الرحلات الخيالية فـي الشعر العربي الحديث 1999 - محمد الصالح السليمان

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:14 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
ملاحق

ملاحق

ملحق (1)

الكوميديا السماوية للشاعر محمد الفراتي

تفرد الدراسة في هذا الملحق لإثبات النصّ الكامل للكوميديا السماوية للشاعر محمد الفراتي، فقد ذهب معظم الباحثين إلى أنّ النصّ قد ضاع بعد أن أخذه خليل هنداوي من الشاعر لدراسته حيث فقده، غير أنّ الأستاذ سامي الكيالي قد أقنع الفراتي أن ينشرها في صفحات مجلة الحديث التي يرأس تحريرها، فنشرت المجلة القسم الأكبر منها، ولم تسنح الفرصة للفراتي أن ينشرها في ديوانه النفحات، حيث نشر فيه قصيدتيه: (في حانة إبليس وغرور الشباب)، ويضم النصّ المثبت:

أوّلاً: مقدمة الكوميديا أو (الحلم المريع).

ثانياً: من أنا ومن أين جئت إلى هذا الوجود.

ثالثاً: الكواكب وفيه:

1- كوكب الشعراء.

2- كوكب العباقرة.

3- كوكب الزنادقة.

رابعاً: إلى أين مصيري بعد الموت، وفيه:

1- ما وراء الطبيعة.

2- التعارف الروحي.


 

الــنصّ

مقدمة الكوميديا ((الحلم المريع)):

عن السّيرِ في ((سيسا)) الظلامُ المخيّمُ

 

هبطْنا إلى المريخِ ليلاً فعاقنا

عبابُ خضمٍ بالمخاطرِ مفعمُ

 

وسيسا بلحنِ القومِ فيما عرفْتهُ

إلى الصبحِ في هذي الرّبوعِ وخيمُوا

 

فقلتُ لأصحابي أقيمُوا مكانكُمْ

إلى موطنٍ فيهِ نعزُّ ونكرمُ

 

فقالوا على اسمِ اللَّهِ نبرحُ أرضنا

فلاحَ لنا نورٌ ضئيلٌ مقسّمُ

 

فسرْنا حثيثاً نحوَ عشرِ فراسخٍ

عن العينِ أخرى فعلَ من يتكلمُ

 

يُرى ظاهراً للعينِ طوراً ويختفي

بلابُلها من فوقها تترنّمُ

 

إلى أنْ علونا ربوةً ذاتِ روضةٍ

خفيّاً بواديها تُشبُّ وتُضرمُ

 

ولاحتْ لنا النّار التي كانَ ضوؤُها

سمعتُ أناساً عندها تتكلّمُ

 

فقلتُ امكثُوا صحبي قليلاً فإنَّني

وأبصرْتُ ناساً لست أعرف من همُو؟

 

سمعتُ حديثاً ما تبيّنتُ لحنَهُ

وفي الخلق حتّى الآنَ ما كنتُ أعلمُ

 

سوى أنّهمْ في خلقهمْ يشبهوننا

لأخشى على نفسي الأذيةَ منهمُو

 

وسرتُ إليهم مستميتاً وإنّني

إليّ وأمّا الآخرونَ فأحجموا

 

ولما رأوني مقبلاً ثارَ واحدٌ

فقلتُ وكلّي فرحةٌ وتبسمُ

 

فأيقنت أنّي قد ظفرْتُ ببغيتي

الإنسان المريخي لا يفهم لغات أهل الأرض:

خبيرٌ بوحي القولِ أمْ أنتَ أعجمُ

 

أأنتَ فصيحٌ ذو بيانٍ ومنطقِ

ربيْتَ ومن أيّ القبائلِ أرنتمُو

 

وما اسمُكَ يا هذا وفي أيّ موطنٍ

جواباً كأنْ هوَ هازئٌ متهكّمُ

 

فأطرقَ إطراقَ الشّجاعِ ولمْ يحرْ

فلمْ يجدِ نفعاً لي حديثي المترجمُ

 

فترجمْتُ في كلّ اللغاتِ مقالتي

فأوشكَ بعد الجهدِ أو كادَ يفهمُ

 

فأفهمتُه قصدي ببعضِ إشارةٍ

وأقبلَ مرتاحاً عليَّ يسلّمُ

 

وأصحبَ لمّا أنْ رآني مسالماً

يدانا وكلٌّ جاذلٌ متبسّمُ

 

فصافحتهُ فاهتزّ لمّا تعاقدَتْ

إليَّ وفيهم ريبةٌ وتوهّمُ

 

أشرت لصحبي أن تعالوا فأقبلُوا

علينا فأُلهمنا السّدادَ وألهمُوا

 

ألاحَ بمنديلٍ فأقبلَ صحبُهُ

وراحَ يناجي صحبَهُ ويُدمدمُ

 

أخذْتُ لأصحابي أقصُّ حديثَهُ

وجدّوا بنا نحوّ الديارِ وأتهموا([i])

 

ولمّا تعارفنا وأفرخَ رُوعُنا

لتسكنَ إذ كنّا على الأرضِ نزعمُ

 

تيقنْتُ أنّ الأرضَ لم تكُ وحدَها

في المريخ مدينة زاهرة:

يُحملِق في وجهي وحيناً يهينمُ([ii])

 

تقدَّم نحوي ذلكَ الشّخصُ وانبرى

وتسمعُ ما يخفى عليكَ وتفهمُ

 

وعلّمني سرّاً وقالَ ترى بهِ

قديماً أو أنّي كنتُ في الأصلِ منهمُو

 

فصرتُ كأنّي قد درستُ لغاتِهمْ

محيطُ بهِ سورٌ حريزٌ ومحكَمُ([iii])

 

نظرتُ إذا صرحٌ هنالِكَ شاهقٌ

نوافذُها في ظلمةِ الليلِ أنجُمُ

 

ومن دونِ ذاكَ الصّرحِ دورٌ كأنّما

بها الخلقُ فيما تشتهي تتنعّمُ

 

على ساحلِ البحرِ المحيطِ مدينةٌ

بها الوهمُ يغشو والحقائقُ تكتمُ

 

معاهدُ لم تشبهْ معاهدَنا التي

بها العلمُ يزهو والمعارفُ تخدمُ

 

معاهدُ ما ينبتُ في الأرضِ مثلُها

عليهِ من الآلاتِ قدرٌ منظّمُ

 

ولما صعدْنَا الصّرحَ شاهدْتُ مرصداً

ولي في جمالِ الصّنعِ قلبٌ متيّمُ

 

فتيّمني من جودةِ الصّنعِ بعضُها

ولكنّها منها أدقُّ وأحكمُ

 

تشابِهُ آلاتِ المراصدِ عندَنا

يقومُ وتاراتٍ من الضّعفِ يجثمُ

 

تقرّبتُ من شيخٍ هنالكَ ناحلٍ

فيخفيهِ عنهُ العارضُ المتجهّمُ([iv])

 

تصوّبَ منظاراً ليرصدَ كوكباً

فعادَ إلى منظارهِ يترسّمُ

 

وما هو إلاّ أن صفا الجوُّ برهةً

وناحَ كما ناحَتْ على الإلفِ أيّمُ

 

وأجفلَ مرتاعاً وأجهشَ بالبُكا

لينكأُ قلبي جفنُكَ المتورّمُ([v])

 

فقلتُ وما يبكيكَ يا شيخُ إنّهُ

ومثلي بتمحيصِ الحقائق مغرمُ([vi])

 

فقالَ اقتربْ منّي فأسرعْتُ نحوَهُ

على مثلِهِ والجوُّ أغبرُ أقتمُ

 

نظرتُ إذا جيشٌ هنالِكَ زاحفٌ

تساقي الردّى والأرضُ يغمرُهَا الدّمُ

 

وفي ساحةِ (الرينِ) الجيوشُ مخفّةٌ

وللَّهِ أطفالٌ هناكَ تيتّموا

 

فللهِ أشلاءٌ هناكَ تمزّقَتْ

ومن مثلِ هذا يخجلُ المتعلّمُ

 

على مثلِ هذا يسكبُ الشيخُ دمعّهُ

يشيرُ إلى نجمٍ مضيءٍ ويشتمُ

 

رجعتُ إلى صحبي (وميكالُ) واقفٌ

فأوقد ناراً بالحشا تتضرّمُ

 

سمعتُ كلاماً منهُ رنَّ بسمعي

على سطحِها أشقى النّفوسِ وألأمُ

 

يقولُ لهم والأرضُ تلمعُ في الدّجى

ووا خجلتاهُ إنّني قلتُ منهمُو

 

فقلتُ بنفسي وافضيحةَ أهلِها

وعمّا قريبٍ فجرُكمْ يتبسّمُ

 

أميكالُ إنّ الليلَ أوشكَ ينقضي

فإنّي على استكشافهِ لمصمّمُ

 

وقصدي عبورُ البحرِ إن كنتَ مُسعفي

فإنْ ذرَّ قرنُ الشّمس ولَّيتُ عنكُمُ

 

ومالي مقامٌ عندكُمْ غيرَ ليلتي

يموتونَ جوعاً إن تغيّبتُ عنهمُو([vii])

 

فلي صبيةٌ غَادرتُهم في تنوفةٍ

وقالَ اركبُوا لا بأس صحبي عليكمُو

 

فأسرع ميكالٌ وجهّزَ مركباً

ولا مركبي يعيى ولا أنا أسأمُ

 

سأقطعُ عرضَ البحرِ في ربعِ ساعةٍ

تذلّلُ منه كلَّ صعبٍ وتخطمُ

 

وأعملَ فيهِ الكهرباء بقوةٍ

يقيسُ بها بُعدَ الطريق ويرسمُ

 

وراحَ يرينا آلةً هندسيّةً

وآخرٌ فيها موجبٌ متحكّمُ

 

وأخرى تحدّى قوّتَيها فسالبٌ

وأشرقَ منها أزرقُ اللونِ معْلمُ

 

إلى أن علا منها هزيمٌ فأبرقَتْ

لوالبُ لم يحلمْ بها المتوهّمُ

 

ودارَتْ على أقطابها دورةَ الرحى

وتَهوي كما يَهوي إلى الصيدِ قشعمُ

 

فراحتْ تشقُّ الموجَ شقّاً بصدرِهَا

على رغمِ أنفِ الجهلِ لا بدَّ يخدمُ

 

ومَنْ يخدمِ العلمَ المفيدَ فإنّهُ

بآفاقِها جيشُ الظلامِ مخيّمُ

 

نظرنا على بعدٍ جزيرةَ (بلّنسٍ)

بها للذي يهوى الإقامةَ مغنمُ

 

وبلّنسُ فيما قالَ ميكالُ جنّةٌ

بها وبسرِّ الكهرباءِ يعلّمُ

 

وقد كانَ ميكالٌ على ما أفادنا

فأوضحَ معناهَا فلمْ يبقَ مبهمُ

 

أكبَّ على التدريسِ تسعينَ حجةً

(رفائيلُ) ذاكَ الفيلسوفُ المعلّمُ

 

وأستاذهُ فيها وشاعرُ عصرهِ

ليكبرُ في عينيّ قدراً ويعظُمُ

 

فقلتُ لميكالٍ زرِ الشيخِ إنّهُ

سنأخذُ عنهُ ما نشاءُ ونفهمُ

 

فلم يمتنعْ إذ قالَ لا شكَّ أنّنا

فأكرمَ مثوانا الجليلُ المكرّمُ

 

دخلنا على الشّيخِ الجليلِ فجاءةً

وصحبي من الإدلاجِ والأينِ هوّمُوا

 

وبعد حديث طالَ بيني وبينهُ

يلاحظُني طوراً وطوراً يهمهمُ

 

وأدركَ أنّي من بني الأرضِ فانثنى

تكشّفَ مِنها سرّيَ المتكتّمُ

 

يمشّتْ بأعصابي من الخوفِ رعدَةٌ

على الخزي في المريخِ والموتُ أسلمُ

 

وما الخوفُ إلاّ من بقائيَ سالماً

ولم يكُ لي ظلٌّ على الأرضِ يُرسمُ

 

تمنيّتُ أنَّ الأرضَ لم تكُ موطني

ولا كنتُ فيها شاعراً أترنّمُ

 

ولا كانتِ الدنيا ولا كانَ أهلُها

عظيمٌ بهِ أركانُها تتهدّمُ

 

وأمضى المنَى أن يصدم الأرضَ كوكبٌ

فنصبحُ لا نخزى ولا نتألّمُ

 

فيغسلُ عنها العارَ تمزيقُ جُرمِها

فأدرك أنّي من بني الأرضِ أنقمُ

 

رآني رفائيلُ المعلّمُ باهتاً

عنِ العالمِ الأرضي إنْ كنتَ تعلمُ

 

فقالَ سليلَ الطينِ هل أنتَ مُخبري

تحيطُكَ علماً بالذي لكَ يلزمُ

 

فقلتُ أجلْ عندي بهمْ بعضُ خبرةٍ

فمنها سَحيلٌ لو علمْتَ ومُبرمُ

 

رفائيلُ أحوالُ البسيطةِ جمّةٌ

فتاريخُ مبدانا على الأرضِ مُبهمُ

 

أجدَّك هلْ يعنيكَ بدءُ حياتِنا

على أنْ نرى رأي الأوائلِ نرغمُ

 

وإنّا برُغمِ البحثِ والنقدِ لم نزلْ

بهِ صُفرةٌ والبعضُ كالليلِ أدهمُ

 

فمنّا نحاسيُّ الأديم وبَعضُنا

لهمْ سوءُ خلقٍ كالدّجنّةِ مظلمُ

 

ومنّا أناسٌ كالصباحِ وجوهُهم

بأنّ أباهُم آدمٌ وهو أأدمُ

 

على بعدِ ما بينِ العروقِ توافقوا

 نهى اللَّهُ أن يجني جناهَا ويطعمُ

 

وأمهمُو حوّاءُ أغوتهُ بالتي

بجناتِ عدنٍ قبلَ ذا تتنعّمُ

 

فقالَ اهبطا منها وكانتْ وزوجُها

بما نحنُ منهُ الدّهرَ نشقى ونألمُ

 

أزلهُما الشَيطانُ عنها فعوقبا

فهل نحنُ من جراءِ ذلكَ نظلمُ

 

عصى آدم أمرَ الإلهِ وزوجُهُ

أضرَّ بنا ذاكَ الشّقاءُ المحتّمُ

 

شقينا شقاءً يعلمُ اللَّه أنهُ

من الغُبنِ لا نشكو ولا نتبرّمُ

 

ثقيلٌ علينا وطؤهُ غيرَ أنّهُ

تبيّن منها أنّ قابيلَ مجرمُ

 

وأعجبُ من هذا وذلكَ فتنةٌ

على الأرضِ فيما بينها سُفكَ الدّمُ

 

فمن أجلِ إقليما الجميلةِ أخوةٌ

تُحلُّ بما يوحي لها وتحرّمُ

 

ومنْ بعد هذا أرسلَ اللَّهُ رسلهُ

فداودُ بينَ الناسِ بالحقِّ يحكمُ

 

على الملكِ داودَ الزبورُ تنزّلتْ

فتوراتُهُ وحيٌ من اللَّهِ مُلهمُ

 

ومن قبلهِ موسى بن عمرانَ رحمةً

إلى الناسِ بالإنجيلِ للشّرِّ يحسمُ

 

وعيسى أتى روحاً من اللَّهِ هادياً

بفرقانِهِ شرعُ الإلهِ يتمّمُ

 

وأرسلَ ختمَ الأنبياءِ محمّداً

يعذّبُ منّا من يشاءُ ويرحمُ

 

لقدْ أخبرَتْ رسْلُ الإلهِ بأنّهُ

وأنَّ جزاءَ الكافرينَ جهنّمُ

 

وأنَّ جزاءَ المؤمنِ البرِّ جنّةٌ

على زعمِهمْ والزّعمُ بالحقِّ يدعمُ

 

فأتباعُ موسى مثّلوا بابنِ مريمَ

وقالوا بلا ريبٍ حديثٌ مرّجمٌ

 

وأتباعُ عيسى أبكروا دينَ أحمدٍ

بمنْ قبلهِ حقّاً وللَّهِ أسلمُوا

 

وآمن أتباعُ النّبيّ محمّدٍ

لسابقهِ والجاحدُ المتقدّمُ

 

ومن ذا ترى أنَّ المقدّم مثبتٌ

وذا الطبع فيهِ راسخٌ متحكّمُ

 

مذاهبهمْ شتّى وشتّى قلوبهُمْ

مجدٌ ومنها خاملُ الذكرِ معدمُ

 

شعوبٌ فمنها نابهُ الذكرِ عاملٌ

وجدِّكَ ما للعدلِ في الأرضِ مجثمُ

 

يقولونَ إنّ العدلَ في الأرضِ شائعٌ

ويشهرُ بتارٌ ويشرعُ لهذمُ

 

وما العدلُ إلاّ حيثُ يرعدُ مدفعٌ

بعيشكَ ما هذا الحديثُ المجمجمُ

 

تنبّهَ ميكالٌ من القومِ قائلاً

إذا طالَ بي مُكثي رفائيلُ يسأمُ

 

فقلتُ له لا شيءَ دعني فربّما

فخلتُ لها صمَّ الصفا يتبسّمُ

 

بدتْ من رفائيلَ الجليل ابتسامةٌ

بهِ نفعُ أهلِ الأرضِ أن كنتَ تفهمُ

 

فقالَ بنيَّ اسمعْ أحدثْكَ بالذي

رفائيلُ (سي مورا) عليكمْ يسلّمُ([viii])

 

إذا زرت سكانَ البسيطةِ قلْ لهمْ

فإنّي أراهمْ عن طريقِ الهُدى عمُوا

 

وبلغهمُوا عنّي رسالةَ ناصحٍ

شذرات من نصائح رفائيل لأهل الأرض:

أمغنٍ غناءَ الفكرِ هذا التكلّمُ

 

بني الأرضِ ما معنى التباينُ في اللغى

لدى القصدِ عمّا في الضميرِ تترجمُ

 

فلا تعبُدوا الألفاظَ فهْي وسيلةٌ

أريدُ الفتى الجاني وقوليَ مجرمُ

 

فما الفرقُ وضعاً بين قولي مكرّمٌ

ففي القلبِ معناهُ أجلُّ وأعظمُ

 

أرى اللفظَ مهما جلَّ في السّمعِ وقعُهُ

وجدِّكَ في شرعِ التضامنِ سلّمُ

 

فأهلاً بتوحيدِ اللغاتِ فإنَّهُ

إلى أن بلغنا ما أردْنا ونمنمُوا

 

سهرنَا على تهذيبِ أخلاقِ نشئِنا

يحلُّ لكمْ سفكُ الدّماءِ المحرّمُ

 

ففي أيّ دينٍ أمْ بأيةِ شرعةٍ

يفرّقكُمْ دينٌ ويجمعكُمْ دمُ

 

ألستمُ على وجهِ البسيطةِ أخوةٌ

وما علّةُ التفريق إلاّ التّوهمُ

 

عجبتُ لأهلِ الأرضِ كيفَ تفرقُوا

لآخرَ فيما يدّعيهِ يسلّمُ

 

فلم أرَ ذا دينٍ وإن كانَ صادقاً

عبدنا (سيا رابا) و (هيتا)و (مي سم)([ix])

 

عبدنا القُوى حيناً ومن جملةِ الذي

إلى الحقِّ فهْو السابقُ المتقدّمُ

 

إلى أن أتى ريبو العظيمُ فقادنا

ولم يكُ في المريخِ هذا التقدّمُ

 

ثِقوا أنّنا لولاهُ لم نكُ قادةً

تعاليمَ ريبو فهي للداءِ بلسمُ

 

فإن كنتمُ تبغونَ نجحاً فدونكُمْ

ولا دينَ إلاّ ما بهِ العقلُ يحكمُ

 

لقد قالَ إنّ الدّينَ للعقلِ وحدَهُ

عليمٌ بما أخفي بسرّي وأكتمُ

 

هنا قلتُ في نفسي ولم أَدرِ أنّهُ

حديثُكَ هذا يا رفائيلُ يؤلمُ

 

ألا أقطعْ حديثَ الدّينِ عنّا فإنّما

وسبحانَ ربّي الواحدِ المتكلّمِ

 

فسبحانَ من خصَّ الكمالَ بذاتهِ

الكارثة:

ولم أجهلِ الأسبابَ كالنحلِ يرزمُ

 

وما كِدتُ أُنهي القولَ حتّى رأيتُهُ

بألحاظهِ جمرُ الغَضا يتضرّمُ

 

لقد هالني أنّي نظرتُ كأنّهُ

وقد راعني قِطْعٌ من الليلِ مظلمُ

 

وبانَ ليَ الوجهُ الوسيمُ كأنّهُ

يراك فلا يخفى عليهِ التكتّمُ

 

فيا خطراتِ الفكرِ لا كنْتِ إنّهُ

متى شئتُ في آرائِهم أتحكّمُ

 

توهمّتُ أنّي بين أبناءِ جلدتي

لمَا راجَ في الدّنيا الخِداعُ والمذمّمُ

 

فلو كانَ ما تخفي الضّمائرُ بادياً

سبيلٌ إلى إرشادِ من ليسَ يفهمُ

 

أشارَ إلى ميكالَ أن قمْ فما لَنا

جزيرةُ (أركادا) هناكَ فخيّمُوا

 

ألا اقطعْ بهِ عرضَ الخضمِّ فإنْ بدَتْ

يسائِلْهُ يأخذْ بالذي هو أحزمُ

 

ودعْهُ إذا لاقيتَ (رائيلَ) خالياً

تجرّعتُ كأسَ الصبّرِ والصّبرُ علقمُ

 

فنّبهتُ أصحابي من النّومِ بعدَ ما

وبانَتْ خفايانا وبانَ التكتّمُ

 

فقالوا أبانَ الفجرُ قلتُ لهمُ بلى

بنا في مهاوي الموجِ هوجاءُ صلدمُ

 

ولما اقتعدْنَا غاربَ البحرِ طوّحَتْ

تغورُ بنا طوراً وطوراً تقمقمُ

 

وهبّتْ علينا الرّيحُ نكباءُ فارتمَتْ

فما حيلتي هذا قضاءٌ محتّمُ

 

وصاح بنا ميكالُ أن قد تحطّمتْ

أفكرُ في صرفِ الرّدى كيفَ أسلمُ

 

فبنياي في بحرِ الهواجسِ غارقٌ

ينادي أَيا أماهُ هل أنا مرغمُ

 

تنبّهتُ من نومي على صوتِ صاخبٍ

بصيحاتِ أطفالٍ لها تتنغّمُ

 

وإذْ أنا في بيتي وحولي عقيلتي

أوَ أنيَ مما بي مِنْ الهمِّ أحلمُ

 

فقلْتُ وهلْ ما كانَ قدْ كانَ يقظةً

خاتمة:

وليسَ منَ الأخلاقِ في الأرضِ درهمُ

 

بني الأرضِ ما فوقَ البسيطةٍ عاقلٌ

يدبُّ على الغبراءِ صخرٌ مرضّمُ

 

وإنّي وإياكُمْ وكلَّ أخي حجا

من أنا، ومن أين جئت إلى هذا الوجود؟:

على طرفِ المجرّةِ مِن قديمِ

 

أنا الرّوحُ التي قدْ كنتُ أحيا

أنا المدعو بـ (أورينَ) الحكيمِ

 

أنا ابنُ المجتبى (أوديسُ) حقاً

و (كاها) كانَ أعظمَ من عظيمِ

 

وجدّي الفيلسوفُ (أزودكاها)

أقلّبُ بينَ أحضانِ النّعيمِ

 

على سيّارِ هيدا عشْتُ دهراً

لمعرفتي بأوضاعِ النجومِ

 

وكانتْ لي مراصدُ ذاتُ شأنٍ

من الأمراءِ ذي كرمٍ عميمِ

 

وإحداها بناهُ لي أميرٌ

وذي قممٍ تلفّعُ بالغيومِ

 

على جبلٍ عظيمٍ ذي شعافٍ

وأذكرُ أنّهُ من صنعِ (سيمي)

 

ولي فيهِ (تلسكوبٌ) جميلٌ

بذاكَ العهدِ ما بينَ العمومِ

 

وسيمي كانَ أشهرَ منْ عليها

وكمْ أحيا هنالكَ من علومِ

 

فكمْ أذكى هنالكَ من عقولٍ

بحذقٍ حازَ إعجابَ الخصومِ

 

لقد شهدتْ لهُ أبناءُ هيدا

إلى الآفاقِ في الليلِ البهيمِ

 

توجّههُ لوالبُ محكماتٌ

بقطرٍ زادَ عن مئتي (جريمِ)([x])

 

ويقربُ طولُهُ من ألفِ (كادٍ)

من العدساتِ كالدّرِ النّظيمِ

 

وفي أنبوبهِ تلقى مآتٍ

إلى أخرى بسطحٍ مستقيمِ

 

فمن موشورةٍ لمحدباتٍ

بجنحِ الليلِ يسبحُ في السّديمِ

 

بهِ أجلو عمايةَ كلّ نجمٍ

بنا سيّارُ (كورادُ) العقيمُ

 

وكانَ يمرُّ عن بعدٍ سحيقٍ

فيظهرُ مثلَ نونٍ في رقيمِ

 

على آفاق هيدا كانَ يبدو

وآونةً بخطٍ مستقيمِ

 

لهُ فلكٌ يدورُ عليهِ حيناً

عن الخلِّ المصافي والحميمِ

 

فحيّرَ فكرتي وذهلْتُ حتّى

لحجةِ كلِّ أفاكٍ أثيمِ

 

فكمْ حاولتُ تعليلاً ودحضاً

ورغمَ شماتةِ الخصمِ اللئيمِ

 

ولكن لم أوافقْ رغمَ جهدي

ذهولٌ باتَ كالظلِّ المقيمِ

 

سدى ذهبَتْ جهودي واعتراني

فعدتُ رهينَ قيدي في الحريمِ

 

لذا انكمشَتْ رجالُ العلمِ عنّي

ليَ الذكرى ولجّتْ بي همومي

 

وفي يومٍ من الأيامِ عادَتْ

إلى إصلاحِ صاروخي النجومِ

 

فقمْتُ كعادتي ومضيْتُ تواً

علا بيَ فوقَ أطباقِ الغيومِ

 

وما هو غيرُ رجعِ الطّرفِ حتّى

وقبلاً كانَ يخطرُ كالنّسيمِ

 

مضى كالبرقِ فاختلّتْ قواهُ

تراءَتْ لي المنيةُ في الهزيمِ

 

وظلَّ مجلجلاً كالرعدِ حتّى

فيا لعمايةِ القدرِ الغشومِ

 

إلى أنْ راحَ مرتطماً بشعفٍ

وإياهُ هنالكَ كالهشيمِ

 

هوى نحو الحضيضِ فعادَ جسمي

نأتْ عن ذلك الخلِّ القديمِ

 

فعندئذٍ شعرتُ بأنَّ روحي

بذاكَ الأفق تسبحُ في السّديمِ

 

فعدتُ أشاهدُ الأرواحَ حولي

وها هيَ روحُ (مورادَ) الكريمِ([xi])

 

فها هيَ روحُ (كيوبيدا) بن صُورا

كما طعِنتْ صحابي في الصّميمِ([xii])

 

لقد صُعقَتْ لهلكي آلُ (كاها)

وقد جزعَتْ من الرزءِ العظيمِ

 

وقد ناحَتْ كنوحِ الورقِ زوجي

(أجند سكارَ) ذي القلبِ الرحيمِ([xiii])

 

فوا لهفي على ما حلَّ يا بني

شيق اللّدنِ والوجهِ الوسيمِ([xiv])

م

و (أرديكا) ابنتي ذاتِ القوامِ الر

إلى (كوراتَ) في حزنٍ عميمِ([xv])

 

مشتْ عظماءُ هيدا حولَ نعشي

منَ العظماءِ بالقولِ الحكيمِ

 

وأبّنني هنالكَ نحوَ ألفٍ

بشعرٍ كانَ كالدّرِّ النّظيمِ([xvi])

 

وآخرُ مَن رثاني (جند غوبي)

بهِ فاسمعْ بدورِكَ يا نديمي

 

فها هيَ قطعةٌ ممّا رثاني

 

آرشما بندي جمين موزاد مور ردي بارمئي

صان دندو ما سمى دو صاند داجنداد جنار

 

يا نجوم السماء من شموس وسيارات وأقمار ليت شعري ما الذي أعجبكن فاجتذبتن إليكنّ روح الراحل الكريم قبل أن يميط عنكن اللثام.

 

 

 

سارد يا مردي بكو آن دي كما هي سيرمي

ما ناكاد ميزوهي ديساد شوبي كار بكاد

 

وأنت أيها الفلك الدّوار متى يتمّ دورانك الذي تصعق دون تصور مداه العقول فتعيد سيرتك الأولى وتبتدئ من حيث انتهيت فترجع إلينا روح الراحل العظيم.

 

آزد مندي أزهماتا إين دميري مندمير

هان شدوا ازآد كاهي آن دَكاهي أن دكا

 

وأنت يا طيور الغرد يا ابنة الطبيعة الجيّاشة بالحرارة الزاخرة بأنوار الحياة احبسي أنفاسك عن التغريد ولو لحظة واحدة وقف جريانك كذلك أيها الجدول الهادر الصخّاب وكفّي عن الزمزمة يا عواصف الخريف فعسى أن يرفّ بأذني صدى ذلك العبقري العظيم.

 

بزد ميني ما خبائي مزد ماري شيرد شير

كان دأو وآكاد شاي من كشاني دربكا

 

بأبي وأمي دمك الزكي الذي تناثرت قطراته فوق الرمال وجسدك الطاهر الذي تمزّق لحمه وتهشّمت عظامه فوق الصخور، ولعمري قد كان دماغك الحسّاس مثوى لأعظم روح عرفها التاريخ.

ليحترق قلبك بنار الأسى يا جند غوبي كما تحترق الفراشة باللهب، وليذب سنا تلك الحسرات أضاليعك ولتتصعّد زفراتك الحرّى إلى عنان السماء ولترنّ بسمع تلك الروح الطاهرة أنّات حزنك العميق.

 

موشمين كاندر ميا صاندو مهائي كاردمين

كاب دوكابَي صور جانمي باسميري تانمي

 

من منّا يعلم أين يكون في غد مستقرك أيتها الروح الخارقة أفي إحدى هذه الأجرام التي نراها تسبح فوق رؤوسنا أم أنّك ستطيرين إلى عوالم أخرى وراء هذا العالم المحدود، لقد عرفناك وأنت رهينة في هذا الجسد لا ترضين أن تكون لك الكواكب مستقراً فطيري إن شئت إلى اللانهاية إلى حيث تتحدين بعالم العقول المجردة إلى حيث تسبحين بنور ربّك الفياض([xvii]).

كوكب الشعراء:

مُغذاً كي أحاذِي مستواهَا

 

وبينا كنْتُ حولَ بناتِ نعشٍ

وما جاوزتُ آنئذٍ مَداهَا

 

شعرتُ بجذبِ إحداهَا لروحي

صغارُ الحجمِ تخطرُ في سَماهَا

 

ولاحَتْ لي نجومٌ من قريبٍ

ولم تبعدْ كثيراً عن سهاهَا

 

وراء الفرقدينِ مبعثراتٌ

تصادفُ في سياحتها مناهَا

 

فملْتُ لها وقلْتُ لعلَّ روحي

أجنُّ لما بدا لي منْ وراهَا

 

وحينَ قربْتُ منها كدْتُ شوقاً

ترقرقُ في أشعتها نداهَا

 

على آفاقِها تبدو طيوفٌ

على وهداتِها وعلى رُباهَا

 

ذوائبُ شمسِها متموجاتٌ

لها نفسي فعجْتُ عن ذراهَا

 

كأنّ الخلدَ إحداها فتاقتْ

فقلتُ مَن النّدامى في صفاهَا

 

نظرتُ هناكَ أخداناً نشاوى

معتّقةً وتنعمُ في هواهَا

 

تعاطى من رحيقِ الخلدِ صِرفاً

يعاقِرُهَا فينفحهُ شذاهَا

 

إذا بأبي نؤاسٍ وسْط شربٍ

وتدني منهُ للثمِ الشّفاهَا

 

وولدانٍ تديرُ عليهِ راحاً

وما عرفَتْ على الدّنيا هُداهَا

 

أنفسُ أبي نؤاسٍ رهْنُ خلدٍ

أيسعدُها ولم تلهَمْ تُقاهَا

 

تعالى اللَّهُ ليسَ من اعتراضٍ

على حينِ ازدهى وشدا وتاهَا

 

هتفْتُ بهِ وكانَ يميلُ سكراً

فخذْ كأساً وناولني سواهَا

 

فقال: نعمْ أخي ونعامُ عينِ

و (خيّام بامنست ومن با أو) ههاهَا

 

سوسي كرانكوا دفوا لا موسَى

إليهِ وهْو مرتقبٌ سناهَا

 

وظلّ مقهقهاً وظللْتُ أرنو

وقدماً كنْتَ لم تشأ انتباهَا

 

فصحْتُ بهِ تنبّهَ يا بنَ هاني

ولا تتعبْ فإنّكَ لنْ تراهَا

 

فقالَ مَن المنادي قلتُ روحٌ

تلاطُ كما اعترفْتَ على ذُراهَا

 

ألمْ تكُ يا مخنثُ قبلَ حينٍ

ترى الغلمانَ أفضلَ من نِساهَا

 

ألمْ تكُ فاسقاً من قومِ لوطٍ

ألمْ تكفرْ ولم تخشَ الإلهَ

 

ألمْ تجهرْ بأنواعِ المخازِي

إلى قوّادةٍ تغشى حِماهَا

 

فمنْ ديرٍ إلى ماخورِ فسقٍ

أنعّمُ بل وأسكرُ في سماهَا

 

فقالَ: بلى وها أنا بعدَ هذا

إذا ما كنتَ بالتّقوى تباهَا

 

ألا يا طيفُ مالكَ من فُسوقي

ولستَ من الملائكِ في عُلاهَا

 

ألا يا طيفُ إنك طيفُ إنسٍ

عليها إثمها ولها تقاهَا

 

فما لكَ يا لئيمُ وما لنفسي

بفضلِ الصّدقِ قد لقيتْ مناهَا

 

فدعْ عنكَ اعتراضكَ إنّ روحِي

تقيّاً حينَ تُحسبُ أتقياهَا

 

فلو أنّي دجلْتُ لكنْتُ فيهم

صريحاً حينَ تختلُ أدعياهَا

 

أكنتُ مضلِّلاً إنْ كنْتَ حرّاً

يعدُّ لدى الورى مِن أولياهَا

 

فكمْ شيخٍ بلا علمٍ وتقوى

لدى سقرٍ يلوّحُ في لظاهَا

 

تراهُ إذا مررتُ غداً عليهِ

على الدّنيا وكنْتُ أقلَّ جاهَا

 

بفضلِ اللَّهِ كنْتُ أقلَّ مالاً

لهُ زجلٌ وإنْ تبعَتْ هواهَا

 

وكنْتُ أسيرُ من نفسي بجيشٍ

أناقشُها الحسابَ على عماهَا

 

وكنْتُ متى خلوتُ بها وتصحو

برغمي كنْتُ مقتفياً خطاهَا

 

ولم أكُ راضياً عنها وإنّي

بروحٍ لم تطرْ حتّى احتباهَا

 

لذلكَ عدْتُ منقلباً لربّي

لآراءٍ يرونَ ولا أراهَا

 

فكمْ ناسٍ هنالكَ كفّروني

لدى سقرٍ وتنعمُ في شقاهَا

 

ألا فلتعتقدْ ناسٌ بأنّي

أناسٌ حينَ لا يَخزى سواهَا

 

سينكشفُ الحجابُ غداً فتخزى

وقيتَ السّوءَ فاحذرْ من رياهَا

 

عمائمُ كالقلانسِ خادعاتٍ

لأن اللؤمَ مختبئٌ وراهَا

 

متى عاينتها فابصقْ عليها

عثانينُ الخنا فانتفْ لحاهَا

 

فكمْ قدْ ضلّلتْ جيلاً بجيلِ

تركتُ النعلَ يُروى من دماهَا

 

فلو أعطيْتُ حكماً في حياتي

بنفسي أنْ تجانبَ مشتهاهَا

 

هنا انقطعَ اللجاجُ وكانَ أولى

فصيحٌ حينَ تقرعُ أدعياهَا

 

ألا للَّهِ أنتَ أبا نؤاسٍ

متى تصحو الخلائقُ من كرَاهَا

 

صحيحٌ ما تقولُ وليتَ شعري

كوكب الزنادقة:

ورحْتُ أجدّ مكتئباً حزيناً

 

تركْتُ كواكبَ العوّاءِ خلفي

مضيئاً فاتنا يغشى العيونا

 

وفي (رمحِ السّماكِ) رأيتُ نجماً

رأيْتُ الفجرَ يُوشكُ أن يحينَ

 

من الإكليلِ طِرْتُ إليهِ لمّا

ولم أقطع لهُ بعدُ شطونا

 

طويْتُ إليهِ ألفي ألفَ عامٍ

على آفاقهِ مُلئَتْ سفينا

 

نظرتُ إذا بحارٌ زاخراتٌ

وجنّاتٍ تسرُّ النّاظرينا

 

وأرضٌ قد رأيْتُ بها عيوناً

تدهْدي في أباطِحها الكرينا

 

ولاحتْ لي حزاورةٌ عجافٌ

على حنقٍ ليفهمَهُ رطينا

 

أهابَ بواحدٍ منهم غلامٌ

ولا تخنسْ وراءَ اللاعبينا

 

يقولُ أيابنَ راوندي تقدّمْ

إذا ما اللَّه يغلبكُمْ كمينا

 

فقالَ أجلْ هنا سأظلُّ وحدي

لزندقتي زعيمَ المارقينا

 

أ (مزدك) إنّني أُدعى بحقٍّ

على الدّنيا قريعَ المؤمنينا

 

أيغلبُني الإلهُ وكنْتُ وحدي

لفوقَ الكفرِ يا ابنَ الفاعلينا

 

فصحْتُ بهِ خسئتَ فإنَّ هذا

يهزُّ عليّ قبضتَهُ اليمينا

 

ففرَّ صحابَهُ وانصاعَ نحوي

(برَوْ) لو كنْتَ إبليسَ اللعينا

 

يقولُ إليكَ عنّي لا أبالي

فقد لاقيتُ كُردياً حَرونا

 

أتحسبُ أنّني أخشاكَ كلاّ

عنيتُ فدعْ إذن هذا الجنونا

 

فقلتُ لهُ وراءَكَ لسْتَ ممّنْ

وديعٌ لا يحبُّ المعتدينا

 

فإنّي لو ترى في الكونِ روحاً

إلى تمحيصِ حالِ الغابرينا

 

ولكنّي أخُو ولعٍ ملحٍّ

أُلاطفُهُ فأقبلَ مستكينا

 

فأفرخَ روعُهُ لمّا رآنِي

عليّ ويذرفُ الدّمْعَ السَّخينا

 

وراحَ يقصُّ ما قدْ كانَ منهُ

زنادقهً ونحيا مارقينا

 

أرادَ اللَّهُ أنْ نحيا عليها

دراويشاً وكنَّا زاهدينا

 

ولو لمْ يعطِنا عقلاً لكنَّا

ونمسي في التكايا قابعينا

 

نكدّي بالنّهارِ بكلِّ دربٍ

على كتبِ التّصوفِ عاكفينا

 

نقطّعُ وقتَنا مِن غيرِ جدوى

وطاماتٍ فنفتنهُ فتونا

 

ونخدعُ من يُراقبُنا بشطحٍ

وأحياناً يحلُّ اللَّهُ فينا

 

ونزعُمُ أنّنا في اللَّهِ نفنى

نعدُّ لدى الورى في الصّالحينا

 

فلم نكُ مثَلهُمْ حتّى ترانا

بدورِ العلمِ نبحثُ دائبينا

 

كدأبكَ هكذا بالأمسِ كنّا

سيشقى بالعلومِ كما شقينا

 

شقينا بالعلومِ وكلُّ حُرٍّ

-لنروي من مناهِلِها- المتونا

 

عُنينا بالشّروحِ كما حفْظنا

لِما في الكونِ يمكنُ أنْ يكونا

 

بأقسيةِ العلمِ نرومُ حلاً

فتعجزُنا فنرجعُ خاسئينا

 

نحاولُ هتكَ حُجْبِ الغيبِ قسراً

-لنقضِ في الطبيعةِ- ناقدينا

 

كأنَّ اللَّه لم يخلقْ سِوانا

على الدّنيا ملاحدَ مارقينا

 

لذلكَ عَدَّنا الفقهاءُ جَهلاً

لقينا دونَ ساحِلِه المنونا

 

على أنّ الحقائقَ وسَطَ بحرٍ

فكيفَ بها نرى العلمَ اليقينا

 

مشاعِرنُا خوادعُ كاذباتٍ

كمنْ رامَ المحالَ ولنْ يكونا

 

ومَن رامَ انكشاف الغيبِ حيّاً

جهلْنَا كونَنا جَهلاً مشينا

 

لهونا بالدّمى في حينِ أنّا

وسفّهنا حلومَ المرسلينا

 

فقلْنا لا إلهَ وليسَ وحيٌ

فأتعبنا الكِرامَ الكاتبينا

 

وأوسعنا السّماءَ هناكَ سبّاً

على الغبراءِ نجري عابثينا

 

رآنا اللَّه (أطفالاً كباراً)

بذاكَ الجدِّ إلاّ لاعبينا

 

وأطفالاً على التحقيق لسنا

فيا للصبّيةِ المتدللّينا

 

فدلّلنا وهدهدْنا عليها

وأُحرمْنا حياةَ المترفيْنا

 

فجادَلْنا بجدوى العلمِ حيناً

ولم ندركْ مقام النابهينا

 

وسُدَّتْ دوننا طُرقُ المعالي

ومِن فوقٍ سُهامُ الناقدينا

 

ولم نطق احتمالَ الجورِ منه

عليهِ يومَ ذاكَ ساخطينا

 

ولم نقنعْ بقسمتهِ وثرْنَا

من الإفلاسِ بتْنَا مُلحدينا

 

وظلَّ اللَّه يضحكُ إذْ رآنا

عليهِ هكذا متندرينا

 

ولا تكُ مُغضباً عمّا ترانا

لبتْنا في العذابِ مخلّدينا

 

لو أنَّ اللَّه كانَ كما تراهُ

كوكب العباقرة:

بعيداً كانَ عن طلبي مَداهَا

 

لمحْتُ من السّماكِ سنا نجومٍ

وقدْ صوّبْتُ طَرفي لا أراهَا

 

لشدّةِ بعدِها عنّي كأنّي

سراباً ما أشاهدُ أمْ سناهَا

 

تناهَتْ في البعادِ فلسْتُ أدري

ضياهُ الهائلُ الصّافِي ضياهَا

 

عن (العيّوق) لم تبعدْ فغشّى

فلمْ يوهنْ قوايَ ولا براهَا

 

ركبْتُ لها الأثير وكنْتُ برقاً

من الأعوامِ فازدهَرَتْ سَماهَا

 

وقد وافيتُها من بعدِ ألفٍ

وجنّاتٍ بها دانٍ جَنَاهَا

 

نظرْتُ إلى مَدائنَ عامراتٍ

وياقوتاً ومُرجاناً حصاهَا

 

تخالُ ترابَها مِسكاً ذكياً

وأجملُ مِنْ مدائِنِها قُراهَا

 

مدائِنُها تُحيّرُ كلَّ راءٍ

فيصبحُ كالنّهارِ بها دُجاهَا

 

تضيءُ قصورُهَا مِنْ غيرِ نورٍ

ولا (راداً) يشعُّ على ذُراهَا

 

تضيءٌ ولا أرى مِن كهرباءٍ

بهذا الكونِ لم أخترْ سِواهَا

 

ولو خيّرتُ داراً غيرَ (هيدا)

وإنْ شاءَتْ تجدّد مُبتداهَا

 

يعيشُ المرءُ فيها ألفَ عامٍ

مطوّفةً ولمْ تنقلْ خُطاهَا

 

تجوبُ الكونَ معظمَهُ بآنٍ

صحائفُهُ تقلّبُها يداهَا

 

كأنّ الكونَ سفرٌ ذو فصولٍ

بميدانِ الوجودِ لما شآهَا

 

لو أنّ البرقَ جاراها لسبقٍ

وإنْ كانتْ لدينا لا تناهَا

 

تناهَتْ عندَها الأجرامُ عدّاً

إذا حادي الهوى يوماً حداهَا

 

تروحُ وتغتدِي بينَ الدّراري

ومنْ قمرٍ إلى قمرٍ سُراهَا

 

فمن سيّارها لِسواهُ تمضي

وإنْ بَعُدَتْ تورّدُ وجنتاهَا

 

إذا رامَ الفتى منهم فتاةً

على نأيٍ ولا طالتْ يداهَا

 

يصافحُها وما طالتْ يداهُ

بمفرقِهَا فينفحُهُ شذاهَا

 

ويهوى أنْ يشمَّ عبيرَ نفحٍ

فترغبُ أنْ تبادلِهُ هواهَا

 

ويرغبُ أنْ يبادِلَها هواها

بألحانٍ فتسمعهُ صدَاهَا

 

ويهوى أنْ يساجلَها لحوناً

ولم تفتحْ لما تبغيهِ فاهَا

 

ولم تستعملِ (الرّادارَ) يوماً

ومن إشعاعهِ اتّخذتْ حَلاهَا

 

منَ (الأورانَ) قد نسجتْ ثياباً

ومن أسلاكِ (أورانٍ) سُداهَا

 

خيوطُ النّورِ لُحمتُها لتسبي

كعاريةٍ ولم تخلعْ رِداهَا

 

تناهتْ في اللَّطافةِ فهي تَبدو

ترجّعهُ الملائِكُ في عُلاها

 

إذا غنّتْ على الأوتارِ لحناً

على حركاتِها وعلى غِناهَا

 

وإنْ رقصَتْ تراقَصتِ الدّراري

ولم تعرِف بكوكبها السفاهَا