حوار مع الذات - محمد بلقاسم خمّار

مقالات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:14 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

بداية المسيرة بين الألغام والأخطاء:

منذ خمسة عشر قرناً، حيث أشرقت شمس الإسلام فوق الأرض، وتغلغلت أنوارها داخل كل أرجاء الوطن العربي، ومن بينها الجزائر.. وأجزاء كثيرة من المعمورة.. منذ مطلع ذلك الفجر الحضاري المجيد ترعرعت وتأصلت الثقافة العربية الإسلامية في الجزائر وانطلقت مدعمة بالمواريث العريقة للشعب تؤثر وتتأثر، تعطي وتأخذ، تواكب وترفد..‏

وقد سجل التاريخ للجزائر أروع الصفحات وأشرفها في مختلف الميادين القيادية، والبطولية والعلمية، وأعظم الذكريات في مواقف الشجاعة والمروءة والشهامة العربية النادرة..‏

وقد كانت ثقافة الشعب، المتمثلة في طباعه وأخلاقه وقيمه وعاداته كانت تلك الثقافة الجزائرية العربية الإسلامية هي السلاح الإنساني الجبار للذود عن الكيان والانتصار على العاديات والصمود المعجز في جبهات النضال للقضاء على أية محاولة عدائية للسيطرة والنفوذ ومن أجل الحرية الكريمة التي لا يرضى أي عربي شريف بديلاً عنها.‏

ولا ريب أن ثورة أول تشرين الثاني 1954 تلك الثورة العملاقة المعجزة التي التحم فيها الفكر مع الزند والبندقية بالقلم، والرجل مع المرأة في زحف فدائي واحد.. وبإرادة مصممة واحدة.. تلك الثورة المثالية المتكاملة.. ربما لم تكن لتحقق كل تلك المكاسب فوق أرض المعارك المسلحة وفي مختلف المحافل الدولية وتلك المكانة العزيزة والمرموقة في قلوب كل الأشقاء والأصدقاء وأنصار الحرية في كل مكان لو لم تنطلق من أرضيتها الثقافية العربية الإسلامية، المدعمة بكل أسس الصدق والالتزام وحب التضحية والشهادة والاستقامة في الأخلاق والانضباط واحترام النظام وأولوية الحق والعدل..‏

لقد نجحت الثورة الجزائرية وحققت الاستقلال، وكان من الممكن أن تظل على نفس الوتيرة، وتواصل مسيرتها لبناء مجتمع سعيد وخلاق.. ولكن / تجري الرياح بما لا تشتهي السفن/.‏

إن المتأمل حالياً في وضعية الإنسان الجزائري، وفي حالة مجتمعه الراهنة من نواحي السلوك واللغة والأفكار والعلاقات والطباع والمواقف والتصرفات تجاه البنية الذاتية للمجتمع أو تجاه الآخرين.. إن المتأمل في هذه المستحدثات الطارئة والمستوردة الغريبة لا يتصور أبداً أن هذا الذي يراه هو بالفعل استمرار أو تسلسل طبيعي لذلك المجتمع الثوري العظيم بثقافته الرائدة التي كانت تتفاعل مع مختلف الحضارات والظروف بكل حصانة وانتباه وذكاء، ذاك المجتمع السليم المتماسك والغني بتضحياته ونشاطه وتجاربه ومعارفه.. الصامد بثبات أمام كل العواصف والتيارات والمفاجآت..!؟.‏

مما لا شك فيه، أن إشراق شمس الاستقلال بعد السنين القاسية الطويلة، من الظلم والعبودية والحرمان ومن الشقاء والألم والحزن قد شكلت صدمة قوية عارمة ومفاجأة مذهلة لدى الجميع -رغم انتظارهم لها وتأكدهم من حدوثها -إلا أنها كانت ذات أثر اهتزازي عنيف لدى الكثير من النفوس البسيطة الساذجة وكانت تشكل الأغلبية -نظراً لانتشار الأمية- فاستسلمت للذهول والكسل، وللراحة والاتكال باحثة عن الاطمئنان والسعادة وعن أكبر ربح ممكن مقابل أقل جهد مبذول.. إلى درجة أن بعض المواطنين تعجبوا- عندما طلبت منهم المصالح المعنية- دفع أجور النقل في القطار أو تسديد فواتير ما استهلكوه من ماء، وكهرباء وغاز في مطلع الاستقلال، وتساءلوا مستنكرين: كيف نسدد هذا..!‏

ألسنا الآن في عهد الاستقلال..!؟ أما أجور المساكن التابعة للدولة فلم تدفع مستحقاتها إلا بعد ما يقرب من عشر سنوات من الاستقلال وكانت مبالغها قليلة جداً، وشبه رمزية..!.‏

يضاف إلى ذلك أن التشبث بالثوابت الوطنية والخلال الثقافية القومية والحرص على المحافظة عليهما، هذا الاتجاه العام كان في عهد الاستعمار يمثل الملجأ الطبيعي الأمين والضمان الأمثل.. المنقذ للشعب من كل أخطار الإبادة والتدمير الاجتماعي والنفسي.. ويقف حاجزاً منيعاً ضد كل محاولات المحو والادماج والتجنيس والتنصير على الأسلوب الاستعماري البشع..! هذه المساعي المتواصلة والمفضوحة التي كان المستعمر لا يتوقف عن ممارستها وبذل أقصى الجهود والإمكانات والوسائل اللامشروعة من أجل تحقيقها كان الشعب منتبهاً لها.. مدركاً بحسه الثقافي لأغراضها السيئة.‏

كان كل المواطنين متيقنين بأن أية غفلة لتمرير دسائس الأعداء ستؤدي بهم إلى التهلكة وكانوا يفرقون بين من هو مسيحي مؤمن يأتي إلى زيارة البلاد في رحلة سياحية بريئة وبين من يدعي المسيحية وهو كافر ملحد، لا يقيم لتعاليم الأديان أي وزن، ولا يهمه إلا التعصب والاستغلال وإبادة الشعوب الضعيفة.‏

ومن هنا لم يحظ المستعمرون في الجزائر بأية ثقة أو ائتمان من طرف الشعب الجزائري العربي المسلم.‏

وعندما تحقق الاستقلال وغادر المستعمر البلاد، برحاله وأذنابه، بأعلامه ورموزه. بعدته وعتاده وأصبحت الجزائر مسيرة من طرف أبنائها فلذات أكبادها.. عندما تنفس المواطنون الصعداء.. وألقوا بكل أتعابهم وأثقال مسؤولياتهم واحتياطاتهم وحذرهم، وحتى ذاكرتهم المرجعية ورعاية مصادر ثقافتهم.. ألقوا بكل شيء على كاهل السلطة الوطنية الحاكمة..!.‏

ومما يؤسف له أن السلطة تحملت هذه المسؤولية بكل عفوية وحماس.. وربما أعتقت أنها تمثل كل شيء وقادرة على كل شيء، من هنا بدأت المأساة بين التناقضات والأخطاء..!؟.‏

خلال الانتفاضة الأولى للثورة الجزائرية، قال ضابط فرنسي كبير: "إن الجزائر ستأخذ استقلالها لأن عهد الاستعمار القديم قد انتهى زمنه.. ولذا يجب علينا أن نفكر في كيفية الهيمنة على الجزائر من الخارج لأن حكمها من الداخل قد مضى زمنه انتهى".‏

ومنذ انطلاقة الثورة وخاصة منذ سنة 1957 أخذت فرنسا تكثف جهودها الثقافية إلى جانب فعالياتها العسكرية الجبارة من أجل تثبيط المعنويات الشعبية وزرع دوافع التردد والشك وبذر الفتن والتفرقة بين السكان المواطنين، وكان لعلماء النفس والإذاعة المسموعة أخطر الأدوار في التمويه عن الحقائق ونشر الإشاعات وبث سموم الإحباط والانهيارات..‏

كما كان مشروع قسنطينة ومخططات الجنرال /شال/ ولاكوست/ وغيرهم.. ثم /شارل دي غول/ من بين أهم الوسائل والبرامج التي اعتمدت عليها فرنسا/ قبل الاستقلال/ لإعداد الأرضية المناسبة من أجل بقائها في الجزائر واستمرار وجودها وهيمنتها الثقافية والاجتماعية على الجزائر بعد استقلالها..!.‏

وقد كان ذلك واضحاً في بعض نصوص اتفاقية /إيفيان/ التي أبرمت بين الجزائر وفرنسا قبل الاستقلال.‏

ويوم الاستقلال /قبله بقليل/ انسحبت فرنسا من الجزائر وبكل شيء لديها في الجزائر يمكن حمله بمن فيهم اليهود والعملاء الجزائريون الذين كانوا يتعاونون مع المستعمرين وكان ذلك في مطلع صيف 1962م.‏

وظن بعض الأبرياء البسطاء أن مأساة قرن وثلاثين سنة من الاستيطان العنصري الغاشم قد زالت إلى الأبد.. وطرحت شعارات للتقدم والعروبة، والنهضة والتحرر المطلق.. ولكن كان أخطر هذه الشعارات هو: عفا الله عما سلف.. وبدأت النوافذ تفتح دفاتها وتتساقط من خلالها غربان العودة من الغرب لإعادة الحياة لمزابل التاريخ ونشر روائح العفونة والتسمم وتطبيق برنامج الاستعمار الخارجي..؟.‏

قبل أن يغادر الاستعمار البلاد كان قد كوّن إطارات جزائرية مفرنسة من المراهقين ومن أنصاف المتعلمين ومن منشطي المخيمات الصيفية من الممرنين ومن بعض أبناء العملاء له ليصبحوا بعد ذلك النواة القاعدة لإدارة الجزائر المستقلة خاصة أن اللغة الفرنسية حسب الاتفاق وبعض القناعات كانت هي اللغة المفضلة..‏

وبطريقة ما تواصلت الحملة العدائية من أجل تشويه الثوابت الوطنية ورمى لغة الشعب بكل التهم والإشاعات المهينة.. واستفحل موضوع التفرقة بين أبناء الوطن الواحد على أساس عربي دخيل وبربري أصيل.. ونشطت حركة الجمعيات /الخيرية/ التنصيرية "الفاشلة!" وبدأت مختلف الآفات الاجتماعية تتسرب عبر جميع القنوات الحدودية والإعلامية والثقافية الغازية وبكل الوسائل الممكنة.. كل ذلك بسبب الحقد والانتقام ومن أجل تركيع هذا العملاق الذي انتصب واقفاً بقوة رغم أنوفهم.. ألا وهو الشعب العربي في الجزائر..!؟.‏

يذكر التاريخ أن /اللورد كرومر/ عندما كان حاكماً لمصر في مطلع هذا القرن نصحه مستشاره /دانلوب/ بقوله: "إن كل حركة وطنية نامية لا بد لها وأن تعتمد على مجموعة من المفكرين المثقفين القادرين على استخدام عقولهم لرعاية حركتهم وتطورها، وبالمقابل فإن الاستعمار هو أيضاً في حاجة إلى فئة من مثقفي ذلك البلد لينفذوا أغراضه في مختلف الميادين".‏

وقد استطاعت فرنسا قبل الاستقلال أن تجند مثقفيها وأن تهيئ لخدمتها مجموعة من /الفرنكوفيليين/ وهم المرتبطون بحبال الود والولاء لفرنسا، إضافة إلى نطقهم بلغتها، المسحورين بحبها من بعض الجزائريين.. من أنصاف المثقفين وضعفاء النفوس، أو من أولئك الذي حرمتهم /عقدهم/ من المشاركة في الثورة أو مناصرتها، فلم يكتب لهم شرف الوقوف إلى جانبها أو الجهاد بين صفوف مناضليها وهذا ما زادهم بعد الاستقلال مرضاً وتعقيداً وحقداً على كل من هو وطني مخلص..!.‏

وهنا أرى من الأمانة التاريخية أن أشير إلى أن كل القيادات العليا التي تعاقبت على تسيير دفة السلطة في الجزائر منذ الاستقلال حتى اليوم كانت في جملتها من الوطنيين المخلصين ومن المجاهدين الذين حملوا راية الثورة والكفاح ضد الاستعمار إلى أن استقلت البلاد.‏

وطبعاً.. فالشعب الجزائري حامي الثورة وراعيها لم يكن ليرضى أبداً.. أن يتولى أمر قيادته أحد من غير الوطنيين المجاهدين، كما أنه لم يكن بمقدور أحد أن يتقدم لمنصب القيادة إذا لم يكن مؤيداً بتاريخه الوطني النزيه.‏

بالفعل، لقد برزت بعض الانحرافات القيادية التسييرية بشكل ملحوظ في مطلع الثمانينيات إلا أن بؤرة الداء الخبيث كانت تكمن في انحراف بعض الإداريين من الموظفين المسيرين والمقررين والمنفذين ممن تنكروا لثقافتهم الوطنية ومعطياتها الرائدة جهلاً بها أو استلاباً وانصياعاً لثقافة المستعمر الملغومة أو لمرض آخر في نفوسهم فكانوا أكبر حجر عثرة في مسيرة أي تطور حضاري يتلاءم مع شخصية الإنسان الجزائري ويتواكب مع ماضيه العريق ويلبي مطامحه النهضوية في حاضره ومستقبله المنشود.‏

وبذلك حققت فرنسا في الجزائر المستقلة ما لم تكن تحلم به وهي تستعمرها.. فمثلاً بالنسبة لانتشار اللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية الوطنية تمكنت الفرنسية من اكتساح أغلب الأنشطة الإدارية والاقتصادية والسياحية وجل المعاملات في المدن الكبرى بينما تقلصت وتراجعت اللغة الوطنية وكأنها لغة أجنبية غريبة.. لقد تحقق للفرنسية في ثلاثين سنة من الاستقلال ما لم تستطع تحقيق جزء بسيط منه في مدة قرن وثلاثين سنة من الهيمنة الفرنسية؟.‏

وكان الجنرال /شارل ديغول/ بعد استقلال الجزائر مباشرة واعتماداً على بعض النصوص الثقافية في اتفاقية /إيفيان/ يشجع الشباب الفرنسي للتوجه إلى الجزائر من أجل نشر اللغة والثقافة الفرنسية /المقولبة/ وقد بلغ في تشجيعه إلى منح المكافآت المالية المغرية والإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية لكل شاب فرنسي يذهب إلى الجزائر لخدمة اللغة الفرنسية فيها؟!.‏

ومن المهازل المؤسفة.. أن المتعاونين الفرنسيين إبان العقد الأول للاستقلال كانوا عندما يحلون بأرض الجزائر يستقبلون من طرف بعض الموظفين الإداريين بكل تكريم وترحاب بينما يجد بعض الوافدين من الأقطار الشقيقة -لنفس المهام- بعض المصاعب والعراقيل.. كل ذلك بسبب تصرفات صنائع الثقافة الفرنسية من بعض المسلوبين ولهدف معلوم وهو أن تظل الجزائر بعيدة عن حظيرتها العربية وثقافتها الأصيلة.. وحتى يسهل القضاء على لغتها وبالتالي على شخصيتها الثقافية العربية الإسلامية؟.‏

تشرين 14/5/1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244