الرحلات الخيالية فـي الشعر العربي الحديث 1999 - محمد الصالح السليمان

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:09 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
على بساط الريح فوزي معلوف 1899-1930.

على بساط الريح فوزي معلوف 1899-1930.

تتألف مطوّلة ((على بساط الريح)) من خمسة وعشرين ومائتي بيت من الشعر موزّعة على أربعة عشر نشيداً ينتظمها البحر الخفيف بقافية متنوّعة، طبعت في سان باولو، في البرازيل دون تاريخ بمقدّمة للشاعر الإسباني ((فرانسيسكو فيلا سبازا)).([i])

تبدأ الرحلة الخياليّة برحلة واقعيّة على متن الطائرة، وهناك في الفضاء تنفك قيود الروح لتحلّق بعيداً بين الطيور والنجوم تحاورها وتجادلها وتستغيث بها لتلبيّ رغبة الشاعر في تحقيق وجوده الروحيّ في هذا العالم النقيّ لكنّها- أي روح الشاعر -لا تجد واحتها إلاّ بعد أن كاد الصدى يقتلها يأساً، إذ تنبري الروح لعناقه والدفاع عنه ليعود الشاعر إلى موطنه الأرض بعد أن قضى لحظات خالدة في عالم الطهر.

يختار الشاعر في النشيد الأول ((مَلِكٌ في الهوَاءِ)) الفضاء واحة لخياله الخصب يؤسّس فيها مملكة خياليّة تعجز عن نوالِها أيدي البشر وأطماعهم، لأنّها تملك قوّة الروح والخيال التي تحوّل المستحيل ممكناً، فيقول:

أَنْتَ يَلْوِي ظَهْرَ الرِّيَاحِ لِصَدْمِهْ

 

يَاجَنَاحَ الخَيَالِ أَقْوَىَ جَنَاحٍ

أرضِ إلاّ بِلَحْمَهِ وَبِعَظْمِهْ ([ii])

 

لَيْتَ شِعْرِي ما الشَّاعرُ ابنٌ لهذي الْـ

وفي النشيد الثاني ((رُوحُ الشَّاعِرِ)) يُشيد فوزي بالروح الوثّابة التي تصل الشاعر بعالم الخلد وبعرائس الجمال والجلال لأنّها ليست ابنة التراب واللحم والدّم يقول:

ـــتِ تَقَمَّصْتِ بالتُّرابِ عَلَيْهِ

 

لَسْتِ مِنْ عَالَمِ التُّرابِ وإِنْ كُنْـ

ضِ يَفِيضُ الجَلالُ عَنْ جَانِبِيهِ([iii])

 

أَنْتِ مِنْ عَالَمٍ بَعيدٍ عَنْ الأَرْ

ولكنّ الشاعر يلتفت في النشيد الثالث ((العبد)) إلى واقعه ليجد نفسه مقيّداً إلى الأرض يشدّه إليها اللحم والدّم والقوانين والشرائع والقضاء والتمدّن يقول:

ـيَاءِ أَعْمَى مُسَيَّرٌ بِغُرورِهْ

 

أَنَا في قَبْضَةِ العُبوديّةِ العَمْـ

دٌ على رُغْمِهِ لأَعْمَى نَظِيْرِهْ

 

كلٌّ مَابِي في الكَونِ أَعْمَى ومُنْقَا

ـها فَطَارَتْ في الجوِّ فَوْقَ نُسورِهْ([iv])

 

غَيرَ رُوحِي فالشِّعرُ فَكَّ جَنَاحِيْـ

وفي النشيد الرابع يمتطي الشاعر الطائرة هذه الوسيلة الحضارية التي ألّبت عليه الطيور، وكأنّه ينعى على الإنسان إسفافه في حياته الماديّة التي نفّرت منه كلّ أشكال الجمال في الكون، فها هي الطيور تصف بساطه الحديديّ بالشيطان وتصف راكبه بالغادر، فيقول:

نِ يَبُثُّ اللّهيبَ بُرْكَانُ صَدْرِهْ

 

يَالَهُ طَائراً بِصُورَةِ شَيْطا

جَاءَ يَسْتَعْمِرُ الأَثِيرَ بأَسْرِهْ

 

آدميٌ هَذا - أَجَابَ أَخُوهُ

هَرَباً مِنْهُ واجْتِنَاباً لِشَرِّهْ([v])

 

نحنُ لَمْ نَهْجِرِ البَسيطَةَ إلاّ

ويمجّد الشاعر في النشيد السادس الشقاء الإنساني على طريقة الرومانتيكيين متخذاً من الطبيعة إطاراً يصوّر فيها خطرات النفس المعذّبة وأحلامها العذبة.

ويدخل الشاعر في النشيد السابع عالم النجوم التي تنكره وتنكر آلته الشرّيرة التي تقتحم عليها عالمها، وتصف الشاعر بالعجز والشقاء وتظهر اليأس من صلاحه، في حين حاول الشاعر جهده أن يقنعها بأنّه ذلك الشاعر الذي قضى لياليه في مراقبتها مراقبة المشوق إليها، وقد سفح دم المداد تغزّلاً فيها، يقول:

شَاعِراً يُنْصِتُ الدُّجَى ِلنُواحِهْ

 

إِيْهِ يا نَجْمَتِي أَلَمْ تَعْرِفِينِي

ـكِي وَأَشْكُو إليكِ بينَ أَقاحِهْ

 

كَمْ ليالٍ في الرَّوضِ أَحْييتُها أَبـ

هُوَ في الكَونِ مِثلُ قَلْبِ مِلاحِهْ([vi])

 

سَامَحَ اللهُ فيْكِ قَلْباً نَسيّاً

وفي النشيد الثامن ينثر الشاعر كنانة نفسه ويصوّر تلاشي أحلامه على صخرة الواقع القاسية، فهو يعيش دنيا المتناقضات فليست حياته إلاّ شقاء، وماكانت آماله وأحلامه وأطيافه إلاّ ومضات لمعت في حياته ساعة من دجى ليلة مدلهمّة ثمّ انطفأت يقول:

ـرُ مَتَى يَعْقُبُ البُكاءَ ابتسَامُ

 

لَيْتَ شِعْرِي والّليلُ يَعْقُبُهُ الفَجْـ

خطَطَتها في الشَّاطِئِ الأقدامُ

 

ضَاعَ عُمْرِيْ سَعْياً وَرَاءَ رُسومٍ

ـبُتُ رُكْنٌ لَهُ الرّمالُ دِعَامُ([vii])

 

عِشْتُ أبْنِي على الرِّمَالِ وَهَلْ يَثْـ

وفي النشيد التاسع(( في عالم الأرواح)) يصل فوزي معلوف إلىغايته في الرحلة حيث عالم الروح الأثير الذي لا يستطيع الشاعر إدراك شيء من كنهه فيروح واصفاً الدّويّ والأنوار الخافتة والبرّاقة فيه.

وأمّا النشيد العاشر وهو((حفنة من تراب)) فإنّ الشاعر يدخل في حوار مع الأرواح التي تنكر هذا الوافد الغريب بما يحمل بين جنبيه من كدر وشرور، حتّى لا يؤمّل فيه الخير إلاّ عندما يموت فيمتصّ الثرى مافي جسده من غذاء يمدّ به أنساغ الحياة الهادئة الوادعة، ليصل المعلوف إلى ذروة الجمال والحكمة.

وفي النشيد الحادي عشر يبدو الشاعر حانقاً على الشرّ بداخله إذ تأبى الأرواح إلاّ وصفه بالشرّ والخراب والدمار والطمع والأنانيّة.

وفي النشيد  الثاني عشر وهو بعنوان ((كفّارة الشاعر)) يلتقي الشاعر روحه التي أقبلت تدافع عنه في عالم الأرواح وتصطفيه إليها لأنه قبل كلّ شيء شاعر ليس  عمره كأعمار بني جنسه لأنّ عمره قطرة حبر سالت قافية  على طرسه فحوّلت الدنيا أفراحاً وأغاريد. وهو يضحّي بروحه ويحرقها علىهيكل الخلود شمعة وضّاءة يقول:

بَائِسَاً فاخْشَعُوا احتراماً ليأْسِهْ

 

جَاءَ مِنْ أَرْضِهِ يُفَتِّشُ عَنِّي

شَهْدُ عَطْفٍ يُنْسِيهِ عَلْقَمَ كأسِهْ([viii])

 

وَدُعُوهُ مَعِيْ فَفِيْ قُبُلاتِي

وفي النشيد الثالث عشر يعيش الشاعر لحظات الصفاء الخالدة مع روحه حيث تتضاءل أمام فرحته جبال الأرض وسهولها ووديانها وتحلّق حوله أغاريد الفرح تعزف على قيثاراتها أناشيد الحبّ ونغماته، فيقول:

ـدٍ بِصَوْتٍ ، اللّه في نَبَرَاتِهْ

 

وَعَذَارَى الأَرْوَاحِ تُنْشِدُ مِنْ بُعْـ

أَنِيْنُ الأَوْتَارِ في نَغَمَاتِهْ([ix])

 

رَافَقَتْهُ قِيْثَارَةُ الحُبِّ فانْسَلَّ

وفي النشيد الأخير تنتهي الرحلة ليعود الشاعر إلى الأرض فلا يجد مؤنساً له ولا مدّوناً للحظات الخلد هذه إلاّ قلمه ذلك الرفيق الذي ماخانه يوماً وما جافاه إن جافته الصحاب.

وهكذا سار فوزي معلوف حثيثاً نحو موطنه المحلّق حيث الروح تشدّه، تنزعه من عالم التراب ومطالب اللحم والدّم، ولكن متى يحقّق حلم الحريّة وتتحقّق تلك المعادلة الصعبة الراسفة به إلى قيوده؟ إنّ شعاع الأمل هوالذي يشقّ طريقه نحو الروح ولا يفتَّق هذا الوميض الأخّاذ إلاّ الشعر الذي يحمل له الخلاص المنشود. ولتغدو مطالب الفرد نزوعاً إنسانيّاً يحمل الحبّ والصفاء لكلّ البشر.

*

المعرّي يبصر أنيس الخوري المقدسي

تعدّ قصيدة ((المعرّي يبصر)) لأنيس الخوري المقدسي، قصيدة فلسفيّة مؤلّفة من ثلاثة أناشيد رئيسيّة هي:

1 - حيرة وشكوك.

2 - ظلام التشاؤم.

3 - تجلّي النور.

وقد بلغ عدد أبياتها (102) مائة وبيتين ينظمها البحر الوافر في قافية منوّعة تختلف من نشيد لآخر، نشرها الشاعر في مجلة المورد الصافي الصادرة في بيروت في العدد العاشر وألقاها بمناسبة عيد الشبيبة في سورية 1921([x])

يدور موضوع القصيدة حول تساؤلات يطرحها الشاعر عن الكون والأفلاك والمخلوقات وعن خالق هذه الكائنات، وتقوده هذه التساؤلات إلى الشك القاتل فيخوض بحراً رهيباً من الشكّ والحيرة إلى أن يلتقي المعرّي وسط الظلمة فيحاوره ويناجيه إلى أن يقوده الأخير إلى أول الطريق المنير فيصل الشاعر إلى حقيقة مكمن السعادة في الوجود.

تتناول القصيدة النفس الإنسانيّة، ذلك اللغز الذي حيّر العلماء ولا يزال مشكلاً رغم الدراسات العلميّة والطروحات الفلسفيّة التي تناولته، بيدَ أنّ الشعراء هم أكثر الناس تفاعلاً مع النفس الإنسانيّة، فهم يحملون في طيّات تكوينهم قدرة تمكنّهم من اختراق الغامض المستتر من الحجب. والمقدسيّ واحد من شعراء العربيّة باحث وأديب يخاطب في قصيدته في النشيد الأوّل: قوى المجهول التي برت هذا الكون وكوّنت ملامحه، طالباً إليها أن تبدّد ظلام الشكّ في نفسه، يقول:

مُكَوِّنَةَ العَوَالِمِ مِنْ سَدِيمِ([xi])

 

أَعِيْرِينِي الضّياءَ مِنَ النّجومِ

ولكنّه يظل  يتخبّط في بحر من الشكّ متلاطم يلقي شراع العقل في حيرة تكاد تمزّقه في وسط خضمّها البهيم، فإذا العقل يتيه بين الحياة والموت، بين النجوم والأفلاك في البحث عن سبب هذه الموجودات، فالأمطار والأحياء والنجوم، كلّ أولئك يجري بنظام ودقّة ما لهما مثيل، فهل العقل يرشدنا إلى بارئ الأكون؟

تَكَشَّفُ عَنْ مَلايينِ السُّتورِ*

 

وَكَمْ بيني وَبينَ الحقِّ سُتْرٌ

لِعَيْنِ العَقْلِ في العمرِ القصيرِ

 

سَأحيَا ما حَييتُ وَلَيْسَ نُورٌ

ولا فجرٍ لذا الليلِ العَميمِ

 

ومَا للقلبِ مِنْ أملٍ فيرجو

مُكَوِّنَةَ العَوالِمِ مِنْ سَدِيمِ([xii])

 

أعِيْريني الضّياءَ مِنَ النَجومِ

وبينما هو على تلك الحال في (( النشيد الثاني)) يرى الشاعر شبحاً قد دبّت فيه الحياة، فيدنو منه على وجل وترقّب لعلّه يجد لديه مايشفي الصدى الروحيّ إلى المعرفة والعلم،  ويخلِّصه من لهيب الشكّ، فيعرّفه المعرّي على نفسه.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا اختار أنيس المقدسي المعرّي؟ ألأنّه قضى جلّ حياته بحثاً عن أساس المعرفة، أم لأنّه كان قد انتهى إلى القول بفساد كلّ شيء من هذا الكون إلاّ الخالق البارئ؟ ربّما هذا هو السرّ الذي جعل المقدسي يفتتح قصيدته ببيت راح يكرّره في القصيدة مرّات عدّة يقول:

مُكوِّنَةَ العَوالِمِ مِنْ سَديمِ([xiii])

 

أعِيريني الضّياءَ مِنَ النّجومِ

فهل أراد الشاعر أن يتخلّص من شكوك نفسه، فجعل المعرّي رمزاً لخلاصه بعد أن خلص نفسه من أوهامها وقطع دابر شكوكها كما يقول:

وَفازَ القلبُ بالغَرضِ المَرُومِ

 

كَذَاكَ خَرَجْتُ عَنْ أَوْهَامِ نَفْسِي

بَصِيراً والبَصِيرُ يَرى جَليّا

 

فَصِرْتُ أَرى الوُجودَ كَما تَراني

أَرى الدُّنْيَا تَروقُ لِنَاظِريّا([xiv])

 

هَجَرْتُ المِحْبَسَينِ فَصِرْتُ حُرّاً

ويسأل الشاعر المعريّ عن كيفيّة تحقيق هذه الطمأنينة لأنّه لا يزال أسير الشكوك والأوهام، ولا يزال القلب باهت الإيمان، فلا القلب ينجيه ولا العقل يرحمه، ويطرح في الحوار مع المعرّي قضايا مهمّة جداً في الرحلات الخياليّة كالقدريّة والجبر والاختيار وشقاء أهل العقل والعلم، كما يتساءل عن العدل أمام الظلم في هذه الحياة، والموت المسلّط على الرقاب وأين يمكن للإنسان أن يجد السعادة؟

فقد بحث عنها في كلّ مكان، لقد فتّش النجوم والمقابر ورمم الموتى فلم يجد لها أثراً، ثمّ يسأل المعريّ عن سبب وجوده في هذا المكان، فيقول:

أَكُونُ لِعَابِريِ الوَادِي دَليْلا

 

فَقَالَ:قُضِيْ عَليَّ الدَّهْرَ أَنِّي

وَأهْدِيْهِ إِذَا تَاهَ السَّبيلا

 

فأَرْشُدُ كلَّ ذي قلبٍ صَدُوقٍ

يَرَى في الأُفْقِ أَنْوارَ النَّعيمِ([xv])

 

وأُخْرِجُهُ مِنَ الظُّلماتِ حتّى

ثمّ يرشده المعرّي إلى السبيل الذي ينتصر فيه على أوهامه، إنّه الصبر والمصابرة أمام الشكوك والأهوال التي سيلاقيها، وهنا يبدأ النشيد الثالث ((تجلي النور)) حيث تتجلّى الحقائق أمام الشاعر فلا يرى الخير إلاّ في العمل الشريف والحبّ الطاهر والقلب النقيّ، وعلى المرء ترك مالا يعنيه وما لا رجاء له في أن يراه بالبيّنات. ثمّ ينادي في النهاية ذلك النور الذي شعّ في أعماق روحه قائلاً:

بَعْيداً عَنْ يَقينِ ذَوِيْ اليَقِينِ

 

فَيَا نُوراً تَلألأَ في الأَعَالي

لِتَهْدِينْي إلى الحقِّ المُبينِ

 

إليَكَ أتَيْتُ في ظُلُماتِ نفسي

مَقاماً ليسَ يُبْلَغُ بالعُلومِ([xvi])

 

لَعَلِّي بالغٌ بِكَ في حَيَاتِي

وهكذا تنتهي رحلة المقدسي بعد أن رأت نفسه النور الذي كانت تبحث عنه، وتبدو النزعة الصوفيّة جليّة في هذه الرحلة التي ترى العلم والمعرفة عاجزين عن تحقيق السعادة التي تحتاج إلى الحبّ والعرفان سبيلاً لتحقيقها، وربّما نمّت هذه النزعة عن عداء ساد الواقع العربي الأدبي للعلوم التقنيّة، لاسيما أنّ هذا التقدّم أتى به الغرب الذي يريد استعمار البلاد، لذا دعت هذه الرحلات إلى الحبّ والفنّ ومنه الشعر سبيلاً لتحقيق السعادة الإنسانية أجمع.

*

الكون والشّاعر محمد حسن فِقّي (1912).

جاءت القصيدة في مجموعة ((قدر ورجل)) وهي مؤلّفة من سبعة وسبعين بيتاً على البحر السريع ورويّ واحد هو النون.

هي رحلة خياليّة يطوّف فيها الشاعر أجواز الفضاء يحاور سكّانه ويطرح تساؤلات كثيرة عن الخير والشرّ والموت، والحياة يفصح الشاعر فيها في النهاية عن تفاؤله في الحياة وإيمانه بانتصار الخير أبداً وهزيمة الشرّ وانحساره.

يجرّد الفقّي من نفسه روحاً تخاطب روح الخلد التي هيّجت أشجان النفس، ويستحثّها الشاعر لتحمل روحه بعيداً عن الأرض لتحرّر الروح من قيودها، قيود العبوديّة والجسد والقوانين الوضعيّة إذ لم تعد الروح تطيق حال الأرض التي استشرى الشرّ فيها فصارت له دولة وسلطان، ولكن هي الدنيا دَوْل بين الحقّ والباطل، فلابدّ أن ينتصر الحقّ ويزهق الباطل، وإذا انتصر الحقّ فلن يكون كالباطل في جبروته وغروره، لذا لن يعاقب الشرّ بما يستحقّ، بل سيحتضنه ويوجهه إلى مافيه نفع العالم أجمع، يقول:

دُنْيَاهُ مَا يَكْفَلُ رَجْحَانَهُ

 

وَهَلْ إِذَا الخَيْرُ أَتَاحَتْ لَهُ

يَدَاهُ أَمْ يَمْنَحُ غُفْرَانَهُ

 

يُحَاسِبُ الشَّرَّ على ما جَنَتْ

أَضلّهُ الحِلْمُ ولا شانَهُ([xvii])

 

لكنَّهُ الخَيْرُ حَليمٌ فَمَا

وهنا تبدأ الرحلة حيث ينطلق الشاعر فيرتاد أجواز الفضاء ورحاب الكون، وكأنّه سليمان عليه السّلام يجوبها على بساطه الريحي ويلتقي في الجوّ الطير، ولكنّه لقاء الودّ والصفاء لا الإنكار والتطيّر كما حصل لفوزي المعلوف، ويشرق الحوار وفلسفته عن الروح الإنسانيّة التوّاقة إلى عناصر الجمال والصفاء والطهر يقول:

بَينَ جُموعِ الطَيْرِ إنسانَهُ

 

لَمْ يُزعجِ الطّيرَ عَلى كَوْنِهِ

صاحَبَهَا صاحَبَ أخدانَهُ([xviii])

 

أكانَ يَدْرِي الطَّيرُ أَنَّ الذي

ويستمع الشاعر إلى حديث الطير عن نفسها فتبدو متفائلة بالحياة، وأغلب الظنّ أنّ هذا التفاؤل فيض من روح الشاعر التي ملأها الإيمان فاطمأنّت به. وتتكّشف في حواريّة الشاعر والبلبل نظرة الشاعر للحياة، ورأيه في الناس الذين ملأ الزيف والخداع حياتهم حتّى صار الزيف طبعاً كأنّه جُبل في فطرتهم لذا يقول البلبل:

فَهاكَ مِنْ طَبْعِي بُرْهَانَهُ

 

وَقَالَ إِنْ كُنْتَ تُريدُ الهُدَى

فَالطّيْرُ لا يَخْدَعُ إِخْوَانَهُ([xix])

 

الزَّيْفُ في النَّاسِ وَأمّا هُنا

وبعد حديث الطير ينطلق الشاعر محلّقاً في الفضاء ليشارف النجم ثمّ يرتقي إلى ماهو أبعد من النجوم وأطهر، إلى عالم الملائكة، ذلك العالم الذي لا يمكن خرقه -وفق المعتقد الإسلامي- لأنها ملئت حرساً شديداً فكيف لابن الطين أن يصل إلى هذا المقام السنيّ؟ لاشكَ إنّه الحلم، هذا العالم الغريب الذي كان خير مطيّة تخفّ بها الروح من أدرانها لتصل إلى أعلى المقامات لذا يقول:

يُطاولُ المُلكَ وَتيْجَانَهُ

 

تَبَاركَ اللّهُ فَكَمْ شَاعِرٍ

وَلا وَعَى المَكْرَ وأَشْطَانَهُ([xx])

 

لَمْ يَعرِفِ الذُّلَّ ولاقَيْنَهُ

يبدو أن الرحلة التي قام بها الفقّي تعكس ارتقاء الروح في درجات الكمال ولكن قبل أن تخترق هذا العالم السماوي النّقي لابدّ لها من التخّلص من قيود المادية الراسفة ، التي تثقلها إلى الأرض وتحول دون انطلاقها، وكما هي الحال لدى فوزي معلوف ليس للشاعر إلا روح الشعر التي ترفع الشاعر إلى أن يطاول عنان السماء ويحلّق بجناح الخيال والشعر إلى العالم النقي الطاهر.

اللّه والشّاعرُ محمّد حسن فقّي

هذه القصيدة وردت في المجلّد الأوّل من المجموعة الكاملة من الصفحة 80 إلى الصفحة 84، وهي مؤلّفة من ستةوسبعين بيتاً منظومة على البحر الخفيف موحّدة الوزن، منوعة القافية والرويّ.([xxi])

هي رحلة روحيّة يصل فيها الفقيّ مقاماً لا تصل إليه روح بشر، ولم تصل إليه تطلعات شعراء الرحلات الخياليّة، إنّه مقام القرب من الحضرة الإلهيّة وهناك يحاور الشاعر الملائكة، ويتحدّث إلى ربّ الأرض والسماوات الذي يقربّه قربى لا يقربّها بشراً بعده وهو في رحلته هذه ينطلق من روح إسلاميّ محضّ وقدرة شاعريّة فريدة غايتها تمجيد الشعر من بين الفنون الإنسانيّة.

ففي لحظة البداية نجد أنفسنا في رحاب الملأ الأعلى مع الشاعر الذي جعل من قلبه الطاهر الجريء وسيلة للوصول إلى هذا المكان الذي لا يعرف إلاّ الطهر والنّقاء، يقول:

ـتُ إليهِ، هُنَا بِقْلبٍ فريٍّ

 

ثمَّ أَوْجَستُ خيفَةً إِذْ تَسلّلْـ

تُ وَقَدْ لُذْتُ بالمقامِ السّنيِّ([xxii])

 

غَيْرَ أنّي أَحْسَسْتُ أنّي تَطَهَرْ

ولكنْ ما غاية الشاعر من هذه الرحلة؟ أهي ذاتية يريد بها أن يرفع شأن الشعر والشعراء في عصر بات الشعر فيه يعاني نزعات الاحتضار أمام كثير من الفنون الأدبية؟ أم هي رحلة غايتها التطهّر بأنوار الربوبيّة...؟

ينطلق الشاعر يفصّل الحواريّة التي تخيّلها بينه وبين الذات الإلهيّة، فالله يعلم بوجوده بين عباده من الصفوة المقرّبين من حضرته الإلهية لأنّه صعّده إلى مقامه السنّي ليحتفي به وبشعره يقول:

فإنّي الحفيُّ بالشّعراءِ

 

وَسَيَلْقَى هُنَا الكَرَامَةَ مَا ظَلَّ

مِنْ صُفوفِ الأمْلاكِ يَعْجَبُ مني

م

وَتَرَامَى إليَّ هَمْسٌ خفيٌّ

ـرُ أَفَنٌ يَسْمُو على كلِّ فَنِّ؟

 

مَنْ تُرَاهُ هَذا وَمَا ذلكَ الشعّـ

أَوْ رأيْنا كمِثْلِهِ حَظَّ جِنٍّ([xxiii])

 

مَنْ تُراهُ هَذا وَمَا ذلكَ الشّعـ

لكنّ الله لا يخفى عليه شيء من تعجبهم فيردّ عليهم بأنّ ما يرونه رهن المشيئة الإلهيّة التي تعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء، ثمّ يقرّ بأسلوب تقريري تغلب عليه الرؤية الإسلاميّة بالتمجيد لله جلّ وعلا، فهو ربّ النعماء والحمد والرحمة و الحكم، وله مقاليد الأمر في السماء والأرض.وتتساءل الملائكة عن سبب تقريب هذا المخلوق فيأتي الجواب من الحقّ جلّ جلاله، فيقول:

ـلُكُ حتَّى وَلَوْ أَسَأْتَ إليهِ

 

مَا تُراهُ إلاَّالكريمَ بِمَا يَمْـ

ـق حُقُوداً تَضُجُّ في جَانِبَيْهِ

 

لَوْ تَسَلّلْتَ في حنايَاهُ لَمْ تَلْـ

كالنَّدى كالشُّعَاعِ في مُقْلَتِيهِ

 

أَفَلا تُبْصِرُ الجنانَ مُطِلاً

ثمَّ لا يستمرُّ إلاَّ قَلْيلا

 

وَلَقَدْ يَسْتَفِزُّهُ الغيُّ حِيناً

أنّني ما اتخذْتُ مِنْهُ رَسُولا([xxiv])

 

هُوَ كِفْلٌ مِنْ النّبوّةِ  لَوْلا

ولا تخفى عنه النزعة الذاتيّة التي تحاول رفع مقام الشعر حتّى إنّ الله ليجعل لذة الإحساس بالحياة في شقاء الشعراء وآلامهم وحسراتهم وآهاتهم، هنا يزهو الشاعر حين يرى الملائكة ترنو إليه بإعجاب ودهش ليختم قصيدته بأسلوب تقريري إيماني بأنّ الله مصدر الشعر والشعور والإلهام.

وهكذا ربط الشاعر الفقيّ بين قصيدة ((الكون والشاعر)) و((الله والشاعر))، برباط مقدّس يجعل من الشعر رسالة إنسانيّة ترفع الشاعر إلى أعلى درجات الكمال حتّى يغدو صنو الأنبياء، ويتوافق هنا مع رؤية المعلوف التي ترى الشعر وسيلة تمنح الإنسان الخلود والنقاء اللذين يرفعانه فوق حاجات اللحم والدم.

*

أبونا آدم   إبراهيم الهوني (1907).

قصيدة ((أبونا آدم)) في ديوان الشاعر إبراهيم الهوني موزّعة على الصفحات من 36 إلى 40 وقد بلغت أبياتها ستة وسبعين بيتاً على البحر الطويل الموحّد القافية والرويّ([xxv])وهي ترجع إلى عام 1948

إن روح الشاعر المستاءة ممّا تراه على الأرض من مفاسد تدفعه إلى ركوب جناح الخيال بعيداً في عالم السماء لعلّه يجد مكاناً تتخلّص فيه نفسه من أوصابها وهناك يلتقي ببعض الملائكة يحاورهم في فكرتهم عن البشريّة مشيراً إلى قصّة آدم مع الملائكة ثمّ يتابع انطلاقه إلىحيث يسكن آدم وحواء ويحاورهما في أحوال الناس وما آلت إليه أوضاعهم من فساد ويطلب البقاء لديهم لكنَّ آدم يخبره باستحالة مطلبه ما لم يتخلّص من الجسد بالموت.

يشقى إبراهيم الهوني، كدأب أهل الرحلات، بروحه الشاعريّة بين أهل الأرض، فهو يسعىبوعيه أو لا وعيه للبحث عن النقاء والصفاء فيفتش في هذه الأرض فلا يعثر علىضالته فيتخذّ من الخيال جناحاً يحلّق به.

وأين يجد الصفاء والنقاء؟ لاشكّ سيجده في عالم الملائكة والأرواح؟ فيصعد بين أطباق السماوات مراقباً أحوال الملائكة بين السجود والركوع والقيام والقعود وكثرة التسبيح. عندها يتقدّم من ملك سرعان ما يعرف أنّه آدمي من أهل ((برقة))، فيتساءل الشاعر بدهشة عن قدرة المَلَكْ على معرفة الشاعر فيجيبه المَلَّكَ على تساؤله.

ثمّ يتحاور مع أحد الملائكة في جملة من الأمور منها قضيّة المعصية والطاعة، واستفسار الملائكة من الله جلّ جلاله عن جعل آدم خليفة في الأرض ثمّ يترك ذلك الملك، ليتقدّم إلى خيمة  يقبع فيها آدم وحواء فيدهش لما فيها من جمال يأخذ بمجامع الألباب.

يقترب أكثر منهما ويستمع لحوار بين آدم وزوجته عمّا تغيّر من أحوال البشر على الأرض من بعدهما ومادبّ بينهم من مفاسد ودمار، ولكنّهما ينتبهان إلى الشاعر المراقب والمنصت للحديث فيطلب إليه آدم أن يدخل فيعرّفهما بنفسه، ويبثّهما شكواه من أحوال الأرض وتغيّر أوضاع الناس وانقلاب المفاهيم، وسيادة النفاق والكذب وازدراء العلماء وتكريم الجهّال، وانتشار أمراض القلوب وغيرها، الأمر الذي يدفع آدم إلى التبرّؤ من نسله وتمنّي حواء لو أنها كانت عقيماً لم تنجب أبد الدهر.

ولكنّ لدى الشاعر رغبة عارمة في الخلاص من شرور أهل الأرض تجعله يطلب البقاء بين آدم وحواء ولكن هيهات أن يكون ذلك مالم يسبقه تطهير للروح من قيود الجسد ولا يكون ذلك إلاّ بالموت، يقول:

مَلَلْتُ لَعَمْرِي عِيشَةَ الضَّنْكِ والذُّلِّ

 

فَقُلْتُ أبي أَبْغِي المُكُوثَ بِسَاحِكُمْ

إذا لَمْ يُطَهَّرْ بالمَمَاتِ مِنَ الغِلِّ.

 

فَقَالَ: مُكوثُ المرءِ عِنْدِي مُحرَّمٌ

وأُرْجَعْتُ رَغْمَ الأَنْفِ للعَالَمِ السّفلِي([xxvi])

 

فَقُلْتُ: سلامُ اللّهِ ثمّ تركتهُمْ

وهكذا كانت رحلة الهوني محاولة جادة للتطهّر من المفاسد الخلقيّة والاجتماعيّة التي سادت في مجتمعه وذلك باستجماع كلّ مالديه من طاقة الخيال الخلاّق ليستعيد بها لحظات من النقاء والطهر في عالم السماء كان قد تشوّق إلى العيش بها، ومن اللافت للانتباه أن هذه النهاية المأساويّة التي يرى فيها الشاعر خلاصه. فالخلاص كما يخبره آدم هو أن تطهّر الروح من أثقال المادة والجسد ولا يكون إلاّ بالموت،  لذا يسيطر على الشاعر حسّ القهر الذي تلخّصه عبارة ((رغم الأنف)) في قوله:

((وأُرْجِعْتُ رَغْمَ الأَنْفِ لِلعَالمِ السّفلِي))([xxvii])

*

وهكذا وجد بعض الشعراء في توجّههم إلى عالم السماء والروح والأمل في تحقيق الخلاص المنشود الذي كانوا يحلمون به، وإن تباينت تطلعاتهم إلى ذلك الخلاص ووسائلهم إليه، فالشعر والفنّ عند المعلوف والفقّي رسالة إنسانية تحمل هموم الأدب التي أثقلتها قيود الحياة الماديّة المعاصرة. وبدا النزوع الرومانتيكي واضحاً في أماني بعض الشعراء اليائسة من صلاح الأرض، فكان الموت أمنية للخلاص من أوضار المادّية العمياء كما بدا ذلك لدى الهوني.

ولم ينس الشعراء وهم يحلّقون في فضاءات النقاء والصفاء أن ينظروا لمجتمعاتهم نظرة الفاحص الناقد الذي يكشف مافيها من زيف وفساد.

ثالثاً - رحلات إلى عالم الموت والآخرة.

لقد اتجهت بعض الرحلات الخياليّة إلى عالم الموت والبرزخ تحمل إليه أرواحها المتعبة عساها تجد في هذا العالم الرهيب خلاصاً لها، وربّما دفع حبّ الاكتشاف بهم لولوج هذه الظلمات التي لا يمكن رسم ملامحها إلاّ من خلال الرؤى المجنّحة،  أمّا عالم الآخرة فيراد به الصورة المتخيّلة للقيامة، ولكنّ هذه الرؤى  لابدّ أن تتلوّن بأفكار  الشاعر وموقفه نحو المجتمع والحياة والإنسان. وهذه الرحلات، ((ثورة في الجحيم)) للزّهاوي، و((على شاطئ الأعراف))، لمحمد عبد المعطي الهمشري، و((جحيم النفس)) لمحمد حسن فقّي، و((ملحمة القيامة)) لعبد الفتاح رواس القلعجي.

على شاطئ الأعراف: محمد عبد المعطي الهمشري (1908-1938).

جاءت قصيدة ((علىشاطئ الأعراف)) لمحمد الهمشري في ثلاثمائة وسبعة أبيات منظومة على البحر الخفيف، المنوّع الرويّ، وموزّعة على ستة عشر نشيداً تتفاوت في الطول. وقد نشر مقتطفات منها في مجلّة السياسة الأسبوعيّة، ثمّ نشرها في مجلّة أبولو، المجلّد الأول شباط 1933 الصفحة 627 وقد أثبتها عبد العزيز شرف كاملة في كتابه الهمشري شاعر أبولو.([xxviii])

تبدأ الرحلةبانتقال الشاعر إلى عالم الفناء على جناح الشعر وخياله ليطوف في رحاب شاطئ الأعراف يعلو فيها الشاعر فلك الروح السابحة في بحران الحزن والألم ليرى سفن الموت وقد لفّها سواد الليالي ويناجي الشاعر الليل والوقت والسكون، ثمّ يستفيق على نور الآلهة التي تحاول تخليصه ممّا به فتأخذه إلى الجنّة، ثمّ يعود ليستمع إلىغناء قيثار الموت يردّد ألحان الصِّبا والمشيب والأسى ليصل بعدها إلى شاطئ الأعراف حيث يبثّ هناك شكاته إلى العدم بعد أن فقد أذن المصيخ في دنيا الناس.

القصيدة رحلة تأمّلية إلىعالم ترك أثره عميقاً في نفس الشاعر هو عالم الموت، والشاعر إنسان مرهف الإحساس كان قد انتقل بحسّه ليعالج هذا العالم، إن لم نقل يتنبأ بوساطة روحه بمصيره القريب لأنّ روحه صورة من نفسه الحزينة وتجاربه العاطفيّة التي باءت بالفشل، فجاءت انعكاساً لشحوب الأمل الذي لفّ الشاعر أثناء إقامته في المنصورة.

وشاطئ الأعراف شاطئ خياليّ بخلاف الأعراف، المكان المذكور في القرآن الكريم الذي هو بين الجنّة والنار.([xxix])

يبدأ الشاعر بنشيد الذكريات إذ يشرب كأس الفناء الذي يبعث فيه روح الشعر ويوقظ سبات الفكر فتبحر به سفينة الذكريات تطوي ضفاف الحياة، غير أنّ رياح الأسى ماتلبث تداعب الشراع وسط دجى اليأس وصورة الموت يهمس في أذن الشاعر في ذهول وثّاب يتخطّى كلّ الأعاصير والأهوال يقول:

كلَّ هَولٍ وَيمتطي كلَّ صَعْبِ([xxx])

 

إنّهُ الحبُّ مَايَزالُ يُعَاني

غير أن الشاعر يخاف على الحبّ ممّا تعاني النفس في الموت ويخشى أن يلفظ أنفاسه ويردى كما أرديت النفس، ولكنّ الحبّ صنو الحياة وارثة الموت وهو نور الإله يرفّ على الكون، ثمّ يتنبّه الشاعر فجأة على ضجيج سفن الموت تعبر شاطئ الأعراف فيخاطب الوقت لأنه وقود الحياة، قائلاً:

تائِهَاً فوقَ هاتِهِ الأمْواجِ([xxxi])

 

وَيَكَ يَا وقتُ إِتَئِدْ! أينَ أَمْضِي

وسفن الموت عليها من المنايا شحوب ترفع راية الشاطئ ويحوّم الفناء حولها بهزيمه ‎، ثمّ يمضي بفلكه الكسير، وقد أحاطت به الويلات، يتهادى خلف سفن الموت. والليالي تمرّ مسرعات مثل الظلال وكأنّ نور الحياة في احتضار أبديّ والليل مقبرة الأحقاب.

ثمّ في نشيد ((الشاعر والآلهة))، يتنبّه الشاعر مبغوتاً إلى نور يشقّ الدجى ويملأ جنبات الأفق فيسأل الشاعر الآلهة عن ذلك فتخبره إنّه ركابها قد تخطّى كلّ العواصف والظلمات ليقلّه إلى الفردوس حيث عذارى الينبوع وموسيقا الحياة ليلقى التعويض عمّا لاقاه من آلام في هذه الحياة، وعندما تحاول الآلهة تركه في فردوسها يأبى إلاّ مرافقتها لأنه اعتاد ملازمتها في الحياة فهي السلوى والنجوى يقول:

تِ أرَاكِ عَلى دُجَاهُ خُذيني([xxxii])

 

كُنْتِ سَلْوَايَ في الحياةِ وفي الموْ

فتصحبه آلهة الشعر على فلك الدّجى يسير حثيثاً بين الأهوال.

ثمّ يسمع إلى أرغن يردّد ألحاناً كثيرة تمثّل أدوار الحياة المختلفة كلحن الصِّبا والجمال والمشيب والأسى. وفي غمرة هذه الألحان يتنبّه الشاعر على نور باهت يملأ الأفق شعاعه فتنبّهه الآلهة إلى مطلع شاطئ الأعراف، فيقول:

وَمقرُّ الأَرْواحِ بَعْدَ طَوافِ

 

هُوَ مَثْوَى الأَلْحانِ بَعْدَ شتاتٍ

نِ عَلى الوَقْتِ وهو كالرّجَافِ([xxxiii])

 

تَرْقُبُ المَوْتَ والحَيَاةَ تَسيرا

وهناك في مكان قصيّ عن العالم حيث يخيّم الصمت، ويلوّن الفضاء شحوب الموت ويقطع الصمت نعيب الموت يستقرّ شاطئ الأعراف، فلا ملامح واضحة هنا تحيي الأمل في النفس غيرمنظر بياض الثلج فوق الصخر، يقول:

يُنْذِرُ الأَرْضَ مَوْعِداً بالثَّبورِ

 

لَهْفِي كلُّ مَا أرى فَهْوَ مَوتٌ

شِبْهَ دُنيا تَفْنَى وشِبْهَ حَيَاةِ([xxxiv])

 

هُوَ وادٍ للموتِ يَنْشُر فيهِ

ويصف الشاعر مافي الشاطئ من خيالات ودياجير وموج متعال على موج وظلمات بعضها فوق بعض، وكذلك سفائن العمر وهي تمضي والوقت يقطع منها حبائل الآمال، وعزيف وادي الموت حتّى يكاد الشاعر يقطّع النفس من شدّة الهول فتنجده الآلهة وتقوده إلى بقايا الشاطئ ليرى قبر الليالي وقبر الحياة الذي راح يرشّه الزمان بدموع الرحمة والشفقة وتبدو ركائب الحياة تسير متهاديّة إلى مثوى الأحقاب حتّى تغيب في الضريح فلا يبقى منها غير طيف الخيال.

وفي نشيد ((السكون الحاكم)) حيث تنتهي الحياة ويسود الصمت ويخيّم الفناء، يصرخ الشاعر في العدم مستجدياً أن يسمع شكواه، ويبدوأنّ الشاعر فقد أذن المصيخ له في عالم الحياة، فاستعان بروح الشعرليصل إلىهذا العالم العجيب ليبثّه شكواه فتراه يقول:

والتياعي مُهَمْهِماً في أُذْنِكْ

 

قِفْ وَدَعْنِي أَبْثُثْ إليكَ شُكَاتِي

ـمَعُ شَكْوَايَ أو فؤاداً حَنُوناً

 

لَمْ أَجِدْ في الحياةِ لي أُذُناً تَسْـ

فَلَقَدْ تَرْحَمُ الكَئيبَ الحَزِينا([xxxv])

 

وَلِذا قَدْ أَتيْتُ أَشْكُوكَ مَابِي

وفي النشيد الأخير وعنوانه ((ساحر الوادي المغني)) يتخيّل الشاعر مغنيّاً يعبث بقيثاره في وادي الموت يغنّي أهل الفناء كما كان يغنّي ألحان الحياة، غير أنّ قيثاره قد تعطّل وطال صمته فيطلب منه الشاعر النهوض وبعث لحن الحياة في  صمت الوادي ووحشته يقول:

رَجِّعْ اللَّحنَ أيُّهذا الشّادِي

 

سَاحِرَ الموتِ طَالَ صَمْتُكَ هيَّا

وابْعَثِ النَّغْمَ فوقَ صمتِ الوادِي([xxxvi])

 

قُمْ أيَا عازِفَ المنونِ وَغَنِّ

ثمّ يهتف به أخيراً لبعث الألحان، داعياً على تلك اليد التي عطّلت قيثاره عن بعث نسغ الحياة في وادي الموت، يقول:

فاخْبِرْ الشّعْرَ مادهى قِيثَارَكْ

 

لَهْفِي مَا أَرَاكَ تَبْعَثُ لَحْناً

وَعَفْتْ في غِنائِها أَوْ تَارُكْ([xxxvii])

 

سوءَةٌ لليدِ الّتي عَطّلَتها

وهكذا طاف الهمّشري في عالم الخيال الذي أبدعته مخيّلته وروحه الشعريّة ليطرح في هذا العالم بقايا حزنه الكئيب الذي رسمته الحياة الحزينة وخلعت عليه مسحة من الرهبة والتشاؤم، وكان لابدّ لهذه الروح من التطهّر منها فكانت الرحلة  وسيلة للخلاص ولارتقاء الروح في عالم الطهر. إنّ رحلة الهمشري هي تعبير عن نزوع رومانتيكي يسمو من خلاله الشاعر فوق الواقع ويبوح بمشاعره ونزعاته وأهوائه، بما فيها من شجن وألم، ويسعى بهذا البوح إلى تحقيق شيء من الخلاص أو التوازن.

ثورة في الجحيم: جميل صدقي الزهاوي (1863-1936).

تعدّ قصيدة ((ثورة في الجحيم)) من أطول قصائد الزهاوي التي نشرها أوّل مرة في مجلّة الدهور اللبنانية سنة 1931، ثمّ ضمّنها ديوانه الأوشال وبلغ عدد أبياتها ثلاثة وثلاثين وأربعمائة بيت، وهي منظومة على البحر الخفيف الموحّد القافية والرويّ ((الرّاء))([xxxviii]) وقسّمها إلى ثلاثين مقطوعة هي:

 

1- منكر ونكير في قبر الميّت ووصف دقيق لهما.

2- حوار بين الملكين والميّت فيه أسئلة عن أمور عديدة يجامل الميّت في الإجابة عنها.

3- مصارحة الميّت.

4- وصف الصراط.

5- السؤال عن الملائكة والشياطين والجنّ، وأجوبة الميّت.

6- السفور والحجاب، وجواب الميّت.

7- السؤال عن الله، وجواب الميّت.

8- إلقاء الحجّة.

9- الله هو الأثير والاختلاف في الاسم.

10- امتناع الميّت عن الإفاضة في الجواب.

11- اتركاني ولا تزعجاني.

12- تقريع الميّت.

13- الإلحاف في السؤال.

14- الحوار الأخير.

15- عذاب القبر.

16- أخذ الميّت إلى الجنّة ليرى ما حُرمه من الثواب، ثمّ وصفها بدقّة.

17- قذف الميّت في الجحيم ووصف عذابها.

18- حوار بين الشاعر وليلى في جهنّم.

19- الشعراء في الجحيم.

20- عمر الخيام يتغنّى بالخمرة في الجحيم.

21- سقراط يلقي محاضرة في الحكماء في الجحيم.

22- منصور الحلاّج في الجحيم يعاتب الله.

23- اختراع أحد أهل الجحيم آلة تطفئ النار.

24-  خطبةأحد شباب الجحيم يحدث بها ثورةعارمة.

25- المعرّي ينشد نشيد الثورة، ويردّد له الجمهور.

26- الحرب بين الزبانية وأهل الجحيم.

27- إنجاد  الشياطين بقيادة إبليس لأهل الجحيم وانتصار الملائكة بقيادة عزرائيل للزبانية.

28- نشوب حرب مهولة بين الطرفين تنجلي عن انهزام الملائكة وإطفاء نار الجحيم، واحتلال أهل الجحيم للجنّة، طائرين على ظهور الشياطين.

29- طرد أهل الجنة من البله بعد احتلالها.

30- الخاتمة.

تدور أحداث الرحلة بعد انتقال الزهاوي إلى عالم الموت وهناك في القبر يلتقي ملكيّ السؤال منكراً ونكيراً بمنظرهما المهول، ويدور بينهم حوار طويل حول قضايا الدين والاعتقاد في الدنيا يظهر الشاعر فيه السخرية والتهكّم من هذه المعتقدات، ممّا يدفع الملكين إلى نقله إلى الجحيم ليقاسي العذاب الأليم وهنا يبدأ قسم آخر يلتقي فيه الشاعر رجال علم وأدب وفنّ وفكر وسياسية في الجحيم يحاورهم ويتحدّث إليهم ويساهم في التحريض على الثورة التي تنشب نارها بين سكان الجحيم وملائكة العذاب لتنتهي بانتصار لقوى الجحيم على الملائكة وينتهي معها الحلم.

يبدأ الزهاوي رحلته بالانتقال المفاجئ من عالم الأحياء إلى عالم الأموات، وهناك في القبر (أوّل منازل الآخرة)([xxxix])، يلتقي الشاعر الملكين منكراً ونكيراً، فيصف منظرهما بشيء من المبالغة والتهويل لإظهار هول الموقف فالقبر ليس فيه ما يؤنس، وكانا فظين غليظين معه في المعاملة ثمّ يبدأان بسؤاله عن بعض القضايا التي كان يؤمن بهاعندما كان حيّاً، كالإسلام والتسيير والتخيير والشعر والفنّ. غير أنّ الشاعر ينحرف بالسؤال، إذ يظهر تبرّمه من أسئلة الملائكة المتعلّقة بالدين، وعندما يلحفان عليه بالسؤال يتبرّم بهما ويشكو ويئنّ ثمّ يفصح عن مذهبه الذي عاش عليه ويتلخّص في قوله:

ـيانِ مَا يأبَاهُ الحَجا والضّميرُ([xl])

 

غَيرَ أنّي أُجلُّ ربِّيَ منْ إتـْ

ثمّ يسأله الملكان عن الملائكة والجنّ والشياطين، وهي أمور يعدّ التصديق بها من صلب العقيدة وإنكارها يقود إلى الكفر والتجديف، ويبدي الشاعر كعادته شكّه في كلّ ما لا يقبله العقل يقول:

عَجزَ العقلُ عَنْهُ والتّفكيرُ([xli])

 

غَيرَ أنِّي أرتابُ في كلِّ ما قَدْ

ثمّ يتابع الملكان الأسئلة والشاعر يسخر مرّة ويرتاب أخرى ويراوغ ثالثة حتّى يظهر فلسفته الماديّة بكلّ وضوح في ردّه على الملكين لمّا سألاه عن الله:

في سِوى اللّفظِ إنْ هداكَ الشّعورُ([xlii])

 

ليسَ بين الأثيرِ واللهِ فرقٌ

ويطلب بعد ذلك من الملكين أن يسألاه عن الشعر والفنّ وماذا قدّم من أعمال نصر بها الحقّ والوفاء والعمل في سبيل رفعة الوطن وبنائه غير أنّ الملكين يوضحان له أنّ الدار للحساب وأنّه ليس للشعر والفن مقام لدى أهل القبور، ويصل الحوار بعد ذلك إلى ذروة الجدل ويغدو مركّزاً سريعاً ينتهي إلى ضرب الشاعر وتقريعه من قبل الملكين وإعلانهما انضمامه إلى أهل الجحيم، يقول:

وكذَا جدُّ الطّائِشين عَثُورُ([xliii])

 

لا يُفيدُ الإيمانُ من بعدَ كُفْرٍ

ثمّ يطير به الملكان إلى الجنّة ليرياه ما حرم من النعيم فيزداد حسرة وحرقة وغصّة، فيصف الجنّة متكئاً على وصف القرآن لها، ثمّ يخرجان به منها إلى الجحيم حيث يبدأ القسم الثاني من هذه الرحلة.

أوّل من يلتقيه في الجحيم فتاة اسمها ليلى فرّق بينها وبين حبيبها سمير فراحت تبكيه بحرقة وغصّة، فيحاورها الشاعر ويعرف ما أوجب عليها الجحيم.

ثم يلتقي الشعراء في الجحيم أمثال الفرزدق والمتنبي والمعرّي وبشار وأبي نواس والخيام ودانته وشكسبير وامرئ القيس، فيقول:

مِنْ جَزاء مالا يُطيقُ ثَبيرُ

 

قُلْتُ مَاذا بكُمْ فقالُوا لقيِنا

ينِِ في شِعرِنَا فَسَاءَ المَصيرُ([xliv])

م

إنَّنا كُنَّا نَسْتَخِفُ بأمرِ الدِّ

ويستمع بعد ذلك إلى الخيّام يتغنّى بالخمرة ويتمنّى لو أنّه ما فارقها أبداً حتّى ولو كان بقاء الودّ بينهما في الجحيم، فهي تبرّد النار وتصمد في وجه الزمهرير، وكذلك يستمع إلى سقراط الذي وقف خطيباً بين الحكماء والعلماء أمثال: أرسطا طاليس، وكوبر نيك وداروين وغيرهم. حتّى الحلاّج لم يسلم من العذاب في النار وهو يعاتب الله لأنّه زجّ به في الجحيم.

ثمّ يلوح التذمّر والضجر بين أهل الجحيم من سوء المعاملة وسوء المقدور الذي كتب عليهم فيخطب أحد شباب الجحيم خطبة تثير روح الثورة بين أهلها فتضجّ الجحيم بالأصوات تتعالى في جوانبها وقد ماج أهلها وهاجوا حتّى كادت السماوات تقع لثورتهم وانطلقوا من كلّ حدب وصوب يرفعون الأصوات بأناشيد الثورة حتّى كان المعرّي موجّههم السياسيّ ومثير الحماس في صفوفهم يقول:

إنَّ غَصبَ الحُقوقِ ظُلْمٌ كَبيرُ

 

المعرّي: غصَبوا حقّكُمْ فيا قَومُ ثُوروا

إنَّما نحنُ للحقوقِ نثورُ

 

الجمهور: غَصَبُوا حقَّنا ولَمْ يُنصِفُونَا

رِ وللبُلهِ في الجنانِ القُصورُ([xlv])

 

المعرّي: لكُمُ الأكْواخُ المُشيدَةُ بالنَّا

فتهبّ زبانية العذاب مذعورة إلى الجحيم لصدّ السيل الجارف الذي تحرّك في النار وراحت الأذرع تتطاير والرؤوس تتهاوى والبطون تفرى، وتتدخل الشياطين لإنجاد أهل الجحيم والملائكة لإنجاد ملائكة العذاب وتدور حرب طاحنة بين الفريقين يغدو الجبل فيها حصاة تتطاير بين الفريقين والشهب والصواعق سياطاً يترامى بها الطرفان إلى أن يسفر دجى الحرب عن انتصار جيش الشياطين واندحار جيش الملائكة بقيادة عزرائيل ثمّ يطير الثائرون على ظهور الشياطين يريدون احتلال الجنّة ولا يجدون هناك مقاومة تذكر فيتمّون بذلك إحراز نصرهم المبين ويطردون من الجنة من فيها من البله والسذج ويتركون الصالح من أهلها. عندها يستفيق الشاعر على حرّ شمس الضحى، وإذا به كان في حلم أثاره الجرجير يقول:

وإذا الشَمس في السَّماءِ تُنيرُ

 

وتَنَبَّهتُ مِنْ مَنَامِيَ صُبْحاً

حُلُمَاً قَدْ أثَارَهُ الجَرْجِيْرُ([xlvi])

 

وإذَا الأمْرُ ليسَ في الحقِّ إلاّ

وبهذا تنتهي أمنية كانت تعيش في خلد الزّهاوي، يعرّض فيها بكلّ من يريد من رموز تدّعي الدين والتقوى ذاهباً في رؤيته إلى أبعد أشكال الرمز الشعريّ حين يدفع بثورة البؤساء في دنيا الخيال إلى تحطيم كلّ أشكال القهر والحرمان في الأرض، وهو الذي يقول عنها في ردّه على الأمير عليّ بن الحسين شقيق الملك فيصل حين سأله عنها: ((يا سيّدي وماذا تخشى من شاعر بلغ من السنين عتياً، وحاربته الأيام وتكاثرت حوله الأعداء، فانفعل انفعال الشعراء ولكنّه أعجز من أن يضرم الثورة في الأرض فأضرمها في السماء))([xlvii]) كما تكشف الرحلة عن طبيعة تفكير الزّهاوي الذي بدا مقلّداً للفلسفة الغربية ذات النزعة الماديّة الغالبة، ونفسيّته المترددة الخائفة التي لا تستطيع الصمود أمام سطوة السلطان، كما تلمس موقفه من الحياة الاجتماعيّة في عصره، ولا سيما، قضايا المرأة والتزام النضال في حياة الفرد الكريمة وغيرها من القيم الاجتماعيّة التي بدأت المجتمعات تفقدها في ظلّ الحكومات الرازحة تحت الاستعمار.

*

جحيم النّفس           محمد حسن فقّي 1912

كتب الفقّي قصيدة جحيم النفس سنة 1952م وهي في المجلّد الأول من مجموعته الكاملة في الصفحات 222- 223- 224- 225. وتتألف من واحد وستين بيتاً على البحر الخفيف الموحّد القافية والرويّ الذي هو ((الميم))([xlviii]).

يتخيّل الشاعر أنّ محبوبته التي هي (نفسه) ماتت قبله فيطلب إليها أن تسبقه إلى الجحيم وتخبر هناك إبليس وأتباعه من الإنس والجنّ بقدومه، وفي الجحيم يخاطب الشاعر هذه النفس التي ساقته إلى هذه المملكة ويحاول أن يطهّرها بالعذاب والاكتواء بالنار لترقى إلى مستوى الطهر الروحي الذي تستحقْ معه أن تسكن النعيم.

في عرض مفاجئ يُسمَع صوت الشاعر يخاطب نفسه بأن تسبقه إلى الجحيم، وفي عتوّ جارف وصلف لا تحدّه حدود يطلب إليها بأن تحثّ سكّان النار على انتظار هذا الزعيم القادم الذي لا يأبه لنار ولا لشواظ ولا لعذاب، فيقول:

سأوافِيْكِ في غَدي للجحيمِ

 

اسبقيني إلى الجحيمِ فإنِّي

عِنْدَ أبوابِهِ قُبيلَ قُدومي

 

واطْلبي مِن سُراتِهِ أنْ يكونُوا

ـكُمْ فَهُبُّوا إلى لقاءِ الزّعيمِ([xlix])

 

أخبرِيهمْ أنَّ الزّعيمَ سَيأتِيـ

وهناك يلقاه شيطانه، وماذا يفعل الشيطان أمام من يدّعي أنّه زعيم على الشياطين وقد فاقهم في الإثم والشرّ، حتّى إنّ الأرض لتشكو من مباذله! وليس أمام الشيطان إلاّ أن يرفع له راية الإثمّ وعرفان الحمد على الشرّ الذي فاقه فيه ويجعل هذا الوافد الجديد يتقدّمه إلى النار يقول:

ـهِ لأَنْتَ الرّجيمُ مَوْلى الرَجيمِ

 

قالَ فيه شَيْطَانُهُ وَهْوَ يُطْريـْ

بٌ وفي الإِثْمِ ضَاربٌ في الصّميمِ([l])

 

لستُ أدْرِي فأنْتَ في الشّرِّ مَوهُو

ولكن مَنْ هذه المخاطبة التي يخاطبها الشاعر؟ أهي نفسه الآثمة التي سبقته إلى الجحيم أم فتنته وضلالته في هذه الحياة، أم تراها محبوبته ملهمة الفجور والآثام؟ والأرجح أنّ المخاطبة هنا هي نفسه لأنّه يدعوها في نهاية القصيدة إلى التطهّر من الآثام بالنار لكي تحظى بالنعيم.

أخذ الشاعر في الجحيم يتحسّس من نفسه وهي تعاني عذاب الحريق، ويحمّلها أسباب شقائه، فقد ساقته إلى الآثام، وكانت دليله إلى المهالك والمهاوي فكم زيّنت له سوء عمله فرآه سروراً وسعادة، في حين كانت تسوقه إلى الجحيم يقول:

ـوةِ أعْنُو لِخَمرتي ونَديمي

 

أَنَا لَولاكِ لَمْ أكُنْ عَارِمَ الصبَّـ

ـوِ ومَا تشتَهينَ مِنْ تأثيمِ

 

ولِمَا تَنْصبينَ مِنْ شَرَكٍ اللّهـ

ـلُ خَطيماً حيناً وغَيرَ خَطيمِ

 

قُدتني كالبعيرِ يَلهو بهِ الطّفْـ

رٍ فيغدُو مِنْ بعدِهَا كالرَّميم([li])

 

ربَّما قادَهُ لسكِّينِ جزَّا

وفي لجّة جهنّم يحاول الشاعر أن يتلمس مسالك النجاة ولكنّه لا يكاد يتخلّص من هاوية إلاّ ليقع في أخرى، ويطّوف معها في النار معانياً شتّى أنواع العذاب، ويلتقي الشاعر إبليس في النار فيحاول الأخير ثنيه عن السعي إلى النعيم لأنّها والنار -في رأيه- وجهان لنقد واحد فيقول:

مَ فما فيهِ من وليٍّ حَميمِ

 

قَالَ إنَّ الفِردوسَ قَدْ أَجْدبَ اليو

ـةِ يشكُو إليَّ شكْوَى العديمِ

 

ولقَدْ جَاءَني رسولٌ منَ الجنَّـ

مي شُواظاً أهدتهُ ريحُ السَّمومِ

 

قالَ هذا وصدَّ عَنْ وجههِ الدَّا

ـتُ فَوْلّى وَقَالَ: أَنْتَ خَصيمي([lii])

 

فتعجَّبْتُ من الرّاوي وقَهْقَهْـ

وفي النهاية يلتفت إلى حسنائه المغوية، وقد تغيّرت ملامحها حتّى صارت كأنّها هشيم الحطيم، وقد لفّها الحزن والندم والأسى على ما فوتّت إلى أن صارت قابلة للخلاص من الجحيم فيخرجان إلى الجنّة يقول:

سَائرٌ في طريقِهِ المستقيمِ

 

واتّجهنا إلى السّموِّ كِلانا

شَقِيَتْ قَبْلَ طَهْرِها بالنَّعيم

 

ربَّما طّهَّرَ الجحيمُ نفوساً

تَتَلظّى تفُوقُ نَارَ الجحيمِ

 

أيّها النَّفْسُ بَيْنَ جنبَيكِ نَارٌ

لَمْ أَذُقْ في اللّظى كهذا الضّريم([liii])

 

فارحَميني مِنْ الضّريمِ فإنِّي

وهكذا يطوف الفقي برحلته الخياليّة التطهيريّة في أهوال الجحيم آملاً أن يتخلّص ممّا دنّس نفسه من أوضار الماديّة وشوائبها الفاسدة، فلم يجد سوى النار وسيلة للخلاص منها، فساقها إلى حتفها لتتطهّر وتصبح جاهزة للتمتع بنعيم الراحة والطمأنينة قبل نعيم الجنّة.

إنّ رحلة الفقّي تعبير عن اليقين بفطرة النفس، ونقائها الأوّل، وقدرتها على التوبة، وعودتها إلى فطرتها، وهي تأكيد لقبول التوبة، فالخير أصيل في الإنسان والشرّ عارض، ولابدّ من زوال العرض وبقاء الجوهر.

ملحمة القيامة: عبد الفتاح القلعجي (1938)

ملحمة شعرية جاءت في كتاب متوسط الحجم بلغ نيفاً ومائتي صفحة، وقد صدرت طبعته الأولى عن دار النفائس في بيروت سنة 1980. وقد اعتمد فيها بنيتها الإيقاعيّة على التفعيلة التي تختلف من نشيد لآخر، وقسّمها مبدعها إلى:

1- الصيحة الأولى.

2- الصيحة الثانية.

3- الصيحة الثالثة.

4- الحساب.

5- المطهر.

6- الشفاعة.

7- الجنّة.

8- النار.

9- ذبح الموت.

يسوق الشاعر -وفق الرؤية الدينية- العالم لنهايته الحتمية كنتيجة لطغيان الماديّة الراسفة في الإلحاد والشرور والأوهام والحروب والدمار والفوضى والفساد فتكون الصيحة الأولى التي يعلنها بوق إسرافيل، وتتالى الصيحات إلى أن تقوم الساعة على شرار الخلق عندها يكون الحشر والأحداث المتلاحقة لوقوف الناس فريقين أمام الله فئة مثّلت الخير والنقاء والصفاء وأخرى مثّلت الجبابرة والطغاة والوضعيين واليهود والطغام من الشذّاذ والأفاقين، ومن المطهر تشخص الأبصار وتظمأ القلوب إلى شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيفصل بين أهل الجنة والنار، ويضرب بينهم بسور من نار، لينعم أهل النعيم بنعيمهم ويشقى أهل النار بعذابهم، وفي انشغال كلّ بنفسه ينادي منادي الرحمن بذبح الموت وخلود الفريقين كلّ في محلّه فيتأبّد حزن الإنسان ويتأبّد فرح الإنسان. ويتردّد صوت الحقّ ((لا ظلم اليوم.. لاظلم اليوم)).

يلهب الشاعر خيال القارئ بما يوحي باقتراب النهاية، فيلفت انتباهه إلى سرّ التحوّل الخطير الذي طرأ على الكون، حيث سار سيراً حثيثاً مفعماً بالأسى إلى نهايته، فالهرج والمرج قد عمّا، والكون قد لبس سديم الدخان والفوضى التي ما تلبث أن تتقشع عن شخصيّة حواريّة تدير حواراً مع شخصيّة أخرى إنّهما الشيخ والفتاة.

يبدأان الحوار فيرسمان ملامح الصورة الأخيرة من سفر الكون الذي سار به بنوه إلى حتفه الأخير، بعد أن سمّروا نعشه بالفساد والاضطراب والماديّة إلى أن يشقّ السكون الكوني صيحة إسرافيل يقول:

بوقُ إسرافيلَ يُنهي العالمَ المسجورَ فينا

وتهاوى النّاسُ أوراقَ خريفْ

كلُّ ما في الأرضِ ماتْ([liv])

ثمّ يسود الصمت ما يشاء الله ليعلن الحقّ جلّ وعلا بدء الصيحة الثانية وينساب صوت الحقّ في خيمة الصمت فتعجّ الحركة في جسد الكون، ولكنّه نشاط مقيّد بإذن الإرادة الإلهيّة، فتنصت إلى همسة الأرواح التي تحوّم في رحلة العودة فوق الأجساد، ثمّ ينطلق اللحن العلويّ إيذاناً ببدء الحياة، فتظهر شخصيتا الشيخ والفتاة، لترويا مجريات الأمور، وربّما كانت الشخصيتان تمثّلان الضمير الإنساني لذلك نجد الشاعر يصرّ على بقائهما أولاً في الرحلة، ثمّ تبدأ الشخصيات بالظهور على ساحة الأحداث لترسم لنا واقعيّة الحدث، فمن كلّ الجهات، هذا رجل وتلك امرأة، وهنا صوت سماويّ، ملك وملكة، كلّ الشرائح الإنسيّة والجنيّة والغرائبيّة كالدجّال والجسّاسة وإبليس.. إلخ. وكلٌّ أصابه الذهول حيث عنت الوجوه للحيّ القيوم.

وفي الصيحة الثالثة تتجدّد الحياة في كلّ شيء ولكنه تجدّد الخوف والرهبة. فكلّ شيء يعود بعد طول اغتراب، إنّها مسرحيّة الحياة التي ينهي الرحمن فصلها الأخير فتتوالى الكرب ويمتدّ يوم المحشر أحقاباً ويقيّد الوقت في صفد اللحظة إلى أن يأذن الله بقوله عزّ وجلّ: (إلى ربِّكَ يومئذٍ المسَاقْ)([lv]).

تخرج نار تسوق الناس في أرض تيه لا معلم فيها ولا دليل وفي صورة إيحائية تحت عنوان ((فرار))([lvi]) يبدو طفل يتضرّع إلى أمّه كيما تضمّه تحت جناح الأمن والرحمة، لكنّ الذهول يتحوّل نحيباً فهذه هي الصاخّة، وتتكرّر الصور لتعكس بوضوح ثنائيات ضدّية كالخوف والرجاء، والسعادة والشقاء، والذلّ والجبروت، وفي هذا التصوير يضرب الشاعر غوصاً في أعماق النفس البشرية، يكشف عنها الأقنعة التي تراكمت عليها، فتظهر شخصيات الناس أشبه بأشباح لا ملامح لها.

حتّى عندما يستخدم الشاعر صورة الرقص فهي لا توحي بالسعادة في الحركة والنفس، بل هو رقص مهول يحمل في اهتزازاته البؤس والشقاء.

ثمّ تنصب الموازين على أجساد تتلوّى من الظمأ القاتل وقد نهش أكبادها طول الانتظار، تتدافع جماعات إلى مكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ترجوه أن يدعو الله ليبدأ الحساب، فيدعو النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويُجاب. وتظهر شخصيتا الملحمة لتصفا الحركات والأصوات والصور المتشابهة حتّى ليخال المتلقّي أنّ الشخصيّات جمعت كلّها على صعيد واحد، ثمّ بالتفاتة جميلة يوحّد الشاعر التاريخ على صعيد القيامة في كلّ لحظاته الماضية والحاضرة والمستقبليّة التي لابدّ من وقوعها حسب المعتقد الديني، ثمّ تنصب الموازين والصراط وتظهر الأعراف التي تتميّز عن أعراف الهمشري.

وفي صورة المطهر ترسم صورة راعبة للعذاب، صورة تتداخل فيها الألوان والأصوات ليس للدلالة على الحياة، بل للدلالة على الموت البطيء خوفاً وألماً وقهراً يقول:

ورؤوسٌ رُضِختْ بالصّخرِ، عادَتْ مثلما كانتْ

ولا تفترُّ عنهمْ

فلقدْ كانُوا إذا نادى: الصّلاةَ

اثّاقلوا حتَّى الفَواتْ([lvii])

وفي فصل الشفاعة تتوافد الخلائق إلى آدم ثمّ إلى نوح فإبراهيم فموسى فعيسى تطلب إلى هؤلاء الأنبياء دعاء الله، وكلّهم يدفع الناس إلى لاحقه إلى أن تصل الخلائق إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم صاحب راية الحمد والشفاعة الكبرى فيقوم فيدعو الله، فتنصب الموزاين للحساب.

وفي النار يصوّر أبواب جهنّم وألوان العذاب المصفّدة خلف أبوابها، ثمّ يصف حوارها مع أهلها الذين تصلبهم على أعواد الجوع والظمأ حتّى يغاثوا بماء المهل وطعام الضريع إلى قوله:

وتبثّرَ في جسدِ الصمّتِ حسيسُ النّارِ

والوقّادونَ يَغُذُّونَ اللّهبَ المجنونْ

أجساداً وحجارهْ([lviii])

 

أمّا صورة الجنّة فهي على النقيض ممّا عليه صورة النار، فهي زاهية الألوان وارفة الظلال تموج ألواناً وتنوّعاً وجمالاً. فالحبّ يحلّ كلّ حناياها والوسن الناعس يداعب أجفان ساكنيها. وهناك يُسمع صوت الرحمن:

(اُدخُلُوها بسلامٍ آمنين)([lix])

وتبدو أبوابها السبعة وكلّ باب يمتاز عن لاحقه فهذا (باب العُتبة) وذاك (باب الرحمة) وذلك (باب الريّان.... إلخ. عندها يخلع الإنسان أوزار الدنيا وأثقال النقص ليرتدي الحبرة الربانيّة ويحظى بعين العناية الرحمانيّة وتفنى روحه في فغمة الصمدية. يقول:

أحبيبَ التّوقِ انْحَرْ عَطَشي

فإليَّ... إليْ

أفغمني.. أفغمنْي

أواهُ

حبيبي

إنّي أفنى، أفنى، أفنى، أفـ.. ـنـ.. ـى([lx])

ولعلّ أجمل ما في هذا الفصل المجالس التي يعقدها الشاعر في الجنّة على غرار مجالس المعرّي، ولكنّ هذه المجالس ثوريّة واجتماعيّة تذكر تاريخ العمّال والفلاّحين والكادحين والمناضلين ضد قوى الشرّ والطغيان.

ثمّ ما تلبث شخصيّتا المسرحيّة اللتان ظهرتا في بداية الرحلة أن تختفيا بعد أن تكشفا عن ثنويّة الضدّ التي تجمعها ورمزيّة الروح التي آلفتهما، يقول:

الدائرةُ الطّينيّةْ

الزَمنُ الإنسانيُّ

الجنسُ المنشطِرُ

الثنويةُ. نحنُ

ن.. حـ .. ن                            ن.. ن.. ن([lxi])

 

وتختم رحلة القيامة في المرحلة الأخيرة بما يندمج مع المعتقد الدينيّ الإسلاميّ بذبح الموت، هذا الكأس العلقم الذي طالما سقى المخلوقات من مراره سيسقى أخيراً من الكأس نفسه، عندما يصدع جبريل بأمر السماء وينادي أهل الجنّة وأهل النار وتتقطّع النفوس بين الرجاء والخوف، أهل النار راجون وأهل الجنّة خائفون. ليموت الموت ويخلد كلٌّ في محلّه الخلود البعيد عن مغالطات الأساطير وتناقضاتها، خلود لا ظلم معه أبداً، وليدوّي صوت الرحمن في نهاية الملحمة:

لا ظلمَ اليومْ

لا ظلمَ اليومْ

لا ظلمَ اليومْ([lxii])

وهكذا تنتهي رحلة القيامة. هذا الغفران الجديد الذي لبس ثوب الذرة والإلكترون وواكب عصر الطائرة والفضاء، بما يجدّد روح الأمل والإيمان في النفس ويشدّ من إصرها على مواكبة الحياة والعمل من أجل خير الإنسان وبقاء الإنسان.

*

وهكذا بدت الرحلات الخياليّة، في هذه الدراسة الوصفية، في انطلاقها بعيداً عن عالمها زفرات أنين أطلقتها أرواح متعبة أضناها الواقع السياسيّ والاجتماعيّ، هي توّاقة إلى الحرية والخلاص فانطلقت تروم خلاصها ونقاءها في عالم من السحر والخيال. بعد أن تشرّبت من مناهل الثقافة والمعرفة.

ولقد تعدّدت الأماكن والجهات التي انطلق إليها الشعراء كلّ حسب قناعته، فبعض الشعراء وجد ضالته في الأساطير يجلو عنها غبار السنين يستخلص جوهرها النفيس الذي غدا رمزاً شفافاً يحمل التجربة الشعريّة والمعاناة الإنسانيّة، وقد وجد شعراءٌ غايتهم في مدن السحر والخيال التي صارت لديهم شعلة للعلم والمعرفة التي تضيء جوانب حياتهم المظلمة، وبقي الشيطان لدى أغلب الشعراء رمزاً للثورة والشرّ والتمرّد وإن غدا قناعاً يغلّف وجه الشاعر ويخفي رغباته، وفي اتجاه آخر وجد بعض الشعراء غايتهم في عالم الفضاء حيث عالم الروح المخمليّ الذي تشتاق إليه أرواحهم المتعبة، وربّما وجد بعض هؤلاء غايته في الانتقال إلى عالم الموت والآخرة. ويبقى الهدف الأسمى لهؤلاء هو الخلاص الذي تعدّدت لأجله الأماكن، كما كان كشف جوانب الحياة الاجتماعيّة ومعاناة الإنسان غاية سامية تحملها رسالة الشعر من أجل الحياة. وقد وظّف الشعراء كلّ ما لديهم من ثقافة دينيّة وعلميّة وفلسفيّة تحدوهم بذلك رغبة في التجديد في الشعر العربي المعاصر.



([i])  معلوف، فوزي، على بساط الريح، دار صادر، دار بيروت، 1958، بيروت، لبنان.

([ii]) المصدر نفسه، ص 63.

([iii]) المصدر نفسه، ص70.

([iv]) المصدر نفسه، ص79.

([v]) المصدر نفسه، ص: 93-94.

([vi]) المصدر نفسه ص: 111

([vii]) المصدر نفسه، ص :119.

([viii])  المصدر السابق، ص 151.

([ix]) المصدر نفسه، ص158.

([x]) المقدسي، أنيس، المعري يبصر، مجلة المورد الصافي، العدد 10، بيروت، 1921، ص: 329-335.

([xi]) المصدر  السابق، ص 329.

* سترٌ: هكذا وردت في النص، والصواب بالكسر لأن تمييز كم الخبرية مجرور.

([xii]) المصدر نفسه، ص: 330.

([xiii]) المصدر نفسه، ص: 332..

([xiv]) المصدر نفسه، ص: 334.

([xv])  المصدر نفسه، ص:335.

([xvi]) المصدر نفسه، ص: 335.

([xvii]) ساسي ، عبد السلام طاهر، شعراء الحجاز في العصر الحديث، القاهرة، 1951، ص:50.

([xviii])  المصدر السابق:  ص:51.

([xix])  المصدر نفسه، ص:51.

([xx])  المصدر نفسه، ص:53.

([xxi]) فقي، محمد حسن، الأعمال الكاملة، مجلد 1، الدار السعودية للنشر، الرياض، السعودية، ص: 80-84.

([xxii]) المصدر نفسه، ص: 81.

([xxiii])  المصدر السابق: ص:81.

([xxiv])  المصدر نفسه، ص:83.

([xxv]) الهوني، إبراهيم ، الديوان، مكتبة الأندلس، بنغازي، ليبيا، ط/أولى، 1996.

([xxvi]) المصدر السابق، ص: 40.

([xxvii]) المصدر نفسه، ص: 40.

([xxviii]) ينظر: شرف عبد العزيز، الهمشري شاعر أبولو، دار الجيل، بيروت، 1991، حيث نقل الباحث حديثاً مطولاً للشاعر ذكر فيه خواطره حول كتابة القصيدة، ص: 117.

([xxix]) ((قال المفسرون: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فليسوا من أهل الجنة ولا من أهل النار)). ينظر: الصابوني، محمد علي، صفوة التفاسير، دار القلم العربي، حلب، سورية، ط أولى، 1994، ج1، ص: 447.

([xxx]) المصدر السابق، ص: 119.

([xxxi])  المصدر نفسه، ص:120.

([xxxii]) المصدر السابق، ص: 126.

([xxxiii])  المصدر نفسه، ص:136.

([xxxiv]) المصدر نفسه، ص: 137-138.

([xxxv]) المصدر السابق، ص 144.

([xxxvi]) المصدر نفسه، ص: 145.

([xxxvii]) المصدر نفسه، ص: 146.

([xxxviii]) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، تقدم عبد الرزاق الهلالي، دار العودة، بيروت، 1975.

([xxxix]) الترمذي، سنن الترمذي، دار الفكر، دمشق، 1983، حديث رقم 2230.

([xl]) المصدر السابق، ص: 719.

([xli]) المصدر نفسه، ص: 720.

([xlii]) المصدر نفسه، ص: 772.

([xliii]) المصدر نفسه، ص: 726.

([xliv]) المصدر نفسه، ص: 733.

([xlv]) المصدر نفسه، ص:736.

([xlvi]) المصدر نفسه، ص:739.

([xlvii]) المصدر نفسه، ص: ب ب المقدمة.

([xlviii]) فقي، محمد حسن، الأعمال الكاملة، مج1، ص: 222- 225.

([xlix]) المصدر نفسه، ص: 222

([l]) المصدر نفسه، ص: 222.

([li])المصدر نفسه، ص: 223.

([lii]) المصدر نفسه، ص: 223- 224.

([liii]) المصدر نفسه، ص: 225.

([liv]) القلعجي، عبد الفتاح رواس، القيامة، دار النفائس، بيروت، ط أولى، 1980، ص: 21.

([lv]) سورة القيامة، الآية، 30.

([lvi]) المصدر نفسه، ص: 42.

([lvii]) المصدر نفسه، ص:120.

([lviii]) المصدر نفسه، ص: 161.

([lix]) سورة الحجر، الآية: 46.

([lx]) المصدر نفسه، ص: 178.

([lxi]) المصدر نفسه، ص:215.

([lxii]) المصدر نفسه، ص: 223.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244