|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:14 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
خاطرات.. وأحلام.. وبصرى الشام..؟ عندما دخلت مدينة بصرى الشام، وسرت فوق طرقاتها الأثرية المرصوفة بالحجر المصقول.. وأقواس النصر تستقبلني بدون أبواب موصدة.. والأعمدة السامقة الشامخة، تقف على جانبي، كأنها فصيلة من الجنود الجبابرة، تقدم لي التحية...! عندما دخلت مدينة بصرى الشام أحسست برعشة من الاعتزاز الممزوج بالحزن القومي.. تكتسح كياني..! وبمزنة من هموم الوطن، تغمرني بدموع الحيرة، والشوق.. وتذكرت الجزائر ومدينة /تيمفاد/...!؟ من اللافت للنظر أن هناك أشياء، وصفات.. وطبائع وعادات.. معالم ومعتقدات.. كثيرة، وكثيرة، تربط بالتماثل والتشابه بين الجزائر وسورية، رغم ما يبن البلدين من آلاف الكيلو مترات.. ها هي مدينة بصرى الشام الأثرية، في قلب حوران الأشم بألوان حجارتها وأفياء أزقتها، وملامح ماضيها العتيد.. إنها تتشابه تماماً مع شقيقتها مدينة تيمفاد الأثرية في حضن الأوراس الأشم..! كانت تيمفاد، في عهد الأمن والاستقرار، تقيم مهرجاناتها الدولية للموسيقا والرقص، كشقيقتها بصرى، الشام.. فلماذا الآن يتقلص العطاء، وينكمش التواصل، وتحرم الجماهير البريئة من معايشة لحظات سعيدة عزيزة..!؟ لماذا لا أشاهد اليوم فرقة فنية من الجزائر في سورية..؟ ولماذا يعيش المواطن الجزائري الآن بعيداً عن أفراح تيمفاد، وأعراس بصرى الشام..!؟ هل هي مشيئة الحاقدين!؟ أم أنه مجرد إمتحان سنجتاز مرحلته بنجاح..!؟ أنا لست مؤرخاً، ولا علاقة لي بعلم الآثار، ولكنني أقدس تاريخ بلادي، وأعتزّ بكل أثر عريق فوق أرضي العربية ما كان مصدره.. إذ يكفي أنه ملك لوطني.. فوق تربته وتحت سمائه.. عندما تجولت في أرجاء بصرى الشام، أحسست بأنني أعيش تاريخاً حياً متواصلاً.. من أوابده، وروافده البائدة، إلى موارده وعوائده السائدة.. الحياة التي كانت تنبض وتدب منذ عشرات القرون، أراها ما زالت تتحرك بحيوية، وقوة، ووعي، ونحن في نهاية القرن العشرين..!؟ بصرى الشام.. إذن، هي مدينة لآثار الحياة ومدينة لحياة الآثار، كدوحة خضراء يانعة، ترمي بجذورها إلى أعماق الأرض، تتمايل أغصانها المورقة، لتعانق أشعة الشمس... مسرحها اليوناني العظيم الضخم، يقال أنه من أكبر المسارح الأثرية في العالم.. وإنني شخصياً زرت كل أقطار أمتنا، ولم أر له مثيلاً في كبره وتماسكه وروعته في الوطن العربي على الأقل.. هذا المسرح، الذي يضم اليوم حوالي عشرين ألف مشاهد جالس، في احتفالية ثقافية راقية.. ألا يدل على أن التاريخ العربي، هو سيد التواريخ.. وإن التاريخ العربي ظل متسلسل الأمجاد، مرتبط الحلقات، منذ بزوغ إنسانية الإنسان، وأنه سيظل على نفس المنوال.. هكذا وإلى الأبد.. لأنه، وببساطة -ممتنع عن التلاشي والذوبان..! لقد كان مهرجان بصرى الشام، الثالث عشر، فرصة ممتازة لي، للمتعة، وللاكتشاف، وللتأمل، وللحلم الجميل.. تمتعت خلال أربع ليال زاهرة، بمتابعة لوحات ساحرة، في الرقص، والموسيقا، والغناء، قدمتها فرق أجنبية وعربية، فتية ناضجة..! وما زاد في متعتي، وأثار إعجابي، هو هذا الجمهور الفنان الغفير، بتفاعله وتناغمه وتواكبه مع الفرق الناشطة إلى درجة الاندماج الكلي معها..! كان المشاهدون.. يقفون صفوفاً صفوفاً.. أمام خدود مقاعدهم الحجرية العريضة، يصفقون ويهتفون، وهم يتمايلون بطرب وانسجام، وعندما تهزهم المقطوعات واللقطات الفاتنة، ينخرطون معها -شباناً وفتيات- في رقصات جماعية متناسقة مثيرة للبهجة والعجب، مما جعلني أرصد، بلهفة، تلك التدخلات العفوية الجميلة، والف برأسي نحو كل الجهات كي لا تفوتني مشاهدها الطريفة المحببة.. حتى شعرت بالتوعك يجتاح عنقي.!؟ لقد كانت مدرجات المسرح، المفرطة في الارتفاع بمقاعدها الصخرية، وجوانبها الشبه دائرية.. كانت تبدو وكأنها مرآة عملاقة، ينعكس ويرتسم عليها كل ما يحدث على الخشبة من حيوية، وحركة ونشاط.. وكانت الموسيقا تملأ الفضاءات، والفرح يبتسم في عيون الجميع.. تمنيت لو لم تفتني كل سهرات المهرجان، الخمس عشر.. ومع ذلك شعرت بغبطة الارتياح وواجب الامتنان للصديق الذي أتاح لي بدعوته ومرافقته سانحة غالية كريمة. لا تنسى. لقد اكتشفت في بصرى الشام، أن هذه المدينة العريقة تمتاز بظاهرة نادرة، وهي توقف الزمن بين عتباتها، وخلوده فوق أمكنتها..! فالزمن فيها دائم الانسياب كالشلال ولكن جريانه لا يختفي بعد مروره، ولا يتلاشى ليحل محله زمن آخر.. بل يظل دائم التراكم والدوران، والحضور الحي..! مواقع الآثار الشامخة، والمتماسكة بإصرار ومنازل السكان العامرة، بالأطفال، والحياة.. بناء حجري متماثل في الشكل واللون، والتحدي.. والأصوات واحدة، سواء تلك التي تعترضك في الدروب وأمام الأبواب مرحبة محيية.. أم تلك التي تحس بها من أطياف الجدود.. الأبعدين، والأقربين تناجيك من خلال كل الزوايا، والأكمات.. السومريون،، الآشوريون، الكلدانيون، الأراميون، السريانيون النسطوريون، النبطيون، الكنعانيون، الفينيقيون، كل أجدادنا العرب، القدامى وأبناؤهم العرب المسلمون، هذه الأواصر العريضة الكبيرة، أحسست بوجودها أمامي، وأنا أطوف أحياء مدينة بصرى.. الصغيرة..! وقفت أشاهد مسجد المبرك، هذا المكان الذي بركت فيه ناقة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. عندما رافق عمه في تجارة إلى الشام، وكان وقتها شاباً يافعاً وتذكرت كيف اهتم بأمره الراهب بحيرا النسطوري وألح على رؤيته، وأكرمه، وتنبأ برسالته، وحث عمه على ضرورة حمايته، وحراسته من مؤامرات اليهود عليه..! إذن فالحقد قديم، وعداوة اليهود للعرب والمسلمين عميقة الجذور..!؟ ورأيت جامع الخضر عليه السلام.. ومدرسة أبي الفداء والمسجد المملوكي، ومسجد عمر، وقلعة الأيوبيين، والخنادق، المحيطة بها، وخزانات المياه الهائلة والحمامات، وأقواس النصر، والسوق الحجري، والطرق المرصوفة بالصخر المصقول والأعمدة العملاقة حولها، والكاندرائية والمعابد، والكنائس التي تشير إلى أقدم العهود.. رأيت.. ورأيت غابات الزيتون.. وبساتين الفواكه والكروم، وآثار السواقي والأنهار والحصون..! - قلت في نفسي: لماذا علق بعض الكتاب على مسلسل /الجوارح/ الذي عرضته التلفزة السورية منذ شهور وقالوا بأنه مسلسل خيالي لا ينطبق مع واقع التاريخ العربي ولا مع حياة البدو في أجوائهم القاحلة.. وأتصور لو تذكر هؤلاء الكتاب، بعض المناطق الزاهرة في حوران وغيره.. ولو ساروا بخيالهم إلى مضارب الغساسنة في تحديهم لمظاهر القياصرة.. لربما اكتشفوا أن حياة /البدو/ في تلك العهود، كانت أكثر مما شاهدناه في الجوارح -فروسية، ورفاهاً، وجمالاً.. وخضرة، وألواناً وألحاناً..؟ اجتمعت بمشايخ مسنين، تتجاوز أعمارهم التسعين وكانت دهشتي عارمة، عندما استمعت إلى ذكرياتهم التاريخية المجيدة، خاصة ما يتعلق منها بنضالهم الشجاع أيام ظلم الأتراك وغزو المستعمرين الفرنسيين. كان أحدهم يشبه تماماً /الوهاج والد الباشق/ ويحتفظ بعدة رسائل وأوسمة شرفية، ورثها عن جده الذي سجل في حياته مواقف إنسانية، وقومية بطولية خالدة شهد بها له، حتى الأجانب..! - تمنيت لوان تلك الذكريات والحكايات، تحولت إلى كتب.. أو أفلام للتواصل مع ذاكرة الأجيال. - وتمنيت لو كان مهرجان بصرى الشام الفني، مرفوقاً بمعارض، وأنشطة ثقافية، وفكرية، تثريه، وتلبي أذواق كل الزائرين، وهذا ليس على همة وزارة الثقافة ببعيد، وتمنيت أن أعود إلى بصرى الشام مرة أخرى، وأرى بعض أسرارها التي ما زالت خافية.. وأرى وجهها أكثر بهاء في أناقته وصفائه.. وجماله وجلاله.. وهو حلم، يبدو أنه سيتحقق، ما دامت الإرادة الواعدة متوفرة. تشرين 3/10/1995 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |