|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
الخاتمة
ملخص:
لقد بيّنت الدراسة أهمية
الرحلة الخياليّة للأديب العربي القديم حيث جعلها وسيلة غير مباشرة للتعبير عن
رؤاه الفكرية وأغراضه الفنّية والأدبية، على نحو ابن شهيد والمعرّي، ودانته في
الأدب الأوربي القديم. وفي وصف الرحلات الخياليّة في
الشعر الحديث تباين المكان الذي انطلقت إليه الرحلات الخياليّة فكان لبعضها أن
اختار عالم الجنّ والشياطين والمدن المسحورة ليعيش لحظات الخلق الأسطوري في زمن
البساطة والبراءة. ومن ثمّ ليجلو غبار الزمان المتراكم عن الرؤية الأولية للإنسان
العربي نحو الموت والحياة والفنّ والجسد والروح، وقد رأى بعض شعراء الرحلة في
المدن المسحورة وسيلة كشف روحي يعينه على تحقيق أدوات وجوده الإنساني. في حين اختار قسم آخر من
الشعراء السماء والأفلاك وعالم الأرواح مراحاً يطرحون فيه رؤيتهم للعالم مؤكّدين
أهمية النقاء الروحي كوسيلة لتحقيق السعادة الإنسانية، ولم ينسَ الشعراء، وهم
يحلّقون في هذه العوالم العلوية أن يشيروا بأصابعهم وكلماتهم إلى الواقع المأسوي
الذي فروا عنه، فعرضوا مفاسده وشروره. منتصرين لذواتهم أوّلاً، ثمّ
للنوازع الإنسانية العليا التي أسهمت في إبراز الروح الشعرية مميزاً للشاعر الإنسان
عن غيره من البشر، ففوزي معلوف ما ذاق طعم الحريّة إلا عندما عانقته روح الشعر،
والفراتي لم يخرج في عالم الحلم إلا لينتصر لشاعريته. وكذلك اختار الشعراء الموت
والبرزخ والآخرة ليعرضوا رؤاهم ومواقفهم من الواقع الاجتماعي والسياسي والحياة
والفنّ فيه، وربّما حمل المكان شيئاً من الرمزية الشفافة لدى بعض هؤلاء الشعراء. وبيّنت الدراسة أهم الدوافع
غير المباشرة التي دفعت بالشعراء إلى كتابة الرحلة الخياليّة، فبرزت الدوافع
الوجدانية في مقدّمة هذه الأسباب، ولم تكن كذلك لولا الواقع الاجتماعي المتردّي
الذي ألجأ الشاعر العربي إلى الارتداد عميقاً نحو ذاته يستجلي جوهرها تارة، أو
يغور بعيداً في طبقات الأرض السحيقة يرسم صورة مشوّهة لمجتمعه ويفضح مفاسده وشروره
مرّة أخرى. غير أنّ الواقع الاجتماعي
المأسوي لم يجعل الشعراء متنكّرين لمجتمعاتهم الراسفة في قيود الجهل والتخلّف
فأرادوا من وراء ذلك فضح المساوئ والتحذير منها كما حمّلوا الاستعمار وزر هذه
الإحباطات والارتكاسات في المجتمع، وحثّوا على الثورة والتمرّد سبيلاً للخلاص.
لكنّ تحريضهم ظلّ أسير النزعة الرومانتيكية. وقد باحت بعض الرحلات برغبة
خفية في تجديد ثوب الشعر العربي الذي بات خَلِقاً من التكرار والجمود لذا أصرّ
كثير من الشعراء على أهمية الشعر ومن ورائه الفنّ سبيلاً للخلاص، وكذلك بدت الرغبة
جلية في إحياء التراث العربي من خلال بعث أساطيره ورفع ركام الزمن عن جوهرها
النفيس لتسهم بدورها في الفكر العربي والإنساني. ولم تكن الرحلة الخياليّة قد
نبغت فجأة في قرائح الشعراء دونما سابق عهد بثقافة. فإنّما شكّلت البيئة الثقافية
لبنة أساسية في بناء الرحلة. وقد استلهم بعض الشعراء ما وصل إليه من ثقافة أسطورية
شرقية أو عربية ووظّفها في رحلته كموضوع أساسي تقوم عليه الرحلة الخياليّة، في حين
أخذت الصورة الأسطورية رونقها الشفّاف عند محمد عبد المعطي الهمشري الذي حمّل
الأسطورة رؤيته الروحية نحو الموت والحياة، وقد بدا في أسطورته وكأنّه شخصية
أسطورية تؤدّي فعلاً مقدّساً تستعيد فيه الروح بريقها الشفّاف. ولم تكن الثقافة الدينية أقل
شأناً من غيرها في التأثير على بنى الرحلة الخياليّة بكلّ عناصرها الأساسية من
قرآن وحديث وفلسفة إسلامية فحملت النصوص القرآنية وضوح الفكرة ورونق الشاعرية
فلبست ثوباً جديداً من شأنه أن يشكّل بذرة لشكل آخر من الشعر العربي الحديث. وأسهمت الثقافة الفلسفية في
إغناء الرحلات الخياليّة بمادّتها الغنية من الفلسفة العربية القديمة كفلسفة
المعرّي، حيث ساعدت هذه الثقافة على ترسيخ النزعة التشاؤمية التي تآخت مع مثيلتها
في النزوع الرومانتيكي. ولقد باحت الرؤية الفكرية في
الرحلات الخياليّة بمكنوناتها فكان التأمّل في الموت والحياة اللذين تباينت آراء
الشعراء فيهما فبدا الموت ضرورة طبيعية تفرضها الحياة البشرية في هذا الكون، في
حين هو وسيلة للخلاص من هموم الواقع ومآسيه ولربّما ارتبطت صورته بالمعتقد الديني
الذي يرى فيه طريقاً لحياة أخرى شقيّة أو سعيدة. كما تبلورت رؤاهم نحو الروح
والجسد وكانوا أكثر انتصاراً للروح باستثناء الزهاوي الذي انتصر للعلم الوضعي
الماديّ وشفيق معلوف في (نشيد الجنيّة) وقد ابتدع الشعراء لكليهما (أي الروح
والجسد)، رموزاً من صميم الحياة الإنسانية، وقد نمّت رؤاهم التأمّلية عن صراع خفي
بين العلم والدين، وبرزت كذلك فلسفة الجبر والاختيار كامتداد للفلسفة الإسلامية،
حيث مثّل إبليس الاختيار الحرّ لدى أغلب الشعراء، في حين أدان بعضهم الآخر الجبر
الإلهي من خلال شخصياته. وكانت المعاناة منعكساً
للواقع المؤلم الذي يعانيه الشاعر من صراع الخير والشرّ في داخله، وإن كان انتصار
أغلب الشعراء للخير فإن هذا الانتصار غلبت عليه النظرة التشاؤمية، وكان أن وجّه
الشاعر النقد اللاذع للمجتمع العربي، وربّما حثّ على الثورة وسيلة للخلاص كما جعل
الشعر والحبّ رائدين لخلاص الإنسان. وقد عرضت البنية الفنيّة
الصورة الجمالية للرحلة الخياليّة نصّاً وتأويلاً فانطلقت من التقنية الفنّية
لتحليل البدايات والنهايات وما بينها من تحوّلات في الشخصيات والمواقف فكانت
البدايات متنوّعة بين المفاجئة والطويلة المملّة والرتيبة المتناسقة مع سيرورة
الأحداث، وجاءت أغلب النهايات استمراراً للنهاية التراثية في القصيدة العربية إذ
تقوم على الحكمة والتأمّل. وكذلك تنوّعت العقدة، فجاءت
مرتجلة ساقتها طبيعة الأحداث، وحادة في بعضها بلغت فيها الرحلة ذروة الجمال
الفنّي، كما كانت غائبة في بعضها الآخر، ومقنّعة تغلّفها غلالة من الغموض الشفّاف
أحياناً أخرى. وكان الصراع منعكساً فنّياً
للثنائيات الضدّية التي قامت عليها أكثر الرحلات الخياليّة وارتبط الزمان بعالم
الحلم والخيال لذا ابتعد عن الواقعية الأمر الذي أفسح المجال واسعاً أمام امتداده
في بعض الرحلات إلى ما لانهاية. كذلك امتاز المكان في الرحلة بصباغ خاصّ يميّزه عن
بقية الأماكن فكان تارة علوياً ذا سعة ورحابة وإن كانت الرحابة لا تعني بالضرورة
السعادة -وتارة أخرى كان سفلياً غرائبياً عجيباً مهّد بدوره لظهور شخصيات غريبة
أسطورية أو شبه أسطورية وقد ظلّت الأماكن في سياقها المألوف في الثقافة الدينية
والشعبية إلاّ المكان الماورائي (عالم الموت) فقد كان مبتكراً جديداً رآه الشعراء بأرواحهم
وسمعوا أصوات شخصياته من خلال أنين أحاسيسهم المفّعمة باللوعة والأسى. وكانت الشخصيات في أغلب
الرحلات الخياليّة متنوّعة بين إنسانية وأسطورية ولا إنسانية كما انقسمت في
مواقفها الفكريّة بين خيّرة وشريرة، وإن لم تكن مقاييس الشعراء واحدة لهذه
المسألة. وأسهم الحوار بنوعيه الديالوج
والمنولوج، في رسم الصورة الفكّرية والشعورية للشخصيات وباحت من خلال عباراتها عن
مكنوناتها الانفعالية والفكّرية، وظّل الديالوج في إطاره التراثي مرتبطاً بفعل قال
وقلت وأخواتها، في حين عبّر المنولوج عن حالة من الاستلاب الروحي، فكان أشبه
بالبوح والمناجاة الذاتية. وظلّ التناصّ رافداً ثقافياً
وفكّرياً للشاعر والمتلقّي في آن معاً ويعطي المتلقّي مجالاً للحريّة أوسع ليخضع
النصّ لثقافته يقرؤه بعيداً عن علاقته بمبدعه وظروفه النفسية والاجتماعية. وكانت اللغة الشعرية بمظاهرها
الثلاثة: المظهر اللفظي والتركيبي والدلالي خير رياش الشاعر الفنّان في استكمال
ملامح الصورة الجمالية للرحلة الخياليّة. *** تعلـــيق
أوجه التشابه والاختلاف مع الآداب
العالمية:
لم يكن التأثّر بالأدب
العالمي عند أصحاب الرحلات مثل التأثّر بالأدب العربي القديم، فأصل هذه الرحلات هو
الشرق وليس الغرب، بدءاً بجلجامش إلى كتاب الموتى إلى يونس ويوسف والمعراج ومقامات
الهمذاني وتوابع وزوابع ابن شهيد والغفران. بل نذهب أبعد من ذلك لنقول: إنّ الأدب
العالمي حاكى رحلات أدبائنا القدماء، ولا سيما دانته في الكوميديا الإلهية. وهذه أبرز وجوه التشابه بين
هذه الرحلات والرحلات العربية والعالمية قديمها وحديثها. - أوجه التشابه:
أوّلاً- اختيار هذه الرحلات
الحديثة وتلك القديمة عوالم غير عوالمنا الإنسانية، سواء أكانت عوالم حسية أم
معنوية. ثانياً- استخدمت كلّها وسائل
انتقال إلى ذلك العالم الذي تنشده، وإن اختلفت هذه الوسائل، فإنّ هناك وسيلة تكاد
تطغى على البقية، وهي الموت. حيث يكون الموت معبراً هاماً إلى عالم بعيد عن عالمنا
الأرضي، في القبر، أو على عرصات القيامة، أو في الجنّة أو الجحيم، أو على شاطئ
الأعراف. ولعلّ تسمية الشعراء الذين ألمحنا إليهم الآن يعدّ حشواً لا فائدة منه. ثالثاً- ويبدو واضحاً اعتماد
هذه الرحلات على الصديق أو المرافق في الرحلة، فقد كان المرافق للمعريّ ابن
القارح، ومع ابن شهيد زهير بن نمير أشجع الجنّ، ومع دانته في النار فرجيل رمز
العقل عند الرومان، وفي الجنّة بياترتشة، وكذلك الحال لدى شعراء الرحلات المحدثين،
فشفيق معلوف رافقه شيطان شعره إلى عبقر، والفراتي صاحبته السعلاة في حانة إبليس،
أمّا في الكوميديا فقد رافقه ((ميكال)) ولكن أكثرهم رفقة نسيب عريضة، حيث صحبه في
رحلته عقله وقلبه ومهجته... الخ. لذا يقول:
وكذلك رافقت روح الشعر فوزي
معلوف في ((على بساط الريح))، ومع عبد المعطي الهمشري ربّة الشعر، ومع الفقّي في
((جحيم النفس)) روحه الثائرة. أمّا اختيار ساعة القيامة والجنّة والنار فلا نستطيع
أن نقول: إنّ شعراء الرحلات تأثّروا بدانته لأنّ دانته أصلاً كان متأثراً برسالة
الغفران وبروح الغفران الفنية. أمّا القلعجي فتطغى عليه الروح الدينية الإسلامية. وأمّا شخصية الشيطان فهي
مشتركة عند أغلب الشعراء بمحمولاتها الفكرية والفنية والرمزية، ويمكن أن ندّعي
تأثّر العقّاد بفردوس ملتون خصوصاً بالروح الثورية المتمرّدة التي أسبغها على
الشيطان. - أوجه الاختلاف:
أوّلاً- اختلاف الغايات
والمضامين الفكرية لهذه الرحلات، ويمكن أن نحصرها في أنّها غايات سياسية كما لدى
الزهاوي ودانته، وفكرية كما لدى نسيب والمقدسي وشفيق، ودينية كما لدى الفراتي
والزهاوي والهوني، وذاتية فنية، كالفقّي والهمشري وفوزي والعقّاد، واجتماعية
متداخلة مع الغايات الأخرى. ثانياً- اختلاف المادة
الثقافية الناظمة لهذه الرحلات، فبعضها اتكأ على الأسطورة، والثاني على الدين،
وثالث على التجربة الذاتية، ورابع على الفلسفة وخامس على العلوم الفلكية والكونية. في الختام يمكن نقول: إنّ علاقات
التأثّر قائمة بين الآداب العالمية والعربية في كلّ الأجناس الأدبية، وليس الأمر
محصوراً بهذه الظاهرة الشعرية التي عرفها أدبنا العربي قديمه وحديثه، وتؤكّد
الدراسة أنّ هذه العلاقات الثقافية القائمة على التأثّر لا تقلّل من قيمة أيّ نص
أدبي، حتّى لو كان التأثّر حديثاً جداً بين شعراء الرحلات الخيالية أنفسهم، كما هو
الحال لدى فوزي المعلوف وإبراهيم الهوني ومحمد حسن فقّي، إنّما من شأنها أن تغني
هذه الموضوعات، وتزيدها رونقاً وجمالاً. ولعلّ
في هذا ما يفتح أفقاً جديداً للبحث، ممّا يؤكّد أن للبحث العلمي جهد إنساني مستمر. |