حوار مع الذات - محمد بلقاسم خمّار

مقالات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:14 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الحسُّ الجمالي.. والعنف..!؟

هذه المرحلة الصعبة التي تجتازها الجزائر الآن.. والتي بلغت ذروة العنف، إلى درجة القتل والدمار والخراب.. من المؤكد أنها تؤلم، وتقلق كلَّ عربي، وفيّ لعروبته.. وكل إنسان محب للإنسانية والخير..‏

ولا ريب أن كل من يشغل باله حال الجزائر اليوم، يتساءل بينه وبين نفسه:‏

ما هو السبب الذي أدى إلى هذه الوضعية الكارثية..؟ وأين يكمن الحل يا ترى..!؟‏

ولكوني عشت آمال وآلام الجزائر، طيلة أيام عمري تقريباً -ملتصقاً بأحداثها، متفاعلاً مع ما يقع فيها من مستجدات وظواهر، ومن خفايا ومظاهر.. ربما أستطيع أن أفتح حواراً مع نفسي أناقش فيه سبب هذه الأزمة الخانقة...‏

وقبل كل شيء أشير إلى أمر معلوم، وهو أن مشاكل الجزائر الحالية، لا تعود إلى سبب واحد.. وإنما إلى عدة أسباب، خارجية.. وداخلية متعددة المصادر: تاريخية واستعمارية، واجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وثقافية وغيرها...‏

وكل سبب من هذه الأسباب قائم بذاته، مبني على دوافع وعوامل خاصة، ومنطلق ضمن غايات معينة وله تفرعات جانبية، يصعب أحياناً حصرها.. مع العلم بأن كل هذه الأسباب المتعددة المصادر والتفرعات.. رغم تناقضاتها، مما عمق حدة الاختلاف، وشدة التنافر، فإنها من جهة أخرى، تبدو متلاقية متساندة، بآثارها السلبية، ونتائجها السيئة.!‏

طبعاً.. لا يسمح المجال في هذا الحوار القصير، أن أتناول بالمناقشة كل الأسباب المذكورة، لذلك سأقتصر على الجانب الثقافي.. وحتى هذا الجانب لا أعتقد بأن مقالاً واحداً سيفيه حقه، بكل تفرعاته وتشعباته.‏

سوف لا أتعرض.. مثلاً -إلى مشكلة اللغة العربية والتعريب وتهميش المعربين.. ولا إلى موضوع إهمال التاريخ والجغرافية.. أو ضعف مادة التربية في المنظومة التعليمية، وصراع الفرنكفونية ودسائس الفرنكوفيليين، وقضايا الاهتمام بالشباب، والآداب والفنون، ومسألة الأمية، وشبه انعدام هياكل ووسائل انبعاث الحركة الثقافية العميقة والرائدة..‏

سأطرح فقط مسألة ثقافية واحدة، قد تبدو بسيطة، إلا أنها في رأيي، ذات أهمية بالغة، لما لها من علاقة أساسية ووطيدة، بتكوين الإنسان، وتحديد سلوكه، وإبراز معالم شخصيته المتحضرة الراقية.. تلك الشخصية المتمتعة بكل مزايا الوعي، والذكاء، وحب الخير والجمال، والشفقة والرحمة واستعمال الحكمة والعقل في معالجة الأمور..‏

هذه المسألة.. هي الحس الجمالي عند الإنسان الجزائري..! هل كانت هناك رعاية له أو اهتمام به..؟‏

- للإجابة: أقول: نعم- ولا...!‏

نعم -على احتمال وجود النوايا الحسنة- فقد بذلت جهود جبارة، وصرفت أموال باهظة، من أجل خدمة الأجيال، وتعميم التعليم، وبناء المدارس والجامعات، والمؤسسات الرياضية، الضخمة، ونشر الفنون والموسيقا الفلولكلورية، وإحياء المناسبات، والمهرجانات الكبيرة الصاخبة.. وكانت أنشطة التسلية متوفرة في الكثير من الأمكنة، وفي أغلب وسائل الإعلام.. وكانت هناك معاهد التكوين، ودور، ومراكز الثقافة.. كانت -وما زالت هناك إنجازات هائلة لا يمكن نكرانها.. وقد نستطيع القول، بأنها قد وفرت لبعض الشرائح، نوعاً من الفائدة العملية، ومن الراحة النفسية، ولكن هل استطاعت أن تهذب الذوق، وترتفع بمستوى الحس الجمالي في نفوس الأجيال الشابة..؟‏

أعتقد أنها لم تستطع تحقيق أي شيء إيجابي مبهم، "بل كانت أحياناً تساعد على تدهور السلوك والذوق العام- ومن هنا أقول، لا. أي أن تربية الحس الجمالي السامي بكل ما يتطلبه من شروط بشرية ومناخية، ووسائل.. لم يلق أية رعاية أو انتباه..!‏

وقد يعود السبب في ذلك - بصورة إجمالية- وعلى احتمال وجود النوايا الحسنة- إلى جهل المعنيين بموضوع تكوين الإنسان، وتربية الجيل.. وليس هناك تفسير (بريء) آخر.‏

كان هناك اعتقاد سائد، بأن تحقيق القفزة الجبارة للانطلاق من التخلف إلى التقدم، ومن الضعف إلى القوة، ومن عهود الانحطاط إلى عصر التكنولوجيا.. يتطلب التركيز على المستقبل، بعيداً عن الماضي وعلى امتلاك الآلة قبل الإنسان، وعلى الواقع الجاف بلا خيال ولا عاطفة.. وعلى الرياضيات بدل الشعر.. والفيزياء والكيمياء، قبل التاريخ والجغرافيا والاعتماد على اللغة الفرنسية (الحية) عوضاً عن العربية (الآخروية) وهلمَّ جرا..!‏

وكأن المهام والقضايا الإنسانية تتعارض وتتناقض مع قضايا العلوم والتكنولوجيا الحديثة..!؟‏

واختفت حكمة الجدود، وغابت الأمثال الشعبية وتلاشت فنون الصناعات التقليدية، وتجمدت هياكل المتاحف، والمسارح، ودور السينما، النوادي، والمكتبات، وتعطل النشر خاصة بالنسبة للأطفال، واختل نظام التوزيع، وأصبحت أفلام العنف والرعب، هي قبلة أغلب المشاهدين..!‏

أصبح من العادي على الطفل الصغير، عندما يشاهد وردة يافعة، تزين منظر حديقة، أن يركض نحوها، فيقطفها وعندما يرمي بها، تدوسها الأقدام دون حرج..!‏

وصار المراهق، إذ أراد التفاخر ببراعته في الرماية والتسديد، يحمل أمام الجميع حجراً، ويرمي به مصباحاً كهربائياً أو لوحاً زجاجياً، وقد يبتسم البعض تشجيعاً له..!‏

أما أغلب الشباب، فلم يعد يهمهم الزمن والوطن سوى القوة، وشريكة العمر، والسكن..!؟‏

وتوزع الكهول والشيوخ بين المقابر، والتقاعد أو التنازل إلى مواقع الأطفال، والمراهقين..!‏

وأسجل /قبل أي احتجاج/ بأن هذه الصفات، لا تنطبق على كل المواطنين، إلا أنها تشكل ظاهرة بارزة، نأمل ألا تعم أو تتجذر.. ولا بد من الانتباه إليها..‏

وهنالك ظاهرة أخرى، تدل على انحراف الذوق وانقلاب المفاهيم.. حيث أضحت بعض المبادئ، الوطنية الثابتة كالوحدة الشعبية، والهوية العربية الإسلامية، والقيم السامية والتقاليد النبيلة، ومعطيات الثورة، وتجارب النضال هذه الثوابت المقدسة، أضحت خجولة في الإفصاح عن وجهها، اللهم إلا بين ذويها.. بينما أصبح الموتورون وحتى بعض /التقدميين/ يصرحون بكل جرأة، واعتداد، بأن العصر هو عصر /المتغيرات/ ولا داعي للاهتمام بأي شيء إذا لم تفرزه الحداثة والعصرنة الأوربية..! وكم رددوا قولهم بوقاحة: ليذهب التاريخ إلى المزبلة..!؟‏

من المعلوم -كما يقال- لا وجود لشيء في الطبيعة اسمه، الفراغ.. وبالفعل، فعندما يختفي النور والحب، والجمال.. لا بد وأن تحل محلهم الظلمة والبغضاء، والبشاعة.. وهو ما يحدث عندما يختفي الحس الجميل من شخصية الإنسان..‏

وكبرهان على ذلك، سأختم هذا الحوار: بهذه الحكاية الطريفة:‏

اشترى رجل ثري جاهل، قصراً عظيماً، داخل حديقة زاهرة.. وصادف أن غرفة نوم ذلك الرجل، كانت نوافذها، تطل وتتلامس، مع فروع أشجار باسقة سامقة.. وكانت تلك الأشجار مأوى لمئات من العصافير الصغيرة، تلجأ إليها عند الغروب فتنام فوق أغصانها وبين أوراقها، وفي الصباح الباكر تستيقظ مزقزقة فرحة سعيدة، ثم تغادرها طلباً للرزق واستمتاعاً بالحياة...‏

انتبه ذلك الغني الجاهل، إلى أن تلك العصافير توقظه عند مطلع الفجر بزقزقاتها الصاخبة، وتحرمه من لذة النوم العميق المتواصل...‏

وفكر.. وتدبر.. وتفتق ذهنه عن وسيلة حاسمة، يخلصه من إزعاجات العصافير، وزقزقاتها المؤذية بالنسبة إليه.‏

عندما قام من نومه ظهراً، استدعى العمال، وأمرهم بقطع كل الأشجار المحيطة بنوافذ قصره، حتى لا يبقى أي مكان لعصفور يمكن أن يزقزق فيه بالقرب منه..!‏

كانت أعمار تلك الأشجار تتجاوز عشرات السنين. إلا أن عملية قطعها لم تستغرق سوى يوم واحد..!‏

ونام الجاهل ليلته الأولى دون أن يشعر بمرور وقت الفجر فيها.. وهاجرت العصافير الصغيرة، عندما لم تجد مأواها كما كان..!‏

وفي الليلة الثانية وكان الفصل صيفياً، والنوافذ مشرعة.. وبمجرد أن خيم الظلام أخذت أفواج البعوض والحشرات، تتوافد في هجومات شرسة، على غرفة نوم الجاهل، لتمتص دماءه، وتحرمه نهائياً من النوم..!‏

واحتار ذلك الغني الجاهل، ماذا يفعل..؟‏

فقال له أحد الفلاحين.. ألم تكن تعلم بأن زقزقة العصافير هي من أجمل الأنغام..؟ وأن الحشرات المؤذية لا تتجرأ على اقتحام مواطن العصافير..؟‏

ما عليك الآن سوى أن تغرس أشجاراً جديدة وتصبر.. ثم تنتظر عودة العصافير.. أو فاغلق نوافذك وعش داخل الجحيم..!؟‏

يقول العلامة، عبد الرحمن بن خلدون: "المغلوب مولع أبداً، بالاقتداء بالغالب، في شعاره، وزيّه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده..".‏

هذه المقولة المشهورة، وإن صدقت وتطابقت مع الواقع، بالنسبة لبعض الشعوب الضعيفة والهزيلة من أساساتها الحضارية، ومقوماتها الروحية والفكرية والمادية، فإنها تاريخياً -على الأقل- لا تنطبق على كل الشعوب وإذن، فهي ليست قاعدة عامة، ومطلقة، تصلح لكل زمان وكل مكان..‏

فالشعب العربي -مثلاً- عاش في فترة ماضيه القديم عهوداً جائرة- مغلوباً على أمره، مجزءاً تحت سطوة أمم قوية مثل الروم، والفرس، والأحباش.. إلا أنه بفضل محافظته على خصائصه الذاتية، ومعطياته البيئوية، واعتزازه بشخصيته.. استطاع أن يظل صامداً مستقلاً في خياراته وأن يمتنع عن أي ذوبان أو إدماج في بوتقة الحضارات القوية المسيطرة. إلى أن تبلور وعيه وتنامى إدراكه بالحرية المبنية على العدل، والأسس الإنسانية، فأشرقت شمس إسلامه الحنيف، وأنشأ دولته الواحدة، تلك الدولة التي بلغت حضارتها العربية الإسلامية أوجها الممتاز مما جعل الأمم الأخرى تقتدي بها وبشعبها في كل شيء كما يقتدي المغلوب بالغالب، ومن بينها أمم الروم، والفرس، والأحباش..؟‏

وبالنسبة لهذا العصر.. كلنا نذكر ما لحق بالأمة الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية- من دمار، وإبادة، وسيطرة من طرف الحلفاء وأسلحتهم الفتاكة..!‏

وكذلك ما أصاب اليابان من تدمير وقتل وتخريب.. ولم يمض نصف قرن من الزمن، حتى شاهدنا ذلك الجبار الألماني، كيف يقف على قدميه، حيوياً قوياً موحداً، متمتعاً بكل خصائصه ومقوماته الأصيلة والحديثة..!‏

وإذا باليابان ينتفض كالمارد العملاق، فارضاً طابعه، وهيبته، واحترامه- يكاد أن يسيطر على العالم كله بإبداعاته وإنتاجاته الفكرية والمادية.. وتكاد الأمم التي قهرته بالأمس، أن تعترف بأنها مقهورة أمامه، ولا يسعها إزاء تفوقه سوى أن تقتدي به وتسير على منواله في سائر أحواله..!؟‏

ومن المعلوم أن الأقطار العربية التي عانت من الهيمنة الاستعمارية طيلة عقود كثيرة، ظلت متمسكة بقيمها الأساسية متشبثة بمميزاتها الأصيلة، وثوابتها السامية، فلم يستطع الاستعمار محو معالمها الذاتية، رغم كل محاولاته التشويهية المتواصلة، ورغم ما كانت تقاسيه تلك الأقطار من حرمان وتجهيل، من قمع وتفقير، ومن ظلم وتقييد..!‏

ومما لا ريب فيه أن الشعب العربي في الجزائر كان في مقدمة الأقطار العربية، بما تحملّه وعاناه من شراسة الاستعمار وجرائمه وويلاته طيلة قرن وثلاثين سنة، ومع ذلك.. ظل محصناً بقيمه وعاداته النبيلة.. يقظاً متفتحاً أمام كل الأحداث والتطورات، محافظاً على كرامته وعزة بقائه إلى أن أخذ استقلاله، بقوة الحجة، والسلاح، سنة 1962.‏

وإذن، فمقولة ابن خلدون -كما قلت -ليست قاعدة ثابتة- يمكن أن تطبق على كل الشعوب..!‏

ولكن ما يثير حيرتي، ويجعلني دائم التساؤل، والتحاور مع نفسي، هو، لماذا أغلب الأقطار العربية، بعد أن نالت استقلالاتها، أخذت تتساقط خارج أرضيتها الصلبة وتتباعد عن إنجازاتها وعطاءاتها الحضارية الراقية، وعاداتها وتقاليدها السامية، وثقافتها العريقة، والأصيلة المتطورة، من لغة، وفكر، وعقيدة وسلوك، وإحساس وذوق.. خاصة بعد حرب حزيران 1967 حيث ساد التشاؤم، وعمّ القلق وأصبح كل مواطن يتحرك يشعر أنه داخل نفق رهيب، ونحو مستقبل غامض مجهول..!؟‏

لماذا كل هذا التمزق، والأنانية القطرية الضيقة والاختلافات، والخلافات، والانبهارات بما يحققه الآخرون..!؟ إلا من رحم ربك..!‏

ومما يحز في النفس حقاً.. هو هذا الواقع المرعب الذي تجتازه الجزائر اليوم..!‏

لقد أشرت إلى أن مقولة (المغلوب مولع أبداً بالغالب..)‏

لم تحقق مفهومها عند العرب في عهدهم الجاهلي، ولا عند أمم أخرى كالألمان واليابانيين، ولا في الأقطار العربية التي رزحت عهوداً قاسية تحت نيران الاستعمار، بل لقد حدث العكس حيث أصبحت تلك الأمم والأقطار هي صاحبة الغلبة كل من كان هو الغالب، وتأتي الجزائر -أيضاً- في المقدمة، حيث استطاعت بفضل البطولة والفداء والتضامن والمد العربي، في ظرف سبع سنوات ونصف أن تتغلب بالفعل على جبروت الاستعمار الذي كان هو الغالب، فتحول إلى مغلوب وطرد من الأرض، ونالت الجزائر استقلالها..‏

ولكن ما نلاحظه اليوم على بعض الشرائح الاجتماعية في الجزائر، هو حقاً مثير للدهشة والعجب، إنه الانقلاب الغريب في المفاهيم السائدة، والإطلاقات المنطقية..!‏

لقد أصبح الوضع المعكوس، هو الصحيح، والعليل هو السليم، والشاذ هو القاعدة، والمتناقض هو المعقول، ومن بين هذه التقاطعات التي صارت تبدو متوازية مع المفاهيم مقولة ابن خلدون التي أضحت بيننا تحمل عكس معناها بكل جرأة وصراحة، وبدون أي خجل أو إحراج.. إنها الآن. وبكل بساطة تحولت إلى أن/ الغالب هو المولع باقتداء المغلوب..!)‏

وهو الواقع الذي نحياه بكل صوره البشعة، وأبعاده الخطيرة..!؟‏

إن كل الشواهد التاريخية، والوقائع، والمواقف الثورية النضالية، تؤكد بأن الاستعمار، لم يتمكن من زعزعة الشخصية الجزائرية، ولا من التأثير الجذري في مقوماتها الحضارية الإنسانية إلى أن غادر البلاد، مطروداً، ذليلاً...!‏

وانطلاقاً من تلك الشخصية الوطنية القوية، استطاع الشعب الجزائري - ومن خلال ثورته المسيسة والمسلحة- أن يتغلب على أعتى وأضخم قوة مدعمة بالأحلاف، والأموال والعلم والرجال..‏

فكيف نرى هذا القطر الآن.. وهو الغالب في الأمس الغريب، نراه مولعاً بالاقتداء بـ "المغلوب" في شعاره وزيه ونحلته (ولغته) وسائر أحواله وعوائده"!..‏

وإلى درجة أننا قد نجد بين أفراده من يتمنى بلهفة وشوق الحصول على جنسية عدوه، ويسعى بجهد إلى نيلها ولربما هناك من يتمنى عودة المحتلين كأسياد إلى ديار الشهداء والأحرار..!؟‏

من حسن الحظ أن هذه الظاهرة، ليست عامة، ولا تمثل وجهة الأغلبية. ولكنها موجودة.. ولا شك أنها تتطلب الحذر، وتحتاج إلى دراسة معمقة، من طرف علماء النفس والاجتماع والسياسة لمعرفة أسبابها، وكشف دوافعها لإيجاد العلاج الناجح لها..‏

من الطبيعي جداً، ومن المشروع أن يكون سعي الأفراد والجماعات متجهاً دائماً نحو الأفضل، والأرقى، والأجمل.. ومن هنا فإن أي مطمح أو عمل في سبيل اللحاق بما حققته الدول الأجنبية من تطور وازدهار في حياتها الحضارية الراهنة، هو أمر ضروري، بل وواجب على كل عربي، يعتز بماضيه العريق، ويجتهد لبعث حضارته وأمجاده، واللحاق بالأمم المتقدمة.. وفي هذا المجال يستحسن الاقتداء ولو وصل إلى درجة التقليد المتبصر الواعي..‏

أما الاقتداء الذي يحمل أشكال وصور العبودية، والتبعية والارتياح للهيمنة، والانقياد الأعمى، فذلك ما يثير العجب والقلق!‏

وأتصور.. لو كانت هناك روابط اتصال وتنسيق دائمة بين الأقطار العربية، يتم خلالها العمل المتكامل، والمواقف المتضامنة مع التنافس والتسابق من أجل الأحسن.. لو تم ذلك لما وصلت بعض أقطارنا إلى مثل هذا الحد من الجنوح..!‏

فمثلاً عندما انتهت حرب الجزائر سنة 1962 مع الاستعمار وحققت استقلالها، ظن كل العرب، وفي مقدمتهم الجزائريون أنفسهم بإن كل الأخطار قد زالت، ولم يبق سوى جو البناء والتشييد في ظل الحرية والاستقلال..!‏

ولكن غاب عن الجميع أن تلك الحرب بالنسبة للاستعمار لم تنته أبداً وأنها استمرت شرسة، عنيفة، حامية الوطيس، ولكن بدون مدافع، دبابات، وطائرات مقنبلة.. وإنما بما هو أدهى وأمر. بالفكر والكتاب، والمجلة، والشريط السمعي والبصري.. بالمتعاونين والمستشارين والمعلمين.. بالهدايا، والإغراء، والترغيب، بالخونة، والعملاء، والحاقدين، وبكل ما من شأنه أن يهدم الكيان الوطني ليقيم محله، تماثيل وأصناماً وأبواقاً، تلبي رغبات الاجتياح الجديد، وتنقاد /بسعادة/ للهيمنة الاستعمارية الجديدة..!؟‏

إن الجزائر اليوم، تتهاوى تحت ضربات التآمر الأجنبي الناقم، في شبه غفلة من أعين العرب والمسلمين، الذين مدوا إليها يد العون الفعالة خلال ثورتها المسلحة، ثم اعتقدوا -عندما استقلت- أن حربها مع الاستعمار قد انتهت..!‏

إنها الآن تعيش عمق مأساة الحرب المدمرة، اقتصادياً وثقافياً، وزراعياً، ومن المؤسف أن المتحاربين بالسلاح فيها، هم من أبنائها.. جزائريون، يقتلون جزائريين، والأسلحة تتهاطل عليهم من مزاريب /المغلوب/ سابقاً.. ومن كل المغلوبين أمثاله..!‏

الذين صاروا محل إعجاب واقتداء..!؟‏

- الشعب الجزائري، معروف عنه أنه شجاع، وكريم ومتسامح.. وقد عبر عن ذلك -بعد الاستقلال، وعلى لسان قيادته عندما فاجأ العالم بقوله للفرنسيين/ عفا اللَّه عما سلف/!/ ورمى بقرن وأربعين سنة من القمع والقتل والتحقير والحرمان والاذلال.. ورمى بها خلف حدود الذاكرة وداخل مقابر النسيان..!؟ ويا ليته لم يفعل..!‏

وهاهم الناس في الجزائر يقتلون أنفسهم اليوم.‏

ألا يوجد من يذكرهم أو يتذكر: /عفا اللَّه عما سلف/!‏

أو يقول لهم: لا تنسوا أنكم كنتم الغالبين..!؟‏

هل هناك صراع بيننا وبين أبنائنا..؟‏

كنت في نهاية الركعة الأخيرة من صلاة العصر.. عندما أفزعني صوت قويٌّ للباب، وهو يغلق بشدة، يشبه الإنفجار..!‏

أنهيت الصلاة باستعجال، وركضت نحو شرفة منزلي المطلة على باب العمارة- وبعد لحظة قصيرة، رأيت ولدي الشاب خارجاً مندفعاً في اتجاه الشارع.. فناديته بلهجة حاسمة، طالباً منه العودة حالاً، وبسرعة..!‏

ويبدو أنه قطع سلالم الطوابق الثلاثة، بخطوات قليلة عملاقة.. حيث تفاجأت به بعد لحظة خاطفة، واقفاً أمامي وهو يلهث، ويسألني: ماذا تريد؟‏

أمسكت بيده، وجررته نحو قاعة الجلوس.. وكان جهاز التلفاز داخلها يملأ الأجواء بضجيجه المزعج..!‏

- قلت له: أنت فتحته!.. فلماذا لم تغلقه، وأنت تغادر المنزل..؟ أغلقه الآن!.‏

فأغلقه، وهو يقول: كنت أظنك ستأتي لمشاهدته..!‏

ثم سحبته من يده إلى غرفة نومه، وكانت مصابيحها الكهربائية الثلاثة مضاءة.. فسألته: وهذه الأضواء، لماذا لم تطفئها وأنت تخرج من غرفتك..‏

أم هل كنت تظنني سآتي لمشاهدتها.. والتمتع بأنوارها..!؟ -فاطفأها بصمت.. وعرجت به نحو حنفية الحمام وكان ينساب منها خيط رقيق متواصل من الماء..! وهذه لماذا لم تحكم أغلاقها جيداً.. أم أن ذلك فوق طاقتك!؟‏

- أجابني بنبرة تدل على نفاد صبره: إنك يا أبي دائماً، لا تهتم إلا بالأمور البسيطة التافهة.. وقد أضعت لي الآن، موعداً هاماً كنت مرتبطاً به.. وتركني.. وانصرف مسرعاً غاضباً..!‏

- مباشرة جلست على أقرب مقعد.. وفتحت حواراً مع ذاتي..‏

- مما لا ريب فيه أن أغلب الآباء أمثالي غير راضين تماماً عن أبنائهم الشباب، في سلوكهم، وتصرفاتهم، ونوعية أذواقهم، فهل يعني ذلك أن جيلنا كان في شخصيته وإنجازاته، أعظم من جيل الأبناء..؟‏

لتحديد مرحلة جيلنا، نفترض أنه من مواليد الثلاثينيات أو قبلها أو بعدها بقليل، أي أن أعمار أفراده اليوم، تتراوح بين الخمسين والسبعين سنة...‏

ونفترض أن جيل أولادنا هم من مواليد الستينيات تقريباً أي أن أعمارهم حالياً هي بين الخامسة والعشرين، والخامسة والثلاثين سنة، أما ما فوق ذلك حتى الخمسين، فهم مخضرمون..‏

وقبل الخوض في مسألة التفاضل بين الجيلين، أرى من الضروري تسجيل بعض الحقائق التي تؤكد بالفعل أن هناك اختلافاً واضحاً بين الجيلين تفرضه طبيعة الحياة، وتغيرات الزمن، مع العلم بأن كل والد يتمنى أن يكون أبناؤه أحسن منه، وبالتالي يتطلع كل جيل أن يكون الجيل الذي يرثه من قومه أعظم منه..!‏

- الحقيقة الأولى: اختلاف ظروف النشأة، وطرق التربية، ووسائل التنمية والجو الاجتماعي العام لمرحلة الطفولة والمراهقة عند الجيلين.. فالجيل الأول، أي جيلنا يكاد يكون بأغلب أفراده، قد عاش محروماً من التمتع بأفياء طفولته، ومراتع مراهقته.. جيلنا انتقل مباشرة من مرحلة الإدراك الأولى إلى مرحلة الشباب والرجولة.. مرحلة الإحساس بالمسؤولية، والنضج المبكر، نتيجة للعوامل الكثيرة التي كانت تؤثر في الأسرة وفي المجتمع العربي خلال الثلاثينيات والأربعينيات من هذا القرن العشرين.. وهي عوامل متعددة الأنواع والأشكال سياسية واقتصادية، يغلب عليها الطابع السلبي وتتمثل في الاستعمار، والفقر، والأمية، وما ينتج عنها من حرمان، وضعف، وتخلف ومنها تولدت في نفوس جيلنا عناصر التحدي، والعمل، والأمل..‏

بينما جيل الستينيات -رغم بعض الهزات أو الإحباطات التي شاهدها- فإنه قد توفرت لديه الكثير من الإمكانات المادية والنفسية.. التي ساعدت الطفل على الإحساس بطفولته، وهيأت للمراهق جو مراهقته، خاصة من طرف الوالدين والأولياء.. حيث اجتهدوا بتلقائية في السعي إلى تعويض ما فاتهم في مطلع حياتهم الشقية، إلى أبنائهم، بتقديم كل ما يستطيعون لهم، من أسباب الدلال، والرفاهية، وحرية الاختيار والتصرف بالإضافة إلى ما وفرته السلطات الوطنية من متطلبات التعليم والتكوين، والرعاية الصحية ووسائل الترفيه..‏

- الحقيقة الثانية: جيلنا ابتداء من عمر مراهقته، جرفته تيارات التحرر الوطني، فانغمس في معارك النضال السياسي، القطري والقومي إلى درجة التأجج، والالتهاب الثوري المسلح ضد المستعمرين والأنظمة العميلة الفاسدة، وقد تطلب منه أن يعيش بعيداً عن نزواته الذاتية، ورغباته الأنانية العابرة، في سبيل تحقيق أهدافه الوطنية الكبرى..‏

بينما جيلنا الثاني، جيل الأبناء لم تسعفه الظروف لتبني أو رسم أهداف عظيمة واضحة، وتحمل مسؤولية إنجازها فاتجه نحو الغايات الآنية، وانطلقت فئات منه تخوض غمار التناقضات الحضارية الراهنة، ومعالم الصراع الاقتصادي محاولة قدر الإمكان، اللحاق بمواكب التقدم التكنولوجي، المتسارعة في تطورها، والمحاطة في الوقت نفسه، بحواجز مكهربة يصعب اختراقها..!‏

- الحقيقة الثالثة: هي وجود نوع من الاتهامات المتبادلة بين الجيلين..؟ فنحن نتهم أبناءنا بأنهم انفصلوا عن تقاليد (الأبوة) وتمردوا على نظام (الوصاية) الذي كنا نحن مرتبطين به، محترمين له -فشقوا عصا الطاعة مما جعلنا نتصور بأنهم أصبحوا لا يشبهوننا في حب الوطن والتعلق به، وفي تحمل المصاعب، وقوة الصبر، والاجتهاد في العمل، والتشبث بالعادات والقيم الاجتماعية السامية.‏

وهم من طرفهم، يتهموننا بالتزمت، واحتكار السلطة، والريادة، وارتكاب الأخطاء.‏

والانغلاق، وسد منافذ الانطلاق في وجوههم.. مما أدى بالكثير منهم -حسب رأيهم- إلى التركيز على قضاياهم المصلحية الشخصية..‏

أو التسكع في سبل اللامبالاة.. أو المغامرة خارج الوطن..‏

وفي هذه النقطة بالذات، عندما أحاور نفسي، أجد أن كلا الاتهامين باطل من أساسه..؟‏

- فجيلنا، لم يبق فيه من الأحياء، الأقوياء، إلا قلة قليلة.. وما تبقى على قيد الحياة، عاجز، أو متقاعد..‏

- وجيل أبنائنا، هم الذين يملؤون ميادين الوطن العربي الواسعة، بنسبة قد تفوق 70% من عدد السكان.‏

- جيلنا كان أغلب أفراده من الأميين.‏

- وجيل أبنائنا يضم العدد الأكبر من المتعلمين والمتكونين.‏

- جيلنا.. ربما كان يحظى بالاحترام والشفقة من طرف آبائه لما كان يعانيه من شظف وتقشف، وبؤس، واحتياج..‏

ولما كان ينتظره من مهام صعبة خطيرة، تستدعي التضحية بالحياة.. وبكل عزيز..‏

ولكن الجيل الحالي هو أيضاً يحظى بحبنا واعتزازنا وبما نعقده عليه من آمال جسام في أن نصل بهذا الوطن الممزق، إلى مصاف الأمم المتوحدة القوية الراقية..‏

ومن المؤكد أن جيلنا يدرك بأن لكل جيل خصائصه ومميزاته وظروفه الزمنية، خاصة في هذا العصر، الذي أصبح العالم فيه /قرية صغيرة/ بفضل تطور الإعلام والاتصال، وهو ما جعل علاقة الشاب بجهاز التلفزة، أكثر ارتباطاً -أحياناً- من علاقته بأبويه، وأفراد أسرته..!‏

حقيقة رابعة.. ونتيجة للغزو الثقافي الأجنبي، وهيمنة الإعلام الخارجي، وانتشار التعليم، والتراجم، والأفلام، والكتب والمجلات بما تحمله، من معطيات ثقافية متعددة، ومتنوعة، ومن نظريات وعقائد مختلفة.. تكونت لدى أبنائنا، خاصة المتعلمين -أذواق جديدة.. تتغاير في جوانب كثيرة مع أذواقنا القديمة، وخاصة في مجالات الفنون، والموسيقا، واللباس، وقد جذبت مباهج العصر البراقة نفوس بعض شبابنا، وأغرتهم برونقها، فأصبحوا يبحثون عن المكاسب المادية السهلة، ويتنافسون في الحصول على أكبر ربح ممكن بأقل جهد مبذول -مما أدى ببعضهم حتى إلى ترك مقاعد الدراسة، على أساس أن الشهادة الثانوية أو الجامعية، لا تضمن الفوائد المادية المرجوة، وأن التجارة أو الأعمال /البزنسية/ هي خير وسيلة لجمع المال..! وهذا يعني أن التزود بالثقافة والعلم لم يعد يهم الكثير من الشباب..!؟‏

هذا التغاير في الأذواق، والاختيارات المصيرية كوّن هو الآخر جدلاً حاداً بين بعض الآباء وأبنائهم، ونتج عنه نوع من تبادل الاتهامات..‏

أقول الاتهامات، وذلك لأبعد عن هذا الموضوع مفهوم الصراع.. لأنني لا أعتقد بوجود أي صراع حقيقي بين جيلنا، وجيل أبنائنا- ربما يوجد صراع في جانب ما، بين أبناء الجيل الواحد، بسبب التسابق والتنافس، المتوازي، نحو ترويض الحاضر، ورسم الصورة المستقبلية، تبعاً لوجهات النظر المتعددة..‏

أما بالنسبة لجيلنا وجيل أبنائنا، فالقضية لا تتجاوز حدود النقد، وتبادل التهم، وهي جدلية طبيعية ونزاع لا بد وأن يحدث، بين ماضٍ وما زال لم تختف بقاياه وحاضر جديد لم تكتمل ملامحه بعد..‏

وهنا أعود إلى طرح التساؤل الأول: هل أن جيلنا كان في شخصيته وإنجازاته أعظم من جيل أبنائنا..؟‏

وباختصار -أعتقد أنه علينا أن ننتظر ثلاثين سنة قادمة، لنحكم على هذا الجيل، ونقدم في حقه الإجابة الصحيحة..‏

بالفعل.. حقق جيل الآباء مهام صعبة، قدم من أجلها خيرة شبابه شهداء من أجل الحرية والاستقلال، ووضع اللبنات الأولى لعهد ما بعد الاستقلال. ولا ننكر أنه مرّ بأخطاء.. والذي لا يعمل هو الذي لا يخطئ..‏

ولكن المهام التي تنتظر جيل أبنائنا، هي أصعب، وأخطر -لأن استعمار اليوم غير استعمار الأمس، وأحوال وأهوال القرن الواحد والعشرين ليس لها مثيل، ولأن المحافظة على الحرية واستكمال مستلزماتها هي أصعب بكثير من عملية تحقيق الاستقلال السياسي، وأخذه بالقوة والنضال..‏

لذا فما علينا سوى أن نواصل، بما تبقى لدينا من جهد، لتوفير أسباب المنعة والنجاح لأبنائنا الشباب، وأن نستمر في إحالة المسؤوليات الجسام عليهم، وكلنا ثقة بهم، وتفاؤل بمستقبلهم، سائلين اللَّه أن يوفقهم، وينصرهم، ويسدد خطاهم في خدمة أمتهم العربية، هذه الأمة المجيدة الخالدة، والتي كانت: خير أمة أخرجت للناس.‏

تشرين 27/9/1995‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244