الرحلات الخيالية فـي الشعر العربي الحديث 1999 - محمد الصالح السليمان

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:11 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
الفصل الرابع قضايا في الرحلات الخيالية

الفصل الرابع قضايا في الرحلات الخيالية

أولاً: التأمل

*الموت والحياة:

لقيت مسألة الموت والحياة اهتماماً كبيراً من شعراء الرحلة الخياليّة وتباينت مواقفهم منها، وبدا نزوعهم في معالجة هذه المسألة رومانتيكياً تغلّفه غلالة من الألم والتشاؤم. ولم تكن هذه النزعة نتيجة الواقع العربي فحسب فقد كان الشعراء متأثّرين بالشعر الغربي ولا سيما الرومانتيكي.

ولعلّ أبرز من عالج هذه المسألة الشاعر محمد عبد المعطي الهمشري الذي وقف على شرفة التساؤل عن مصير الإنسان، فراح يتنقّل في شاطئ الأعراف ليعاني الأهوال، ولكن من غير استسلام للرؤية السوداوية، فقد راح يجترح الحياة وسط الموت، والنور وسط الظلمة.

ومن خلال هذه الثنائيات الضديّة يثبت لنا تشبّثه بالحياة وتعلّقه بها، وهذه الثنائيات هي:

الموت والحياة، والحبّ والكراهيّة، والنور والظلام، والموسيقا والزفيف، والجمال والقبح.

والشاعر يتشبّث بالحبّ، فهو صنو الحياة يقول:

ذُو غِلابٍ على البِلى مُستخفُّ

 

أيّها الحبُّ أنتَ للموتِ موتٌ

تِ ونور على الإلهِ يرفُّ

 

أنتَ صُنو الحياةِ وارِثةِ المو

في فضاءٍ من الأثيرِ يشفُّ([i])

 

سوفَ تبقى بعدَ الفَناءِ سَبوحاً

فالشاعر يرى في الحبّ سبيلاً إلى الخلاص، لأنّه يمثّل نزوع الإنسان إلى الخلود، وبالحبّ تصفو نفسه، ويخلد، ويستطيع الانتصار على الفناء.

ويعرض شفيق معلوف لمسألة الموت والحياة من خلال أسطورة الفينيق، فيبدي إعجابه بهذا الطائر الذي يقبل الموت من أجل حياة جديدة، وينعى على طيور أخرى ضعيفة منطوية على نفسها لا تعرف سوى الموت يقول:

لنفسهِ النّارَ على المِحرقهْ

 

مَا عجبي لفينِق مُوقدٍ

ورجُلهُ على الثّرى مُوثقهْ

 

ولا لرُخّ رأسهُ في العُلى

في نومِها الدّهري مُستغرقهْ

 

ولا لعنقاءٍ وقدْ أمعنَتْ

أوكارُها الجماجمُ الضيّقهْ([ii])

 

بلْ لطُيورٍ مِثْلِها ضخمةٍ

وفي موضع آخر من أناشيد عبقر يخاطب لقمان نسوره السبعة، ويعبّر عن تشبثه بالحياة في مواجهة الموت، فيقول:

وخلّني أجنِ الغراسَ الّتي

 

فخلّني أحظَ بأمنيّتي

 

نصبْتُها منذُ عامْ

 

فالشّطُّ ما لاصقَهُ مَركبي

 

كمْ ليَ في الحياةِ مِنْ مأربٍ

 

لألقيَ المِرسَاهْ

 

حتّى بعينيَّ أرى نفْسي

 

كلاّ ولا أفرغْتُها كأسي

 

تفارقُ الحياهْ([iii])

 

فالموت لدى شفيق معلوف بلاء نازل وشحوب بعد الزهو والنضار، وظلمة بعد نور، ولكن مهما بلغت سطوة هذا الموت وسلطانه فإنّه لا يصل إلى الأحلام الخالدة التي تنطق بها أرواح الموتى، يقول في نشيد العبقريّين:

ترقُصُ سكْرى فوقَ غُلفِ المُقلْ

 

لكنّما احلامُنَا لمْ تَزلْ

مُشعّةً خلفَ كؤوسِ الأملْ([iv])

 

حاملة للنّاسِ خمرَ الهَوى

ويرى نسيب عريضة الحياة عبثاً وفوضى، لذا يجزع عندما يرى الأيام تنقضي ما بين غروب وفجر، وإذا كان الموت مصير هذه النفس فمن العبث قضاؤها في جهد وجدّ، أو خمول وكسل، فهي ضياع وتيه لذا يقول:

ما بينَ ليلٍ وفجرِ

 

ما نفعُ جَهْدٍ ووجْدٍ

باقونَ في تيهِ قَفرِ([v])

 

إنْ سرتَ أو طرتَ إنّا

ولا يكاد فوزي معلوف يميّز بين صرخة الولادة وشهقة الموت، يقول:

تٍ دَعَوْهَا الوجودَ وهي بعكسِهْ([vi])

 

إنّ بين السّريرِ والنّعْشِ خطوا

ولعلّ معلوف يردّد هنا صرخة المعرّي حيث يقول:

نوحُ باكٍ ولا ترنُّمُ شَادِي

 

غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي

سَ بصوتِ البشيرِ في كلّ نادِي

 

وشبيهٌ صوتُ النعيّ إذا قيـ

تْ على فرعِ غصْنِها الميَّادِ([vii])

 

أبكَتْ تِلكُمُ الحَمامةُ أمْ غنَّـ

فالمعرّي يرقى إلى مستوى إنساني حين يدرك أنّ الولادة والموت هما طرفان لظاهرة واحدة هي الحياة.

ومعلوف يدانيه في التعبير حين يرى ظاهرة الوجود الممتدّة بين المهد واللحد هي العدم عينه، ومثل هذه الرؤية العميقة لا تأتي إلاّ لروح شاعريّة مترعة بالعمق الإنساني الشفّاف الذي يجلو صدأ الغموض عن فلسفة الحياة والموت ليصل إلى هذا السرّ العظيم، ولذا بات الفرق معدوماً بين الموت والحياة في رؤيته ما دام يشعر أنّه عبد لكليهما مقيّد بهما، ولا خلاص من هذه العبودية إلاّ بالحريّة والخلود، ذلك الحلم الذي داعب مخيّلة الإنسان منذ بدء الخليقة، وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها.

ويظهر الشكّ واضحاً في قصيدة "المعرّي يُبْصر" لأنيس المقدسي فالقصيدة تعبّر عن الشكّ في وجود محرّك للكون مدير له، لأنّ الكون كلّه محض تكرار أو دائرة مغلقة ولا معنى لها، يقول الشاعر:

بلا مُحيٍ سِوى كرِّ الدّهورِ

 

يقولُونَ الحياةُ بَدتْ قديماً

وليسَ لهنَّ مِن بارٍ قديرِ

 

فلا قصدٌ لشيءٍ في البَرايا

وكلُّ بداءةٍ مثلُ المصيرِ

 

وكلّ حوادثِ الأيامِ طَلٌّ

ولا غرضٍ تدور ولا مديرِ([viii])

 

ودائرةُ الحياةِ بلا نظام

ويرتبط الموت والحياة ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة الدينية عند عبد الفتاح رواس القلعجي في ملحمة (القيامة)، فالموت طريق موصل إلى ساعة القيامة، ولكنّه ليس الموت المرتبط بالإنسان فحسب، بل الموت الكوني الذي يموت فيه الموت نفسه ويبقى بارئ الكون فقط، يقول الشاعر:

قَبضَ اللهُ حياةَ الطّيرِ والوحشِ

وما في الأرضِ مِنْ جنسِ الهوامِ

قبضَ اللهُ نفوسَ الجانِ

قبضَ القادرُ أرواحَ الملائكِ

وعلى الكرسي ماتَ الموتُ

ثمّ في راحتهِ اللاتنتهي

ارتصّ الزّمانُ بالمكانِ

ادّغَما

ثمّ ماتا([ix])

أما صورة الحياة فهي صورة نوعيّة تلبس الخلود ثوباً، ذلك الحلم القديم، ولكنّه خلود ذو وجهين متناقضين: الأوّل: يمثل السعادة والهناء والرخاء لا تملّ النفوس هناءته.

والثاني: خلود الحسرة والعذاب والألم والشدّة والكرب والعويل والصراخ، خلود تجدّد من أجل العذاب (كلّما نضجتْ جلودهُمْ بدّلناهُمْ جلوداً غيرها)([x]) ويضمنّها الشاعر شعره، فيقول:

كلّما.. نَضجَت من الجمرِ جلودُهُمْ

بدّلها اللهُ جلوداً أخرى([xi])

ويعمّق الشاعر حسّ الخلود المأسوي لدى أهل النار وخلود السعادة لأهل الجنّة في آخر أبواب الملحمة حين يذبح الموت، ليتأبّد فرح أهل الجنّة وحزن أهل النار، ولتنتهي بذبح الموت مأساة الإنسان وأمل الإنسان، وتكون الدنيا حلماً تقطعه صرخة الولادة وشهقة الموت.

***

لقد نظر شعراء الرحلات إلى الموت والحياة نظرات متباينة، فهما -أي الموت والحياة- ندّان متلازمان لدى محمد عبد المعطي الهمشري والموت ضرورة طبيعيّة لاستمرار الحياة. فلم يعد الموت بعد الرحلة لدى الهمشري ذلك الجانب المرعب في حياتنا ما دام ثمّة حياة أخرى نصنعها بالحبّ والجمال، في حين لم تتجاوز رؤية شفيق معلوف النظرة السطحيّة للمسألة، ولم يعمّق أفكاره أو يستفد من الرمزيّة الشفّافة التي تنبض بها أسطورة الفينيق أو الرخ أو العنقاء، وكانت الرؤية أكثر شفافية لدى فوزي في قصيدته (على بساط الريح) إذ بدا التلازم واضحاً بين الموت والحياة واندغامهما في قيد الشاعر المثقل لروحه فكلاهما مستعبد له، فالحياة في ظلّ العبوديّة موت للإنسان، والموت ما لم يقد للخلود عبودية. وبقيت النزعة الشكوكية غالبة على رؤية المقدسي ونسيب عريضة، في حين انتصرت عقيدة الحياة لدى عبد الفتاح القلعجي وإن كانت ذات بعدين متباينين: شقيّ وسعيد.

***

-الدين والعلم:

إنّ ظهور مسألة العلم والدين غريب في واقعنا الديني والاجتماعي والسياسي، فهي نبتة أوربيّة كانت ثمرة الصراع الطويل بين الكنيسة وعلماء أوربة فقد جلست أوربة زماناً تقتات على مائدة الحضارة الإغريقيّة، ثمّ ما لبثت أن غرقت في ظلام الوثنية، ثمّ جاءت المسيحيّة لتطهرّها من أوضار الوثنية وتكون المخلّص لها، ولكن سرعان ما انحرف رجال الكنيسة بالدين المسيحي عن أصله في سبيل تحقيق مآربهم الشخصية، وللمحافظة على نفوذ الكنيسة لا بدّ من قمع كلّ محاولة يمكن أن تفتح الأعين على جهالة الكنيسة وزيف سلطتها المطلقة (فقد عُدّ من أحرق من العلماء العاملين والمؤلفين والمفكرين في أوربة لذلك العهد فبلغ خمسة وثلاثين ألف عالم ومفكر، فلمّا جاء القرن الخامس عشر كانت النفوس قد حقدت أشد الحقد على رجال الكنيسة الذين أسرفوا في الانتصار لأصولهم المنحرفة"([xii]).

ولهذه الأسباب نشأ العلم في أوربة معادياً للدين، ومع النهضة العربية في مطلع هذا القرن أخذ بعض المفكرين المعطيات الغربية -للأسف- دون تدبّرها وعرضها على الواقع العربي.

وقد لوحظ أن بعض شعراء الرحلات انتصروا للعلم ضدّ الدين، ولكنّ هذا الانتصار لم يكن إلاّ من خلال التقليد الأعمى للغرب.

وتبدو هذه الفلسفة الوضعيّة في هجوم الزهاوي على كلّ المعتقدات الدينية التي سخر منها بمرارة، فهو لا يعرف الله إلاّ وفق المعطيات العلميّة، فهو عنده -عزّ وجلّ- شكل من أشكال الأثير يقول:

اللّهَ حيُّ وأنّه لا يبورُ

 

إنّما عِلميْ كلُّه هُو أنْ م

واحدٌ لا يزولُ وهْو الأثيرُ([xiii])

 

ما لكلِّ الأكوانِ إلاّ إلهٌ

ويبدو أن المعطيات العلميّة الحديثة استهوت الشاعر بإنجازاتها الهائلة إلى حدّ دفعه للتشكيك بكلّ فكر لا يقوم على أساس التفكير العلمي "وهذه النزعة العلميّة عند الزهاوي جعلت شعره يصطبغ بصبغة ماديّة، إذ جعله يُعنى بالجسم والمادة، وجعله إيمانه بالكهرباء يبتعد عن الروح وعالمها"([xiv])، لذا نراه يجعل هذا البيت شعاره في ثورته كلّها، فيقول:

عجزَ العقلُ عنهُ والتّفكيرُ([xv])

 

غيرَ أنّي أرتابُ في كلِّ ما قدْ

ثمّ إنّه يعمّق حدّة الصراع بين العلم والدين حين يجعل الدين مضطهداً للعلم ورموزه من فلاسفة وعلماء وفنّانين، إذ يزجّ بهؤلاء في الجحيم لأنّهم انتسبوا إلى العلم، ولا تزال هذه الفكرة تسيطر على توجّهه حتّى ينهي القصيدة بانتصار للعلم على قوى الدين الممثّلة بالملائكة وقائدهم عزرائيل، وجيش العلم والجحيم بقيادة الشياطين، وها هو ذا يصف المعركة فيقول:

راً وما جيشُ الماردينَ حَقيرُ

 

ثمّ جاءّتْهُم الشّياطينُ أنصَا

طينِ وإبليسُ حيثُ كانَ قديرُ

 

كانَ إبليسُ قائداً للشّيا

نِ وهذا نارٌ وهذا نورُ([xvi])

 

وتلاقَى فوقَ الجحيم الفريقا

.. إلى قوله:

ما لصبحِ النّصرِ المبينِ سُفورُ

 

كانَتْ الحربُ في البَداءِ سجالاً

أنّ جيشَ الملائكِ المدحورُ([xvii])

 

ثمّ للنّاظرين بانَ جَليّاً

ولا تُستغرب استعانته بالشياطين لأنّه يعدّهم ضحية من ضحايا الدين، ولكن من المستغرب أن يجعلهم في صفّ العلم.

***

ويستفيد الفراتي في "الكوميديا السماوية" من أهمّ الأفكار العلمية الشائعة في عصره كالقول بوجود حياة على الكواكب الأخرى، ولا سيما كوكب المريخ فيصوّر نزوله عليه ولقاءه الناس فيه، يقول:

وَجَدَّوا بنا نحوَ الدّيارِ وأتْهَموا

 

ولمّا تعارَفْنا وأفرخَ روْعُنا

لتُسكنَ إذْ كُنّا على الأرضِ نزعمُ([xviii])

 

تيقنتُ أنّ الأرضَ لم تَكُ وحدَهَا

ويثير في نشيد "كوكب الزنادقة" قضية الصراع بين العلم والدين فيذكر نخبة من الذين عرفوا بإلحادهم كابن الرواندي ومزدك وينتصر للدين الصحيح الخالص، بعيداً عن هرطقات الفلاسفة وشطحات الصوفيّة، وهو بذلك يحاول أن يخلّص الدين ممّا لحق به من شوائب الفلسفات كالحلوليّة ووحدة الوجود وغيرها، وكذلك يطعن بكثير من طرق الصوفيّة والتيارات الدينيّة الضالّة فيقول:

عليّ ويذرفُ الدّمعَ السّخينا

 

وراحَ يقصُّ ما قدْ كانَ منهُ

زنادقةً ونحيا مارِقينا

 

أرادَ اللهُ أنْ نحيا عَليها

دراويشاً وكُنا زاهدينا

 

ولو لمْ يعطِنا عقلاً لكُنّا

ونمسي في التّكايا قابعينا

 

نكدّي بالنّهارِ بكلّ دربٍ

على كتبِ التّصوفِ عاكفينا

 

نقطّعُ وقتَنا في غيرِ جَدوى

وطاماتٍ فنفتنُهُ فُتونا

 

ونخدعُ مَنْ يراقبُنا بشطحٍ

وأحياناً يحلُّ الله فينا

 

ونزعمُ أنّنا في اللهِ نفنى

نعدُّ لدى الورى في الصّالحينا

 

فلمْ نكُ مثلَهم حتَى ترانا

بدورِ العلم نبحثُ دائبينا

 

كدأبكَ هكذا بالأمس كُنّا

سيشقى بالعلومِ كما شقينا([xix])

 

شقينا بالعلوم وكُلّ حرٍّ

فالفراتي يعلن حربه على هذه الجماعة من الناس، المرتبطة بالبطالة والخداع والمكر، حتّى استطاعوا بخداعهم أن يصيروا رموزاً للتقوى والصلاح، أمّا العلماء الذين يقضون عمرهم بالعلم وأقيسته ومبادئه وقوانينه فليس لهم إلاّ الشقاء والمرارة، والفراتي يشير في البيت الأخير إلى قول المتنبي الشهير:

وأخو الجهالةِ في الشّقاوةِ ينعمُ([xx])

 

ذو العقلِ يشقى في النّعيم بعقله

وهكذا فقد انتصر الزّهاوي للعلم بحماسة شديدة في مواجهة الدين ممّا حدا به إلى إنكار كلّ المعتقدات الدينيّة، غير أنّ الفراتي وازن في شيء من الحذر بين العلم والدين، فهو لم ينتصر للملاحدة الذين ناصروا العلم على الدين فأنكروا الله وسفّهوا أحلام المرسلين، ولم يؤيّد المتظاهرين بالتديّن كالدراويش والصوفيّة وبعض الزهاد.

***

-الروح والجسد:

أثار بعض الشعراء في رحلاتهم الخياليّة مشكلة الروح والجسد، وعبّروا عن إحساسهم بالصراع بينهما، وبرز هذا الصراع في قصيدة "على بساط الريح" لفوزي معلوف، فمنذ بداية القصيدة يريد فوزي التحليق بروحه لا بجسده، لاعتقاده أنّ الجسد يثقل عند التحليق، فهو لحم وعظم ودم وأصله من تراب. وتتعمّق هذه الرؤية للجسد في نشيد (العبد). إذ الجسد لديه عبودية لما له من رغبات وأهواء وانفعالات تقيّده، فيقول:

ياءِ أعمى مسيّرّ بغرورهْ

 

أنا في قبضةِ العبوديّةِ العمـ

عبدُ قلبي والقلبُ عبدُ شعورهْ

 

إنّ جسمي عبدٌ لعقلي وعقلي

هو عبدُ الجمالِ يحيا بنورِهْ

 

وشعوري عبدٌ لحسّي وحسّي

دٌ على رغمهِ لأعمى نظيرهْ([xxi])

 

كلُّ ما بي في الكونِ أعمى ومنقا

ويقابل الجسد الروح التي هي الخلاص والحريّة والشعلة التي لا تنطفئ فعندما يضرب فوزي بروحه بعيداً في آفاق الخيال تصير كلّ الكائنات له حاشية وأتباعاً، لذا يقول عن نفسه حين تتخفّف روحه من أدران الجسد:

رٌ وقلبُ الأثيرِ مَسرَحُ حكمِهْ

 

مَلِكٌ قبّةُ السّماءِ لهُ قَصـ

ورُ وأتباعُهُ عرائسُ حُلْمِهْ

 

ضاربٌ في الفضاءِ موكبُهُ النّـ م

واهُ رُكناً قامَ الخلودُ بدعمِهْ([xxii])

 

ملكٌ ركنُهُ الهواءُ وما أقْـ

وقصيدة المعلوف هذه تمجيد للروح في مقابل الجسد، ومحاولة خلاص صادقة من قيود الجسد الراسفة إلى فضاء الحريّة.

والشاعر ينتصر للروح، ويرى أنّ الإنسان في الأرض محض تراب، فيقول:

هُو في الأرض حفنةٌ من ترابِ

فأبُوهُ

طينٌ ومَاءْ([xxiii])

ولذلك فالإنسان يحيا للشرّ في الأرض، ولا يسمو إلاّ عندما تتحرّر روحه، ويتخلّص من ربقة الجسد، وعندئذ يتحلّل جسده، ويغدو غذاءً تحيا به الزهور فيقول:

أبداً حيثُ حلَّ شؤمُ رِكابِهْ

 

هُو يحيَا للشّر فالشّرُّ يحيَا

حيثُ يثوي في القبرِ بينَ رحابِهْ

 

وهْو لا ينفعُ البسيطةَ إلاّ

منهُ ما في الأديم منْ أعْشَابِهْ

 

حينَ يمتصّهُ الثّرى فيغذّي

كونِ من زهرهِ إلى لبلابِهْ

 

يا لعَمْرِي كلُّ النباتِ الذي في الـ

توا فزانوا الثّرى بأجملَ ما بِهْ([xxiv])

 

ليسَ إلاّ عصيرُ أجسامِ مَن ما

ولعلّه بذلك يشير من طرف خفي إلى القول بأنّ المادة لا تفنى وإنّما هي في تحوّل دائم.

وتبدو الروح في قصيدة نسيب عريضة "على طريق إرم" سبيل الإنسان المعاصر للوصول إلى السعادة وإلى النبع الفيّاض الذي لا ينضب، لذا يخاطب نفسه قائلاً:

فأنتِ ظَعني ورَحلِي

 

يا نفسُ رِفقاً ومَهلاً

على طريق الجنونِ

 

فاصمتْ وسِرْ في السكونِ

يبدوُ لنا وجهُ ربّي([xxv])

 

لعلّه بعدَ حينِ

ولعلّ الشاعر في عيشه وسط النهضة الماديّة الصناعيّة في أمريكا قد لمس بروحه الشفّافة عجز المادة العلميّة عن تحقيق السعادة، فلذلك لجأ إلى الروح.

ويظهر لدى شعراء الرحلات الخياليّة التعبير عن الصراع بين العقل والنفس، أو المعرفة والحبّ، وهذا الصراع هو امتداد للصراع بين الجسد والروح، ولقد شكّ بعض الشعراء بمقدرة العقل على تحقيق المعرفة الكليّة وفي ذلك يقول أنيس المقدسي:

فما علمُ الأنامِ سوى رجوم([xxvi])

 

وليسَ العلمُ يروي نفسَ صادٍ

وتطلّع الشاعر نفسه بالمقابل إلى الحبّ بوصفه طاقة روحيّة قادرة على تحقيق التواصل والسمو بالروح، وهو يقول في ذلك:

يُجاهدُ في سبيلِ الوَاجباتِ

 

هلِ الدّنيا سوى قلبٍ شريفٍ

وينظرُ باسماً للكائناتِ

 

ويعملُ باسماً في كلّ حالِ

إلى أسمى كمالاتِ الحياةِ

 

ويزهو نامياً يوماً فيوماً

إلى روحِ الوجودِ إلى النّعيم

 

إلى الحبّ المطلّ من الأعالي

فما تُجديكَ أنوارُ النّجومِ([xxvii])

 

هُو النّورُ الذي يهدي البَرايا

ويحمّل القلعجي الماديّة وزر دفع عجلة الزمان إلى الأمام في سيرها الحثيث وصولاً إلى ساعة القيامة، لأنّ القيامة وفق المعتقد الإسلامي لن تقوم إلاّ بعد طغيان المادة، وبعد أن تنطفئ شعلة الروحانية والإيمان في نفوس الخلق فتكون القيامة خاتمة لسلسلة الصراع الطويل بين الجسد والروح الذي بدأ بخلق الإنسان، فيقول:

الشّيخُ: الإنسانُ طغى وتجبّرْ

عبد الآلةَ.. صنعَ يديهِ، تكبَّرَ

أعطاها الثّقةَ الكُبرى

لم يذكرْ:

أنّ المعدنَ يُصهرْ

والمصنوعَ يُكْسَرْ([xxviii])

ولقد كان للروح والجسد في صراعهما على مرّ الزمان رموز وأعلام تجمعهم ملحمة القيامة في عرصات الساعة متمايزين وفق المعطيات الإسلامية، فأغلب ملوك الأرض والطغاة والدكتاتوريين والدجّالين والأفّاقين والشذّاذ والفلاسفة الوضعيين والملحدين واليهود رموز للماديّة الطاغية المضطهدة، وكلّ الأنبياء والقديسين والمصلحين من الفلاسفة والعلماء والمفكرين والشعراء والبسطاء هم الفئة المقهورة في الأرض لأنّهم يرمزون للروحية الشفّافة.

ولم يجمعهم الشاعر إلاّ ليحقّق حلم الانتصار للروح على المادة يقول:

الدجّالُ: أيا مهديُّ.. أينَ تسيرُ

المهديُّ: رسولُ الله يدعوني إلى الموردْ

الدجّالُ: أغثني كأسَ ماءٍ، يا فداكَ أبي

المهديُّ: هي الكوثرْ

شرابُ المؤمنينَ اليومَ.. يا دجّالُ

الدجّالُ: أما لو شاء ربّكَ كنتُ مهديّاً

المهديُّ: "لكُمْ دينُكُمْ.. ولي دين"

لكُمْ حوضٌ.. لنا حوض([xxix])

وبخلاف ذلك كلّه، يعبّر شفيق معلوف عن نزوع نحو الجسد وبُعد عن الروح إذ يصوّر جنيّة تملّ روحها الخالدة، وتعرضها للبيع مُقابل متعة جسديّة فتقول:

ما زلتُ لم أحضنْ ولم أُحتضَنْ

 

ما نفعُ روحٍ خالدٍ عشتُ فيهْ

وخذْ إذا شئتَ خلودي ثَمَنْ

 

يا حاملَ الجسم ألا أعطنيهْ

أحملُ ما في جسمهِ من شجَنْ

 

روحيَ لا يَبلى فمنْ يرتضيهْ

فإنّني أبيعهُ بالكَفنْ([xxx])

 

وشاحيَ النّاريّ من يشتريهْ

وينزع الزّهاوي أيضاً إلى تمجيد العقل وإنكار كلّ ما عداه، بل إنّه يكفر بالروح ويدعو إلى ماديّة واضحة، فيقول:

عجزَ العقلُ عنهُ والتّفكيرُ([xxxi])

 

غيرَ أنّي أرتابُ في كلّ ما قَدْ

وفي جوابه للملكين حين يسألانه عن هاروت وماروت ويأجوج ومأجوج يقول:

فبجحدي عقلي عليّ يشورُ([xxxii])

 

قلتُ ما لي بكلّ ذلكَ علمٌ

وفي موضع آخر يقول:

ليَ ذُقْ أنْتَ الفيلسوفُ الكبيرُ

 

ثمّ تلاّني للجبينِ وقَالا

كانَ ممّا يمليهِ عقلي الصغيرُ([xxxiii])

 

قلتُ صَفْحاً فكلُّ فلسفتي قَدْ

ولقد عبّر شعراء الرحلات الخياليّة عن الصراع بين الروحانية والماديّة ورأى أغلبهم أنّ الحياة السعيدة الهانئة لا يصلح أساساً لبنيانها إلاّ قيامها على الروحانيّة واختلف عنهم شفيق معلوف في تعلّقه بالجسد وغالى من بعده الزهاوي في تمجيد العقل وإنكار الروح.

-الجبر والاختيار:

تعرّض محمد الفراتي لمشكلة الجبر والاختيار في قصيدته (في حانة إبليس) حين أظهر إبليس وهو يفضّل العنصر الشيطانيّ على العنصر البشريّ، فيقول:

ومن نارٍ بَرى نَبْعِي

 

فآدمُ كانَ مِن طينٍ

رِ ذاكَ الطينُ، بالطبعِ([xxxiv])

 

ولا يسمو سموَّ النّا

وهو يتفق في هذا التجديف مع بيتي بشار بن برد في قوله:

فَتبيّنوا يا معشَر الفجّارِ

 

إبليسُ خيرٌ مِنْ أبيكُمْ أدَمَ

والطينُ لا يَسمُو على النّارِ([xxxv])

 

النّارُ مَعْدنهُ وآدمُ طينٌ

وإبليس يشكّك بالعدل الإلهي، لأنّه أخرج آدم من باب التوبة والقربى، وأخرج إبليس من باب اللعنة والرجم، يقول الفراتي على لسان إبليس:

وعنْ قصدٍ عصى الأمرا

 

عَصَيْتُ الأمرَ عن خطأ

فقلْ لي كيفَ لا أضرى([xxxvi])

 

فقرّبَهُ وأبعدَنِي

فإبليس في عصيانه يمثّل الاختيار الحرّ أمام الجبر الإلهي ويختلف عنه ابن راوندي الذي يرى أنّه واقع في المعصية والكفر مجبراً لا مختاراً، ولذلك ينكر العذاب ويثور معترضاً على الجبر الإلهي وفق تصوّره، فيقول:

زنادِقَةً ونحيْا مارقينَا

 

أرادَ اللهُ أنْ نحيْا عليْها

ولمْ نُدركْ مقامَ النّابهينا

 

وسُدّتْ دونَنا طرقُ المعالي

ومنْ فوقُ سهامُ النّاقدينا

 

ولمْ نطق احتمالَ الجورِ منهُ

عليهِ يومَ ذلكَ ساخِطينا([xxxvii])

 

ولمْ نقنعْ بقسمتهِ وثرْنا

كما عرض شفيق معلوف لهذه الفكرة في نشيد "ثورة البغايا" أولئك اللاتي ثرنَ على الله، واعترضن على قدره فيهنّ، إذ زجّ بهنّ في جهنّم وسامهنّ الخسف والهون رغم أنّه الذي خلقهنّ وخلق أفعالهنّ فيصرخن قائلات:

زوّدَنا بنظرةِ ضائعهْ

 

مذْ خلعَ اللهُ علينا المقلْ

وبشرة هفّافةٍ للقبلْ

 

وشهوةٍ مُلحةٍ جائعهْ

و الذّي في وسطِ العاصفهْ

 

فمنْ لنا بطاعةِ الله وهـ

والجسدِ المُستسلمِ الواهي

 

زجَ بنا بالأضلعِ الرّاجفهْ

عَسْفاً فلمْ نصبِرْ على عَسفهِ

 

ثُرنا عليهِ حينما سامَنا

وجيّشَ العذابَ مِن خلفهِ

 

قَدْ حشدَ اللّذّاتِ قُدّامَنا

بجزيةِ العبدِ إلى ربّهِ

 

أفتى بأنْ نقومَ في ربقَنا

وراحَ يجزينا على ذنبهِ([xxxviii])

 

هُو الذي أذنبَ في خلقِنا

ويبلغ الاعتراض على إرادة الله لدى الحلاّج درجة التجديف، على نحو ما صوّره الزّهاوي، إذ يتّهم القدر بالخطأ، فيقول:

لمْ تُجرني منهُ وأنتَ المجيرُ

 

لِمَ شئتَ العذابَ لي ولماذا

ونَصيبي اليومَ العذابُ العسيرُ

 

كانَ في الدّنيا القتلُ منهم نصيبي

أوَ حتّى إنْ أخطأ المقدورُ([xxxix])

 

قلتَ: إنّ المقدورَ لا بدّ منهُ

والشيطان في تصوّر العقّاد مجبر على الشرّ، وليس مخيراً فيه، ولو أنّه حاول أن يكون خيّراً لخالف الإرادة الإلهيّة، ولعوقب، وبذلك فهو مجبر، لا مخيّر، فيقول في ترجمة شيطان:

وأبى منها وفاءَ الشّاكرِ

 

خِلقةٌ شاءَ لها اللّه الكُنودْ

وتعالى من عليمٍ قادرِ

 

قدّرَ السّوءَ لها قبلَ الوجودْ

فأطاعَتْ يا لها من فاجرهْ

 

قال: كوني محنةً للأبرياءْ

لاستحقّتْ منهُ لعنَ الآخرهْ([xl])

 

ولو اسطاعتْ خلافاً للقضاءْ

ويتمنّى الشحرور عند محمد حسن فقّي في قصيدته "الكون والشاعر" لو كان طاووساً يزهو بحلته وزينته، أو قمريّاً يملأ الكون بأنغامه التي أودع الحبّ فيها تحنانه، لكنّه لم يستسلم لقدره، فيقول:

كنتُ على المذبحِ قُربانَهُ

 

لكنّني والقُبحُ لي ميْسَمٌ

فهلْ أنا الخالقُ خسرانَهُ

 

أظلُّ دامي القلبِ من لعنَةٍ

وكنتُ بادي الحسنِ فتّانَهُ

 

لو صغتُ نفسي كنتُ فنّانَها

صححتِ الأقدارُ ميزانَهُ([xli])

 

إنْ أخطأ الجاهلُ في وزنهِ

ويلاحظ التعبير الانفعالي لدى معظم الشعراء عن مشكلة الجبر والاختيار من خلال شخصيات ثائرة ناقمة تتمثّل على الأغلب في شخصيّة إبليس، كما يلاحظ اقتراب بعضهم من التجديف، ولا سيما الزهاوي.

لقد عالج شعراء الرحلات الخياليّة -من منظور دينيّ- تأمّلهم في مسألة الموت والحياة وتباينت آراؤهم تجاهها، غير أنّهم أكّدوا تشبثّهم بالحياة والحبّ مقابلاً للموت والفناء، كما وقف بعض الشعراء عند مسألة العلم والدين فانتصر للتفكير العلمي المادي، وحاول بعضهم الآخر الموازنة بحذر بين الاثنين، ورأوا في الروح أساساً للحياة الحرّة موجهين أصابع الاتهام للجسد، لأنّه سبب في تقييد أرواحهم عن الانطلاق والتحليق بعيداً. ووجد بعضهم في إبليس مثلاً للاختيار الحر أمام الجبر الإلهي غير أنّ الرؤية امتازت بالانفعالية.

*

الخير والشرّ:

الخير والشرّ خصمان متنافسان لا يفتأان يتصارعان في نفوس البشر وأهوائهم وتصرفاتهم، فإذا غلب الشرّ على الخير باتت النفس البشرية خربة عفنة لا تكاد تسيغ نفسها لو عرفت حقيقة أمرها.

ولقد بنى شفيق معلوف نظرته إلى الإنسان على أساس الشرّ الذي هو أصل فيه، لذلك لو نظر الإنسان إلى نفسه لعرف حقيقة الشرّ الكامن فيها. يقول:

واعملْ على تمزيق جلبابِها

 

فقُمْ وخُضْ لجّةً ديجورِها

تُطِلّ من عينيكَ في بابها

 

قُمْ فترى كيفَ شياطينُها

تنسلُّ من فوُهةِ سردابها ([xlii])

 

وكيفَ منْ فيكَ ثعابينُها

وقد جعل ذلك مبرراً لنفور الجن من الإنسان، ولاستعاذة عرافة عبقر من شرّه، فيقول:

أجفلنَ وارفضضْنَ بين الشجر

 

فانتفضتْ والجنّ من حولها

أنْ يُقْلِقَ الأرواحَ مرأى البَشَرْ([xliii])

 

ودمدمَتْ سُخطاً وقد هالها

وتأخذ صورة الصراع منحىً آخر لدى شاعر لا يرى الشرّ في نفس الإنسان، بل يراه في معتقداته وغيبيّاته التي يؤمن بها فالخير والشرّ لديه هما العلم والدين. فالعلم هو الخير وقوتّه التي لا تملك إلا العقل والضمير الحيّ، أمّا قوى الدين (الغيب) فيمثّلها منذ البداية منكر ونكير، ثمّ يمثّلها في الجحيم جيش الملائكة بقيادة عزرائيل، وجيش الخير يمثّله العلماء والمفكرون والشياطين.

ولعلّ في انتصار الزهاوي لجيش أهل الجحيم انتصاراً لقوى الخير، في زعمه، على قوى الشرّ، فالدين وغيبيّاته لا تأتي بالنفع على أحد فيما يقدّمه المرء لمجتمعه من خير، فيقول:

هي ليسَتْ تُغني وليسَتْ تضيرُ

 

إنّما قدْ سألتُما عن أمورٍ

والفتى من يعفُّ منهُ الضّميرُ

 

 ولماذا لَمْ تسألا عنْ ضميري

في سبيل الحقوقِ وهو شهيرُ

 

ولماذا لمْ تسألا عنْ جهادي

عَنْ بلادي أيامَ عزّ النّصيرُ

 

ولماذا لَمْ تسألا عنْ ذيادي

ووفائي لمَنْ صحبْتُ كثيرُ

 

ولماذا لَمْ تسألا عَنْ وفائي

لإبطالِ الشرّ وهو خطيرُ([xliv])

م

ولماذا لَمْ تسألا عنْ مساعيّ 

ويبدو الخطأ قائماً في صلب تفكير الزهاوي، لأن الدين عنده مصدر شرور وتسلط وظلم، بخلاف ما هو عليه حقيقة، فهل الدين لا يحثّ على الصدق والجهاد والخير والوفاء والإخلاص..؟!

وتأخذ جدلية الصراع بين الخير والشرّ طابعاً رومانتيكياً عند فوزي معلوف ومحمد حسن فقّي. إذ يمثّل الإنسان الشرّ لدى فوزي معلوف في مطوّلته (على بساط الريح) فهو الذي استعمر أرضه وشرّده منها، وهو الذي يمتصّ عرقه وقوّته في مهجره، أمّا عنصر الخير فتمثّله الطبيعة هذه الأمّ الرؤوم الحنون على ابنها الشاعر.

وسرعان ما أنكرت الطيور والنجوم والأرواح هذا البشر الذي شقّ أديم مملكتها السماوية لظنها السوء به كأي إنسان آخر من البشر، فيقول:

اللهِ مَهما أفضْتُ في تِبيانِهْ

 

أنا عَن وصْفِ شرّهِ عاجِزٌ و م

كِنْ دَعوهُ الإنسانُ مِن نسيانِهْ

 

ما دَعوهُ الإنسانَ من إنسهِ لـ م

فداسَ الضميرَ في عِصيانِهْ

م

نسيَ الخيرَ حينَ أوغلَ في الشّرِّ 

معُ غيرُ الفحيحِ في خَفقانِهْ

 

ملأتْ قَلبَه الأفاعي فَلا يُسْـ

نفسهِ من إبائِهِ وحنانِهْ([xlv])

 

حَسَدٌ نَاهِشٌ بقيّةَ ما في

ولكنّ الشاعر في النهاية هو غير بقيّة البشر الذين يعيشون معه ويتصفون بهذه الصفات لأنّ روح الشعر تخلّصه من النقص والشرور وترتفع به فوق مقام الإنسان ابن الخطيئة، وهذا يعني أن الشعر عند المعلوف هو الخلاص، إذ يرقى به الإنسان ويتخلّص من نزعة الشرّ لديه، والشاعر بذلك كلّه ينمّ عن نزعة رومانتيكية واضحة.

وتقوم رؤية الفقّي على أساس هذا الصراع بين الخير والشرّ من خلال بُعد خيالي فالشرّ يصول على الخير فيغادره صريعاً، ويحوّل العالم إلى مسخ من الشرّ العقيم فيمدّ للمجرم في إجرامه ويمنع أهل الإيمان من إيمانهم، فيؤلّه الناس الطواغيت، فإذا ما دارت على الشرّ الدوائر نسي أعوانه وأهله وتنكّر لهم، في حين ينتصر الخير للحلم والصبر والأناة والرحمة قبل كلّ شيء فلا يعاقب الشرّ بالشرّ وإنمّا يتركه وشأنه فيكفيه -أي الشرّ- ما فيه من شرور لتأوي إلى وحشته وأطلاله كلّ الرذائل وغربان الآثام وبوم الأحزان. ثمّ يوضّح هذه الرؤية على طريقة فوزي معلوف بوساطة الطبيعة، فيختار الطيور المرتبطة بالبراءة والرقة والسمو ويجعل- على ألسنتها- رؤيته لأولئك الناس الذين غلبت عليهم شرورهم وزيفهم وخداعهم، في حين لا تعرف الطبيعة شيئا ًعن هذه الطباع، يقول:

فالطّيرُ لا يخدَعُ إِخوانَهُ([xlvi])

 

الزّيفُ في النّاسِ وأمّا هُنا

ثمّ ترتقي شخصيات الخير من الطير إلى الملائكة -بما اشتهر عنهم من طهر- لأنّهم العباد المقرّبون للحضرة الإلهية، والإخلاص في العبادة هو الذي يرفع إلى المقامات السنيّة، فيقول:

وتفضي إلى السّنا العبقريّ

 

ورأيْتُ الأملاكَ تَهفُو إلى اللهِ

بالتّسابيحِ مِن فمٍ علويّ([xlvii])

 

وسمعتُ اللّحنَ السّماويّ يَشدُو

وتتفق رؤية الفقّي للشاعر مع رؤية فوزي معلوف، فالشاعر عنده رمز للخير وهو بريء من آثام الإنسان وشروره، بفضل ما أوتي من شعر، يرفعه إلى مصاف الأنبياء، وإن كان قد جبل من ماء وطين، فيقول:

فإنّي الحفيّ بالشّعراءِ

م

وسَيلقَى هُنا الكرامةَ ما ظلَّ 

دِ يقيهِ إذا أضّلَّ السّبيلا

 

إنّ في طبعهِ نُزوعا إلى الرّشـ

أنّني ما اتخذتُ منهُ رسُولا([xlviii])

 

هُو كفلٌ مِن النّبوّةِ لَولا

أمّا (القيامة) لعبد الفتاح القلعجي فقد كانت تتويجاً للصراع بين الخير والشرّ، فالشرّ تنمر في الأرض وصار له دولة وسلطان، وغدت رموزه واضحة، هذه الرموز التي دفعت عقارب الساعة سريعاً حتّى ساعة اختصار الكون، هذه الساعة أو مقدّمات القيامة كانت إكليل الغار الذي تُوّج به الشرّ في انتصاره على الخير، فيقول:

ثمّ تمطّى الشّرّ

ولوى الدّهرُ عِنانَ حِصانِهْ

نحوَ حُقولِ الطّينِ اللاّزبْ([xlix])

ولكلّ من الخير والشرّ رموزه البشرية والحيوانية والخلقية، فالقتل والحروب والفسق والعريّ والظلم والفتن والطغاة والجبابرة والدجّالون والفراعنة رموز الشرّ التي قادت أحداث الشرّ في الأرض، وفي المقابل فإنّ للخير رموزه هو الآخر كالأديان السماويّة والأنبياء والمصلحين والمهدييّن والعلماء والمفكرين والمثقفين. إلخ. يقول:

الشّيخُ: خرجَ النّسوةُ في أثوابِ العُرْي

وسادَ الجنسُ، اللونُ الأحمرْ

الفتاةُ: خرجَ الدّجّالونَ يقولُ الواحدُ مِنهمْ:

إنّي يا قومُ رسولُ اللهِ

الشّيخُ: امتدّتْ نجمةُ داوّد

فدمّرَهَا سيفٌ إسلاميٌّ بتار([l])

وتبقى المعركة دولاً بين الخير والشرّ في ملحمة القيامة حتّى تقوم الساعة على انتصار الشرّ الذي ألَّه العقل البشري. وتبدو رؤية الشاعر الفكريّة مبنيّة على الحديث النبويّ الشريف: "لا تقومُ الساعةُ إلاّ على شرارِ الخلق" ([li]) ومن ثمّ تكون القيامة والبعث والحساب والمطهر والجنّة والنار انتصاراً للخير ورموزه في تحقيق الفرح والسعادة الأبديين، يقول:

يا روادَ جهنّمْ

(( ما أغنَى عنكُمْ جَمعُكُمْ

وما كُنتُمْ تستكبرُونْ ))

يا أصحابَ النّارِ

هذا الدربُّ إلى النّارِ

قطيعاً مِن حزنٍ سِيرُوا

يحزركُم لومٌ وشِنّارُ

يا أصحابَ الجنّةِ

(( أدخُلوا الجنّةَ

لا خوف عليكُمْ

ولا أنتُمْ تَحزنُونْ))([lii]).

وواضح انتصار شعراء الرحلات الخياليّة لنوازعهم الإنسانيّة الخيّرة على النوازع الشريرة بكلّ ما تمثّله هذه النوازع من استعمار وطاغوت وظلم وفساد وقد وجد بعضهم في الشعر ميزة ترفع الشاعر فوق غيره من البشر الذين ظنّ بهم رواد الرومانتيكية ظنّ السوء، فلجؤوا إلى الطبيعة يلتمسون لديها الخير والبراءة الأولى، في حين انتصر بعضهم عقائدياً للخير في معركته مع الشرّ كما فعل القلعجي في ملحمة (القيامة).

ثانياً: المعاناة:

الفساد العام:

يشير الفراتي في حواره مع إبليس إلى المفاسد التي انتشرت في مجتمعه من خلال تظلّم إبليس ومحاولته نفي تهمة الإغواء عن نفسه، فيقول:

إلى الماخورِ والسُّكْرِ

 

هلِ الشيّطانُ يَحدُوكمْ

إلى التّدميرِ والقتلِ

 

متى أصبحتُ قائدكمْ

إلى التّضليلِ والختْلِ

 

متى أمسيتُ رائدكُمْ

بها المرأةُ والكرسي

 

متى يوماً تصبّتني

س لمْ أعبُدْ سوى نفسي([liii])

 

متى كنتُ كهذي النّا

ولم يترك الفراتي مفسدة في مجتمعه إلا هاجمها في رحلته الخياليّة، حتى الصوفيّة لم تفلت من قبضته إذ عدّها واحدة من مفاسد المجتمع الإسلامي. حيث عزفت عن دينها الصحيح ولجّت في غياهب الجهل والشعوذة، فسيطرت على أفهام البسطاء والسذّج من الناس.

أمّا الهوني فغالبية أفكاره في الرحلة تدور حول نقد القيم الاجتماعيّة الفاسدة. فما أخرجه عن الأرض إلاّ فساد أهلها فيها، واختلاط الطالح بالصالح، حتى غدا كريم النفس والطباع كخسيسها، وتبرز حدّة هذا الشعور بالإحباط في حوار الشاعر مع الملك إذ غدا الختل طابعاً لبني البشر يرى في وجوههم، فيقول:

فقالَ: على جبهاتكُمْ طابَعُ الختْلِ([liv])

 

وقلْتُ: لَهُ باللهِ كيفَ عرفتني

كما يستعيد الهوني إلى الذاكرة اتّهام الملائكة للبشر بالإفساد في الأرض فيقول:

وقد قُلتُمُ في آدمَ القَولَ مِنْ قبل

 

فقلتُ ألا زِلتم تقولونَ هكذا؟

لآدمَ قلتُمْ يُفسدُ الأرضَ بالقتلِ

 

ولمّا أرادَ الله إسنادَ مُلكهِ

وإنّ الذي قلناهُ حُقّقَ بالفعلِ([lv])

 

فقالَ: نعم قُلنا بأمرِ إلهِنا

وعندما يشكو الشاعر حاله لأبيه آدم التي دفعت به إلى الخروج عن عالم الأرض الفاسد إلى السماء لالتماس الطهر يعدّد كثيراً من المفاسد الاجتماعيّة التي سادت على وجه البسيطة وغيرت حالها، يقول:

مِنْ الدّينِ والدّنيا سوى الشّربِ والأكلِ

 

وصارُوا كأنّ القومَ لا همّ عندهُم

طغَوا وبغوا واستبدلُوا العلمَ بالجهلِ

 

ولو يا أبي شاهدْتَهمْ لوجدتَهمْ

وذو الظّلم يُدعى بينهم مِن ذوي العدلِ([lvi])

 

وصارَ لديهِمْ صاحبُ العَدلِ ظالماً

وهكذا يعمّق الهوني رؤيته نحو المجتمع الفاسد في مكان انطلق إليه على جناح الخيال، وربّما لم ينطلق هذه الانطلاقة إلاّ عندما يئس من صلاح بني البشر على الأرض فالتمس الصلاح في السماء بعيداً، ولكن هيهات هيهات فإنّ المكوث في السماء يحتاج إلى تطهّر من الجسد المثقل بأدران الماديّة، وهذا لا يتمّ إلا بالموت، وهنا تقترن المثاليّة عند الهوني بالموت، فيتحوّل الموت، تلك المأساة خلاصاً لذيذ المعاناة عنده، لأنّ فيه الخلاص من هذا المجتمع الفاسد، فيقول:

مللْتُ لعمري عيْشَةَ الضّنكِ والذّلّ

 

فقلتُ: أبي أبغِي المكوثَ بساحِكمْ

إذا لمْ يُطهّرْ بالمماتِ من الغلّ

 

فقالَ: مكوثُ المرءِ عندي محرّمٌ

وأُرجعْتُ رغم الأنفِ للعالمِ السفلي([lvii])

 

فقلتُ: سلامُ اللهِ ثمّ تركتُهمْ

ويركّز عبد الفتاح القلعجي في ملحمة القيامة على المفاسد الاجتماعيّة التي ساقت عجلة القيامة قُدماً للوصول إلى ساعة النهاية الدنيويّة والبداية الأخرويّة فتراه يعدّد بعض هذه المفاسد التي أصابت المجتمعات الإنسانيّة، فيقول:

الشيّخُ: وتتالتْ إرهاصاتُ الناقورِ

وأوحَلَ في الطغيانِ القتله

انفجرتْ في الأرضِ حروبٌ

غُسِلَتْ بالدّمْ([lviii])

ولقد تحوّل المجتمع في ملحمة القيامة إلى كتلة من المفاسد لا تكاد تخلو من نقيصةٍ في الكون إلاّ تلبّست أهل الساعة الذين قال عنهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "إنهم شرار الناس"([lix]).

وفي هذا الاتهام أكبر طعنة يوجّهها القلعجي للمجتمعات الإنسانيّة التي يقول عن أرواح البشر فيها:

"ثمّ تسربلَهُ الرّوحُ الشيّطانيّ" ([lx])

إذاً عبّر هؤلاء الشعراء عن القيم الاجتماعيّة التي سادت مجتمعاتهم الإنسانيّة رغم أنّهم حلّقوا بعيداً عنها فهم لم ينسوا ساعة أنّهم أبناؤها فكشفوا كثيراً من القيم الفاسدة التي سببّت لهم هذه الحالة النفسيّة المأزومة وربّما أرادوا بطرف خفيّ الدعوة إلى نقيضها وبناء الحياة الأمثل والأفضل، وعليه لا بدّ أن تكون هناك دعوة للقيم الأخلاقية الفاضلة.

فساد الأخلاق:

ومن أبرز هذه الأمراض الاجتماعيّة ما يتجلّى في اختلال المفاهيم حيث يختلط الفاضل بالرديء حتّى ما يبقى إلاّ خيط واهٍ يميّز بينها نحو قول شفيق معلوف:

تحتَ حجابِ الحسبْ

 

فاندسّتِ الكبرياءْ

غلغلَ وجهُ الغضبْ

 

وتحتَ سترِ الإباءْ

بينَ الورى حزمَا

 

وانقلبَ العنادُ

في عرفِهمْ عَزْما

 

وصارَ الاستبدادُ

أسمى مَزايا الرّوحِ([lxi])

 

وأصبحَ الجشعُ

ويتعمّق هذا الاختلال الذي يتّهم به شفيق المجتمع المعاصر في حادثه تاريخيّة رمزيّة. في نشيد حلم هراء. هذا المخلوق الأسطوي الذي يوحي الأحلام للبشر.

وفيه قصّة حلمه الذي أوحاه لأميّة بن أبي الصّلت الشاعر الجاهلي الذي كان يهيّئ نفسه للنّبوّة. إذ كشف له عن سريرته السوداء العفنة المبطّنة بالحسد والحقد اللذين ينهشان شفافية الروح فيها، وإن بدت ظاهراً هيّنة ليّنة فإنها تتجلى عن حقيقتها تحت مخاض الرياء في قلبه، فهاله ما رأى فيها، فيقول:

تاللهِ قلْ يا هُراءْ

 

أذاكَ قلبي أنا

كانَتْ وقلبي سَواءْ

 

إذا قلوبُ الورَى

لا كُنتُ في الأنبياءْ([lxii])

 

وكانَ ما بِي بِهِمْ

ويوجّه شفيق في (أبناء إبليس) طعنة عنيفة للمجتمع الذي ينصاع وراء مثل هذه المفاسد التي يمثّلها أبناء إبليس كحبّ المال والبخل الذي يصل درجة العبادة، يقول:

وقالَ هلْ مَنْ تَرى

 

شيطانُ شِعْري انْبرَى

مذهَبِ الأغلالِ

 

غيرَ زلنبورِ

معبوْدِ أهلِ المَالِ

 

مفضّضِ النّيرِ

ميزانَه في يديْهْ

 

فهو إذا ما نَصبْ

والرّوحُ في كفتيهْ([lxiii])

 

تنشبُ حربُ الذّهبْ

ولكنّ الحضيض في الأخلاق الفاسدة ذلك الخلق الذميم الذي تسير كلّ الأخلاق الفاسدة والنواقص تحت لوائه إنّه الكذب، ذلك الخُلق الذي لا يدانيه خلق من الأخلاق الفاسدة. ولعلّه يتوافق في هذا الرأي مع الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: "يطبع المؤمن على الخلال كلّها إلاّ الخيانة والكذب"([lxiv]).

يقول شفيق:

فُجاءةً يقتربْ

 

وبانَ مسوطُ

من شفتيهِ تثِبْ

 

كأنّ مُديةً

ذاكَ اللسانِ الذربْ

 

إنْ يروِ مصلتاً

وجفنُهُ يضطْربْ

 

يَغصّص بريقهِ

ببعضِهِ يحتجبْ

 

كأنّ بعضَهُ

رايتَهُ المشرْعهْ

 

وسارَ رافعاً

إخوتهُ الأربعهْ([lxv])

 

فسارَ خلفهُ

وأمّا سيطرة الشهوة على المجتمع فهي من أفتك الأمراض التي تحلّ عُرى المحبّة والتعاون وتؤدي إلى انهيار المجتمعات الإنسانية، يقول شفيق على لسان شيطان الشهوة:

أطلّ ينظُرْ

 

وذاكَ أعورْ

وقالَ: إنّي أنا

 

مِنْ ظاهِر الهّوهْ

والعُهر والشّهوهْ

 

حامِي ذمارِ الخنَا

حريقةُ الدّمِ

 

شرارتي في العُيون

والفمُ لصقَ الفم

 

أنا مُثيرُ الجنُونْ

إلاّ على مِعْصَمي

 

ما اتكأ العاشِقوُنْ

مُعربداً في سكراتِ الهوَى

 

كمْ ذاقَ خمري عاشقٌ فالتوى

وهْوَ على الأنقاضِ يمشي السّوى([lxvi])

 

مهدّماً ببعضهِ بعضَهُ

والفراتي يوجّه سياط نقده اللاذع لمجتمعه ولمفاسده الاجتماعيّة حين يستقرئ ذلك في مرآة إبليس في قصيدته (في حانة إبليس) فيقول:

ةِ يستقري الأعاجيبا

 

وجالَ الطّرفُ في المرآ

يطارِدُ مثلَهُ ذيبا

 

فلمْ يُبصِرْ سِوى ذئبٍ

يجدُّ وراءَ ها الفحلُ

 

ولمْ أُبصرْ سِوى الأنثى

لدى الزّوجينِ لا يحلو([lxvii])

 

وغيرَ العُرسِ في الدّنيا

فدلالات المعنى تنقد أبناء المجتمع الذين يضيّعون حياتهم جرياً وراء شهواتهم، سواءٌ أكانت شهوة المال أم القتل أم الاغتصاب أم الشبق الجنسي الذي لا يشبع.

لقد أسهم شعراء الرحلات الخياليّة في عكس معاناة الإنسان، هذه المعاناة التي تبدأ بأعماقه وما يدور فيها من صراع بين الخير والشرّ منتصرين لنوازع الخير وقوتّه التي تمثلت بالروح مقابل المادة -اللهمّ- إلاّ الزهاوي الذي وجد الشرّ في قوى الغيب والدين، كما ندّد الشعراء بالمفاسد الخلقّية ودعوا في المقابل إلى القيم المثالية العليا التي ترفع شأن الإنسان، ولم يكونوا بمنأى عن الحياة السياسيّة التي عاشوا همومها ففضحوا المستعمر ودعوا إلى مقاومته.

ثالثاً: الخلاص

-الشعر والحبّ والفنّ:

خرج شعراء الرحلات الخياليّة بعيداً عن أرضهم بحثاً عن الحياة المثالية التي يئسوا من وجودها عليها، فبرزت لديهم الدعوة إلى القيم المثالية التي يمكنها تحقيق الخلاص للبشر ممّا ألمّ بهم من مفاسد وظلم.

ولا يزال الشعر واحداً من أهم الأصوات الداعية للقيم الإنسانية الفاضلة فهو سبيل الرقي وسلم المعالي. ولمّا كان الزهاوي يناصر هذه الدعوة التي ترى الفن للحياة فإنّه يرى أنّ الشعر منبر للجماهير، يربط ما ضي الأمة بحاضرها ويستشرف آفاق مستقبلها، فيقول:

رِ فبالشّعرِ يرتقي الجمُهورُ

 

وسَلاني عمّا نظمْتُ من الشّعـ

باً بهِ وهْوَ بالسّؤالِ جديرُ

 

وسلاني عنْ نصريَ الحقّ وثّا

ثمّ فيهِ لأمّةِ تحريرُ

 

إنّما الشّعرُ سلَمّ للمعالي

ليناموا وتارةً تحذيرُ

 

إنّه تارةً لقومٍ غَناءٌ

خرِ أسَاساً تُبنَى عليهِ الأمورُ

 

وسلاني عنْ جعليَ الصّدقَ كالصـ

يعتريه قبلَ التّمام الدّثورُ([lxviii])

 

وسلاني عن حفظيَ الفنّ مِنْ أنْ

وليست هذه النظرة ببعيدة عن رؤية الشاعر محمد حسن فقّي في قصيدته (الله والشاعر) حين يجعل الشاعر كفلاً للنبوّة غير أنّ الله لم يتخذ من الشعراء نبيّاً، فيقول:

فإنّي الحفيّ بالشّعراءِ

 

وسَيلقَى هنا الكرّامةَ ما ظلْ

من صُفوفِ الأملاكِ يعجَبُ مِنّي

 

وتَرامَى إليّ هَمْسٌ خَفيّ

رُ أفَنٌ يسْمُو على كلّ فنّ

 

مَنْ تُراهُ هذا وما هُو الشّعـ

أوْ رأينا كمثلِهِ حظّ جنّ

 

ما رأينا مِن قبلِهِ حظّ إنسٍ

أنّني ما اتخذْتُ منهُ رَسولا([lxix])

 

هُو كفلٌ مِن النّبوّةَ لولا

وروح الشعر هي وسيلة الخلاص التي ترتفع بالشاعر بعيداً عن عالم التراب إلى عالم النور والجلال والجمال، يقول فوزي:

أيّ روحٍ في بردةِ الشّعراءِ

رفعَتْهُمْ

على الهواءْ

أبعدتْهُم عن عالم الأحياءِ

قرّبَتْهمْ

من السّماءْ([lxx])

إلى قوله:

تِ تَقَمّصتِ بالتّرابِ عَليهِ

 

لستِ مِنْ عالمِ التّرابِ وإنْ كُنْـ

ضِ يفيضُ الجَلالُ عَن جانبيهِ

 

أنْتِ مِنْ عالمٍ بعيدٍ عنْ الأَرْ

نَ أَريجَ الشّعورِ في بُردتيهِ

 

نسمةُ الشّعرِ أنتِ فيهِ تبثّيـ

مُ ولا الشّرُّ يبلغانِ إليهِ

 

هُو فردوسُكِ السّحيقُ فلا الإثْـ

يَ بياناً يجثّو الخلودُ لديهِ([lxxi])

 

وفتى الشّعرِ فيهِ يستنزلُ الوحـ

ووجد شعراء الرحلات في الحبّ أفضل وسائل الخلاص من هموم الحياة الماديّة ومتاعبها ومن الشرور التي تنكّد عيش الإنسان لذا يأبى شفيق معلوف أن يكون الحبّ  في الجنّة لأنّ الأرض أولى به، فيقول:

ولا أذّى فيها ولا بُغضُ

 

والحبّ في الجنّةِ ما شأنّهُ

أقدامَهُ المواطئ الرّمضُ

 

ألقُوهْ للنّار وإنْ أرْمضتْ

وليتلهّمْ بعضَهُ البعضُ

 

وليتَلقّفهُ شُواظُ اللّظى

وكانَ فيها تَهنأ الأرضُ([lxxii])

 

فالأرضُ إن كانَتْ جَحيماً لهُ

وهو الهدف السامي الذي تطمح إليه النفس الإنسانيّة لأنّه نورها الذي يهديها إلى السعادة الحقيقية التي لا يزال الإنسان يبحث عن أسبابها، لذا جعله المقدسي سبيل السعادة، فيقول:

يُجاهدُ في سبيلِ الواجباتِ

 

هلِ الدّنيا سوى قلبٍ شريفٍ

وينظرُ باسماً للكائناتِ

 

ويعملُ باسماً في كلّ حالٍ

إلى أسمى كمالاتِ الحياةِ

 

ويزهو نامياً يَوماً فيوماً

ويقول:

إلى روحِ الوجودِ إلى النّعيم

 

إلى الحبّ المطلّ مِن الأعالي

فما تُجديكَ أنوارُ النُجومِ([lxxiii])

 

هو النّورُ الذي يَهدي البَرايا

ولعلّ التشوّق إلى الحياة النبيلة والقيم العظيمة هو الذي حدا بالشعراء إلى العوالم البعيدة زماناً أو مكاناً لرسم ملامح الإنسان المثالي الذي حلموا دوماً به، أمّا المكان المثالي الذي تاقوا لإيجاده بديلاً عن عالم يرسف فيه الشاعر بقيود جسده إلى الأرض لذا رسم فوزي معلوف مكانه الخيالي الذي يتلاءم وروحه التوّاقة للانطلاق يقول:

بدءِ لكنْ بروحِهِ لا بجسمِهْ

 

مَوطِنُ الشّاعرِ المحلّق منْذُ الـ

هِ بعيداً عنِ الوُجودِ وظُلمِهْ

 

أنزلَتْهُ فيهِ عَرُوسُ قوافيـ

رٌ وقلبُ الأثيرِ مسْرَحُ حُكمِهْ

 

مَلِكٌ قبّةُ السّماءِ لَهُ قَصـ

سورُ وأتباعُهُ عرائسُ حُلْمهْ

 

ضاربٌ في الفضَاءِ موكبُهُ النّـ م

واهُ ركناً قامَ الخلودُ بدعمِهْ

 

مُلكُهُ ركنُهُ الهَواءُ وما أقـ

نفضَ الليلّ كلّ رهبةِ رسمِهْ

 

عَرْشهُ سدّةُ السّحابِ عَليها

تها الأُفْقُ بدرَهُ قربَ نجمهْ

 

تاجُهُ هَالةٌ ويَنْضُدُ في فضّـ

رُ دَراريهِ فوقَ عنبر فَحمِهْ

 

والدّجى طَيْلسَانُه فاحَ كافو

درّهُ لمّه الصّباحُ بكُمِهْ([lxxiv])

 

والثُّريا في كفّهِ صَوْلجانٌ

وتأخذ صورة المكان بعدها المثالي في تصوّر رشيد أيوب لتلك الحياة التي ربّما تكون في عالم المرّيخ، فيقول:

كأَحْسَنِ خَلْق اللهِ لوناً وفِطْرةً

 

هنالِكَ في المرّيخِ عَايَنْتُ خُضْرةً

تَراهَا إذا ما جالَ لَحظُكَ مرّةً

 

تدومُ إلى ما شاءَ ربُّكِ عبرةً

 

بعين مروجُ عُرفها الدّهرَ ذائعُ

 

وفي وَسْطِها عينٌ مِنَ الدّرّ تذرِفُ

 

وفيهِ رياضٌ باللطائِفِ تُوصَفُ

ويُطرِبُها صوتُ النّعيمِ فتعطِفُ

 

يمرّ بها صافي النّسيم فتألَفُ

 

وتبقى دُهوراً والصّفا متتابعُ

 

وقَدْ كُوْنَتْ حَصْبَاؤُهَا وصُخُورُهَا

 

مَغان من الياقوت تُبنى قُصُورُهَا

يعزّ على طيرِ السّماءِ عُبُورُهَا

 

ومِنْ تحتِها الأنهارُ قد شفّ نُورُها

 

ومِن فَوقِها بَرقٌ مدَى الدّهرِ لامِعُ

 

وهيهاتَ أنسى عزّها وجمالَها

 

كأنّيَ شَاهدْتُ الجِنَانَ وآلَها

فسبحانَ من أهدَى إليها جمالهَا

 

هنالكَ أشباحٌ تمنّيتُ حالهَا

 

مسربلةً بالحسنِ واللّطفُ واسعُ

 

وتجثو لربِّ الكائناتِ وتحمدُ

 

وشاهدتُ نهراً حيثُما هيَ تعبدُ

طيوراً على ذاكَ الغديرِ تُغرّدُ

 

تخالُ إذا عاينتهَا وهْي تسجدُ

 

فيا مَا أحلاها ونِعمَ المراتعُ([lxxv])

 

ولقد رسم محمد الفراتي في (الكوميديا السماوية) صورة مثالاً لمجتمع مثالي في كوكب العباقرة بقوله:

وجنّاتٍ بها دانٍ جناهَا

 

نظرتُ إلى مدائنَ عامرات

وياقوتاً ومرجاناً حصاها

 

تخالُ ترابَها مسكاً ذكياً

وأجملُ مِنْ مدائِنها قُراهَا

 

مدائنُها تحيّرُ كلّ راءٍ

فيصبحُ كالنّهار بها دُجاهَا([lxxvi])

 

تضيءُ قصورُها مِنْ غيرِ نورٍ

وعن إنسانة هذه الكوكب يقول:

كعاريةٍ ولمْ تخلعْ رداهَا

 

تناهَتْ في اللّطافة فهيّ تبدّو

ترجّعهُ الملائِكُ في عُلاهَا

 

إذا غنّت على الأوتارِ لحناً

على حركاتِها وعلى غِناهَا

 

وإنْ رقصَت تراقصَتِ الدّراري

ولم تعرفْ بكوكبها السّفاهَا

 

تغازلُ منْ تَشاءُ بلا احتشامٍ

لغيرِ البعلِ لم تحلِلْ عُراهَا([lxxvii])

 

مباحٌ كلّ ما تأتي ولكنْ

ويتمثّل الخلاص لدى القلعجي في الجنّة، مأوى الأنبياء والأتقياء والمؤمنين الصالحين، وقد وصف كلّ ما يتعلّق بها فوصف الطريق إليها، إذ يزدحم على أرصفته الفرح المتوثّب، وتتراصّ الملائكة على جنباته لترشق المؤمنين ولتغرس في طريقهم البسمة، فيقول في وصف جبل الرحمة:

جَبلُ الرّحمهْ

في كُسوتهِ أشجارُ الغُفرانِ

يصعَدُهُ السّالكُ نحوَ الفردوسِ الموعودِ

يجرّ رداءَ الإيمانْ

زمرٌ.. زمرٌ

مِنْ فوقِهم ظُلَلٌ

مِنْ تحتِهم ظُلَلٌ

مزّجاةٌ في منتشرِ الر‍ّضوانْ([lxxviii])

ثم يصف أبواب الجنّة، وما فيها من السعادة والسرور، فهي سبعة أبواب منها:

باب الخَلْع، والصفا، والرّداء، والرّحمة، والجذب، والرّؤية، والفناء فيقول في باب الفناء:

سبّوحٌ.. سبّوحْ

أوزعْني يا ربّ

أنْ أشكرَ نعمتَكَ النّعماء

هيولايَ انصهرتْ في الفُغْمَةِ

سقطَ نصيفُ الرّوحِ

ولاحَ مقامٌ محمودٌ

ترفعُني كفُّ اللهِ إلى فلكِ القُبلهْ

أفنى.. أفنى في الصّمديّة

وهمٌ كانَ الموتُ

ها.. إنّي أفنى

.. أُولدْ([lxxix])

ويكثر القلعجي في وصف الجنّة ومتعها ومسرّاتها فيصف الملائكة والمؤمنين بمراتبهم، وأسواقها ومجالسها وأماكن التنزه فيها.. وغيرها..

لقد أراد الشعراء في الرحلات الخياليّة أن يعيشوا ظروف مجتمعاتهم، وأن يبنوا بآن معاً مجتمعهم المثاليّ الذي يحلمون به، مجتمع المسّرات واللذائذ بعيداً عن غصص المظالم والمفاسد والحروف والقتل والتدمير.

فكان الشعر والحبّ والفنون دعائم هذه النظرة المثالية ودستورها ورائدها الذي يستشرف آفاق المستقبل ورؤاه.

رابعاً: الرّؤى الذّاتية والنوازع الإنسانيّة:

لقد حاولت بعض الرحلات الخياليّة- رغم رومانتيكيتها- تجاوز واقع التعبير عن الذات الفرديّة لتعبرّ عن بعض الرؤى الإنسانيّة ولم لا؟ والأدب أحد الأسس الهامّة في بناء الحضارة الإنسانيّة، وله دوره الرياديّ الواضح في ذلك.

فقد بدت مطوّلة الهمشري في ظاهرها حديثاً عن الذات الفرديّة، فهي تعبّر عن ارتقاء الروح الفرديّ، ومروره بأطوار من الحزن والمكابدة، مكابدة الأهوال والآلام في سبيل الوصول إلى تطهير النفس من الخوف، ذلك الخوف الذي يأخذ بمجامعها، فصارت تشعر بشبه موات في حياتها فـ (هي خلجات أنهكت قوى هذا القلب وأحالت شعاع الأمل الربيعي الضاحك إلى خطفات باهتة من شفق شتاء، وما زالت تخفق على ضعفها في محراب الحبّ. وزادت هذه الحال في نفسي سوءاً فهبطت نفسي من جراء ذلك إلى قرارٍ من الحزن السحيق لا أدري سببه.."([lxxx]).

ومن ثمّ فالقصيدة تعبير عن هذه الروح المتعبة، ومحاولة تطهيريّة لها من ذلك الخوف العميق والحزن الراسخ فكادت تكون القصيدة شكوى إنسانيّة رومانتيكية يبثّها الشاعر للعدم بقوله:

تِ وتلقى لديهِ راحةَ جفنكْ

 

أيّها العدمُ أينَ تنعسُ في الصّمـ

والتياعي مُهمهماً في أُذنِكْ

 

قفْ ودَعْني أبثُثْ إليكَ شكاتي

معُ شكوايَ أو فؤاداً حنونا

 

لمْ أجدْ في الحياة لي أُذُناً تسـ

فلقدْ ترحمُ الكئيبَ الحزينا([lxxxi])

 

ولذا قدْ أتيتُ أشكوكَ ما بي

وتبرز النوازع الإنسانيّة عند الفراتي في (الكوميديا السماويّة) فهو يدعو على لسان إحدى شخصياته المهمّة في الكوميديا إلى الوحدة الإنسانيّة التي تلغي كلّ الفروق بين بني البشر.

فيدعو إلى لغة عالمية: لغة تمجّد الفكر وتلغي كلّ اللّغات الخاصّة بكلّ جماعة من الناس ويمكن لهذه اللغة أن تختزل المسافات الفكريّة بين جميع البشر وهذه الدعوة التي سبق إليها الفراتي تلاقي رواجاً كبيراً في أوربا هذه الأيّام.

كما دعا الفراتي إلى إلغاء جميع الديانات وصراعاتها، ووضع قوانين وضعية تخضع لها جميع الشعوب وتجعلُ الدين وحده للعقل.

ولكنّ الفراتي كان قد عرض هذه الآراء على استحياء، فلم يصرّح بشيء من ذلك لأنّه كان يخشى كثيراً أن يثير حفيظة الناس ضدّه لذا تراه يقول على لسان رفائيل:

أمغنِ عناءَ الفكرِ هذا التّكلمُ

 

بني الأرضِ ما معنى التّبايُنُ في اللُغى

لدى القّصدِ عمّا في الضّميرِ تترجمُ

 

فلا تعبدوا الألفاظَ فهي وسيلةٌ

وجدّكَ في شرعِ التّضامنِ سُلّمُ

 

فأهلاً بتوحيدِ اللّغاتِ فإنّهُ

إلى أنْ بلغْنَا ما أردْنَا ونمنمُوا

 

سهرْنا على تهذيب أخلاقِ نشئنا

يحلُّ لكُمْ سفكُ الدّماءِ المُحرّمُ

 

ففي أيّ دينٍ أمْ بأيّةِ شرعةٍ

ولا دينَ إلاّ ما بهِ العقلُ يحكمُ

 

لقدْ قالَ: إنّ الدّينَ للعقلِ وحدهُ

حديثُكَ هذا يا رفائيلُ يؤلمُ

 

ألا اقطعْ حديثَ الدّين عنّا فإنّما

ولمْ أرَ ذا نفسٍ من النّقصِ يسلَمُ([lxxxii])

 

أذاكَ نقصٌ عندكُمْ في كمالنا

وتظهر الدعوة إلى الإنسانيّة الشاملة عند شفيق معلوف حينما لا يميّز بين أحد من البشر، فالأرض واحدة لا حدود لها ولا حواجز، لأنّها بيت كبير للإنسان، أمّا تقسيمها فعمل شيطانيّ يتنافى مع النزوع الإنسانيّ السامي لذا نسب هذا العمل إلى ثبر شيطان الحروب، فيقول:

مُسَعّرُ الشّرورْ

 

بانَ لنا ثُبَرْ

بالويلِ والثّبُورْ

 

القاذِفُ البَشَرْ

فأنشأ الأوْطَانْ

 

طغى بينَ الوجودْ

سياجُها النّيرانْ([lxxxiii])

 

وخطّطَ الحُدودْ

يبدو أنّ النوازع الإنسانيّة - اللهمّ نزوع الهمشري- ذات طابع حالم كثيراً ما كانت تصطدم بصخرة الواقع لتتحطّم عليه وتنكفئ على نفسها تتجرّع غصص الحرقة والخيبة والمرارة.

لقد ذهب بعضهم إلى أنّ التجربة الخياليّة (هي التي تكتسب مقوّماتها من الخيال وأظهر شواهد هذه التجربة تتأتى عند الرمزيين والسرياليين الذين ابتعدوا عن الواقع لينفذوا إلى عالم الرؤى والأشباح. فقد جنح هؤلاء وهؤلاء كما جنح معهم أصحاب الفنّ للفن إلى خلق تجارب لم يحسّوا بها في الواقع، وحتى إذا تسرّبت إليهم من الواقع فإنهم لا يلبثون غير قليل حتّى يقذفوا بها إلى عوالم اللاّشعور وذلك ليتيحوا لتجربتهم أن تطبع بطابع الخيال وأن تهوّم فيما وراء الواقع، وأن تقتبس من أحلام اليقظة فيتكلّفون العشق وهم غير عشّاق ويتكلّفون الحزن وهم غير حزانى وهناك مجال كبير للحديث عن الصدق الواقعي فقد ينجح الشاعر أو القاصّ فنياً، ولكنّه قد يخفق واقعياً لأنّه تحمّل تجربة غير صادقة"([lxxxiv]).

غير أنّ واقع الحال في الرحلات الخياليّة أثبت خلاف ما ذهب إليه القول السابق، فالصدق الفنّي لمثل هذه التجارب يغنيها عن ارتباطها بواقع الأديب، ولعلّ القضايا التي عولجت كانت من صميم الواقع الاجتماعيّ والفكريّ والثقافيّ العربيّ، فلم تكن هذه الرحلات تهويماً من تهويمات السريالية أو أنّها ابتعدت عن صميم الواقع الإنسانيّ في تطلّعاتها ورؤاها الفكريّة.

فقد عالجت هذه الرحلات المشكلات الإنسانية الكبرى كمشكلة الموت والحياة، فتنوّعت مواقفها منها بين الرؤية السوداويّة المتشائمة والرؤية المتفائلة التي تبثّ روح الأمل وشعاع الحياة من خلال عتمة الموت، كما برز لديّها الخلود كحلم إنساني ووسيلة للخلاص من ربقة الموت وقيود الجسد المهدّد بالموت والتلاشي. وكان التلازم بين الموت والحياة لدى بعضها الآخر ضرورة ملحّة لاستمرار الحياة على الأرض.

وأخذت مشكلة الصراع بين العلم والدين حيّزاً عميقاً في الرؤى الفكريّة لدى هؤلاء الشعراء فبعضهم انتصر للدين على العلم المادّي والآخر انتصر للعلم على الدين والثالث وازن بين العلم والدين وفق المنظور الإسلامي الصحيح بعيداً عن هرطقات الفلاسفة وشطحات الصوفيّة. وقد كان ثمّة عمق رمزي بعيد ذي مضمون اجتماعيّ وسياسيّ لمثل هذه المشكلة عند الزهاوي.

وانتصر أغلب شعراء الرحلات للروحانيّة الإيمانيّة على الماديّة العمياء فوجهوا للأخيرة أصابع الاتهام في جلبها الشقاء لبني البشر كما فعل القلعجي وفوزي معلوف بينما انتصر الزهاوي للماديّة رائداً وقائداً للحياة الأمثل بعيداً عن الغيبيّات الروحيّة.

كما عالجت الرحلات الخياليّة مشكلات الجبر والاختيار التي أثارت جدلاً في فلسفة الدين.

وقد برزت المشكلات الاجتماعيّة واضحة وقد تباينت المواقف من قضاياها فعرض الشعراء للصراع بين الخير والشرّ. ورأى بعضهم أنّ الشرّ طبع في جبّلة الإنسان. وبالتالي طمحوا إلى صورة الإنسان المثال ذي الطابع الرومانتيكي. في حين تمثّل الشرّ -بشكل مغاير عن باقي شعراء الرحلات- في الدين عند جميل صدقي الزّهاوي والخير لديه يتمثّل في كلّ ما هو علميّ وعقليّ، ثم إنّ هؤلاء الشعراء حذّروا من المفاسد الأخلاقيّة والاجتماعيّة كالحسد والرياء والكذب والشبق الجنسيّ والتباغض والكبر.. وغيرها.

ودعو كذلك إلى الفضائل الخلقيّة التي تقوم على أساسها المجتمعات الحضاريّة المثلى كالصدق والإيثار والوفاء والعفّة.. ونبراسهم في ذلك ثقافة دينية يهتدون بها.

كما حاول هؤلاء الشعراء في تحليقهم بعيداً عن واقعهم المأساوي أن يرسموا الصورة المثال للمجتمعات التي يتمنّون العيش فيها. فتمثّلت الصورة في الفردوس الموعود لدى القلعجي، وفي حلم رشيد أيوب، وكوميديا الفراتي متلفّعة بوشاح دينيّ.

ولم تخلُ هذه الرحلات من نزعات إنسانيّة كانت عمقاً للتجارب الفرديّة كما هو الحال لدى الهمشري. وحملت دعوات للعالمية واللامركزية واللاعنصريّة كما عند الفراتي وشفيق معلوف.



([i]) شرف، عبد العزيز، الهشري شاعر أبولو، ص:120.

([ii]) المعلوف، شفيق، عبقر، ص: 269-270.

([iii]) المصدر نفسه ص:300

([iv]) المصدر نفسه، ص:316

([v]) عريضة، نسيب، الأرواح الحائرة، ص:188.

([vi]) المعلوف، فوزي، على بساط الريح، ص:150

([vii]) المعري، أبو العلاء، سقط الزند، تصحيح: إبراهيم الزين، دار الفكر، بيروت، 1965، ص:7.

([viii]) المقدسي، أنيس، المورد الصافي، ع 10، ص:330.

([ix]) القلعجي، عبد الفتاح، القيامة، ص:21

([x]) سورة النساء، آية: 56.

([xi]) المصدر السابق، ص:135.

([xii]) السامرائي، نعمان عبد الرزاق، العلاقة بين العلم والدين، ط أولى، 1984، الرياض، ص:37.

([xiii]) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:722.

([xiv]) ضيف، شوقي، دراسات في الشعر العربي المعاصر، ص:82.

([xv]) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:720

([xvi]) المصدر السابق، ص:737-738

([xvii]) المصدر نفسه، ص:739.

([xviii]) الفراتي، محمد، الكوميديا السماوية، مجلة الحديث، مج 31- ع3-4، ص:146.

([xix]) المصدر السابق، ع 6- ص:3488.

([xx]) المتنبي، أحمد بن الحسين، الديوان، مراجعة نخبة من الأدباء، دار الفكر، 1968- ص:274.

([xxi])المعلوف، فوزي، على بساط الريح، ص:79.

([xxii]) المصدر نفسه، ص63.

([xxiii]) المصدر نفسه، ص:133.

([xxiv]) المصدر السابق، ص:135.

([xxv]) عريضة، نسيب، الأرواح الحائرة، ص:195.

([xxvi]) المقدسي، أنيس، المورد الصافي، ع 10، ص:335.

([xxvii]) المصدر السابق، ص335.

([xxviii]) القلعجي، عبد الفتاح، القيامة، ص:18.

([xxix]) المصدر السابق، ص:60.

([xxx]) المعلوف، شفيق، عبقر، ص:181.

([xxxi]) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:720.

([xxxii]) المصدر نفسه، ص:7725

([xxxiii]) المصدر نفسه، ص726.

([xxxiv]) الفراتي، محمد، النفحات، ص273.

([xxxv]) ضيف، شوقي، العصر العباسي الأول، دار المعارف، ص:203.

([xxxvi]) المصدر السابق، ص:274.

([xxxvii]) الفراتي، محمد، الكوميديا السماوية، مجلة الحديث، مج 31- ع6، ص:348.

([xxxviii]) المعلوف، شفيق، عبقر، ص:258-259.

([xxxix]) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:734.

([xl]) العقاد، عباس، الديوان، ص:272.

([xli]) ساسي، محمد طاهر، شعراء الحجاز في العصر الحديث، ص: 51.

([xlii]) المعلوف، شفيق، عبقر، ص151.

([xliii]) المصدر السابق، ص:160

([xliv]) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص: 723-724.

([xlv]) المعلوف، فوزي، على بساط الريح، ص: 141-142.

([xlvi]) ساسي، محمد طاهر، شعراء الحجاز في العصر الحديث، ص: 53.

([xlvii]) فقي، محمد حسن، الديوان، مج 1- ص: 80

([xlviii]) المصدر نفسه، مج 1، ص: 81.

([xlix]) القلعجي، عبد الفتاح، القيامة، ص: 10.

([l]) القلعجي، عبد الفتاح، القيامة، ص:10

([li]) ابن حنبل، أحمد، المسند، حديث رقم: 3930

([lii]) المصدر السابق، ص: 112-113.

([liii]) الفراتي، محمد، النفحات، ص: 274-275

([liv]) الهوني، إبراهيم، الديوان، ص: 36.

([lv]) المصدر السابق، ص:37.

([lvi]) المصدر نفسه ص: 39.

([lvii]) المصدر نفسه، ص:40.

([lviii]) القلعجي، عبد الفتاح، القيامة، ص:10.

([lix]) ابن حنبل، أحمد، المسند، حديث رقم 3930.

([lx]) المصدر السابق، ص:13.

([lxi]) المعلوف، شفيق، عبقر، ص: 196-197.

([lxii]) المصدر السابق، ص:229.

([lxiii]) المصدر نفسه: ص: 207-208.

([lxiv]) ابن حنبل، أحمد، المسند، حديث رقم 21149.

([lxv]) المصدر السابق، ص:200-201.

([lxvi]) المصدر نفسه، ص: 210-211

([lxvii]) الفراتي، محمد، النفحات، ص: 273.

([lxviii]) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص: 724.

([lxix]) الفقي، محمد حسن، الديوان، مج 1- ص: 81.

([lxx]) المعلوف، فوزي، على بساط الريح، ص: 69.

([lxxi]) المصدر نفسه، ص:70

([lxxii]) معلوف، شفيق، عبقر، ص:320

([lxxiii]) المقدسي، أنيس، المعري يبصر، مجلة المورد، مج 10، ص: 335.

([lxxiv]) المعلوف، فوزي، على بساط الريح، ص: 61-62.

([lxxv]) أيوب، رشيد، الأيوبيات، ص: 153-154-155.

([lxxvi]) الفراتي، محمد، الكوميديا السماوية، مجلة الحديث، مج 31- ع6، ص: 350.

([lxxvii]) المصدر نفسه، ص: 351.

([lxxviii]) القلعجي، عبد الفتاح، القيامة، ص: 166-167.

([lxxix]) المصدر السابق، ص:167.

([lxxx]) شرف، عبد العزيز، الهمشري، شاعر أبولو، ص:117.

([lxxxi]) المصدر نفسه، ص:144.

([lxxxii]) الفراتي، محمد، الكوميديا السماوية، مجلة الحديث، مج 31- ع4، ص: 152.

([lxxxiii]) معلوف، شفيق، عبقر، ص: 193.

([lxxxiv]) عفيفي، محمد الصادق، النقد التطبيقي والموازنات، ص: 97.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244