الرحلات الخيالية فـي الشعر العربي الحديث 1999 - محمد الصالح السليمان

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
الفصل الخامس البنية الفنية للرحلات الخيالية

الفصل الخامس البنية الفنية للرحلات الخيالية

أولاً: التقنيات الفنية:

-البدايات والنهايات:

كانت البداية المفاجئة ملمحاً لبعض الرحلات الخيالية، وتشعر هذه البدايات بانقطاع سلسلة الحوادث المنطقية التي تسبق الرحلة التي بدأت القصيدة منها، الأمر الذي يكسب هذه البدايات صفة من صفات التجربة الشعرية وهي الغموض على نحو بداية الفراتي في قصيدته "الحلم المريع أو ليلة في عالم المريخ"، فيقول:

عن السّيرِ في (سِيسَا) الظّلامُ المخيّمُ

 

هبطْنَا إلى المريخِ ليلاً فعاقَنَا

عُبابُ خضمّ بالمخاطرِ مُفعَمُ([i])

 

وسيسا بلحنِ القومِ فيما عرفْتُهُ

وهذا شأن بعض الشعراء أمثال محمد حسن فقّي في قصيدته (الله والشاعر) وجميل صدقي الزهاوي في مطوّلته (ثورة في الجحيم) ونسيب عريضة في قصيدته (على طريق إرم) وفوزي معلوف في مطولته (على بساط الريح) حيث يقول:

في عُباب الفضاءِ فوقَ غيومِهْ

فوقَ نَسرِهْ

نجمتهْ

حيثُ بثّ الهَوى بثغرِ نسيمِهْ

كلّ عطرِهْ

ورقتِهْ

بدءِ لكنْ بروحهِ لا بجسمِهْ([ii])

 

موطنُ الشّاعرِ المحلّق منذُ الـ

فمن المفترض أن يسبق وجود الشاعر في أجواز الفضاء أحداث أسهمت في وصوله إلى الفضاء كما تفرض بعض الأسئلة نفسها على المتلقّي، عن وسيلة الانتقال والأسباب التي دفعت بالشاعر إلى هذا العالم. إذ خالف الشاعر فوزي روح المنطق الذي يفترض مجيء نشيد الطيّارة في مقدّمة المطوّلة. وهذا شأن الشعر يخالف التوقعات دائماً، حيث يقول:

قاطعاً في الأثيرِ ميلاً فميلا

 

صعّدِ الطّرفَ في الأثيرِ تجدْني

صُعُداً مرّةً وأخرى نُزُولا

 

خبباً تارةً، وطوراً وئيدا

يح راحَتْ ترّوضُ المُستحيلا([iii])

 

فوقَ طيّارة على صهوات الرّ

وقد امتازت بعض البدايات بالطول إلى حدّ الإملال الذي يدخل السآمة على نفس المتلقي، بل ربّما أدّى هذا التطويل إلى بعثرة اهتمامه بالنصّ، الأمر الذي يسم النصّ بالجمود ويقرّبه من الأسلوب التقريري النثري.

ففي (ترجمة شيطان) يقدّم العقاد لمطولته ببداية فلسفية تعليلية يطرح فيها كثيراً من الآراء الفلسفية في أساليب السياسة والملك والحكم والجبر والقدرية، حتى بلغت هذه البداية قرابة خمسة وثلاثين بيتاً، ليبدأ بعد ذلك كلّه رحلته، فيقول:

وحياةُ الإنسِ والجنّ هَدَرْ

 

لا نُطيلُ القَولَ فالخَطبُ يسيرْ

ومنَ اللهِ إلى اللهِ الصّدورْ

 

خرجَ الشّيطانُ في الأرضِ يسيرْ

ثمّ ردّتْهُ حيالَ المغربِ([iv])

 

لمحةٌ جازتْ بهِ مَشرِقَها

ونلمس مثل تلك البداية لدى الفراتي في قصيدته (في حانة إبليس) إذ يقدّم الشاعر للمتلقّي مبرّرات تستغرق أكثر من عشرين بيتاً بهدف إقناعه بسبب طرقه لمثل هذا الموضوع، فيقول:

حديثاً فاتنَ الجرسِ

 

عنِ الجنّ استمعْ منّي

منْ راويهِ للإنسِ

 

فما أحلى حديثَ الجنّ

في أيامِ كانونِ([v])

 

وما أحلى حديثَ الجنّ

وقد جاءت بعض الرحلات ذات بداية طويلة نوعاً ما، لكنّ طولها ليس مملاً كما سلف لدى العقّاد والفراتي. ففي قصيدة أنيس المقدسي (المعرّي يبصر) تساؤلات واستفسارات حائرة عن الكون والوجود والمخلوقات وأصلها. وقد قادت هذه التساؤلات الشاعر إلى الرحيل في عالم الخيال ليلتقي المعرّي الشيخ الضرير. وعليه فالبداية ليست من ضروب الحشو والتطويل بمقدار ما هي دافع ومحفّز للشاعر للرحيل، فيقول:

أهيمُ بهِ وأشقى في هُيامِى

 

ووادٍ مظلمٍ أمسيتُ حيناً

يدُ الأقدارِ في حلكِ الظّلامِ

 

بنفس مرّة ثقُلتْ عليها

سدولاً قد نُسجنَ من الهُمومِ([vi])

 

وأرختْ حولها منْ كلّ جنبِ

إلى قوله:

على كثب يُشيرُ بلا كلامِ

 

فلاحَ لناظري شبحٌ غريبٌ

لما شاهدتُ في وجلٍ عظيمِ([vii])

 

فأدنيتُ الخُطا منهُ وقلبي

وهذا شأن رشيد أيوب في بداية رحلته (حلم في المريخ) إذ تبدأ بالتساؤلات والتفكير في حال الحياة على كوكب المريخ.

ولقد أخذت بعض البدايات صورة متساوقة مع سائر الأحداث في الرحلة الخيالية لدى الشاعر، رغم أنّ وضعها المنطقي يفقدها شيئاً من إيحائها الشعري، ولكنّها تبقى ذات أهمية لتناغمها مع أهداف الرحلة على نحو ما فعل عبد الفتاح القلعجي في ملحمة القيامة.

وتمثل النهاية الوقفة الأخيرة للأحداث المتنامية في القصّة الشعرية وخلاصة الموقف الذي أبرزه الشاعر في رحلته الخياليّة. وقد تنوّعت هذه النهايات من رحلة لأخرى. فبعضها كان خلاصة لرؤية الشاعر في الحياة وموقفه من الفنّ والشعر والحبّ. فمثلاً لم يجد شفيق معلوف خيراً من الحديث عن أهمّية الحبّ لما فيه من الصلاح لأهل الأرض فيقول:

ولا أذى فيها ولا بُغضُ

 

والحبّ في الجنّةِ ما شأنَهُ

أقدامهُ المواطِئُ الرّمضُ

 

ألقوهُ للنّار وإنْ أرمضتْ

وليتلّهمْ بعضهُ البعضُ

 

وليتلقّفْهُ شُواظُ اللّظَى

وكانَ فيها تهنأ الأرضُ([viii])

 

فالأرضُ إنْ كانتْ جَحيماً لَهُ

وتشبه هذه النهاية نهاية قصيدة (المعرّي يبصر) لأنيس المقدسي الذي يلخّص رحلته وخلاصة تجربته مؤكّداً أنّ الخلاص والأمل في الحبّ الذي ينير درب الإنسانية فيقول:

إلى أسمى كمالاتِ الحَياةِ

 

ويزهُو نامياً يوماً فيوماً

إلى روحِ الوُجودِ إلى النّعيم

 

إلى الحبّ المطلّ من الأعالي

فما تجُديكَ أنوارُ النجَومِ

 

هو النور الذي يَهدي البَرايا

بعيداً عن يقينِ ذَوي اليَقينِ

 

فَيا نُورا تلألأ في الأعالي

لتهديني إلى الحقّ المُبينِ

 

إليكَ أتيتُ في ظُلماتِ نفسي

مقاماً ليسَ يُبلغُ بالعُلومِ([ix])

 

لعلّي بالغٌ بكَ في حياتي

وقد شابه فوزي معلوف سابقيه حيث أنهى مطوّلته بتمجيد للشعر الذي يخلّد اللحظات السعيدة في حياة البشر ويخفّف آلامهم التي ترزح فوق ظهورهم مثقلة بأعباء الحياة وتناقضاتها، وقد أشار إلى الشعر مجازاً بآلته التي يُكتب بها، فيقول:

ني ويبكي لمَا لَقيتُ وألقى

 

فرأيْتُ اليَراعَ قُربي يؤاسيـ

ليَ منذ امتزجتَ بي وستبقى

 

يا يَراعي ما زلتَ خيرَ صديق

باكياً من تعاستي حينَ أشقى

 

باسماً من سعادتي حينَ أهنا

فهو أوفَى من كلّ عَهدٍ وأبقى

 

كَمْ حبيبٍ سَلا وعَهدُكَ باقٍ

حوّلتْهُ عرائِسُ الشّعرِ نُطقا([x])

 

أنا لم ألقَ مثلَ صَمتِكَ صمتاً

ومثيل لهذا التمجيد الذي يرفع شأن الشعر يؤطره محمد حسن فقّي في قصيدتيه ( الكون والشاعر  والله والشاعر) .

وتأتي النهاية متناغمة مع الروح العقائدية التي انتظمت ملحمة القيامه إذ هي انتصار لقوى الخير وتأبّد لفرح الإنسان ابن الخير وخلود لشقاء الإنسان ربيب الشرّ. وقد كانت الكلمات الأخيرة في الملحمة أشبه بقفلة موسيقية لملحمة الحياة الإنسانية بقوله:

وتأبّد حزنُ الإنسانِ

وتأبّدَ فرحُ الإنسانِ

غبشَ الصّمتُ المسكوبُ على جَسدِ الكَونِ

وسقى الصلصال الإنسانْ: فرحاً

والأعناقُ مسمَرةٌ في اللّحظةْ

آماداً تنتظرُ الصوتُ الأعلى

تنتظرُ العودة للحركةْ

حتّى انبثقتْ من حمأ الدهشةِ أطرافُ الكلمهْ

وهنالكَ..

فوقَ السّورِ الفاصلِ بينَ الظالمِ والمظلومْ

جلْجلَ صوتُ الحقّ:

"لا ظُلمَ اليومْ"

"لا ظُلمَ اليومْ"

"لا ظُلمَ اليومْ" ([xi])

ثم إنّ بعض النهايات حمّلت بالعبرة والعظة والحكمة التي تلخّص رؤية الشاعر للحياة وموقفه من الناس، وهي بذلك تقترب من القصائد التراثية كقصائد زهير والنابغة وأبي العلاء والمتنبيّ والبوصيري.

يقول الفراتي في نهاية قصيدته الحلم المريع من الكوميديا:

وليسَ من الأخلاقِ في الأرضِ درهَمُ

 

بَني الأرضِ ما فوقَ البَسيطةِ عاقلٌ

يدبُ على الغبراءِ صخرٌ مرضّمُ([xii])

 

وإنّي وإيّاكمْ وكلّ أخي حجاً

ويقول في نهاية قصيدته غرور الشباب:

ثمّ كالقوس لا تزالُ قناتي

 

فإذا الشّيبُ لا يزالُ بفودي

بينَ ناسٍ تهتزُّ للتّرّهاتِ([xiii])

 

وإذا بي -كذلك الطّيفِ -أحيا

واتجه في هذا المنحى رشيد أيوب في قوله:

وظنّ بأنّ الله وهْمٌ بوهمهِ

 

فقلْ للذي قد ضلّ جهلاً بحكمه

وألسنةُ الأكوانِ تنطقُ باسمهِ

 

ألا كلُّ شيءٍ في الوجودِ بعلمهِ

 

كما أومأتْ منها إليهِ أصابعُ([xiv])

 

وربمّا نمّت بعض النهايات عن ضبابية بالرؤية لغلبة الخوف على الشاعر أحياناً أو لغلبة التفكير الفلسفي العقلي على الشاعر تارة أخرى. الأمر الذي جعلها شاذة عن تناسق أحداث الرحلة الخيالية بشكل عام. فالنهاية في مطوّلة العقّاد (ترجمة شيطان) تقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي. نهاية الشيطان، حين انتهى أمره بالتحوّل إلى حجر يفتن النفوس بجماله وتناسقه.

وهناك نهاية أخرى في آخر المطوّلة هي أشبه بالحكمة التي ينثرها العقاد كرأي له بنهاية هذا الشيطان الغرّ، فيقول:

رَضيتْ عنه ولا أرضى العدا

 

باءَ بالسّخطِ فلا شيعتَهُ

عارمَ الفطنةِ جيّاشَ الفؤادْ

 

وكذا العَهدُ بمشبوبِ القلى

يُعجبُ الغيّ ولا يُرضي الرّشاد([xv])

 

أبداً يهتفُ بالقولِ فلا

وبين هاتين النهايتين تقف نهاية مفتعلة أملتها الروح التعليلية التي تحبّ تفسير كلّ شيء بأدقّ تفاصيله، حيث أنهى حديث الشياطين بسخرية من شيطانه فيقول:

ودعا مازحُهُمْ شَرّ دُعاءْ

 

فتلاحى القَومُ ثمّ استضحكوا

أيّها المولى سبيلَ الشهداء

 

قال فلتسلكْهُ فيمَنْ سلكُوا

ومَضى كالطّيفِ أو رجعِ الصّدى([xvi])

 

وتقضّتْ بينهُمْ سِيرتُهُ

وربمّا كانت الرّوح التعليلية هي السبب الذي ألجأ العقّاد إلى هذا الاضطراب الذي أفسد النهاية في المطوّلة وجعلها غير منسجمة مع سيرورة أحداثها.

وربمّا ساق الخوف جميل صدقي الزهاوي إلى ادعاء ما أحدثه من ثورته الجحيمية حلماً أثاره الجرجير، فكانت تلك النهاية الأكثر سلامة له في مواجهة خصومه إذ لايمكن أن يحكم عليه بالتحريض على الحكّام والسياسيين في الأحلام، فيقول:

وإذَا الشّمسُ في السَّماءِ تُنيرُ

 

وتنبّهتُ مِن مَنَامِيَ صُبْحاً

حُلُماً قَدْ أثارهُ الجَرجيرُ([xvii])

 

وإذا الأَمرُ ليسَ في الحقّ إِلاّ

وتذهب بعض الرحلات إلى جعل النهاية جزءاً من الغاية التي خرجت لأجلها الرحلة فتأتي النهاية تتويجاً للعنت الذي لاقاه الشاعر في رحلته ليصل إلى مايراه سعادة في نهاية المطاف كما هو حال نسيب عريضة في قصيدته ((على طريق إرم)) حيث قدّم الشاعر قلبه على مذبح الإخلاص في سبيل الوصول إلى إرم التي أوقدت ناره، فيقول:

سِرْ بنَا نستعيض

 

نحوَ ذَاكَ الوميضْ

وشقَاءِ الوُجُودْ

 

عَنْ ظَلامِ الحضيضْ

 

بسناءِ الوُعُودْ

 

لُحْ ولُحْ مَا تُريدْ

 

إيهِ ضَوئي البعيدْ

عَنكَ حتّى يعودْ

 

ليسَ طَرفِي يحيدْ

 

لترابٍ ودُودْ([xviii])

 

كما أخذت بعض النهايات طابعاً مأسوياً ينمّ عن الحسّ الذي سيطر على الشاعر، ولاسيما، حين يرى الموت وسيلة خلاصه الوحيدة، فيقول:

مللْتُ لعمري عيشةَ الضّنكِ والذُّلِّ

 

فقلْتُ: أَبي أَبغي المكوثَ بساحِكُمُ

إذا لَمْ يُطهّرْ بالمماتِ مِنَ الّغلِّ([xix])

 

فقالَ: مُكوثُ المرءِ عندي مُحرّمٌ

وهكذا، فالملاحظ عليها مجيء أغلب النهايات فيها على شكل حِكم، الأمر الذي يطبع هذه القصائد بالمحافظة، على التراث الفنّي القديم.

*

* العرض والتحوّلات:

ثمّة أحداث بين البداية والنهاية ينظمها الطابع السردي الحكائي في أغلب الرحلات الخيالية، وهو يتألف من مواقف وأحداث وشخصيّات يعرض لها تغيّرات في بنية الرحلة الخيالية بحيث تتساوق مع غاياتها وأهدافها التي رسمها الشاعر لنفسه.

غير أنّ الملاحظ وقوع هذه التغيّرات في إطار الوحدة العضوية الناظمة لأغلب الرحلات الخيالية التي تناولتها الدراسة في البحث والتحليل.

ففي مطوّلة ((على بساط الريح)) تبدو الأحداث متناغمة مع الحالة النفسية التي استحوذت على الشاعر فوزي معلوف في سيرورة القصيدة، وتراوحت بين التفاؤل والتشاؤم، وهو الغالب. وهذا الجوّ تصوغه قوتّان متضادّتان: الروح التي تشبع الأمل والتفاؤل، والمادة التي تشدّ الشاعر إلى غيابه التشاؤم والسوداية، وشخصية الشاعر متغيّرة متلوّنة بهذين اللونين الشائعين في النصّ، فيقول واصفاً ألمه:

انظريهِ يَمشي وفي خطواتِهْ

نزواتٌ

منَ الألمْ

عاثرَ الجدِّ، جدَّ تحدُو بذاتِهْ

نزعاتٌ

إلى العَدمْ([xx])

ونلمحه شخصاً آخر عندما يقابل روحه وتنفرج أزمته ويتحقّق حلمه فيندغم مع روحه في عالم الأرواح، فيسمع هسهستها، فيقول:

رانِ هَاروتُ فيهِ بعضُ حُماتِهْ

 

فانتقلْنَا إلى فَضاءِ منَ البحَـ

فعادَتْ بالنّفح من قبلاتِهْ

م

وملأْنَا من لفحِ قبْلاتِنَا الجوَّ 

راً أرتْنَا مِنهُ حَقيقةَ ذاتِهْ

 

ثمَّ قُمْنا نجُيلُ في الكونِ أبصا

ـظُرُ نملاً يَمشي إلى غزواتِهْ

 

ننظُرُ النَّاسَ من عَلٍ مثلَما تنـ

ـصرُ فَوقَ التُّرابِ ظلَّ حَصاتِهْ

 

ونرى الطّودَ في السّهولِ كَما تُبـ

ـمَحُ جَوّاً والسّحبُ في مِرآتِهْ([xxi])

 

ونرى الموجَ في الخضمّ كَما تلـ

وهذا شأن أنيس المقدسي في قصيدته ((المعرّي يبصر)) حيث بدأها بالتساؤل الذي تحوّل فيما بعد إلى حيرة وضياع قاداه إلى المضي بعيداً في أغوار نفسه، ليلتقي بشخصية تحوّل حبكة الأحداث وتأزّمها إلى الانفراج وتحوّل شخصية الشاعر من متشائمة إلى متفائلة وذلك كلّه في إطار الوحدة العضوية الناظمة، حيث يمثّل النشيد الثالث صورة التفاؤل المندغم مع النهاية.

وتسير مطوّلة الهمشري على هذا النحو إذ تنتظم أناشيدها وحدة عضوية تبدأ بصورة الشاعر الخائف الوجل، وهو يرقب الطريق إلى الشاطئ، حتّى تتحوّل دفّة الأحداث إلى السرور والفرح والإشراق في بروز لوحة الآلهة على صفحة الرؤيا، فيقول:

قَ ويَزهُو مُغشّياً جُنباتِهْ

 

الشاعرُ: أيُّ نورٍ هذا الذي يَبهرُ الأُفـ

ويشعُّ الضيّاءُ مِن مِشكَاتِهْ

 

الآلهةُ: هُو ياشاعري الصّغيرَ ركابي

ومسفُّ اللجّاتِ في مائجاتِهْ([xxii])

 

قدْ تخطّى إليكَ كلَّ هُبوبٍ

ثم تعود الرؤية لتتغلّف بالتشاؤم والألم في الأناشيد الباقية حتّى تصل إلى النهاية التحريضية، فتكون مراحل الشخصية وتحوّلاتها: الخوف، فالمعاناة، فالتحريض.

ومثل هذه التحوّلات نقف عليها في أحداث رحلة نسيب عريضة ((على طريق إرم)) التي تبدأ بالتساؤل ثمّ تتحوّل التساؤلات إلى حيرة وضياع وتتطوّر شخصيّة الشاعر بتطوّر المواقف إلى أن تصل إلى الانفراج، غير أنّ الشخصيّات في هذه المطوّلة أكثر تعقيداً، إذ تتغيّر سريعاً، فالقلب كان قائداً للركب وسيداً للموقف ولكنّه سرعان ما يسقط سريعاً تحت ضربات العقل الذي تحوّل بدوره من راكب عادي إلى جبّار متسلّط يسوم الركب العذاب والقهر بصرامته وسطوته لكنّ مصير هذه الشخصية يكون أبشع من سابقتها، وما هذه الشخصيات إلاّ أطوار لروح الشاعر التي يدفعها وميض من الأمل نحو غايتها. يقول عن العقل:

يسومُ رَكبي العَذابَا

 

وصارَ عقلي عَتيّاً

وصِدقُ ظنّي أصَابا([xxiii])

 

إنْ ضلّ قالَ: اهتدينا

إلى قوله:

ياعَقلُ أينَ المنَازِلْ

 

فَضجّ رَكبي وصَاحُوا

مَشارباً أو مآكِلْ

 

فقالَ: ليسَ صِراطِي

من الظّنونِ وجَهجَهْ

 

وأطلقَ الشّكُّ جَيشاً

وجُنّ خوفاً وقَهقَهْ([xxiv])

 

ففرَّ عَقلي جَباناً

وقد سارت على نحو ما مرّ بعض الرحلات التي اعتمدت الترابط العضوي بين أناشيد المطوّلة ومقاطعها. على نحو مطوّلة العقّاد التي تتميّز بتطوّر مواقفها مع تنامي شخصية الشيطان من متمرّد على قدره المرتبط بالشرّ إلى متمرّد على النعيم المرتبط بالإيمان والخير إلى متمرّد على اللّه، فالناظم المشترك للمواقف الرئيسية هو التمرّد، لكنّه يختلف بعد ذلك في تفاصيل المواقف ونوعيتها، وهكذا كانت مواقف الشخصية تتطوّر نحو الأشد فالأشد في حين أخذت الأحداث والشخصيات صورة عكسيّة لدى محمد حسن فقّي في قصيدته ((جحيم النفس)) إذ تبدأ القصيدة بدويٍّ شديد أشبه بحجر سقط في الماء ثم مالبثت دوائره آخذةً بالضعف والتلاشي شيئاً فشيئاً، والتراجع عما قرّره في البداية وذلك لغلبة الروح الإسلامية، التي ترى في النار تطهيراً للنفس لتنتقل بعدها إلى دار الخلود، فيقول في البداية:

سأوافيكِ في غَدي للجحيمِ

 

اسبقيني إلى الجحيم فإنّي

عندَ أبوابِهِ قبيلَ قُدومي

 

واطلُبي من سُراتِهِ أنْ يكونوُا

ـهِ لأَنتَ الرَّجيمُ مَولى الرّجيمِ

 

قَالَ فيه شَيطانُهُ وهْوَ يُطريـ

بٌ وفي الإثمِ ضاربٌ في الصّميمِ([xxv])

 

لستُ أدرِي فأنتَ في الشّر موّهو

ثمّ يمرّ في مرحلة محاسبة النفس وعقابها ثمّ التماس طريق الخلاص لتكون النهاية.

ولقد امتازت بعض الرحلات بأحادية الموقف أسلوباً لعرض الرحلة الخيالة. فإبراهيم الهوني في قصيدته ((أبونا آدم)) لم يستطع أن يلوّن من مواقفه أو شخصيّته فبدت أحداث المطوّلة رتيبة تحمل مأسوية المعاناة وحسب، حتّى بعد لقائه لآدم وحوّاء رغم أنّه يستطيع بذر روح الأمل في الحوار، لكنّ شدّة المعاناة لازمته حتّى وصل إلى النهاية المأسوية التي ترى الموت سبيلاً لخلاصها ملخّصاً في قوله:

إذا لمْ يُطهّرْ بالممَاتِ منَ الغلِّ([xxvi])

 

فقالَ: مكوثُ المرءِ عندي محرّمٌ

والرتابة نفسها في الأحداث وأحادية الموقف تسيطران على مطوّلة الفراتي في الكوميديا السماوية. إذ يبدو الشاعر للوهلة الأولى حانقاً على بني البشر الراسفين في قيود الحياة المادّية، والسابحين في مستنقعات الفساد والرذيلة، حتّى المتصوفين لم يفلتوا من قبضته في معظم أجزاء الكوميديا إذ يسمهم بالفساد في حانة إبليس وقد تكرّر ذلك في كوكب الشعراء، وفي كوكب الزنادقة، فيقول في حانة إبليس:

تَقيّاً في نواحيها

 

فما أبصرتُ عشرينَ

ولاما يُشبهُ الصّوفي

 

وما أبصرتُ صوفياً

بأهدامٍ من الصّوفِ([xxvii])

 

وألفيتُ سراحين

ونلمح مثل هذه الرتابة وثبات الموقف في قصيدة محمد حسن فقّي ((الكون والشاعر)) و((اللّه والشاعر)) وفي قصيدة الزهاوي ((ثورة في الجحيم))، حافظت شخصياته على ثبات مواقفها ولم تتغيّر الأحداث إلاّ بالمقدار الذي يؤكّد ثبات موقف الشاعر من الدين والغيبيّات وانتصاره لفكره المادّي، حين صوّر انقلاب الأحداث وتحوّلها لصالح جيش الجحيم في معركته الحاسمة مع جيش الملائكة، فيقول:

ما لصبحِ النّصرِ المبينِ سُفورُ

 

كانتِ الحربُ في البداءِ سِجالاً

إنّ جيشَ الملائكِ المدحورُ

 

ثمّ للناظرينَ بانَ جليّاً

ـليلِ حتّى بدا الصّباحُ المنيرُ([xxviii])

 

هزموهُمْ إلى معاقِلهِمْ في الـ

كما سارت أحداث ((ملحمة القيامة)) سيراً منتظماً متساوياً مع الرؤية الدينية الإسلامية التي انطلق منها الشاعر، ولكنّ ثمّة تحوّل في مواقف الشخصيات فبعد أن ظهر أشرار الناس سعداء فرحين بسحق كلّ قوى الخير في مقدّمات الساعة باتوا تحت مظلّة المحشر والجحيم خائفين قلقين تارة ويعانون ألواناً من العذاب تارة أخرى. وتحوّلت الشخصيات المضطّهدة من ضعيفة مسحوقة إلى شخصيات مطمئنة بما أتاها اللّه تعالى من أحوال السرور وبما حباها من أنوار الحضرة والرضوان.

وهكذا كانت الرحلة الخيالية من بدايتها إلى نهايتها موضوعاً إنسانياً عالج فيه الشاعر شخصيات ومواقف بألوان متعدّدة تقوم أحياناً على التناسق النفسي تارة أو الثنائيات الضدّية التي تتواشج في النهاية لتبرز الجوهر الناظم للمرحلة آناً آخر، وامتازت بعض أشكال الرحلة بأحادية الموقف ورتابة الأحداث أو بالأحرى تناسقها مع حدّة الإحساس بالمعاناة، في حين تساوقت الشخصيات بصورة طبيعية مع سيرورة الأحداث في بعض الرحلات الخيالية التي سيطرت عليها وحدة الموقف الفكري العقائدي.

* العقدة:

تمثّل العقدة الذروة العظمى التي تصل فيها الأحداث والمواقف إلى حدّ ما من التشابك والتعقيد بحيث تصبح هذه الخيوط المتشابكة عصيّة على الاستمرار، وتكون بحاجة إلى فكّ خيوطها. وتتآخى هذه التقنية الفنية مع عناصر السرد الحكائي لتحمل في ثناياها عناصر التشويق والإثارة، وتقدّم في الوقت نفسه للخاتمة السعيدة أو الفاجعة المأسوية.

ويمثّل النشيد الحادي عشر: ((رقيّ كاذب)) عقدة الأحداث في مطوّلة ((على بساط الريح)) إذ يصل الشاعر إلى حافّة اليأس بعد أن صدم بما واجهه من عنت الطيور والنجوم، وهاهي ذي الأرواح تريد طرده عن عالمها، فهل يعود الشاعر خالي الوفاض بعد أن كان يمنّي النفس بلقاء الروح المحبوبة الغائبة. وهو هنا في عالم الأرواح لايرى إلاّ صورة الإنسان الشرير ابن الأرض، الذي أفعم قلبه بالسموم والأحقاد وافترست ذئاب الحسد بقية مافيه من خير وإنسانية، بل هو لانفع فيه إلاّ عندما يصير تحت التراب متفسخاً، لتقتات على جسده أنساغ الزهور والرياحين. وبعد هذه الصورة القاتمة في هذه الرحلة النهائية يقف المتلّقي في تشوّق إلى معرفة نهاية الأحداث، فيأتي الحلّ ارتجالاً وقائماً على البديهة، وإن لم يكن منطقياً، فقد ظهرت الروح بصورة مفاجئة دونما مقدّمات، لتقود الروح تلك المطوّلة إلى النهاية وانفراج العقدة عن لحظات من السعادة تسجّل بأسطر من نور في سجل الخلود، فيقول:

وتجلّتْ روحٌ على القُربِ منّي

رمقتني

بلا غَضبْ

خلْتُها أقبلَتْ تُدافِعُ عنّي

صحّ ظنّي

ولا عجبْ

غضبِ العالمِ الفخورِ بشمسِهْ([xxix])

 

هي رُوحي جاءَتْ تُخلّصني مِن

وهذا شأن الشاعر نسيب عريضة الذي ساق الحلّ ارتجالاً لعقدة مطوّلته وأحداثها حين تصل هذه الأحداث قمّة التأزّم في تشتّت الركب وسقوط بعض أفراده صرعى على طريق الجنون وتحوّل الأمل حيرة وضياعاً، عندئذ تنبري النفس التي تكون قائداً مثالياً للركب، لاسيما إذا نقّيت من أوضار الجسد، فتصل بالركب إلى غايته المنشودة، فيقول:

فأنتِ ظَعني ورحلي

 

يانفسُ رفقاً ومهلاً

إلاّكِ مازلتِ حملي

 

طرحتُ كلَّ رحالي

وعلّليني بجهلي

 

تعلّلي بسكوتِ

أسرّكِ اليومَ ثُكلي

 

حزنتُ فيمَ تُغنَّي

فقدتُ قلبي وعقلي([xxx])

 

أما علمتِ بأنّي

وتبدو العقدة في قصيدة أنيس المقدسي شبيهة بسابقتيها ويُمثّل نشيد (هبوط النفس المفكرة إلى وادي الظلام) مرحلة الحيرة في سيرورة الأحداث وهو عقدة القصيدة حيث يريد الشاعر أن يلقى الخلاص، فيلوح له شبح المعرّي، فيقول:

ثقيلٌ في حَشَا اللّيلِ المريبِ

 

أخذْتُ أهيمُ في الوادِي وخَطوي

ويُحيى بيَ رَجا فَرجٍ قريبِ

 

ولاقبَسٌ يُنيرُ دُجى سبَيلي

يردّدها صَدى تلكَ الرّسومِ

 

ولا صوتٌ سوى أناتِ حُزنٍ

أرى لي مُؤنساً وسْطَ الظّلام

 

نظرْتُ إلى هُنا وهُنا لعلّي

على كثبٍ يُشيرُ بلا كلامِ([xxxi])

 

فَلاحَ لناظِري شَبحٌ غَريبٌ

وتبدو العقدة حادّة جداً في مطوّلة العقّاد إذ وصلت ذروة التأزّم في وقوف الشيطان بعنت شديد أمام اللّه ورفضه السجود، لأنّ في السجود جنّة الفردوس التي تبقى، مهما بلغت من الجمال، دون كمال اللّه عزّ وجلّ، فيقول:

طالَ بي حُلمك فابعَثْ أجلَكْ

 

عفْوَكَ اللّهم أولا عفو لي

خُلدَكَ الأعلى فَما نحنُ سجوُدْ

 

وادعُ في خلقِكَ يسجُدْ من رجَا

حَجراً صَلداً ولا هَذا الوجُودْ([xxxii])

 

لنكوُنَنّ إذا صحَّ الحَجا

وبعد هذا التأزّم في الموقف وتشابك الأحداث يأتي ردّ الحقّ جلّ في علاه:

قالَ كُنْ صخراً كما شئتَ فكانْ([xxxiii])

 

قالَ: كُنْ عبدي! فلمَا أنْ أبى

وتبدو العقدة غائبة في بعض الرحلات الخيالية حيث ينفرد كلّ نشيد بموقف وفكرة خاصّة تتضافر لتؤلّف  رؤية الشاعر بعيداً عن عناصر السرد الحكائي المعتمد على تنامي الأحداث وتشابكها حتّى تصل إلى العقدة. وعلى هذا  النحو سارت مطوّلة ((عبقر)) وبعض قصائد ((الكوميديا السماوية)) باستثناء قصيدة ((غرور الشباب)) حيث ينطلق الشاعر في حلمه مجدّداً شبابه وشعره وروحه وفي غمرة سروره ينبري له هاتف يسفّه شعره وأحلامه، وهنا تتشابك الأحداث وتتأزّم المواقف بين أخذ وردّ إلى أن يصل الحلّ على اعتراف الهاتف بشاعرية الفراتي.

كذلك تغيب العقدة في قصيدة إبراهيم الهوني ((أبونا آدم)) وقصيدة محمد حسن فقّي ((الكون والشاعر)) إذ هي سرد أكثر من كونها قصّة أو معاناة تبحث عن فرجة ونهاية.

أمّا العقدة في ((ثورة الجحيم)) للزهاوي فهي درامية قائمة على الصراع بين جيش الشياطين وجيش الملائكة إذ تتشابك أحداث الثورة حتّى تصل إلى هذه العقدة، ويبقى المتلّقي يترقّب الأحداث التي ستسفر عنها هذه المعركة فإذا ما وصلت نهايتها يفاجأ المتلقّي ويصاب بالدهشة حين يرى الانتصار لصالح جيش العلم ومن خلفه الشياطين، غير أنّ الزهاوي يفسد هذه العقدة الجميلة بالنهاية المفتعلة للمطوّلة.

وكانت العقدة في قصيدة رشيد أيوب ((حلم في المريخ)) مفتعلة اصطنعها الشاعر عندما فارقته نفسه لاكتشاف كوكب المريخ، فيقول:

أهيمُ اشتياقاً مُذْ دعاني تشوّفي

 

فغابَ وجودي حيثُ طَالَ توقّفي

وقلبي جَهاراً باتَ وهْو مُعنفي

 

يشاركُني بالشرِّ حُسنُ تصرّفي

 

وأصبحتُ بينَ الحالتينِ أُدافعُ([xxxiv])

 

وقد بقيت العقدة في مطوّلة محمد عبد المعطي الهمشري ((على شاطئ الأعراف)) مقّنعة تغلّفها غلالة من الغموض الشفّاف لأنّ الأحداث تسير متدرّجة دونما تشابك، وتظلّ الروح تعاني من الخوف والرهبة وتحاول بعث الأمل إلى أن تصل إلى نشيد السكون الحاكم حيث يخيّمِ حسّ الموت، حتّى إنّ الشاعر ليستغيث ولا يجد مغيثاً له وهذا ذروة ماتصل إليه أزمة الشاعر النفسية، عندئذ يصرخ الشاعر في السكون الحاكم ويبثّه شكواه ويدعو على اليد التي عطّلت نشاطه.

وهذا شأن محمد حسن فقّي في قصيدته ((جحيم النفس)) فقد كانت العقدة مقنعة لاختلاطها مع البداية، حيث كانت بداية القصيدة هي ذروة الأحداث وشدّة تأزّمها وبعد ذلك تأخذ القصيدة في السير الهادئ الرتيب للوصول إلى الحلّ.

وكذا كانت العقدة في الرحلة الخيالية متنوّعة بين كلّ رحلة وأخرى، ففي بعض الرحلات تساوقت بشكل فريد مع سائر عناصر السرد القصصي، ومثّلت ذروة التأزّم النفسي الذي يعانيه الشاعر لتنفرج بعد ذلك عن حالة من السعادة القصوى أو الفاجعة المأسوية. وكانت غائبة في رحلات أخرى لغياب التحوّلات في الشخصيات والمواقف لغلبة أحادية الموقف والشخصية الفاعلة في الأحداث. كما كانت مغلّفة بغلالة من الغموض في بعض الرحلات لارتباطها الوثيق بالموقف النفسي أو لاختلاطها مع البداية أو النهاية تارة أخرى.

*

* الصراع:

إنّ هذه التقنية قائمة في الأساس على التناقض، فحيثما يكون بين الشخصيات أو الرؤى تضادّ يتولّد الصراع في العمل الفنّي، ولعلّ الرحلات الخيالية قامت في الأساس على التضادّ بين نوازع الخير التي يمثّلها الشاعر والشرّ الممثّل في الواقع المحيط به، وبين الماديّة والروحية، والواقعية والمثالية، والموت والحياة، والعلم والدين.

وقد اتضح الصراع بجلاء في قصيدة الزهاوي ((ثورة في الجحيم)) و ((ملحمة القيامة)) لعبد الفتاح روّاس القلعجي.

ففي ثورة الزهاوي بدأت الصورة الدرامية بين الشخصيات الرئيسية: ((الشاعر والملكين)) ومن خلفهما الاتجاهات الفكرية لكليهما فالشاعر يمثّل العلم والفكر، الضعيف المقهور، والملكان يمثّلان الدين المتسلّط، فيقول:

وكأنّي أمامهُ عُصفورُ([xxxv])

 

واقفاً لي كأنّما هُو نَسرٌ

كما يسهم الحوار في إبراز ملامح الصراع بما يعكسه من مظاهر نفسية للملك والشاعر متضافراً مع الصورة الشعرية، فيقول:

قُلتُ: شيخٌ في لحدِهِ مَقبورُ([xxxvi])

 

قالَ: مَن أنتَ؟ وهْوَ ينظرُ شَزْراً

ويتنامى الصراع شيئاً فشيئاً بين الشاعر الذي يمثّل المادّية العقلية، والملكين اللذين يمثّلان الدين، ويصل الصراع ذروته في المعركة الحاسمة بين أنصار كلا الطرفين الفريق الأوّل فريق الشاعر والفلاسفة والعلماء والفنّانين والشياطين، والثاني فريق الملائكة الموكلّين وملائكة جهنّم وتسفر هذه المعركة عن انتصار جيش العلم ضدّ الدين. ونلحظ عكس هذا الصراع لدى القلعجي في ملحمة القيامة.

ونقف على شكل آخر من الصراع: إنّه صراع يكشفه الحوار الداخلي ويشبه إلى حدّ بعيد ما يسمى في الرواية الحديثة ((تيار الوعي)) وقد تجلّى ذلك في ((على طريق إرم)) لنسيب عريضة لأنّها تقوم على أساس استبطان الذات الإنسانية وقواها الروحية والماديّة، ومحاولة التوفيق فيما بينهما للوصول إلى الهدف المنشود، ولكن هذه المحاولة ولّدت الصراع بين المتناقضات، وسقوط كليهما أمام الامتحان ممثّلاً للأوّل بالقلب والثاني بالعقل، وقد أسقط كليهما لقناعته بعجز أحدهما دون الآخر برفع الذات الإنسانية إلى أعلى درجات الكمال، فيقول:

تُمالِئُون الضّلولا

 

فقالَ عقلِي: لماذا

قلباً غويّاً عليلا

 

بئسَ الدليلُ انتخبتُمْ

قَدْ استحالتْ طلولا

 

يسيرُ نحوَ مكانٍ

ثمَّ اتبعوني دَليلا

 

قْفوا بنا واستريحوا

حَذارِ هذا العذولا

 

فصاحَ فينَا فُؤادي

ـرُ خَؤونٍ

 

والعقلُ غَيـ

باليقينِ

 

يغريكُمُ

بالظّنونِ

 

يُلهيكُمُ

فوقَ الرّمالِ ذَبيحا([xxxvii])

 

فخرَّ قلبي صَريعاً

كما يحتدّ الصراع فيما بعد بين العقل وشكوك النفس التي تلقي العقل مجنوناً على طريق إرم لتسلّم القيادة إلى النفس النقية من الأوضاع.

***

ثانياً: العناصر الفنية:

* الزمان:

أهم العناصر الفنّية في بنية الرحلات الخيالية، فهو يمثّل المدّة التي استغرقتها الرحلة الخيالية منذ انطلاقتها إلى نهايتها.

لقد انطلق فوزي معلوف في رحلته الخيالية في البداية واقعياً على متن طيّارة، وهناك في الفضاء يحلّق على جناح الحلم لتتحوّل الوسيلة الماديّة إلى شكل سحري أخّاذ لايتحقّق إلاّ في عالم الشاعر الأثيري الخاص. ولمّا كان الحلم وسيلة الشاعر في رحلته الخيالية، وهو لايخضع لقوانين الزمان والمكان، وعليه فلا يمكن أن تتقيّد الرحلة بزمان أو مكان ((فنحن يمكن أن نحلم بحادثتين تجريان على نحو متزامن في حين أنّه من المستحيل في الواقع أن تحدث في الوقت نفسه))([xxxviii])لذا قد يستغرق الحلم لو ترجم إلى الواقع عشرات السنين في حين يرى أكثر العلماء أنّ أطول حلم لايدوم أكثر من أربعين ثانية. لذلك رأى فوزي بتلك اللحظات التي قضاها مع روحه دقائق لاتحسب من الزمان لأنّها خارجة عن قيوده وحدوده، فيقول:

تلكَ بضعٌ مِن الدقائق مرَّتْ

في خِضَمٍّ

    مِن الخلُودْ

هِي مثّلُ الأحلامِ زارتْ وفَرَّتْ

أيُّ حُلْمٍ

تُرى يعودْ([xxxix])

وقد كانت رحلة الزهاوي على امتدادها وطولها في حال ترجمة الأحداث للواقع لحظات زمنية قليلة جداً إذ هي حلم أثاره أكل الجرجير والإكثار منه، ولو أردنا أن نخالف آراء العلماء في زمن الحلم ووافقنا الزهاوي لقلنا أنّ الحلم امتدّ حوالي ساعتين ونصف أو أكثر بمقدار ارتفاع الشمس بعد الفجر، فيقول:

وإذا الشّمسُ في السَّماءِ تُنيرُ

 

وتنبّهتُ مِن منامِيَ صُبحاً

حُلُماً قد أثارهُ الجَرجيرُ([xl])

 

وإذا الأمرُ ليسَ في الحقِّ إلاّ

وهذا شأن كلّ الشعراء الذين بنوا رحلاتهم على أساس الحلم، لكنّه حلم الشعراء الذي يسفر عن وشائج خفيّة روحية لاتخضع هي الأخرى للواقع ومنهم محمد حسن فقّي في ((اللّه والشاعر)) والفراتي في ((الحلم المريع)) و ((غرور الشباب)) وقصيدة نسيب عريضة ((على طريق إرم)).

ولم يكن الحلم الوسيلة الوحيدة للانتقال إلى العالم المختار لشاعر الرحلة الخيالية، فقد اتخذ بعضهم من الخلوة الروحية والتأمل جناحين اسطوريين خارقين يجوز بهما أعماق الفضاء وأغوار الأرض، كحال رشيد أيوب وأنيس المقدسي. كما اتخذ بعضهم الآخر من الخيال مطيّة للخروج إلى عالم السماوات والمجرّات وأغوار النفس والأرض. وهذا يعني امتداداً للرحلة الخيالية ومدّتها الزمانية.

فالشاعر شفيق معلوف في ((عبقر)) ركب جناح الخيال وانتقل مع شيطانه إلى عالم الأحلام والرؤى، وهذا الانتقال الخيالي استغرق زمناً مجهولاً قد يمتدّ كزمن الحلم وامتداده إلى مالانهاية لأنّه رحلة إلى الزمان السحيق، ومحاولة ترميم لهذا الزمان الغابر بأوهامه وأساطيره وأحلامه، وهذا شأن كلّ الشعراء الذين بنوا رحلاتهم على أساس تجربة الخيال الذي يمنح الشاعر حريّة في الامتداد الزماني، إذ قد يصل إلى آلاف السنين كما هو الحال في ((ملحمة القيامة)) التي تمتدّ ما بين إرهاصات القيامة والصيحات الثلاث والحشر والحساب والجنّة والنار وذبح الموت الذي تنتهي عنده الرحلات الخيالية. ومثل هذا الامتداد الزماني في الرحلة الخيالية نجده في قصيدة محمد عبد المعطي الهمشري ((على شاطئ الأعراف)) حيث تمتدّ الرحلة عبر أطوار ومراحل لابدّ لها من مدد زمانية حتّى تتشكّل وتتلامح بدءاً من الموت المتخيّل إلى الخوف والرهبة إلى التفاؤل بوجود ربّة الشعر إلى العودة للتشاؤم إلى الاستغاثة التي أطلقها في أذن السكون الحاكم.

وهذا شأن محمد حسن فقّي كذلك في قصيدة ((جحيم النفس)) لأنّ استغراق المراحل التي مرّت بها يحتاج زمناً طويلاً، هذا فيما لو ترجمت الأحداث إلى الواقع، أمّا إن بقيت في عالم الشعر واللاشعور والحلم فهي في زمان الحلم.

*

* المكان:

وقد بدا المكان في الرحلة الخيالية ذا طبيعة خاصة له معاييره وخصائصه التي لاتخضع لمقاييس الواقع([xli]).

فجاء المكان واسعاً لانهاية لامتداده، فهو في الفضاء وماوراء المجرّات، وفي رحاب الحضرة الإلهية تارة، وضيق محدّد في أودية الجانّ والشياطين، أو تحت الأرض آناً آخر وهو في أغوار النفس الإنسانية الغامضة، أو هو خيالي يقع فيها وراء الحياة الكونية والإنسانية.

ففي قصيدة ((على بساط الريح)) يكون الفضاء الرحب هو حيز الرحلة المكاني، ويمتاز هذا الحيز بصفات تصبغه بصباغ جمالي خاصّ قد لاتتوافر في غيره من الأماكن فهو مأوى الأرواح المتحرّرة من قيود المادّة والجسد، فيقول عنه:

في عُبابِ الفَضاءِ فَوقَ غيومِهْ

فوقَ نَسرِهْ

نجمتِهْ

ـبدءِ لكنْ بروحِهِ لابجسمهْ

 

مَوطِنُ الشّاعِرِ المحَلّقِ مُنذ الـ

ـهِ بَعيداً عن الوجُودِ وظُلْمِهْ

 

أنزلَتْهُ فيهِ عَروسُ قوافيـ

ـرٌ وقَلبُ الأثير مَسرَحُ حكمِهْ([xlii])

 

مَلكٌ قبّةُ السماءِ لَهُ قصـ

إذاً هو مكان تتحقّق فيه العدالة بأزهى مايحلم به الإنسان، ويقابل هذا المكان الواسع الرحب عالم من الضيق والقتامة والظلم يحاول أن يفرض قوانينه على الشاعر إنّه أرضه التي ولد عليها. وبين هذين المتناقضين يتخلّق صراع يتناوب أناشيد المطوّلة إلى أن يحصل الشاعر على بغيته في العيش في المكان الروحي بضع لحظات يسترقها من غفلة الدهر عنه بعد تحرّره من المكان المادّي المظلم.

وهذا شأن كثير من شعراء الرحلات الخيالية الذين اتصف لديهم المكان بالازدواجية فمكان الحلم المخيّل واسع رحب ذو صباغ خاصّ والمكان الواقعي فاسد مستعبد ضيق. يقول إبراهيم الهوني:

عَوالِمَ أرقى مِن عُويلمِنَا السُّفلِي([xliii])

 

ركبْتُ عَلى ظَهرِ الخَيالِ فَطافَ بي

ويفعم قلبه بالأسى حين يوقن إنّه عائد إلى عالمه الشرير الذي فرّ عنه، فيقول:

مللْتُ لَعمري عِيشةَ الضنّكِ والذّلِّ

 

فقلْتُ: أبي أبغِي المُكوثَ بساحِكُمْ

إذَا لمْ يُطهّرْ بالممَاتِ مِن الغِلِّ

 

فَقالَ: مُكوثُ المرءِ عندي محرَّمٌ

وأُرِجعْتُ رَغمَ الأَنفِ للعَالمِ السّفلي([xliv])

 

فقلت: سَلامُ اللّه ثمَّ تركْتُهُمْ

وكذلك أخذ مكان الرحلة عن الفراتي امتداده الواسع الذي صبغ شخصياته بطابعه فهو مثالي واسع خيّر، في حين يرى كوكبه الأرضي كما رآه سابقاه، فيقول:

ومثلي بتَمحيصِ الحقائق مُغرَمُ

 

فقالَ: اقتِربْ مِنّي فأًسرعتُ نحَوَهُ

على مثلِهِ والجوُّ أغبرُ أقتمُ

 

نظرتُ إذا جيشٌ هنالِكَ زاحِفٌ

تساقِي الردّى والأَرضُ يغمرُهَا الدَّمُ([xlv])

 

وفي ساحَةِ (الرّينِ) الجُيوشُ مُخفّةٌ

وقد انفرد المكان في قصيدة ((اللّه والشاعر)) لمحمد حسن فقّي عن باقي الرحلات الخيالية إذ اختار الحضرة الإلهية مكاناً للرحلة الخيالية وهو مكان يتصف باللاتناهي والاتساع والعلو العظيم، ورغم ذلك فهو تقليدي لايتعدّى وصف الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لوقوفه في رحاب الحضرة الإلهية. يقول الشاعر:

ـلى تغشّى الوجودَ عِطرٌ ونَورُ

 

في رحاب السّماء في المَلأِ الأعـ

نُ جَلالٌ بنوره وحُبورُ([xlvi])

 

وتجلّى سُبحانهُ فإذا الكو

وقد أسهب رشيد أيوب في وصف مكانه العلوي الذي تخيّل وجوده على كوكب المريخ حتّى بلغ وصفه حوالي ستة مخمسات، رغم أن كوكب المريخ مكان واقعي، لكنّ الوصف عندما اقترن بشاعرية رشيد أيوب ونتاج خياله الإبداعي امتاز بخصائص مميّزة، شاعرية قبل كلّ شيء، رغم أنّ وصفه تقليدي يمكن أن نلمح تأثير قصص ألف ليلة وليلة فيه، فيقول:

وفي وسطِها عينٌ من الدرِّ تَذرِفُ

 

وفيهِ رِياضٌ باللطّائِفِ تُوصَفُ

ويطربُهَا صوتُ النّعيم فتعطِفُ

 

يمرُّ بها صَافِي النّسيمِ فتألَفُ

 

وتبقى دُهُوراً والصّفا مُتتابَعُ

 

وقَد كوّنَتْ حَصباؤُهَا وصخورُهَا

 

مغانٍ مِن الياقُوتِ تُبنى قُصورُهَا

يعزُّ على طيرِ السِّماءِ عُبورُها

 

وِمنْ تحتِها الأنهارُ قَد شفَّ نُورُها

 

ومِنْ فَوقِها بَرقٌ مدى الدّهرِ لامعُ([xlvii])

 

والمكان في ((مطوّلة عبقر)) سفلي غرائبي، فعبقر واد تأوي إليه الجنّ والأرواح بعد شتات وللمكان صباغه الخاصّ به. فهو مكان سديمي تُبنى على غمائمه منازل وأبراج أربعة، وله أبواب أربعة رئيسية يرصد حراسها زعازع أشدّاء. ولكنّ الشاعر لم يطل كثيراً في وصف شكل المكان لأنّه راح يقسّم أنحاءه على عناوين أناشيده، نحو: البلد المرصود، الطريق المسحورة، نهر الغي.. فيقول:

مَاراقـنِي مِنْ مثلِهِ موضِعُ

 

حتّى تَهاوى بي إلى موضعٍ

منازِلٌ جُدرانُها تسطَعُ

 

غَمائمٌ زرقٌ على مَتنِها

بها يَضيقُ الأُفقُ الأَوسعُ

 

تثورُ في أبراجِها ضَجّةٌ

وضجّةُ الجنِّ التي تسمعُ

 

فقالَ: هَذي عَبقرٌ ما تَرى

أبالسُ الأَبراجِ تَستطلِعُ

 

عزَّتْ على الإنسِ فمنْ حَولهِا

تحرسُهَا الزّعازِعُ الأَربَعُ

 

جهاتُهَا الأربَعُ مرصُودَةٌ

غور مهاويها السّحيقاتِ([xlviii])

 

طَوّفْتُ بالأَبراجِ مُستقصياً

ويبقى الوصف الذي قدّمه شفيق لعبقر مألوفاً في الأساطير العربية عن هذا الوادي.

ومن الأماكن السفليّة الغرائبية ماقدّمته قصيدة ((في حانة إبليس)) للفراتي عن مسكن إبليس وقصره الأرضي، الذي يشبه في وصفه أوصاف وادي عبقر ولم تتجاوز جزئياته أوصاف الأماكن الخيالية التي تقدّمها قصص ألف ليلة وليلة، فيقول:

طَويلاً ((هِيهِ زامورُ))

 

وصَاحَتْ بَعد أنْ سْرنَا

وبانَتْ تَحتَها دُورُ

 

إذا بالأرْضِ قَد ضاءَتْ

رأنهارٌ وجنّاتٌ

 

وقد حفَّتْ بتلكَ الدُّو

صَحراءٌ وواحاتٌ

 

وعَنْ بُعدٍ تراءَتْ ليَ م

سِ عن بعدٍ تَراءى لي

 

وقَصرٌ مثل عِقدِ الما

ـرِ عنْ نفسِي وعن حَالِي([xlix])

 

فأذهَلَنِي جَمالُ القَصْـ

وهناك شكل آخر للمكان في الرحلة الخيالية هو المكان الميتافيزيقي الذي يبدو غير مألوف في الأدبيات، إلاّ في القديمة التي أشارت إليه بلمحات خاطفة، لذا كانت الأوصاف التي قدّمها شعراء الرحلات الخيالية مبتكرة جديدة فـ ((على شاطئ الأعراف)) مطوّلة رسمت ملامح غير مألوفة للشاطئ الذي تلوّن بمخاوف الشاعر وآلامه من الموت والحب الفاشل، رغم محاولته بثّ روح الأمل في أرجائه بين فينة وأخرى، فيقول:

حَيثُ يَرقى السكونُ مرقَى الفَضاءِ

 

في انتحاءٍ عَن العوالِم قَاصٍ

تِ نعيباً يَزيدُ هَولَ الفنَاءِ

 

وطُيورُ القَضاءٍ تَنعَبُ في المَو

ـشاً ويَمشي الحفي على الضُّوضَاءِ

 

غَيرَ أنَّ السّكونَ ينهشُهُ نهَـ

تِ ويبقَى على بَقاءِ البَقاءِ([l])

 

سَرمديُّ البقَاءِ يحكُمُ في المّو

وتبدو الصورة المكانية وهمية مبتكرة يقرّبها البعد الأسطوري كثيراً من الصورة الحسية فيقول:

شِبهَ دُنيا تَفنَى وشبهَ حَياةِ

 

هو وادٍ للمَوتِ ينشُرُ فيهِ

ـهِ ويَعدُو عليهِ كالسّعلاةِ

 

يَبسُطُ الوقْتُ كالخضَمِّ ليطويـ

داوياتٍ من فوقِهِ مُعوِلاتِ

 

مزّقَتْ نفسَها الرّياحُ عليهِ

ـوِي ولكِنْ خلوٌ من الأصواتِ([li])

 

لغطٌ يشبِهُ الحياةَ بما تحـ

ولقد أسهب الشاعر في وصف الطريق إلى الوادي ومافيه من دياجير وأهوال تمزّق على أرصفتها الروح لوعة وأسى، كما أسهب في وصف الشاطئ حتّى وصل في الوصف ثلاثين بيتاً تقريباً، إضافة إلى أماكن أخرى في المطوّلة، كقبر الليالي، وقصر الحياة، وسفائن الموت.. وغيرها.

أمّا وصف الزهاوي للعالم الماورائي بدا تقليدياً واسعاً متنوّعاً وأوّل المنازل التي نزلها الزهاوي القبر ((أوّل منازل الآخرة))([lii])ويظهر أن الشاعر لم يسهب في وصفه له إذ لم تكن الغاية الوصف بل عكس الحالة النفسية التي كان عليها الشاعر حين أيقظه الملكان في قبره، فيقول:

مابهِ للهَواءِ خَرقٌ صَغيرُ

 

فبدَا القَبرُ ضَيّقاً ذَا وخُومٍ

مَنزِلُ المرْءِ ذي الطّموحِ الأخيرُ

 

إنّه تحَتَ الأَرَضِ إلاّ قَليلاً

ولمنْ فَازَ روضَةٌ وغَديرُ([liii])

 

ألمنْ خابَ حُفرةٌ ذاتُ ضيق

ثمّ تأتي جهنّم بعد القبر وهي مكان يذهل القلوب عن كلّ غالٍ وعزيز، وهو في وصفه متكئ على أوصاف القرآن ولم يزد عليها شيئاً، فالوصف تقليدي معروف، فيقول:

ولهْمْ فِيها كلَّ يومٍ ثُبورُ

 

ولَهُمْ فيها كلَّ يومِ عذابٌ

ثمَّ فيها ضَراغِمٌ ونُمورُ

 

ثمَّ فيها عقاربٌ وأفاعٍ

والضّراعات مَالها تأثيرُ..([liv])

 

يضرَعُ المجرمونَ فيها عِطاشاً

كما أنّه أسهب في وصف أهوال هذا العذاب حتّى بلغ وصفه قرابة سبعة وعشرين بيتاً.

وقد لقي المكان في ((ملحمة القيامة)) اهتماماً كبيراً من الشاعر عبد الفتاح القلعجي، فالجحيم مكان مرعب مهول بكلّ مافيه ملامح وجزئيات وعناصر أخرى متمّمة، وقد اعتمد الشاعر على الوصف القرآني القائم على التشخيص في عرض صورة النّار، فيقول:

كالفكّ المفترسْ

وتفُورُ، تميّزُ غَيظاً تلتهم الجَسدَ الأَعمى([lv])

وهي مكان عريض واسع لكنّها ليست سعة السعادة والحريّة، بل سعة العذاب والألم والحسرة، هي سكن ولكنّه لايحمل في طياته ذكريات الماضي الجميل وهي بيت ولكنّها ليست ككلّ البيوت فهي ذات أبواب كثيرة وكلّ باب يحمل خلفه ألواناً من العذاب تميّزه عن بقية الأبواب الأخرى.

ويظهر اللون الأسود في فضاء المكان منعكساً نفسياً لحال أهل النار، ففيها الظلمة بسوادها الحالك، والجسد البشري المتفحّم والأسود في كلّ مكان حتّى الملائكة، فيقول:

أَتَى مَالِكٌ

في هالاتِ لهيبٍ أسْودٍ

يا مالكُ ليقضِ عَلينا ربُّكْ([lvi])

وتتوضّح صورة المكان شيئاً فشيئاً من خلال عناصر العذاب وأدواته التي تتضافر مع سابقاتها لتؤلّف الفضاء المأسوي للمكان المرعب، فيقول:

يَنساحُ المُهلُ إلى السّفحِ

والبركانُ الأعمى

يزبدُ، يبصُقُ غضباً مِن فلزِ مصهورٍ

ظُللٌ مِن نارْ

فوقَ رؤوسٍ النّاسِ

وتحتهمْ ظُللٌ مِن نارْ([lvii])

واتصفت بعض الأماكن في الرحلات الخيالية بالمثالية بوصفها أفضل مايراه الشاعر فضاءً شعرياً يرسمه خياله، وقد أجمعت كلّها على الجنّة مكاناً رائعاً يتّصف بالراحة والسعة والألوان الزاهية المشرقة، وفيها كلّ معاني الراحة والسعادة والهناء والشفافية، وممّا لاشكّ فيه أنّ صفات المكان تهيّئ المتلّقي لترشيح الشخصيّة التي ستبرز في هذا المكان وتُهيّأ للعيش فيه، وقد تفاوت الوصف بالطول والقصر لدى الشعراء فالعقّاد لم يسهب في وصفه بل اكتفى بالإشارة إليه في عدد من الأبيات، فيقول في بعضها:

مَنزلاً يَرضَى بهِ الفنُ الجميلْ

 

نَزَلَ الشّيطانُ مِن جنّتهِ

هَبطةً عندَ مصبِّ السّلسبيلْ

 

ومشَى فاختارَ في مشيتِهِ

وبراكينَ خبا منها الضّرامْ([lviii])

 

هضبةً فيها نخيلٌ وثَمرْ

إلى قوله:

ياكريمُ، ياحليمُ، ياغفورْ

 

وعلى أحواضِها الطّيرُ تُغنّي

زُمرُ الأملاكِ مِن خلفِ زُمرْ([lix])

 

وحَواليَها على رحب المدى

ولم يزد الزهاوي في وصفه للجنّة على ماقدّمته آيات القرآن الكريم وأحاديث الإسراء والمعراج، وقد وصلت أبياته في وصف الجنّة إلى خمسة وثلاثين بيتاً، غير أنّ المكان: أي الجنّة، لم تشكّل لديه صورة الفرح الغامر لأنّه حمّله الأسى والألم، فالملكان لم يرياه الجنّة إلاّ ليتحسّر على مافاته من نعيمها، فيقول:

فتيمّمتهُ ففرَّ النّميرُ

 

ولقدْ رُمتُ شُربةً مِن نَميرٍ

بهِ كي يُراعَ منهُ الشّعورُ([lx])

م

وتذكَرتُ أنّني رجلٌ جيء

أمّا القلعجي فهو أكثر شعراء الرحلات اهتماماً بجمالية المكان فقد وجد مثاليته في العقيدة الإسلامية، وجمّل في ملامحه وزيّن، إضافة إلى الجمال الذي تبعثه معاني القرآن الكريم وأوصافه التي ضمّنها كثيراً من أناشيده عن الجنّة ومافيها.

وتبدو صورة الجنّة لدى الفراتي مبتكرة لم تأخذ شيئاً كثيراً من معاني القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وقد تمثّلت صورتها في كوكب العباقرة، فكلّ شيء في هذا الكوكب متميّز: التربة من الذهب والأحجار الكريمة، والدّور تشعّ بلا كهرباء والبشر ليسوا بشراً كالذين وصفهم القرآن من أهل الجنّة فهم يتخاطبون بلغة الفكر، والزمان فيها غير الزمان المعهود، فيقول:

ولمْ تَكْحُلْ بغُمضِ مُقلتاهَا

 

وتشعرُ بالثوانِي حينَ تمضِي

صُروحاً يُعجِزُ الدّنيا بناهَا

 

ويبنِي كلُّ فردٍ في أوانٍ

ولمْ تُنكرْ خوارقُها الإلهَا([lxi])

 

عباقِرُ تخلُقُ الأشياءَ خَلقاً

وهكذا جاءت الصورة الزمانية والمكانية للرحلة الخيالية ذات طابع مميّز تراوح بين الحلم والخيال اللذين لايخضعان لقوانين الزمان والمكان الواقعيين فبدت الرحلة التي تحتاج آلاف السنين لقطع أشواطها تنقضي في حلم بين ليلة وضحاها.

أمّا المكان فقد تلوّن إلى درجة واسعة من علوي ذي سعة ورحابة، وإن لم تكن الرحابة تعني السعادة والهناء في بعض الأحيان، إلى سفلي غرائبي، عالمه الجنّ والشياطين، وآناً آخر هو نفسي يكشف مجاهيل النفس البشرية الغامضة، إلى عوالم ماورائية لعب الخيال والابتكار دوراً كبيراً في تقريبها من مدركات المتلقّي، إلى عوالم مثالية تعكس بوضوح السمو الروحي الذي تنشده الرحلة الخيالية وتجد فيه مكاناً تتحقّق فيه السعادة التي يسعى الإنسان إليها ويجاهد في سبيلها.

*

* الشخصيّات:

تنوّعت الشخصيّات في الرحلات الخيالية من إنسانية إلى حيوانية إلى شيطانية وفضائية.. وغيرها.

الشخصيات الإنسانية:

وبدا الشاعر أهمّ شخصيّة إنسانية في الرحلة الخيالية لأنّها تمثّل صوت الإنسان، والرحلة تدور في مجملها حول طبيعة هذه الشخصيّة وتعكس آلامها وآمالها. ويمكن أن ندرس هذه الشخصيّة من خلال ثلاثة محاور: الشكلي والاجتماعي والنفسي.

*

تظهر صورة الشاعر فوزي معلوف ذات بعدين متناقضين في الشكل الخارجي إذ هو ملك رومانتيكي يسبح في فضاءات الخيال آناً، وعبد مقيّد بجسمه وقوانين واقعه وحياته وموته وبالقضاء والقدر المتحكّم به، لذا يقول:

مُكرَهاً مِن مُهودِها لقُبورهْ

 

أنا عبدُ الحياةِ والموتِ أمشي

رِ يخطُّ القَويُّ كلَّ سطورهْ

 

عبدُ ماضمّتِ الشّرائعُ مِن جُو

رَهبةٌ مِن بشيرهِ ونذيرهْ([lxii])

 

أنا عبدُ القضاءِ تملأُ نفسي

ومثل هذه الصورة الشكلية القائمة على التناقض نراها في شخصية محمد حسن فقّي في قصيدته ((الكون والشاعر)) رغم أنّ الصورة لم تكن واضحة وضوحها عند فوزي معلوف.

وبدا الفراتي في قصيدته ((في حانة إبليس)) طفلاً بريئاً ساذجاً يمكن استجراره بالحلوى، فيقول على لسان السعلاة:

وخُذْ حلوى وهَاديني

 

تَعالَ إليَّ يا طِفلي

وراءَ الصّوتِ مِن جَهلي([lxiii])

 

نَهضتُ مُسارعاً أعدُو

أمّا الزهاوي فقد بدت ملامحه الخارجية منعكساً لحالته النفسية إذ هو شيخ ضعيف لاحول له ولاقوّة، وله صورة أخرى في النار تعكس آثار العذاب الذي لاقاه، فيقول:

قلتُ شيخٌ في لحدهِ مقبورُ([lxiv])

 

قالَ مَن أنتَ وهو ينظرُ شزراً

وهو في النار مشوّه يقول عن حاله:

قَطِراناً لسوءِ حظّي يفورُ

 

ثمَّ بقسوةٍ ومن فوقِ رأسي

باتَ مثلَ المجدورِ فيهِ بُثورُ([lxv])

 

فشوَى رأسي ثمَّ وجهيَ حتّى

أمّا بقية الشعراء فتبدو صورهم غائبة في هذا المحور الشكلي إلاّ أنّنا يمكن أن نقف على صوتها وفكرها وعلاقاتها بالمجتمع.

*

للمجتمع دور مهم في رسم شخصية الشاعر من خلال علاقة الأنا الأدنى (الفرد) بالأنا الأعلى (المجتمع). إذ غالباً ما يشكّل الأخير قمعاً وقهراً للأوّل حتّى يشوّه فيه كلّ جميل وينفّر منه كلّ أشكال البراءة. على نحو ماوقع لفوزي معلوف مع الطيور والنجوم والأرواح، فيقول على لسان نسر:

رُحْ بنا نجتلي حقيقَةَ أمرِهْ

 

إنَّ قلبي لموجسٌ منهُ شراً

جاءَ يستعمرُ الأثيرَ بأسرهْ([lxvi])

 

آدميٌّ هذا؟ أجابَ أخوهُ!

وفي عبقر تفرّ العرّافة والجنّ من حولها من رؤية الشاعر، بل إنّها لتخشى على ثعبانها من شرّه، فيقول:

ودَدتُ يا غادرُ لو أنّني

أطلقتُ ثعبانيَ لاينثني

عنكَ فيرديكَ، ولكنّني

أخشَى على الثّعبانِ مِن غَدركْ

في نابهِ السّمُّ كانْ

وصارَ في صدركْ([lxvii])

وهذا شأن أغلب الشعراء الذين ينزعون منزعاً رومانتيكياً يرى الإنسان شريراً بفطرته، كإبراهيم الهوني والعقّاد وعريضة.... وغيرهم.

*

ويمثّل البعد النفسي أوسع المحاور التي تحدّد ملامح الشخصيات في الرحلات الخيالية وقد سبرت الدراسة أغلب جوانب هذا البعد في دراسة الدوافع. غير أنّ الملاحظ بروز الأنا الفردي الذي تنتصر له الروح الرومانتيكية في معظم الرحلات الخيالية ويقابل هذا الأنا أنا أعلى يحاول صهر الأوّل في بوتقته وينجم عن هذين القطبين صراع وانقسام في الشخصيات وفق ثنائية ضديّة: روحية ومادّية تمثّل الأولى قوى خيّرة يمثّلها شاعر الرحلة الخيالية وأهل الفنّ والفكر والإصلاح والأنبياء.. وغيرهم، وأخرى شريرة يمثّلها الطاغون والفراعنة والدجّالون والأفّاقون.

 

الشخصيات اللاإنسانية:

تقف هذه الشخصيات إلى جانب الشخصيات الإنسانية وتسهم في بلورة الرؤى الفكرية التي يريد الشعراء طرحها، وتتنوّع هذه الشخصيات فبعضها ينتمي إلى الطبيعة الحيّة والصامتة، هذه الأمّ الرؤوم التي لجأ إليها الشعراء والرومانتيكيون فسكبوا أرواحهم جداول عشق وهُيام في رياضها. وقد مثّلت هذه الشخصيات الطبيعية قوى الخير التي نفرت من واقع الإنسان وحياته الموبوءة. كالطيور والنجوم في قصيدة فوزي معلوف ((على بساط الريح)) و ((الكون والشاعر)) لمحمد حسن فقّي، حيث يقول الفقّي:

يُخطئُ فيها الوصفُ حُسبانَهُ

 

فغرّدَ البُلبُلُ تغريدةً

فهاكَ مِن طَبعيَ بُرهانَهُ

 

وقالَ: إن كنتَ تريدُ الهُدَى

فالطّيرُ لايخدَعُ إخوانَهُ([lxviii])

 

الزّيف في النّاسِ وأمّا هُنا

وكان الشيطان أبرز شخصية بعد الإنسان في معظم الرحلات الخيالية، ولقد استقرّ في عرف الدراسات الاجتماعية والدينية أنّ الشيطان رمز الشرّ الأوّل على الأرض، فلا يكاد يذكر إلاّ وذكر مرادفاً له الخراب والدمار والشرّ حتّى إنّ العرب سمّت أحد الشياطين بـ ((ثبر)) ويعني الهلاك. لكنّ الرحلة الخيالية رأت فيه وجوهاً وأقنعة متلوّنة جعلته شخصية متميّزة وفاعلة ومنفعلة مع الأحداث. فهو في مطوّلة عبقر صديق معين على قضاء الأرب، رغم صورته المقزّزة التي رسمها الشاعر له، فيقول:

قَذَفهُ مِن الثّرى وسَاحِرُ

 

كأنّهُ لمّا بدا خُفيةً

منها يطيرُ الشّرُ الثّائِرُ

 

في فَمهِ مِن سَقرٍ جَذوةٌ

أنيابُها والمِحجرُ الغائِرُ

 

ووجهُهُ جُمجمةٌ راعني

يُطلُّ مِنها الزّمنُ الغابِرُ([lxix])

 

كأنّما مِحجرُها كوّةٌ

غير أنّ الصورة الأخلاقية والاجتماعية لإبليس تظهر في نشيد أبناء إبليس الخمسة الذين يمثّلون المفاسد الاجتماعية وآفاتها، وقائدهم في ذلك شيطان الكذب، هذه الآفة التي تسوق المجتمع إلى شفير الهلاك والدمار.

أمّا في ((ترجمة شيطان)) فتكون صورة إبليس أقرب ماتكون إلى الحقيقة التي اكتسبتها منذ أقدم العصور فهي محنة للبشر على الأرض رماهم اللّه بها ليفرّقوا من خلالها بين الخير والشرّ، فيقول:

فَأطَاعَتْ يَالَها مِن فَاجرهْ

 

قالَ كُوني مِحنةً للأبرياءْ

لاستَحقَّتْ منهُ لعنَ الآخرهْ([lxx])

 

ولو اسطاعَتْ خِلافاً للقضاء

وتظهر روح الثورة والتمرّد ملازمة للشيطان من ظاهر النصّ فهو متمرّد على خلقته التي جُبل عليها وعلى محنته التي امتحن فيها، وهي إغواء ذوات الذنب، على حدّ زعم العقّاد يقول:

ومِنَ الأَرْضِ ومَا فَوْقَ السَّماءْ

 

سَخِرَ الشّيطانُ مِنْ قِسْمَتِهِ

((ألهذا تُسْتَذَلُ الكبرياءْ))؟([lxxi])

 

ومَضَى يَهْجِسُ في مَحْنَتِهِ

ولاتبرح هذه الروح تلازمه في الجنّة ولكنّها تبرز في صورة ملال وسأم من حال لايصل فيها شأوه من الكمال والخلود المطلقين. عندها يتحدّى اللّه ويطلب منه ألاّ ينتظر منه توبة المُكدّين من عباده، فيقول:

طَالَ بي حُلْمُكَ فابْعَثْ أجَلَكْ

 

عَفْوَكَ اللّهمَّ أَو لاَ عَفْوَ لي

لاتَكُنْ تَوبَةُ نَفْسِي أَمَلَكْ

 

أنا لاتَخْطُرُ لي في أَمَلي

خُلْدَكَ الأعَلى فَما نحنُ سُجودْ

 

وادْعُ في خَلْقِكَ يَسْجُدُ مَنْ رَجَا

حَجَراً صَلْداً ولاَ هَذَا الوُجُودْ([lxxii])

 

لَنكَوُنَنَّ إذا صَحَ الحَجَا

أمّا الوجه الثالث لصورة الشيطان فيبدو في قصيدة ((في حانة إبليس)) لمحمد الفراتي إذ يبدو متظلّماً مقهوراً في ظاهر الأمر، خبيثاً مراوغاً يحاول السخرية من البشر وعلى رأسهم آدم، فيقول:

ـهُ فِي الجَنَّاتِ حَوُاءُ

 

أَبَوكُمْ آدَمٌ أَغْوَتْـ

بها هِنْدٌ وأسماءُ

 

وَأَنْتُم بَعْدُ تُغوُيكم

ومِنْ نارٍ بَرى نبعي

 

فَآدمُ كَانَ مِنْ طِينٍ

رِ ذَاكَ الطّينُ بالطّبعِ

 

وَلاَ يَسْمُو سُمُو النّا

وَعَنْ قَصْدٍ عَصَى الأَمْرَا

 

عَصَيْتُ الأَمَر عَنْ خَطَأٍ

فَقُلْ لي كَيْفَ لاَ أَضْرى([lxxiii])

 

فَقَرَّبَهُ وَأَبْعَدَنِي

وتبرز بعد ذلك شخصيات أخرى منها ((آلهة الشعر)) في قصيدة
((على شاطئ الأعراف)) وهي ذات بعد رمزي تمثّل روح الشاعر الوثّابة التي تخلق الحياة في خضمّ الموت، والجنّة وسط الخواء والخراب.

وشخصيّة ((أرغن الموت)) الذي يعزف بقيثاره لحناً صامتاً شجيّاً يتعطّل لفترة من الزمن، لكنّ الأمل لايزال يشرق على روح الشاعر، فيقول:

فَاخْبِرِ الشِّعرَ مَا دَهى قيثَارَكْ

 

لَهْفِي مَا أَرَاكَ تَبْعَثُ لَحْنَاً

وَعَفَتْ فِي غِنَائِها أوْتَارَكْ([lxxiv])

 

سَوْءَةٌ للْيَدِ التّي عَطَّلَتْها

إذاً لقد قدّمت الرحلات الخيالية شخصيّات متنوّعة وكأنّها تمثّل جميع النماذج البشرية التي أراد الشعراء بثّها في رحلاتهم وإلباسها غِلالة من المشاعر العاطفيّة أو المواقف النفسيّة والاجتماعية والسياسية، إضافة إلى دور الشخصية الرئيسية التي بدت متنامية مع الأحداث متطوّرة بتطوّرها نابضة بالحيويّة والنشاط والحركة ممّا دفع عن المتلقّي رتابة الحدث وسآمته.

كما حملت الشخصية الإنسانية وغيرها فعالية الموقف فتفاعلت مع الأحداث ولم تكن هامشيّة إلاّ في القليل النادر، كما عكست الصراع الحادّ بين الثنائيات التي قامت على أساسها أغلب الرحلات الخياليّة. ولاسيما الصراع بين مطالب الروح ومطالب الجسد.

***

* الحوار:

إذا كانت ملامح الشخصيّة تتشكّل من خلال أبعادها النفسيّة والاجتماعية فإنّ الحوار الجيد الذي يصوغه الشاعر بين شخصياته يساعدنا كثيراً على فهم الشخصيّات المتحاورة بشكل أكثر وضوحاً إلى جانب مكوّناتها النفسيّة والعلميّة والفلسفيّة والاجتماعيّة، إضافة إلى كونه يكشف لنا عن الصراع النفسيّ بين الفرد والمجتمع، أو الأيديولوجيّ بين العلم والدين، أو الاجتماعي بين القيم الخلقية الفاضلة والمفاسد الاجتماعية.

((والعجيب في الحوار أنّه يؤدي هذه المهمّات كلّها في الوقت نفسه، فقد يرسل العبارة من عباراته إرسالاً على لسان شخص فإذا هذه العبارة محمّلة بمختلف المهام، ففيها إخبار بحادثة وفيها تكوين لشخصيّة، وفيها خلق لجوّ، وفيها تلوين لروح مظلم أو مفرح، مثلها في ذلك مثل العبارة الموسيقية التي تنطلق محمّلة بالنغم الذي يروي، ويلوّن، ويكوّن، ويثير كلّ هذا في لحظة. وكشأن البيت في القصيدة الشعريّة، ينطلق حاملاً إلى النفس عذوبةً ووزناً وفكراً ومعنى وصوراً كلّ هذا في آن....))([lxxv]).

في دراسة الرحلة الخيالية نلحظ شكلين رئيسين للحوار هما:

1- ((الديالوج)) الحوار الخارجيّ.

2-((المنولوج) المناجاة.

ويبدو الحوار في قصيدة (على بساط الريح) -أعني الديالوج- قائماً بين شخصيتين متناقضتين ظاهراً. أولاهما شخصيّة الشاعر وهي شخصية إنسانية تمثّل الحياة الأرضيّة الماديّة المستعمرة، وثانيتهما شخصيّة الطيور أوّلاً والنجوم ثانياً والأرواح ثالثاً والقلم أخيراً. وتعكس هذه الشخصيات -باستثناء الأخير- في حوارها مع الشاعر كراهيّتها لبني البشر وشرورهم، وفقدان الثقة في صلاح بني الناس، فيقول في الحوارية الأولى:

قَالَ نَسْرٌ لآخَر: أيُّ طيرٍ

هُو هذا

ومَنْ رفاقُهْ؟

إنْ يَكُنْ قَادِماً إلينا لخَيرٍ

فَلمِاذّا

عَلاَ زُعَاقُهْ؟

نٍ يبثُّ اللّهِيبَ بُركانُ صَدْرِهْ

 

يَالَهُ طَائراً بِصُورَةِ شَيْطَا

راً كَهذا في الجوِّ مَا بينَ طَيْرِهْ

 

أهْو منّا؟ لا لا: فَلَمْ أَرَ جباً

رُحْ بِنا نجتَلي حَقيْقَةَ أَمْرِهْ

 

إنَّ قَلبي لمَوُجِسٌ مِنه شَرّاً

جَاءَ يَستعمِرُ الأثيرَ بَأسْرِهْ([lxxvi])

 

آدَمِيٌّ هَذا أَجابَ أَخُوهُ

فهذا الحوار الذي يقوم على الاستفهام الإنكاري والتعجبّي يعكس بوضوح العلاقة المتأزمة بين الشاعر والطير، كما يعكس من طرف خفيّ ذلك الخوف الخفر من الطيور على عالمهم السّماويّ، إنّه خوف عدوى انتقال الشرور من الأرض إلى السّماء، لذلك نسبته إلى الشّيطنة فجعلت من بساطه الحديدي شيطاناً ((يبثّ اللهيب بركان صدره))([lxxvii]) كما يبرز لفظُ الفعل ((يستعمر) كمحرق مولّد في هذا الحوار يحمل بعداً نفسياً واجتماعياً وسياسياً للشخصية الموصوفة.

هذا الحوار دفع الشاعر للاشتراك في الحواريّة في محاولة لكشف غشاوة الوهم الذي تحمله الطير، فيقول:

شَاعِرٌ تَطْرَبُ الطُّيورُ لِشِعْرهْ

 

لاَ تَخَافِي يَاطيرُ مَا أَنَا إلاّ

حَةَ في هَدْأةِ السُّكُونِ وَسِحْرهْ

 

زَارَكِ اليَوْمَ مُتْعَباً يُنْشُدُ الرّا

مِنْ أذى أهْلِها وتَنْكيل دَهْرِهْ([lxxviii])

 

فَرَّ عَنْ أرَضِهِ فَرارَكِ عنها

ولا نلمح تعاطفاً بين الشاعر والطيور، بل والنجوم والأرواح، بله روحه التي تحضنه، تحتضن فيه الشاعر الإنسان، الشاعر المكلّل بالألم الرومانتيكي العظيم، فيقول:

أخَواتِي رِفْقَاً بِهِ وَببُؤسِهْ

 

طَوَّقَتْني بكُلِّ عَطْفٍ وَصَاحَتْ:

ضِ تَزَيَّا بِشَكْلِ أَبْنَاءِ جِنْسِهْ([lxxix])

 

هَو بالرَّغَمِ عَنْه من عَالَمِ الأَرْ

ويظلّ الحوار الخارجي ((الديالوج)) في إطاره التراثي الذي يعمد إلى لغة السرد المتمثّلة بـ (قال وقلت)) وأخواتها من المرادفات متجلّياً في معظم الرحلات الخياليّة، ويبرز دوره في عكس البنية الدراميّة لبعض القصائد ذات الشكل المسرحي كـ ((ثورة في الجحيم)) و ((ملحمة القيامة)).

ففي الأولى يرسم الحوار ملامح الصراع المتفجّر بين عنصرين متضادّين الأوّل يمثّله الشاعر الفيلسوف ذو النزعة المادّية الفكريّة العلمية، والثاني يمثّله الملائكة الموكّلون بالبشر: وهم يمثلون الجانب الديني الغيبي.

ويظهر الحوار في غالبه مسهباً في الحكاية والسرد متكلّفاً في كثير من أجزاء القصيدة، ولكنّ كلّ ذلك لم يحل بينه وبين رسم ملامح شخصية الزهاوي الذي بدا مضطرباً قلقاً خائفاً، يقول عن نفسه:

خَرِ حتَّى التَاثَتْ عَلَيَّ الأُمُورُ([lxxx])

 

غَيْرَ أَنَّي صَدَعْتُ بِالحَقِّ في الآ

ثم يُبرز الحوار الاستفهامي بين الشاعر والملكين العقيدة التي انطلق منها الزهاوي في صراعه الدرامي مع الملكين. وهو قائم على السؤال والجواب، بيد أنّ الاستطراد يقطعه في بعض الأحيان كما فعل في وصف شدّة خوفه وتردّده، ثم يعرّض لشكوكه بالصراط، فيقول:

لَسْتُ أدْرِي مَاذَا اعْتِقَادِي الأَخيرُ

 

ثُمَّ إِنِّي في الوَقْتِ هَذا لخَوفي

فَوقَ واد منَ الجحيمِ يَفُورُ

 

لَمْ يَرُبْنِي أَمْرُ الصِّراطِ مُقَاما

ـيانِ مَايَأبَاهْ الحَجَا والضَّميرُ([lxxxi])

 

غَيْرَ أنّي أُجلُّ رَبِّي مِن إتـ

وهذا ديدن الزهاوي وغيره من شعراء الرحلات في توظيف الحوار الخارجي ((الديالوج)) في بنية العمل الشعري إذ يؤدّي الحوار إلى كشف ملامح الشخصيّات المتحاورة. وقد يرسل الكلمة أو العبارة فتكشف عن الانفعال السائد أو الموقف المراد التعبير عنه، ونلمس مثل هذه الحواريات لدى محمد الفراتي في ((الكوميديا السّماويّة))، وحانة إبليس، وأنيس المقدسي في ((المعرّي يبصر)) ومحمد حسن فقّي في ((الكون والشّاعر)) و ((اللّه والشّاعر)) و ((جحيم النّفس)) ونسيب عريضة في ((على طريق إرم)) وغيرهم.

الحوار الداخلي ((المناجاة)):

هو ذلك الشجن الداخليّ الذي ينجم عن انشطار نفسي تعانيه الشخصيّة في لحظات تأزّمها وشعورها بالاستلاب فـ ((تكون المناجاة الذاتية اللغة الممكنة حين تصل الأزمة ذروتها))([lxxxii]).

و((على بساط الريح)) يعاني المعلوف أزمة حقيقية تمزّقه بين نوازع الروح وتطلعاتها نحو الانطلاق والرحابة والسعة وقيود الجسد وماتتبعه هذه القيود من حياة وموت وقوانين وحبّ وكره... وقد خلقت هذه الأزمة حالة استلاب وقع الشاعر بين براثنها فجاءت قصيدته صدى لهذه الحالة، ثمّ لتتحول في كثير من الأناشيد إلى مناجاة نفسيّة كما هو الحال في نشيد ((العبد)) إذ يبدو التكرار اللاشعوري لكلمة عبد محرقاً مولّداً لهذه المناجاة التي تعكس روح اليأس والقنوط والتشاؤم اللّهمّ روح الشاعر، فيقول:

دٌ على رَغْمِهِ لأَعَمَى نظِيرهْ

 

كُلُّ مابي في الكَوْنِ أَعْمى وَمُنْقَا

ـها فَطَارَتْ في الجوِّ فَوْقَ نُسورِهْ

 

غيَرَ رَوْحي فالشّعرُ فكَّ جَنَاحَيْـ

حُرّةً بَيْن رُوْضهِ وغَديرِهْ([lxxxiii])

 

تَنْتَحي عَالَم الخُلُودِ لِتحَيا

ونقع على أمثال هذه المناجاة الذاتية التي تعكس القلق والحيرة لدى أنيس المقدسي في ((المعرّي يبصر)) فهو يهجس بهذا الكون الذي يحيط به، فيتساءل عن البارئ الذي فطر هذا الكون، أهو على مثال البشر أم غير ذلك؟ فيقول:

جَرَتْ فِيهِ الخَلائِقُ مِنْ قَديمِ

 

هلِ الدّنْيا سِوى مَجْرَى رحيبٍ

لها مِنْ ذلكَ البَحْرِ العظيمِ

 

إلى بحرِ الفَناءِ ولا رُجوعٌ

وما في الكونِ من سرٍّ بهيمِ؟

 

مَنِ الإنسانُ ما هذي البرايا

فهلْ فيهِنَّ مِنْ عقلٍ عليمِ؟([lxxxiv])

 

وماذا في السَّماءِ مِنَ الدّرارِي

ويسوق هذا الحوار الداخلي الشاعر إلى صديق قديمٍ ضالّ يقف في الممرّ العابر بين نور الحقيقة المشرقة وكهف الظنون والأوهام، ليدلّه إلى ذلك النور البعيد الذي تنجلي به أوهام المادّية وتتهاوى على صلابته صروحها، فيقول:

ـشّكُوكِ فَمَا بِها للنَّفسِ نُورُ

 

وحَاذِرْ أَنْ تعودَ إلى ديَاجِي الـ

لمِنْ في صَدْرِهِ قَلْبٌ كبيرُ

 

ولَيْسَ سَعادَةُ الإِنْسَان وهماً

فما علْمُ الأنام سِوى رجومِ([lxxxv])

 

ولَيْسَ العِلمُ يَروي نَفْس صَادٍ

أما قصيدة نسيب عريضة فتعدّ محاولةً جادة لاستبطان الذات البشريّة بكلّ قواها الروحيّة والعقليّة والعاطفيّة، وتحديد أدوات وجودها فكانت القصيدة حواراً داخلياً بين الشاعر ونفسه وعقله وقلبه وروحه، هؤلاء الذين ألّفوا ركبه نحو إرم، فيقول:

وَمُهجَتِي وَهوايَا

 

قدْ كانَ في الركبِ قَلبِي

والشَّوقُ زَاجي المَطايَا

 

والعقْلُ حامِي السَّرايَا

ورغْبتِي والطَّوايَا

 

وفي الهَوادِجِ حُلمِي

والذّكرياتُ الحَظايَا

 

بناتُ صدْرِي وشِعْري

وعَائِلاتُ الخَطايَا([lxxxvi])

 

وساجراتُ الأمانِي

ويكشف هذا الحوار عن النفس القلقة التي تحاول أن تفتح أمامها آفاق الرؤى في هذه الحياة من أوسع أبوابها، وهي المعرفة هذه النار السماويّة التي توقّدت في إرم الروحيّة التي يقول عنها:

كلَّ طَرفٍ طليقْ

 

تلكَ نارٌ تَشيقْ

غيرُ دربِ اللُّحودْ

 

هَلْ إليها طريقْ

 

إذْ تُحلُّ القُيودْ

 

والجياعُ الورَى

 

تِلكَ نارُ القِرَى

ما أراهُ يَعودْ

 

مَن إليها سَرَى

 

بلْ سَيغْدو الوقودْ

 

أوقِدتْ في إرمْ

 

تِلكَ نارُ العَلمْ

ما لها مِن خُمودْ

 

قَبلَ عَهدِ القِدَمْ

 

أوَ تزولُ العهودْ([lxxxvii])

 

ومن المنولوج في الرحلات الخياليّة ماينمّ عن نزعة تأمليّة لاتكشف عن تمزّق نفسيّ أو معاناة يعانيها الشاعر، بل يكون هذا المنولوج وسيلة كشف ومعرفة، وهذا يتجلّى واضحاً في قصيدة رشيد أيوب ((حلم في المريخ)) التي يتساءل فيها قائلاً:

أناسٌ لهُمْ عَقْلٌ يُناجي كعَقْلنِا

 

يقولونَ: في المريخِ قومٌ كَشِكْلِنَا

وهلْ يجْهلونَ الكَائِنات كَجهلنِا([lxxxviii])

 

فهلْ أصْلُهمْ نَوعُ التّرابِ كَأصلِنا

كما تتجلّى حالة الاستلاب ((الأزمة الداخلية)) في لغة المنولوج واضحة في حوار الفقّي مع نفسه في ((جحيم النفس)) فهو يحملّها مآسيه وصراعه الذي يمزّق روحه بين نوازع الخير والشرّ، ويحاول أن يقود النفس إلى النّار كمحاولة تطهيريّة لها للتخلّص من أوضاع الصراع التي لوّثت نقاءها، فيقول:

تَتَلظَّى تَفُوقُ نَارَ الجَحيمِ

 

أيُّها النَّفْسُ بَيْنَ جَنبَيكِ نَارٌ

لَمْ أذُقْ في اللّظَى كَهَذا الضّريمَ([lxxxix])

 

فارْحَمينِي مِنَ الضَّريمِ فإنّي

وهكذا ساهم الحوار في الرحلات الخيالية بشكل فعّال فأبرز -بنوعيه- ملامح الشخصيّات المتحاورة وأزماتها النفسيّة والفكريّة التي يراد التعبير عنها كما رسم صورة الصراع المستديم بين الرّوح والمادّة والواقع والمثال.

*

ثالثاً: التناصّ ((الاستدعاء الثقافي))

يمثّل التناصّ رافداً ثقافياً يعتمد عليه الشاعر في بناء عمله الفنّي متكئاً على ثقافته التراثية سواء أكان هذا الاتكاء شعورياً أو لاشعورياً. ومن ذلك قول الزهاوي:

مِن شَعاعٍ بهِ يكادُ يُطيرُ([xc])

 

قَلتُ في خَشيةٍ (بَلى) وفُؤادِي

فهو يستدعي بصورة مباشرة قول قطريّ بن الفجاءة حين يصف نفسه التي يخاطبها في موضع الإقدام، فيقول:

مِن الأبطالِ ويحكِ لنْ تراعِي([xci])

 

أقولُ لها وقدْ طارتْ شَعاعاً

وفي ((الكوميديا السماوية)) يتناصّ الفراتي في قوله:

ونَاحَ كَما نَاحَتْ عَلى الإلف أيّمُ([xcii])

 

وأجْفَلَ مُرتَاعاً وأجهشَ بالبُكا

مع صورة الحمام الباكي على فراق المحبوب لدى بعض الشعراء العذريين، كقول المجنون:

أَفَارقْتَ إلفاً أَمْ جَفَاكَ حَبيبُ

 

فَقُلْتُ: حَمامَ الأَيكِ مَالَكَ بَاكياً

وأَعْرضَ إلَفِي فَالفُؤادُ يَذوبُ([xciii])

 

فقَالَ: رماني الّدهر مِنهُ بَقوسِهِ

أمّا قول الفراتي:

عَظيمٌ بِهِ أركانُهَا تَتَهدَّمُ([xciv])

 

وأمضَى المُنَى أَنْ يصطدِمَ الأرضَ كوكَبٌ

فهو يستدعي بصورة مباشرة نظرية لعلماء الجيولوجيا مفادها أنّ عصر الديناصورات انتهى بسبب ارتطام نيزك عظيم بالأرض فوقع جراء ذلك انفجار هائل نجم عنه سحب كثيفة من الدخان الأسود غطّت وجه الأرض لعدّة شهور. وقوله:

فمنْها سَحيلٌ لو عَلمْتَ ومُبْرَمُ([xcv])

 

رَفائيلُ أحوالُ البَسيطَةِ جَمَّةٌ

يستدعي بصورة مباشرة قول زهير في مدح هرم بن سنان والحارث عن عوف:

عَلى كَلّ حَالٍ من سَحيلٍ ومُبرمِ([xcvi])

 

يميَناً لنِعْمَ السّيّدانِ وَجدتُمَا

أمّا موضوع ((في حانة إبليس)) فيستدعي إلى ذهن المتلقّي الحكايات الشعبية عن السعلاة  التي تخطف الصغار إلى باطن الأرض بعد أن تغريهم بالحلوى وغير ذلك وهي شائعة كثيراً في أرياف المناطق الشرقية والجزيرة. ويتناصّ قوله في ((في حانة إبليس)):

ومِنْ نَارٍ بَرى نَبعِي

 

فَآدَمُ كانَ مِن طينٍ

رِ ذَاكَ الطّينُ بالطّبعِ([xcvii])

 

ولايَسمُو سُموَ النّا

مع قول بشار بن برد وبصورة كليّة شاملة:

فتبيّنُوا يامَعشرَ الفجّارِ

 

إبليسُ خَيرٌ مِن أبيكم آدمَ

والطّينُ لايسموُ عَلى النّارِ([xcviii])

 

النّارُ مَعدنُهُ وآدمُ طِينٌ

أمّا قوله:

مِنَ الشيخِ أباطيلَهْ

 

فَلو أدْركْتُ إذْ ذَاكَ

ةَ في القُمقُمِ بالحِيْلهْ([xcix])

 

لأدْخَلتُ أبَا مرّ

يستدعي إلى ذهن المتلقّي حكايا السندباد البحري الذي يدخل العفريت بالحيلة إلى القمقم ويتخلّص من شرّه.

كما يستدعي الحديث على ألسنة الطير والحيوان في الرحلة الخيالية قصص كليلة ودمنة وقصص أحمد شوقي على لسان الحيوان، يقول محمد حسن فقّي:

ترُدِّدُ الأجْوَاءُ أَلحانَهُ

 

قَالَ عُقابٌ: ليتَنِي بُلبُلٌ

فَيُسْكِرُ الرّوضَ وغدُرانَهُ([c])

 

يعَيشُ في الرَّوضِ ويَشدُو لَهُ

ويتناصّ قول أنيس المقدسي:

أَللعُقَلاءِ أشواكُ الحَياةِ([ci])

 

بربِّكَ يَارسَولَ العَقلِ قُلْ لِي

مع قول المتنبي:

وأخُو الجَهالَةِ في الشّقَاوَةِ يَنعَمُ([cii])

 

ذُو العَقلِ يَشْقَى في النّعيم بَعقلِهِ

ويبدو التناصّ بين القولين كليّاً من حيث الفكرة في حين اختلف الأسلوبان في التعبير عنها إذ كان قول المتنبيّ خبرياً يعتمد المقارنة بين العقلاء والجهلاء في حين اعتمد المقدسي على الحوارية الإنشائية فبدأ بالقسم ثمّ النداء فالاستفهام.

كما يتناصّ العقّاد في قوله:

واسمعُوا كَيفَ غَوى الشّيطانُ فيها([ciii])

 

فاصْبِرُوا فالصّبرُ مِفتاحُ المُنَى

بصورة مباشرة مع المثل الشعبي ((الصّبر مفتاح الفرج)).

وقد لمَّح العقّاد بشكلٍ غير مباشر إلى قول المتنبيّ:

ولَو كانَ في جنانِ الخُلودِ([civ])

م

فاطلبِ العزَّ في لظىً ودعْ الذُّلَّ

في قوله على لسان الشيطان:

ومَتى كَان خُلودٌ في قُيودْ([cv])

 

عَفوكَ اللّهُمَّ لا خُلْدَ هنا

أمّا في قصيدة فوزي معلوف (( على بساط الريح)) فالعنوان يستدعي إلى الذهن بصورة مباشرة حكايا ألف ليلة وليلة، ورحلات السندباد البحري السبع، أمّا قوله:

جاءَ يستعمرُ الأثيرَ بأسرِهْ([cvi])

 

آدميٌّ هذا أجابَ أخوهُ

فإنّه يستدعي إلى الذهن صورة الاستعمار في أعين الشعراء بما تحمله هذه الصورة من بشاعة وقتل وتدّمير وسلب وقسوة يقول أحمد شوقي:

أبينَ فؤادِهِ والصّخرُ فرقُ

 

سَلي مَن راعَ غِيدَكِ بعدَ وُهَنٍ

قُلوبٌ كالحجارةِ لاتَرقُّ([cvii])

 

وللمستعمرينَ وإنْ ألانُوا

وتبدو تقنيّة التناصّ ذات أهمية كبيرة في بلورة المشاعر النفسية، حيث يتناصّ الشاعر مع ابن زيدون في قوله:

كأنَّما رقَّ لي فاعتلَّ إشْفاقا([cviii])

 

وللنسيمِ اعتلال في أصائِلِهِ

أمّا الشاعر، فيقول:

فعليلٌ أتى يعودُ عليلا([cix])

 

وإذا ما النّسيمُ مرَّ عليهِ

والتناصّ هنا في الصورة والفكرة العامّة، والاختلاف في الصياغة لأنّ الشاعر استخدم أسلوب الشرط والجملة الفعلية المفسرة بجملة أخرى لتدلّ على الحركية. بينما جاءت صورة ابن زيدون قائمة على الجملة الأسمية ومعقود طرفاها بالمشبك كأنّما. والمهمّ أنّ الشاعر حاكى ابن زيدون واستطاع الاعتماد على التراث في تجديد الصورة التي تعبّر عن حال الإنسان العليل الشاحب وعطف الطبيعة عليه. وهذا التناصّ يؤكّد أنّ: ((مجال النصّ لايقتصر على مافيه من علاقات متناغمة كما الحال عند البنيويين، بل للمحاكاة شأن في تحقيق هذا المجال وذلك إذا ما استطاع المبدع إبداع جديد اتكاءً على التراث السابق))([cx]).

وفي قوله:

سُ يُحاكي بُثينةً وجميلا