ينشدها ويرى فيها خلاصه
المؤمّل. (( جاء في أساطير العرب أنّ
(إرم ذات العماد) مدينة عجيبة بناها شدّاد بن عاد من حجارة الذهب واللؤلؤ والجواهر
فكانت فتنة باهرة للعيون لا يقدر القادم إليها من بعيد أن ينظر إليها إذا واجهها
في ضوء النهار، ثمّ أقفرت هذه المدينة العجيبة واختفت في الصحراء، فهي في مكان
محجوب عامرة بقصورها السحريّة وكنوزها المباحة، ولكن لا وصول إليها، وقد طلبها
كثيرون فهلكوا أو ضلّوا وعادوا قانعين من الغنيمة بالإياب. هذه إرم الأساطير. أمّا
إرم الشاعر التي يتحدث عنها الناظم في ملحمته فهي (إرم) الروحيّة......))([xxiv]). إذن فللشاعر إرم أخرى غير
المقصودة بالأسطورة، إنّها وليدة التفكير العميق بالنفس والحياة والخلود والموت،
هذا التفكير الذي رسمت ملامحه حمأة الحياة المادّية، التي طغت على كلّ شيء في هذا
العصر، لذا وجدنا أنّ الشعراء ارتدّوا إلى ذواتهم يصنعون لأنفسهم عالماً من الخيال
يلوذون به فراراً من هذه الحياة المتعبة، يحلمون فيه بالدعة والطمأنينة ولو لحظات،
ليعودوا بعدها إلى عالم الواقع، وقد حملوا معهم نشوة الحلم ليسيل المداد به. وفي لحظة الإبداع ينفلت
الخيال من صفد الواقع، يسعى الشاعر إلى الروح المشرقة فيتخذ لنفسه سميراً-قد لا
يكون سوى شعره- ليجدّ في السير نحو الطريق التي أشرقت بروقها في روعه، وارتسمت
معالم الطريق إليها فأصيبت روحه منها بمسّ لطيف يكاد لا يفارقها. وهنا يكون النشيد
الأول هو بعنوان ((أول الطريق)): فقد هامت روحه هُيام الأعمى الذي لا يحسن السؤال، ولا يعرف الطريق
إلى هذا الروح الذي طاف به من عالم الخيال، وقد سارت إليه القوافل تباعاً ليس لها
هادٍ إلاّ الروح لأنها المطيّة الوحيدة إلى منبع الإشراق الحقيقي. يهيّئ الشاعر لنفسه المطايا
ليكوّن الركب العجيب الذي سيقلّه إلى إرم الروحيّة، لذا تراه يسوّد القلب على ركبه
ويجعله هادياً لهم ومرشداً إلى الحلم. أمّا النشيد الثاني وهو
بعنوان ((القلوب على الدّروب)) فإنّ الشاعر والركب يمتحنان القلب بعد أن سوّداه
على ركبهم ليمحّصا قدرته على قيادة الركب والوصول به إلى الغاية المرجوّة، لكنّه
قائد يذوب من الحبّ ولا يصبر على ليل الأسى الذي يمتحن مطايا القلوب ويرميها بوابل
من الشوق فيهيج طرف الشاعر بالدموع وتجتمع إلى صدره الهموم، حتّى يكاد ييأس من
طلوع الفجر. فهل يستطيع القلب أن يكون مرشداً ودليلاً إلى منبع الإشراق؟ وهاهي ذي
الأجراس ترنّ بأسماع الشاعر، وليس رنينها إلاّ صدّىً لأنين الروح الملهبة بسياط
الشوق والهيام، فيخشى الشاعر على ركبه من الشتات فيصيح:
وفي النشيد الثالث ((الطلل
الأخير)) يجرّد الشاعر من نفسه واحة صوفيّة فيناجي ذلك الطلل مناجاة لهفة وحنين،
غير أنّ الحيرة تملأ قلبه بالضياع والأسى، إذ يحاول أن يصل إلى راحة الروح التي
طالما حلم بها، ولكنّه لا يصل إلى ذلك الصفاء رغم كلّ أحلامه في الوصول. وفي النشيد الرابع ينحر
الشاعر ناقة الوجد في القفر الأعظم ويقدّم قربان الجسد على مذبح الأسى والوفاء
لعلّه يتخفّف من أوضاره المادّية المثقلة للروح، لتخفّ الروح إلى العُلى حيث
السمّو والعلاء، غير أن الجسد يضيع في صحراء التيه فلا شيء يهدي هذه الروح إلاّ
مزايا البذل والتضحية والفداء، لذا يحثّ النفس عليها لأنّها لن تصل إلىمنبع
الإشراق إلاّ بهذه السجايا، عندئذٍ لا تهمّ المسالك، وأيّاً كانت سالكة أم غير
سالكة فكلّها تؤدّي إلى الخلود في الحياة التي يأكل الفناء رواءها وإشراقها يقول:
ثمّ تدور مناجاة بين الشاعر ونفسه، يستحث الشاعر نفسه على أن
تهديه بصفاتها ونقائها إلى الطريق الصحيح، فيصيح بأذن نفسه ليسمع صوت الفجر يهديه
إلى حقيقة لا مفرّ من إدراكها، إنّها حقيقة انقضاء الحياة في عبث لا طائل منه،
فالعمر يمضي مابين ليل وفجر، فيستغيث الشاعر نفسه أن تكفَّ عن تذكيره بأوزاره التي
يحملها على ظهره، مرهقاً بأوجاعها. ورغم مايلوّح به الشاعر من روح الأمل فإنّ نزعة
التشاؤم تسيطر على الأبيات. وفي النشيد الخامس: وهو بعنوان ((القيروان))، وربّما أراد
الشاعر بهذه التسمية الإشارة إلى مدينة القيروان التي كانت منبعاً للعلم والمعرفة
في إفريقيّة بعد الفتح الإسلامي. المفيد في الأمر أنّ الشاعر
راح يتفقّد الركب ويجمع أشتاته فيقول:
وتغدو قيادة الركب صراعاً بين
أفراده فكّل يريد أن يقود الركب إلى غايته المنشودة، ولكن هيهات فقد راحوا
يتساقطون واحداً تلو الآخر، ولكنّ الأمل ونشوة الحلم لا تزال تداعب نفس الشاعر في
الوصول إلى غايته المنشودة فيستحثّ بقايا الركب إلى السير نحوها وإن عظمت الصعاب،
فيقول:
ويجمع الشاعر أشتات ركبه
ويلوذ إلى نفسه ينقّيها إلى أن تصل
غاية النقاء والطهر، عندها فقط تلوح له نار إرم في النشيد السادس، تلك
النار التي رحل لأجلها، لأجل أن يملأ جوانحه من نورها الفيّاض ذلك النور الذي لن
يبارحه حتّى يفرّق الموت بينهما فيقول:
هكذا يبدو واضحاً أنّ المعرفة
هي رفيق الإنسان وأمله الذي لا يمكنه التخلّي عنه في حياته، لأنّ تخليه عنه يعني
فقده هُويته الإنسانيّة، ولكن قبل أن يتشبث الإنسان بهذا الرفيق لابدّ أن ينقّي
روحه ويخلّصها من أوضارها الماديّة التي ربّما تحوّل هذه الأداة الفاعلة دماراً
وحروباً بعد أن كانت في روع الشاعر وكلّ ذي روح طاهرة أداة وجود وخير عطاء. * لقد تميّزت الرحلات الخياليّة
السابقة باختيارها الأماكن الغريبة والمسحورة التي تأوي إليها الشياطين والجنّ
مراحاً تعرض من خلاله نظرتها إلى المجتمع الإنساني المعاصر فتعرّض بمفاسده وتفضح
نقائصه، وتدعو من طرف خفي إلى الحياة الإنسانية الكريمة القائمة على الروحانيّة
سمة رابطة بين بني البشر. ثانياً: رحلات إلى العالم العلوي.
لقد نظر الإنسان منذ القدم
إلى قبّة السماء فوجد فيها لغزاً محيّراً أوقد في روحه جذوة البحث والمعرفة، فأنشأ
لها علماً خاصاً يدرس ظواهرها الثابتة والمتغيّرة ويسجّل حركة النجوم ومواقعها بما
ينفعه في حياته، ولكنّ ذلك كلّه لم يروِ شغفه إلى البحث والمعرفة عن أسرارها
الغامضة، وقبل أن تمكنّه وسائله الماديّة من ارتياد أجوازها، فقد ارتادها بفكره
وخياله، متصوّراً أنّ عليها حياة عاقلة خيراً من حياته بين أبناء جنسه. وقد يبدع
شخصيات خياليّة قريبة من واقعه لا يريد منها إلا التعريض بحياة مجتمعه وتوجيه سياط
النقد اللاذعة له. وقد انطوت هذه الرحلات تحت
قسمين رئيسين، الأوّل: اتجاه إلى عالم الفلك والنجوم وفيه رحلات محمد الفراتي:
((الكوميديا السماويّة))، ورحلة رشيد أيوب: ((حلم في المريخ)) ورحلة محمد حسن
فقّي: ((الكون والشاعر)). والثاني: التمس عالم الروح والملائكة بما فيها من معاني
الطهر والنقاء.وهي : ((على بساط الريح)) لفوزي معلوف، و((أبونا آدم))، لإبراهيم
الهوني، و الكوميديا السّماوية([xxx]) لمحمد الفراتي (1890-1978).
هي أطول القصائد التي نظمها محمد الفراتي سنة 1956 ست
وخمسين وتسعمائة وألف، وقد ظنّ معظم الباحثين أنّها فقدت بعدأن فقدها خليل هنداوي،([xxxi]) ولكنّ الأستاذ سامي الكيالي
كان قد أقنع الشاعر الفراتي بنشر قسم كبير منها في مجلة الحديث وترك الشاعر قسماً
نشره في ديوانيه: النفحات والعواصف، وبلغت أبياتها كاملة ثمانية وأربعين وستمائة
بيت موزعة على العناوين التالية:([xxxii]) أ - حُلم مُريع أو ليلة في
عالم المريخ/ الطويل. ب - من أنا ومن أين جئت إلى
هذا الوجود/ الوافر. ج - السّاحر/ الرمل. د - غرور الشّباب/ الخفيف. هـ- في حانة إبليس/ الهزج. و - إلى أين مصيري بعد الموت/
الوافر. وقد درس هذه القصيدة باحثٌ
سوري في مجلة المعرفة العدد (427)، نيسان 1999، ودراسته غلب عليها الطابع الوصفي،
وقد كانت دراستنا أسبق إلى دراسة القصيدة غير أنّ التأخر في إنجاز طباعة البحث هو
السبب في تأخير ظهور هذا البحث. وتدور أحداث الرحلة في عالم
علويّ يصعد إليه الشاعر بوساطة الأحلام والرؤى ليلتقي هناك شخصيات مريخيّة يتحاور
معها في قضايا تهمّ البشر وتهمّ الشخصيات التي أبدعتها مخيّلة الشاعر. ثمّ ينفض
الشاعر عنه الهموم والأحزان ليهيم في الفضاء بعيداً يلتقي في الكواكب شعراء وأدباء
وعلماء وزنادقة وأناساً مثاليين، لا يمكن أن تتحقّق ملامحهم في الواقع الإنساني،
ثمّ يخرج عن نطاق الوجود لتفنى روحه في الأنوار القدسيّة، وليلوح له نور المصطفى
صلّى الله عليه وسلم. فيفنى بهذا النور فناء المحب المدّله. أمّا قصيدة ((غرور
الشباب)) فهي حلم يداعب مخيلة الشاعر ليعيش مع ((فرنوف معيد الشباب)) لحظات من
العودة إلى الشباب وتجديد الشعر والروح والجسد. تبدأ الكوميديا بـ ((الحلم
المريع)) ليلفت الشاعر الانتباه إلى عالم الرؤى والأحلام الذي يشدّه إليه ليحلّق
بجناحيه صعوداً وهبوطاً في أعماق نفسه ليجد نفسه على كوكب المريخ، على شاطئ بحر
خضم اسمه ((سيسا)) وهو كثير المخاطر
والأهوال، ويجدّ الشاعر في طلب النار لرفقته من وادٍ قريب فيرى هناك
مخلوقات شبيهة ببني البشر، يقترب منها يحاول التفاهم معها فلا يستطيع حتّى يمكنه
ذلك بالإشارة، فيأخذونه معهم ليجد مدينة زاهرة في هذا الكوكب. فيطوّف فيها ويراقب
أهل الأرض الذين يقضون الدهر في حروب ومطاحنات فيرى رجلاً مريخيّاً يشير إلى كوكب
الأرض وينعت أهله بأقبح الصفات يقول:
ثمّ يطلب الشاعر من صاحبه
المريخيّ أن يجوز بحرهم إلى مكان آخر، وهنا يستطرد الشاعر كثيراً في وصف رفيقه في
هذه الرحلة واسمه ((ميكال))، ثمّ يتحدّث ميكال عن حياته العلميّة وأساتيذه ومن
أبرزهم رفائيل، ويعرض عليه الشاعر أن يزور أستاذه رفائيل. ويلتقي الشاعر رفائيل ويسرد
عليه الشاعر قصّة التاريخ البشريّ الدينيّ من خلق آدم إلى بعثة الأنبياء وحياة
البشر بين الظلم والعدل والخير والشرّ، وهنا يخشى ميكال على أستاذه رفائيل من سآمه
الحديث، فيطلب من الشاعر السكوت ليتكلّم رفائيل بنصائح يقدّمها للشاعر فيها -على
حدّ زعمه- صلاح حال أهل الأرض ليؤكدّ أنّ العقل هو الحكم الفيصل الصالح لحياة
المخلوقات ويجب أن يدين له الجميع بذلك. وفي تلك اللحظة يسرُّ الفراتي في سرّه
قولاً يجعل رفائيل يثور ويزّبد ويربد يقول:
ثمّ يحدّث رفائيل الشاعر عن
نفسه وأصل حكمته وعلمه، وينتبه الشاعر صبحاً ليجد نفسه بين أولاده وعقيلته فيردّد
بيتي حكمة خلص بهما من هذه الرحلة:
وفي القسم الثاني تشدّ روح
الشاعر في سياحتها إلى كواكب عجيبة يسمّيها نسبة إلى ساكنيها، ففي كوكب الشعراء يلتقي
أبا نواس وحوله الندامى تعاطى رحيق الخلد خمراً معتّقة، فيعجب الشاعر لذلك ويهتف
به، فيميل أبو نواس إلى جهة الصوت جذلا سكرانا، فلا يرى شيئاً. فيخبره الشاعر أنّه
روح ولن يراه ويدور بينهما حوارعن مصير أبي نواس وكيف وصل إلى هذا المقام السنّي
ويضمّن الفراتي ذلك الحوار هجوماً على أدعياء التقوى والورع على لسان أبي نواس،
فيقول:
ينتقل الفراتي بعدها إلى كوكب
آخر ((فوق رمح السماك)) يرى نوراً مضيئاً يغشى العيون، فيقطع إليه جبالاً وسهولاً
وحزوناً، ليصل إليه فيقف على عدد من الزنادقة أمثال ابن الراوندي ومزدك، وغيرهما
من الزنادقة فيوجّه إليهم الشاعر شهبه الكلامية الحارقة، ثمّ يحاور الشاعر زعيمهم ابن الراوندي مستغلاً هذا
الحوار ليطعن أيضاً على بعض المتديّنين الذين يحيون في الحياة بُلهاً مجانين بلا
عقول. أمّا الزنادقة فشقوا بعلمهم وعقولهم الجبّارة كما يزعمون فما طالوا دنيا ولا
فازوا بآخرة، فيقول:
وفي نهاية الطواف النجمي بين
الكواكب يرسم الشاعر عالماً مثاليّاً في كوكب العباقرة إذ حاول الشاعر أن يصبّ كلّ
طموحاته في هذا النشيد ليخرجه على صورة الجنّة في هيكله وبنائه وأهله، فهومنبت
العلماء العظام وكبار صانعي حضارة المستقبل وفيه تتحقّق كلّ الأماني دون أن يلفظ
الإنسان فيه ببنت شفة فما عليه إلاّ التخاطب بالخواطر والأفكار. ثمّ يخرج الشاعر عن المجرّة
تاركاً أبا نواس ليقترب من مناهل الشهود المطلق ويكشف أستار الحُجب ويذوق لذّة الوجد
الصوفي الحقيقي لأنه ينكر أن يكون كصوفيّ زمانه يقول:
وفي قصيدة ((غرور الشباب))
يبتعد الفراتي عن الكواكب والنجوم إلى عالم الأحلام والرؤى، ذلك الحلم الذي طالما
داعب الخيال البشري النازع إلى الخلود والشباب والقوّة والتجدّد، إنّه عودّة إلى
الشباب ذلك الفردوس المفقود، حيث القوّة والحيويّة والنشاط والحبّ والهوى والطيش
كما يقول الشاعر:
فتأخذ الشاعر نشوة المخمور
وقد تبدّل الحال بعد المشيب إلى الشباب والقوّة فلابدّ أن يجدّد الشعر ويطرح القديم
ليتناسب مع الروح الجديدة التي دبّت فيه فيرتّل من آي الشعر أبياتاً يؤذّن فيها
ببدء العهد الجديد. وبينما يخطر الشاعر في هذه اللوحة الفنيّة التي تواشجت فيها
عناصر الجمال، حيث رسم الشاعر صورة الحياة المتجدّدة في نفسه بعد أن كادت يبوسة
الشيخوخة أن تقتلها، وقد تجاوز التسعين، يسمع هاتفاً يسفّه شعره وروحه التوّاقة
إلى الجمال فيلتفت على طريقة الشعراء القدماء ليبرهن لهذا الطيف الذي قطع عليه
نشوة الحلم وشاعريته، إنّه ذلك الشاعر الذي لا يشقّ له غبار في الوصف، غير أنّ
الطيف يعيب عليه نزوعه إلى القديم البالي من الشعر ليكرّر على سمعه:
ويرد عليه الشاعر مُغضباً: أن
اسمع هذا التصوير من أفانين الشعر فيرسم له لوحة شعريّة لا تملك النفس أمام صورتها
وألوانها الأخّاذة وأريجها الفوّاح، وحورها الحسان إلاّ أن تترنّح سكرى جذلى.
ويظلّ الشاعر في هذه الصور إلى أن ينتزع منه الإعجاب والاعتراف بالشاعريّة الفذّة
ليسمّيه شاعر الخلد والفنّ والنّفحات والنّفثات. وهنا ينتهي الحلم على غرور
يملأ رأس الشاعر وقلبه فيستيقظ ليجد نفسه على حالها من شيب وتقوّس ظهر وقناعة أنّ
الناس تهوى السخافات والترّهات ولا تقدّر العلماء. وهكذا انتهت الكوميديا
السماوّية، التي كانت محاولة حلّق من خلالها الفراتي بعيداً في أجواز الفضاء، في
سياحة فكريّة وروحيّة، أراد من خلالها أن يندّد بالواقع الاجتماعي الذي لبس أقنعة
الزيف والخداع واضطهد الشاعر الإنسان ليس إلاّ لأنّه صوت حقّ وشعور وفنّ وجمال،
كما أراد منها الشاعر أن يروّح عن نفسه المتعبة التي أثقلتها السنون وذهبت برونقها
الأيام. محاولاً الانتصار لنفسه وإثبات جدارته بأن ينال القدر والاحترام كشاعر فذّ
من أولئك الذين يشار إليهم بالبنان، لاسيما بعد عزلة أدبيّة واجتماعيّة عن الناس
دامت قرابة ربع قرن. *** حلم في المريخ رشيد أيوب 1872-1941
جاءت قصيدة رشيد أيوب ((حلم
في المريخ)) في ديوانه الأيّوبيّات وقد نظمها على طريقة المخمّسات وعددها خمسة عشر
مخمّساً. على البحر الطويل موزّعة على الصفحات من 148 إلى 156 ([xli]), القصيدة رحلة تأمليّة تحاول
أن تجد حلاً لتساؤلات البشر عن وجود حياةعاقلة على الكواكب الأخرى فتختار كوكب
المريخ الذي كان أكثر الكواكب جدلاً في هذه القضية وتتّخذ من الروح مطيّة خياليّة
تغيب عن ذات الشاعر لتطوف في عالم المريخ وتعود إلى الشاعر لتخبره بالحياة
المثاليّة التي تعبّر عن نزوع طامح للقيم المثاليّة. يبدأ الشاعر القصيدة في خلوة نفسيّة يتأمّل فيها الكائنات
والكون ويتساءل في نفسه عن هذه المخلوقات التي بثّها الله في هذا الكون والتي ما
خُلقت عبثاً، يقول:
ويتساءل الشاعر في لهفة عن
صدق مقولة الناس والمهتمّين بوجود حياة على كوكب المريخ، وهل هم بشر مثلنا وأصلهم
من تراب كأصلنا وهل يعرفون الجهل والعلم والحقّ وغير ذلك ممّا نعرف؟.. ولكن ليس من وسيلة تمكّن
الشاعر من تحقيق هذا التطلّع إلاّ نفسه النقية الطاهرة فهي خير وسيلة للانطلاق في
أجواء الحلم. يناجي الشاعر نفسه بعد أن
نقّاها من الهموم والآلام ليحمّلها المهمّة العظيمة التي ستقوم بها يقول:
فالنفس الإنسانيّة لدى رشيد
أيوب وسيلة كشف ومعرفة، كما هو
الحال لدى المتصوّفة، لأنّ الشفافية تصل بروح الإنسان إلى إدراك حقيقة الوجود. وتؤوب النفس بعد أن أنهت
رحلتها الكونية موفّية بوعدها للشاعر فتناجيه بخطرات الروح وماذا عاينت هناك في
المريخ يقول:
وهكذا
تنتهي رحلة رشيد أيوب إلى غايتها المرجوّة التي أرادها الشاعر لها، وهي أن تنبّه
أولئك البشر الغافلين عن آي الإعجاز في خلق الله ولطيف صنعه في المخلوقات التي
فطرها على أحسن حال، وربّما أراد أن يشير من طرف خفيّ إلى أن النفس البشريّة مكمن
العرفان إذا ما هذّبت ونقّيت ممّا لحق بها من أوضار المادّية في ظلال المجتمعات
المعاصرة. ويبقى السؤال قائماً هل الحياة التي رأتها نفس رشيد أيوب حقيقية على
المريخ أم أنّ الحلم لا يزال مستمرّاً؟. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||