|
يُحملِق في وجهي وحيناً يهينمُ([ii])
|
|
تقدَّم نحوي ذلكَ الشّخصُ وانبرى
|
|
وتسمعُ ما يخفى عليكَ وتفهمُ
|
|
وعلّمني سرّاً وقالَ ترى بهِ
|
|
قديماً أو أنّي كنتُ في الأصلِ منهمُو
|
|
فصرتُ كأنّي قد درستُ لغاتِهمْ
|
|
محيطُ بهِ سورٌ حريزٌ ومحكَمُ([iii])
|
|
نظرتُ إذا صرحٌ هنالِكَ شاهقٌ
|
|
نوافذُها في ظلمةِ الليلِ أنجُمُ
|
|
ومن دونِ ذاكَ الصّرحِ دورٌ كأنّما
|
|
بها الخلقُ فيما تشتهي تتنعّمُ
|
|
على ساحلِ البحرِ المحيطِ مدينةٌ
|
|
بها الوهمُ يغشو والحقائقُ تكتمُ
|
|
معاهدُ لم تشبهْ معاهدَنا التي
|
|
بها العلمُ يزهو والمعارفُ تخدمُ
|
|
معاهدُ ما ينبتُ في الأرضِ مثلُها
|
|
عليهِ من الآلاتِ قدرٌ منظّمُ
|
|
ولما صعدْنَا الصّرحَ شاهدْتُ مرصداً
|
|
ولي في جمالِ الصّنعِ قلبٌ متيّمُ
|
|
فتيّمني من جودةِ الصّنعِ بعضُها
|
|
ولكنّها منها أدقُّ وأحكمُ
|
|
تشابِهُ آلاتِ المراصدِ عندَنا
|
|
يقومُ وتاراتٍ من الضّعفِ يجثمُ
|
|
تقرّبتُ من شيخٍ هنالكَ ناحلٍ
|
|
فيخفيهِ عنهُ العارضُ المتجهّمُ([iv])
|
|
تصوّبَ منظاراً ليرصدَ كوكباً
|
|
فعادَ إلى منظارهِ يترسّمُ
|
|
وما هو إلاّ أن صفا الجوُّ برهةً
|
|
وناحَ كما ناحَتْ على الإلفِ أيّمُ
|
|
وأجفلَ مرتاعاً وأجهشَ بالبُكا
|
|
لينكأُ قلبي جفنُكَ المتورّمُ([v])
|
|
فقلتُ وما يبكيكَ يا شيخُ إنّهُ
|
|
ومثلي بتمحيصِ الحقائق مغرمُ([vi])
|
|
فقالَ اقتربْ منّي فأسرعْتُ نحوَهُ
|
|
على مثلِهِ والجوُّ أغبرُ أقتمُ
|
|
نظرتُ إذا جيشٌ هنالِكَ زاحفٌ
|
|
تساقي الردّى والأرضُ يغمرُهَا الدّمُ
|
|
وفي ساحةِ (الرينِ) الجيوشُ مخفّةٌ
|
|
وللَّهِ أطفالٌ هناكَ تيتّموا
|
|
فللهِ أشلاءٌ هناكَ تمزّقَتْ
|
|
ومن مثلِ هذا يخجلُ المتعلّمُ
|
|
على مثلِ هذا يسكبُ الشيخُ دمعّهُ
|
|
يشيرُ إلى نجمٍ مضيءٍ ويشتمُ
|
|
رجعتُ إلى صحبي (وميكالُ) واقفٌ
|
|
فأوقد ناراً بالحشا تتضرّمُ
|
|
سمعتُ كلاماً منهُ رنَّ بسمعي
|
|
على سطحِها أشقى النّفوسِ وألأمُ
|
|
يقولُ لهم والأرضُ تلمعُ في الدّجى
|
|
ووا خجلتاهُ إنّني قلتُ منهمُو
|
|
فقلتُ بنفسي وافضيحةَ أهلِها
|
|
وعمّا قريبٍ فجرُكمْ يتبسّمُ
|
|
أميكالُ إنّ الليلَ أوشكَ ينقضي
|
|
فإنّي على استكشافهِ لمصمّمُ
|
|
وقصدي عبورُ
البحرِ إن كنتَ مُسعفي
|
|
فإنْ ذرَّ قرنُ الشّمس ولَّيتُ عنكُمُ
|
|
ومالي مقامٌ عندكُمْ غيرَ ليلتي
|
|
يموتونَ جوعاً إن تغيّبتُ عنهمُو([vii])
|
|
فلي صبيةٌ غَادرتُهم في تنوفةٍ
|
|
وقالَ اركبُوا لا بأس صحبي عليكمُو
|
|
فأسرع ميكالٌ وجهّزَ مركباً
|
|
ولا مركبي يعيى ولا أنا أسأمُ
|
|
سأقطعُ عرضَ البحرِ في ربعِ ساعةٍ
|
|
تذلّلُ منه كلَّ صعبٍ وتخطمُ
|
|
وأعملَ فيهِ الكهرباء بقوةٍ
|
|
يقيسُ بها بُعدَ الطريق ويرسمُ
|
|
وراحَ يرينا آلةً هندسيّةً
|
|
وآخرٌ فيها موجبٌ متحكّمُ
|
|
وأخرى تحدّى قوّتَيها فسالبٌ
|
|
وأشرقَ منها أزرقُ اللونِ معْلمُ
|
|
إلى أن علا منها هزيمٌ فأبرقَتْ
|
|
لوالبُ لم يحلمْ بها المتوهّمُ
|
|
ودارَتْ على أقطابها دورةَ الرحى
|
|
وتَهوي كما يَهوي إلى الصيدِ قشعمُ
|
|
فراحتْ تشقُّ الموجَ شقّاً بصدرِهَا
|
|
على رغمِ أنفِ الجهلِ لا بدَّ يخدمُ
|
|
ومَنْ يخدمِ العلمَ المفيدَ فإنّهُ
|
|
بآفاقِها جيشُ الظلامِ مخيّمُ
|
|
نظرنا على بعدٍ جزيرةَ (بلّنسٍ)
|
|
بها للذي يهوى الإقامةَ مغنمُ
|
|
وبلّنسُ فيما قالَ ميكالُ جنّةٌ
|
|
بها وبسرِّ الكهرباءِ يعلّمُ
|
|
وقد كانَ ميكالٌ على ما أفادنا
|
|
فأوضحَ معناهَا فلمْ يبقَ مبهمُ
|
|
أكبَّ على التدريسِ تسعينَ حجةً
|
|
(رفائيلُ)
ذاكَ الفيلسوفُ المعلّمُ
|
|
وأستاذهُ فيها وشاعرُ عصرهِ
|
|
ليكبرُ في عينيّ قدراً ويعظُمُ
|
|
فقلتُ لميكالٍ زرِ الشيخِ إنّهُ
|
|
سنأخذُ عنهُ ما نشاءُ ونفهمُ
|
|
فلم يمتنعْ إذ قالَ لا شكَّ أنّنا
|
|
فأكرمَ مثوانا الجليلُ المكرّمُ
|
|
دخلنا على الشّيخِ الجليلِ فجاءةً
|
|
وصحبي من الإدلاجِ والأينِ هوّمُوا
|
|
وبعد حديث طالَ بيني وبينهُ
|
|
يلاحظُني طوراً وطوراً يهمهمُ
|
|
وأدركَ أنّي من بني الأرضِ فانثنى
|
|
تكشّفَ مِنها سرّيَ المتكتّمُ
|
|
يمشّتْ بأعصابي من الخوفِ رعدَةٌ
|
|
على الخزي في المريخِ والموتُ أسلمُ
|
|
وما الخوفُ إلاّ من بقائيَ سالماً
|
|
ولم يكُ لي ظلٌّ على الأرضِ يُرسمُ
|
|
تمنيّتُ أنَّ الأرضَ لم تكُ موطني
|
|
ولا كنتُ فيها شاعراً أترنّمُ
|
|
ولا كانتِ الدنيا ولا كانَ أهلُها
|
|
عظيمٌ بهِ أركانُها تتهدّمُ
|
|
وأمضى المنَى أن
يصدم الأرضَ كوكبٌ
|
|
فنصبحُ لا نخزى ولا نتألّمُ
|
|
فيغسلُ عنها العارَ تمزيقُ جُرمِها
|
|
فأدرك أنّي من بني الأرضِ أنقمُ
|
|
رآني رفائيلُ المعلّمُ باهتاً
|
|
عنِ العالمِ الأرضي إنْ كنتَ تعلمُ
|
|
فقالَ سليلَ الطينِ هل أنتَ مُخبري
|
|
تحيطُكَ علماً بالذي لكَ يلزمُ
|
|
فقلتُ أجلْ عندي بهمْ بعضُ خبرةٍ
|
|
فمنها سَحيلٌ لو علمْتَ ومُبرمُ
|
|
رفائيلُ أحوالُ البسيطةِ جمّةٌ
|
|
فتاريخُ مبدانا على الأرضِ مُبهمُ
|
|
أجدَّك هلْ يعنيكَ بدءُ حياتِنا
|
|
على أنْ نرى رأي الأوائلِ نرغمُ
|
|
وإنّا برُغمِ البحثِ والنقدِ لم نزلْ
|
|
بهِ صُفرةٌ والبعضُ كالليلِ أدهمُ
|
|
فمنّا نحاسيُّ الأديم وبَعضُنا
|
|
لهمْ سوءُ خلقٍ كالدّجنّةِ مظلمُ
|
|
ومنّا أناسٌ كالصباحِ وجوهُهم
|
|
بأنّ أباهُم آدمٌ وهو أأدمُ
|
|
على بعدِ ما بينِ العروقِ توافقوا
|
|
نهى اللَّهُ أن يجني جناهَا ويطعمُ
|
|
وأمهمُو حوّاءُ أغوتهُ بالتي
|
|
بجناتِ عدنٍ قبلَ ذا تتنعّمُ
|
|
فقالَ اهبطا منها وكانتْ وزوجُها
|
|
بما نحنُ منهُ الدّهرَ نشقى ونألمُ
|
|
أزلهُما الشَيطانُ عنها فعوقبا
|
|
فهل نحنُ من جراءِ ذلكَ نظلمُ
|
|
عصى آدم أمرَ الإلهِ وزوجُهُ
|
|
أضرَّ بنا ذاكَ الشّقاءُ المحتّمُ
|
|
شقينا شقاءً يعلمُ اللَّه أنهُ
|
|
من الغُبنِ لا نشكو ولا نتبرّمُ
|
|
ثقيلٌ علينا وطؤهُ غيرَ أنّهُ
|
|
تبيّن منها أنّ قابيلَ مجرمُ
|
|
وأعجبُ من هذا وذلكَ فتنةٌ
|
|
على الأرضِ فيما بينها سُفكَ الدّمُ
|
|
فمن أجلِ إقليما الجميلةِ أخوةٌ
|
|
تُحلُّ بما يوحي لها وتحرّمُ
|
|
ومنْ بعد هذا أرسلَ اللَّهُ رسلهُ
|
|
فداودُ بينَ الناسِ بالحقِّ يحكمُ
|
|
على الملكِ داودَ الزبورُ تنزّلتْ
|
|
فتوراتُهُ وحيٌ من اللَّهِ مُلهمُ
|
|
ومن قبلهِ موسى بن عمرانَ رحمةً
|
|
إلى الناسِ بالإنجيلِ للشّرِّ يحسمُ
|
|
وعيسى أتى روحاً من اللَّهِ هادياً
|
|
بفرقانِهِ شرعُ الإلهِ يتمّمُ
|
|
وأرسلَ ختمَ الأنبياءِ محمّداً
|
|
يعذّبُ منّا من يشاءُ ويرحمُ
|
|
لقدْ أخبرَتْ رسْلُ الإلهِ بأنّهُ
|
|
وأنَّ جزاءَ الكافرينَ جهنّمُ
|
|
وأنَّ جزاءَ المؤمنِ البرِّ جنّةٌ
|
|
على زعمِهمْ والزّعمُ بالحقِّ يدعمُ
|
|
فأتباعُ موسى مثّلوا بابنِ مريمَ
|
|
وقالوا بلا ريبٍ حديثٌ مرّجمٌ
|
|
وأتباعُ عيسى أبكروا دينَ أحمدٍ
|
|
بمنْ قبلهِ حقّاً وللَّهِ أسلمُوا
|
|
وآمن أتباعُ النّبيّ محمّدٍ
|
|
لسابقهِ والجاحدُ المتقدّمُ
|
|
ومن ذا ترى أنَّ المقدّم مثبتٌ
|
|
وذا الطبع فيهِ راسخٌ متحكّمُ
|
|
مذاهبهمْ شتّى وشتّى قلوبهُمْ
|
|
مجدٌ ومنها خاملُ الذكرِ معدمُ
|
|
شعوبٌ فمنها نابهُ الذكرِ عاملٌ
|
|
وجدِّكَ ما للعدلِ في الأرضِ مجثمُ
|
|
يقولونَ إنّ العدلَ في الأرضِ شائعٌ
|
|
ويشهرُ بتارٌ ويشرعُ لهذمُ
|
|
وما العدلُ إلاّ حيثُ يرعدُ مدفعٌ
|
|
بعيشكَ ما هذا الحديثُ المجمجمُ
|
|
تنبّهَ ميكالٌ من القومِ قائلاً
|
|
إذا طالَ بي مُكثي رفائيلُ يسأمُ
|
|
فقلتُ له لا شيءَ دعني فربّما
|
|
فخلتُ لها صمَّ الصفا يتبسّمُ
|
|
بدتْ من رفائيلَ الجليل ابتسامةٌ
|
|
بهِ نفعُ أهلِ الأرضِ أن كنتَ تفهمُ
|
|
فقالَ بنيَّ اسمعْ أحدثْكَ بالذي
|
|
رفائيلُ (سي مورا) عليكمْ يسلّمُ([viii])
|
|
إذا زرت سكانَ البسيطةِ قلْ لهمْ
|
|
فإنّي أراهمْ عن طريقِ الهُدى عمُوا
|
|
وبلغهمُوا عنّي رسالةَ ناصحٍ
|