|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:14 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أين نحن من الثورة الثقافية لست متشائماً، ولا أرضخ لذلك، وفي الوقت نفسه لا أستسيغ أن أذهب بتفاؤلي إلى حد السذاجة أو الغرور.. ولذا فأنا أعتقد بأن أصعب وأقسى معركة يمكن أن نخوضها بجدية وعمق ولا مناص من خوضها هي معركة الثورة الثقافية. إن مسؤولية إنجاح الثورة التحريرية المسلحة كانت مسؤولية عامة ملقاة على عاتق الشعب كله، لأن كل مواطن مخلص مهما كانت إمكانيته الخاصة كان يستطيع وبصورة ما أن يشارك في هدم صرح الاستعمار. وعندما انطلقت الثورة الصناعية في بلادنا، لا أحد يستطيع أن ينكر أن السلطة العليا للشعب هي التي مهدت لها ثم خططت ونفذت، حيث شيدت المعامل والمصانع وجهزتها، وما زالت تخطط وتبني وتعد إلى جانب ذلك حتى العمال والفنيين. وما ينطبق على الثورة الصناعية قد ينطبق على الثورة الزراعية، بالإضافة إلى مشاركة النخبة الواعية بتنظيم حملات التطوع والتوجيه بين صفوف الفلاحين. أما بالنسبة للثورة الثقافية فإن الهدف الأساسي لها هو التغير الجذري والتحول العميق للإنسان نفسه. إنه السعي إلى إحداث تجديد شامل في أفكار ومفاهيم المواطن الحالي مما قد يجعله يختلف تمام الاختلاف عما كان عليه في الماضي، وما كانت تتميز به شخصيته من شوائب التخلف والتشتت والجهل. إنها تعني بالتقريب أن يصبح كل الجزائريين قادرين بذواتهم وإرادتهم، أقوياء بوحدتهم وتفهمهم، متفتحين بوعيهم وذكائهم مفكرين بتجاربهم وثقافتهم، ومتشبثين بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم مرتبطين بوطنهم مؤمنين بعروبتهم وعقيدتهم يفرقون بين النافع والضار ويعرفون حقائق السعادة والازدهار التي تكمن في اكتمال الشخصية الوطنية، واحترام الصالح العام. وإذن فالإنسان أو المواطن هو المقصود مباشرة بالثورة الثقافية.. إنها ترمي إلى علاجه وإزالة كل بقايا الضعف فيه، ثم تفجير طاقاته المبدعة، ليكتسح بها كل الميادين، ويغير بواسطتها وجه الحياة والتاريخ. وإذا كان الإنسان هو المتأثر الأول بالثورة الثقافية فإنه من جهة أخرى هو المؤثر في خلقها وتسييرها وتفجيرها في نفسه وفي المجتمع.. إنه بصورة طبيعية يفعل وينفعل، والعكس، وتلك هي سنة الطبيعة في مسيرات الثورة والنضج والتطور الإنساني. إن الثورة الصناعية التي تركز ثقلها على تغير أوضاع الإنتاج الآلي وتوفيره وتحريره، والثورة الزراعية التي تعمل على تحويل وجه الأرض إلى جنة، وتهيئة المستوى اللائق للشعب.. إن هاتين الثورتين إذا كانتا تتجهان مباشرة إلى خدمة الاقتصاد الوطني، فإنهما وبلا ريب تؤثران في تحسين وضعية المجتمع وبالتالي في تدعيم الثورة الثقافية.. وتهيئة الإنسان الجزائري لأداء واجباته على أحسن وجه.. إلا أن دور الثورة الثقافية في إعداد المواطن الصالح يبقى هو الدور الأساسي والمهم.. وبدون نجاحها لا يمكن لأي تكامل اجتماعي أن يتحقق، ولا لثمار الأرض أو أدوات الإنتاج مهما تقدمت أن تتقدم بنا في شيء. إن الشرط الأول والضروري لانطلاق النهضة ونشوء الحضارة هو قبل كل شيء وجود الإنسان المتمكن من مقدراته في عقله وبدنه وسلوكه، وبعد ذلك تأتي الإمكانيات المادية الأخرى لتساعده على تحقيق مطامحه وغاياته. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن القيادة الثورية في البلاد قد بذلت جهوداً محمودة في دفع الثورة الثقافية إلى الأمام، وخاصة بما كرسته لها من إمكانيات التعليم والتكوين وبما يظل ينادي به رئيس مجلس الثورة والحكومة بضرورة قيام المثقفين بواجباتهم الوطنية ووضع اللغة العربية في مكانها اللائق بها باعتبارها المعبرة عن سيادتنا وثقافتنا وتربيتنا وتقاليدنا وتقدمنا ومصيرنا. ولكن، هل تحرك كل المثقفين ليواصلوا ما بدأته القيادة؟ فالثورة المسلحة -كما قلت- كان كل مواطن يستطيع أن يفعل شيئاً ما من أجلها. - وفي الثورة الصناعية خططت الحكومة وبذلت وشيدت، وبدأ العامل ينفذ. - وفي الثورة الزراعية خططت الحكومة وبذلت ووجهت، وأخذ الفلاح ينفذ. - وفي الثورة الثقافية، مهدت الحكومة وبذلت، ولكن.. على من يلقي واجب التنفيذ؟ أليس على المثقفين؟! وإذن، فأين نتائج أعمالهم الثورية بعد إحدى عشر سنة من الاستقلال؟ وإن من أقصده بالمثقفين، هم كل مثقف جزائري مهما كانت مسؤوليته أو نوع أعماله، ونشاطه.. وإذن ألا يحق لنا أن نطرح مثل هذه الأسئلة: 1- أين الذين تعربوا من مثقفي الفرنسية، وصاروا يؤدون نشاطاتهم ومهامهم باللغة الوطنية، على اعتبار أنها اللغة الأم، وقاعدة الثورة الثقافية وميدان مسيرتها. 2- وإذا استثنينا الرئاسة ووزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، وبعض المصالح القليلة، فمن هم المعربون الذين شاركوا في مسؤولية تسيير أية إدارة ذات مصالح مهما كان نوع اختصاصها.. وطبعاً هنا ليس الذنب ذنب المعربين. 3- ولماذا إلى حد الآن لم يتم تعريب بعض الوزارات والمؤسسات الوطنية الأخرى مما لها علاقة مباشرة بالشعب وبقضاياه الاجتماعية والتوجيهية أو على الأقل بعض مصالحها الإدارية التي ليست في حاجة ملحة إلى استعمال الاصطلاحات الأجنبية ولا ضرورة تستدعيها لتفسير أعمالها باللغة الفرنسية. 4- الحزب هو قاعدة الشعب وهو أيضاً طليعة كل نضال ثوري فهل دعمه المثقفون كما يجب. 5- ودور البلديات في التوعية ونشر جو التعريب، هل يؤدي مهمته؟ ونحن في العاصمة وفي غيرها ما زلنا نشاهد الشوارع بأسماء (فيفياني) (ديزلي) (وكلوزيل) وغيرها، وكل المظاهر تشعرك أنك في مدينة فرنسية. 6- والتلفزيون، ألا يجدر أن نشير إليه وهو يقدم لنا يومياً برامج ومقابلات ومسلسلات ومسرحيات وأفلاماً فرنسية لا علاقة لها مطلقاً بخدمة العربية والثقافة الوطنية؟ وإن كنا لا ننكر دوره في التوجيه العام. 7- ومؤسسة الأفلام السينمائية، هل حاولت مرة ترجمة شريط أجنبي، أو عرض فيلم عربي مهم داخل القاعات الراقية، اللهم إلا في المناسبات التي قد تحدث كل ثلاث أو أربع سنوات. 8- ومهمة المسرح في التعريب أين تعريبها وهي لا تتجاوز أصابع اليد. 9- والشركة الوطنية للنشر والتوزيع ما هي أثارها الإيجابية في القراء وفي ما يقرؤون، وفي المدن والقرى؟ إنها.. فعلاً. تتحرك -ولكن في أي اتجاه، وبأي كمية، وعلى أي كيفية- في مسيرة الثورة الثقافية؟ ألا يجدر بها أن تنتبه وتضاعف جهودها أكثر. 10- والتعليم عندنا.. هل توجد للتربية مكانة فعالة بجانبه وهل هناك جدوى من جيل غني بعلمه، ضعيف في أخلاقه ومبادئه وسلوكه..؟ وهذا إذا سلمنا بأن التكوين العلمي للطلاب هو كما ينبغي.! 11- ونوادي الشباب، والثقافة، والأدب، هل لها وجود يستحق الذكر.؟ إنها لو كانت بنسبة واحد في المائة فقط من مجموع ما لدينا من حانات لكان ذلك كافياً. 12- والمحاضرات، والندوات، والمؤتمرات الثقافية هل هي متوفرة بصورة دائمة ومنظمة وشاملة لكل أنحاء القطر؟. 13- إحياء التراث الفكري الوطني بطريقة منظمة وجدية على مسؤولية من؟ 14- كتابة ونشر قصص البطولات الوطنية في الثورة، وسير الشهداء، وتعميمها على الناشئة؟ 15- ترجمة الآثار الثقافية والأدبية الجزائرية إلى اللغة العربية؟ 16- تجنيد أساتذة الجامعات والثانويات والأدباء من أجل تنشيط الحياة الثقافية بين الجماهير..؟ 17- تعريب جريدة الجمهورية في الغرب الجزائري. وتزويد الصحافة الوطنية بما يبدو أنها في حاجة إليه، خاصة ما يتعلق بالإطارات القادرة. 18- المكتبات العربية بالنسبة للمطالعة وبالنسبة لبيع الكتب عددها ضئيل جداً، ومن الضروري الاكثار منها وتعميمها. 19- معاهد إطارات التكوين للشباب والرياضة، والدورات التدريبية لتسيير المخيمات الصيفية، لا يوجد هناك أي مبرر لبقائها مفرنسة ومن الأنسب تعريبها جميعاً. هذه.. وغيرها.. كلها نقاط إيجابية ولكنها في حالة ضعف أو انحراف تحتاج إلى تكميل أو تعديل أو ثورة لتسهم بصورة أساسية وفعالة في إنجاح الثورة الثقافية، وإيصالها إلى الهدف المنشود. وهناك نقاط سلبية يمكن أن تعرقل من مسيرة هذه الثورة إذا لم تبعدها عن طريقها، وفي مقدمة هذه العوائق، ومن أخطرها.. أولئك الذين قد يرمي بهم سوء الحظ في صميم معركة التسيير وهم لا يفقهون من الثقافة شيئاً.. أو لا يؤمنون إلا بما يجيء عن طريق البحر. وبعد.. لقد آن الآوان لأن تشرق شمس الثورة الثقافية داخل معاملنا ومصانعنا، وبين مزارعنا وحقولنا، وفي منازلنا وشوارعنا.. وقبل كل شيء في نفوسنا العطشى إلى النور. فمتى ينجلي عنا ضباب السنين البائدة؟ وإلى معركة الثقافة الوطنية أيها المثقفون المناضلون.. بلا تردد.. ولا انتظار. من هم المثقفون العرب؟ في هذا الزمن.. الذي تغيرت فيه المفاهيم وانقلبت معه كثير من القيم والعادات والتقاليد العربية الأصيلة، وأصبحت الثوابت الأساسية للشخصية العربية كالوحدة، والحرية بمعناها الواسع، واللغة العربية.. أصبحت مهددة، بالتناسي، واللامبالاة.. وفي بعض الأقطار.. مهددة حتى بالإلغاء والاندثار.. في هذا الزمن الجائر.. لم يعد في استطاعة أغلب المتألمين من هذا الواقع المر، سوى طرح أسئلة الاستنكار، والتعجب، ووضع الكثير من علامات الاستفهام.. ولكن دون الوصول إلى فهم يشفي الغليل وينقذ العليل...؟ - ومن بين هذه الأسئلة: ما هو دور المثقفين العرب في هذه المراحل الصعبة..؟ ويبدو لي، قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، أن نتساءل بيننا وبين أنفسنا من هم المثقفون العرب..؟ فإذا اعتبرنا الثقافة، كخلاصة معرفية، متطورة، للمواريث والمكاسب، التي يمتلكها الفرد أو المجتمع، من تجارب، وإنجازات. ولغة وأساليب حياتية متميزة. ذات مرجعيات تاريخية، وبيئوية، واجتماعية، وذات دوافع حضارية واستشرافية مستقبلية.. إذا نظرنا إلى الثقافة بهذا الاعتبار الشامل العام. فإننا قد نجدها تشمل كل أفراد الشعب العربي، وبالتالي فإن لكل مواطن عربي، نصيباً من ثقافة أمته.. وله في الوقت نفسه جزء معتبر مما يطرح على المثقفين من مسؤولية، عليه أن يقوم به حسب قدراته ومؤهلاته.. وإذا اعتبرنا أن المثقفين العرب، هم كل المبدعين في الآداب والفنون الجميلة. والمسرح والسينما.. وهم كل الكتاب والصحفيين والدارسين، والمحاضرين، ورجال السياسة، والمعاهد والجامعات ورجال الاقتصاد والفلسفة والتاريخ، والاجتماع، والتربية، وعلم النفس.. والقانون، والشريعة، والطب والصيدلة، والزراعة والصناعات. وهم كل المعنيين بالعلوم الحديثة والتكنولوجيا وكل ما له علاقة بالمعارف التي يزخر بها هذا العصر. إذا اعتبرنا أن المثقفين العرب عن هؤلاء الدكاترة والأساتذة. والسادة من خريجي الجامعات والموهوبين فلا ريب أن عددهم في الوطن العربي -حالياً- يحسب بالملايين.. وأعتقد أنه من الإجحاف: أن نتصور أو نحصر المثقفين في الأدباء والكتاب والفنانين. ورجال العلوم الإنسانية فقط.. فلكل عالم. بما كان تخصصه محدوداً علاقة ما بالمجتمع، وله وعي وخيال وطاقة.. ومعرفة -ولو بسيطة- بما تعانيه أمته من تمزقات، وآفات.. وبالتالي عليه جانب من المسؤولية كأي مثقف عربي.. ومن المثير للانتباه، والحيرة. أننا عندما نتأمل حركية الواقع البشري في المجتمع العربي -بصفة عامة- لا نشعر شعوراً غامراً، بوجود هؤلاء الملايين من المثقفين العرب، كوزن له ثقله، ودفعه، وديناميكيته وفاعليته، وكقوة فكرية وعملية. بارزة بحركيتها مؤثرة بحيويتها. لافتة للانتباه بمآثرها وآثارها. وذات مفعول محسوس في سلوكيات المواطنين وأذواقهم، واهتماماتهم. ومن الغريب أننا نجد بعض المظاهر والممارسات الممنوعة، والسلبية، استطاعت أن تحقق سطوتها وسيطرتها في بعض الأقطار العربية، متحدية كل الموانع والحدود، كأشرطة الأغاني التافهة، وبعض المواد الكمالية والصور الرخيصة والكتابات الخرافية المدسوسة. وحتى النكت والإشاعات المغرضة.. إضافة إلى آفات كثيرة، تسمم بنيتي الجسم والفكر في المجتمع، وتمس بعمق تماسك الإنسان وصفاء روحه، وقدسية شرفه.. وهذه السلبيات الخطيرة نجدها بفضل (ذكاء) مهربيها، استطاعت أن تنتقل من قطر عربي إلى آخر، دون جوازات سفر. وبلا رهبة أو خوف، بينما نجد إبداعات وإنجازات المثقفين العرب، سواء كانت مطبوعة أو مصنوعة.. مقروءة أو مسموعة، نجدها لا تستطيع أن تتجاوز حدودها القطرية.. وفي بعض الأقطار.. قد لا تجتاز حتى أطراف عاصمتها، نتيجة للإهمال والتراخي، وسوء التوزيع..!؟ قد يقول قائل: إن السبب في ضعف مردود المثقفين، وقلة تماسكهم، يعود إلى تهميشهم، وعزلهم، لغياب الديمقراطية، وحرية الحركة والتعبير، وانعدام الظروف الملائمة للازدهار الثقافي بصفة عامة، وخاصة في الأقطار، غير المستقرة.. وهنا يتردد في الذهن.. سؤال /حرج/ وهو كيف استطاع جيل المثقفين العرب في مطلع هذا القرن، وحتى الخمسينيات.. كيف استطاعوا أن يحققوا ذلك الإنبعاث الحيوي الرائد للحركة الثقافية العربية..؟ وأن يؤسسوا لهم مناخاً صحياً متفاعلاً، من الإنتاج، والتواصل، والتعارف، والتأثير الإيجابي في أغلب شرائح المجتمع العربي، رغم ضآلة العدة وقلة العدد، وسيطرة الأعداء المستعمرين على أغلب الأقطار العربية..؟ في عهد الاستعمار كان من النادر أن تسمح الظروف بلقاء المثقفين العرب مع بعضهم البعض.. وكانت الوسائل الوحيدة لتعارفهم وتواصلهم هي قلة من الكتب والمجلات والصحف المهربة، خاصة بين الشرق والمغرب العربيين، ثم بعض المراسلات، وندرة من اللقاءات الثنائية، في بعض العواصم الأوروبية أو خلال مواسم الحج... ومع ذلك كان لهم تأثير لا يوصف، وصدى لا يحد...! واليوم.. في عهد التحرر العربي السياسي، تكاثرت وتنوعت اللقاءات، والزيارات، بين الأفراد، والجماعات، والمنظمات، والاتحادات والأحزاب والجمعيات.. وتعددت الاتفاقيات المتمخضة عن التعاون الرسمي.. والمؤتمرات، والندوات: (لجان، خبراء، مستشارين، دارسين، تقنيين، محاضرين، شعراء..) إلى ما هنالك من حوافز التلاقي، ومشجعات التواصل، والتعارف بين المثقفين العرب على اختلاف اهتماماتهم، وتخصصاتهم، ومع ذلك لا يظهر على أغلب أفراد الشعب العربي، أنهم يمتلكون، إحساساً واضحاً أو تأثرات ملموسة، بهؤلاء الملايين، من المثقفين العرب...؟ لا ننكر أن هناك أسماء بارزة، ورائدة، لمثقفين عرب فرضوا حضورهم الدائم والمشرف على الساحات الثقافية وعلى ذاكرة الأجيال الراهنة.. إلا أنهم قلائل، وقد يعدون بالعشرات، بالملايين..! مما جعلهم نجوماً موغلة في أبعاد آفاق الكون، ترى العيون بصيصهم القاضي دون أن تقوى على الاستنارة بهم، في ظلمة هذا الليل العربي الدامس.. هناك نقطة أخرى، تتطلب تساؤلاً، وحواراً مع الذات.. وهي.. رغم كثرة رجال الثقافة، في بعض الأقطار العربية، نلاحظ أن هناك تلازماً عكسياً، وتناسباً تنافرياً بين عمق الأفكار الثقافية، واهتمام الجماهير.. فكلما كانت الفكرة المطروحة ذات بعد تأملي، أز زخم علمي، أو تحسس جمالي راق.. كانت الجماهير، أقل حضوراً وأضعف حماساً.. وعندما تتسطح الحوافز.. لإثراء الفكر، أو إثارته، عندما يتضاعف اهتمام الجمهور، ويتزايد، إقباله، كما نشاهد ذلك خلال المهرجانات الفولكلورية الراقصة، ولقاءات الوعظ والإرشاد، ومباريات كرة القدم..!؟ ما هو السبب يا ترى في هذه الجفوة.. وهذه الفجوة، بين المثقفين والجمهور.. هل هي الأمية، وضعف الإدراك، والانشغالات المادية الطاغية..؟ أم هي عزلة المثقفين داخل هالاتهم، ونخباتهم، وشللهم.. وإحساسهم بأنهم فوق غيرهم من الناس..؟ أم هناك طرف ثالث...!؟ حسب رأيي.. لا هذا.. ولا ذاك.. وإنما هنالك أسباب أخرى، يجب أن نتحاور لنكتشفها.. واسمحوا لي أن أنهي هذا الموضوع، بسرد هذه الواقعة الطريفة.. والموضوع لم ينته بعد.. منذ سنوات، أقمنا في مقر اتحاد الكتاب الجزائريين مهرجاناً شعرياً، بمناسبة يوم الأرض في فلسطين.. ونثرنا في الإذاعة والصحف خبر ذلك المهرجان.. وكانت الدعوة عامة.. كان عدد الشعراء خمسة عشر شاعراً من مختلف الأقطار العربية.. وحضر الشعراء.. وحان موعد افتتاح المهرجان، ولكن عدد الحاضرين من الجمهور لم يتجاوز عشرة أشخاص.. وانتظرنا المزيد، وأخذ الوقت يمضي دون زيادة في عدد الحضور، وكنت وقتها مسيراً للحفل، أجلس على المنصة، وسبعة من الشعراء عن يميني، وسبعة آخرون منهم عن يساري.. وأمامي في القاعة الكبيرة عشرة من الرؤوس.. فجاءتني فكرة. ونفذتها.. طلبت من الجمهور أن يتفضل فيجلس على المنصة بينما يستلم الشعراء القاعة لإلقاء قصائدهم منها.. لأن القاعة من حق الأكثرية..! وكان الشعراء أكثر من الجمهور.. تشرين: 19/8/1995 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |