|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:14 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
دور النخبة المثقفة هناك سؤال وجيه قد يرد إلى الأذهان... وهو: ماذا كان دور النخبة المثقفة في خدمة الثقافة، وبالتالي، القضاء على جذور الأزمة..؟ وطبعاً.. للإجابة الوافية عن هذا السؤال، يتطلب الأمر الكثير من التحليل، والتعليل، والسرد، والشرح، وهو ما لا يسمح به المقام في مثل هذا الموضوع المجمل.. ولكن -باختصار- يمكن القول: أولاً: إن كلمة "النخبة" بمعناها الاصطفائي البارز، والمميز، لم يكن لها المقام الواضح والفارق بين عموم المثقفين الجزائريين.. وهذا يعود لأسباب اجتماعية لها علاقة بالتاريخ والثورة، وبنفسية الجماهير التي ترفض أي تمايز طبقي بين أفرادها، خاصة فيما له علاقة بها كالثقافة. ويعود كذلك، إلى ما حدث بعد الاستقلال من تهميش للثقافة والمثقفين، حيث وقع شبيه غياب كامل للشروط المهيئة لذلك كالنوادي، والصالونات الثقافية، والتشجيع المادي والمعنوي، وظروف اللقاءات بين المثقفين. ورغم ذلك يجوز -تفاؤلاً- أن نعتقد بوجود "نخبة" قلية العدد خاصة من بين بعض المحظوظين، ممن توارثوا المجد عن أبائهم، أو عن الوظائف السامية التي شغلوها لفترة ما، أو ممن احتضنته دور النشر الأوروبية... وأيضاً ممن فرضوا أنفسهم بجديتهم، وجودة إنتاجهم مع الإشارة إلى أن هؤلاء المثقفين لا يشكلون طبقة منفصلة. ثانياً: ومن الانصاف الاعتراف، بأن المثقفين الجزائريين، قد استطاعوا خلال عقد الستينيات والسبعينيات، أن ينجزوا إبداعات ثقافية جادة ورائعة، في مجالات المسرح والسينما، والنشر في ميادين الفكر، والآداب والفنون ومختلف العلوم الإنسانية.. وفي ميادين الموسيقا والباليه، والرسم، وإحياء التراث وبعض الصناعات التقليدية... وقد سجلوا حضوراً مشرفاً في أغلب الملتقيات العربية والدولية... ولكن ما يلاحظ هو أن استمرارية تلك الانجازات الإبداعية والثقافية قد توقفت في شبه جمود تام، قبل الثمانينيات بقليل، نتيجة لضعف الإمكانات وقلة الوسائل، وانعدام الرعاية والمتابعة، بسبب التدخلات العشوائية -أحياناً- من طرف بعض المسيرين لدقة الثقافة، وهم أبعد الناس عنها..! وهكذا لم تبق سوى بعض المبادرات المتقطعة. أو المحاولات الفردية لبعض الكتب والمؤلفين والمخرجين. أما تلك الأنشطة الفولكلورية السطحية، المتمثلة في استهلاك التراث. أو تكرار ما تركه الفنانون القدماء من رقص وموسيقا وغناء.. والتي تختنق بها المهرجانات الضخمة في مختلف المناسبات، وننفق من أجلها الأموال الباهظة.. تلك الأنشطة الغوغائية لا أعتقد أن لها أي انتساب جوهري بالثقافة أو المثقفين...! ثالثاً: إن الإزدواجية اللغوية بين المتفرنسين الذين تخرجوا من الجزائر أو من المعاهد الأوروبية في مطلع الاستقلال، وبين المتعلمين بالعربية من خريجي معاهد تونس والمغرب، وجامعات المشرق العربي... هذه الازدواجية الأحادية اللغة، قد شكلت معضلة كبيرة، وهوة رهيبة في علاقات الاتصال، والحوار، والتفاهم، بين شرائح المثقفين الجزائريين، بل أدت أحياناً إلى وجود نوع من التنافر التلقائي، وسوء الفهم، حيث كان المتفرنس يتخيل في المثقف بالعربية، إنساناً رجعياً متأخراً يعيش مع العواطف والأحلام، والانفعالات الساذجة ويهوى الخرافات والأساطير ويتأثر بكل الغيبيات الدينية، والأخلاق المحافظة المتزمتة، وبالتالي فهو إنسان مغلق محدود الأفق، لا يصلح لأن يتعايش أو يتلاءم مع وسائل وأساليب العصر الحديثة، ولا يستطيع "مسبقاً" أن يباشر بأية مسؤولية ذات علاقة بالمعارف والعلوم المتطورة، وليس في مقدوره أن يتولى مهام إدارية تسييرية مهما كانت، ولو وظيفة بسيطة في مكتب صغير..!؟ وعلى أساس هذه الأحكام الاعتباطية الجائرة، تم نثر أغلب المثقفين بالعربية -ففي مطلع الاستقلال- بين مدارس التعليم لتدريس قواعد النحو، والدين، وبين المساجد، ومراكز الشؤون الدينية... ثم بعد ذلك جرى الحاق ممن يحملون شهادات حقوقية بأجهزة العدالة، ومؤسسات القضاء...!؟ وكان المتعلم بالعربية -في الوقت نفسه- ينظر إلى المثقف المتفرنس نظرته إلى محتكر متغطرس متكبر. جاهل بلغته الوطنية معتد عليها. بعيد عن ثقافة شعبه، وثوابته وتقاليده مرسخ لمظاهر المستعمر، مكرس لأساليبه وعلاقاته المشبوهة، متهاون في وطنيته وشعبيته، وعقيدته، وشخصيته المستقلة. وبالتالي فهو مسلوب لا يستحق أي ثقة أو احترام...!؟ سوء الفهم هذا أدى إلى تمزيق وحدة المثقفين، وتشتيت جهودهم التي كان من المفروض أن تتركز وتتمحور حول عملية إحياء الثقافة الوطنية وإنمائها، ونشرها، ضمن مساعي البناء التقدمي في عهد الاستقلال، بل ما حدث هو العكس، حيث اتجهت بعض الجهود المغرضة، نحو نشر التهم والإشاعات ووضع العراقيل والمطبات بين المثقفين، ومن طرف المثقفين أنفسهم...!؟ وتجدر الإشارة إلى أن المتعلمين بالفرنسية، والناطقين بلغتها، وهم ما يطلق عليهم اسم الفرنكفونيين.. قد وقعوا في خطأ فادح، حيث لم ينتبهوا إلى الفارق الكبير، الموجود بينهم، وبين من يسمون بالفرنكوفيليين... أولئك الذين تجاوزوا حدود رابطة اللغة الفرنسية، في علاقاتهم بالثقافة الفرنسية، إلى روابط التعاطف والإعجاب والانبهار بكل ما له علاقة بالأمة الفرنسية. لقد كان المتفرنسون رغم اختلاف مبادئهم الوطنية وأفكارهم الثقافية يشكلون كتلة واحدة لا يشوبها أي تمايز أو فرق...! إن الثقافة الوطنية -في الحقيقة- تجمع بين كل أبناء الوطن المثقفين، مهما تعددت لغاتهم، ووسائل تعبيرهم ومصادر معارفهم.. المهم هو وعي التاريخ واحترام اللغة الوطنية والإيمان بقيم الوطن، وحريته، وسيادته، والتعبير الصادق عن آمال شعبه ومطامحه. ومما لا ريب فيه أنه قد لايوجد مثقف لا يحترم ولا يجل الكاتب والشاعر الجزائري المعروف مالك حدود -رحمه اللَّه- مع أنه كان لا يحسن حتى الحديث العادي، باللغة العربية ولكنه كان وطنياً مخلصاً.. وقد تصدى لمناهضة كل الفرنكوفيليين...! نفس الخطأ الذي وقع فيه الفرنكوفونيون الوطنيون، وقع فيه أيضاً "في بداية الأمر" المثقفون باللغة العربية، إذ لم يفرقوا هم. كذلك بين فرنكوفوني، وفرنكوفيلي، واعتبرهم شلة واحدة.. وهكذا تواصل سوء التفاهم، الناتج عن سوء التقدير، وانعدام اللقاء والحوار.. خاصة أن الجو الاجتماعي العام -كان يعاني ندرة في الهياكل والمؤسسات الثقافية - كما سبق ذكره- إضافة إلى الضعف في حركة الترجمة ووسائل الاتصالات المعرفية كالكتب، والمجلات، والندوات الدولية، كل هذه العوائق زادت في تعميق شقة التباعد بين المثقفين، وساعدت على خلق زمر منفصلة عن بعضها، لا تجمعها إلا الحساسيات الوهمية والصراعات النفسية الخاطئة والباطلة، وهذا ما أدى بهم جميعاً إلى عدم استطاعتهم القيام بالدور الثقافي المناط بهم كما يجب...! ومن الجدير بالملاحظة أن الثقافة كميزة بشرية دالة وكعطاء حضاري خلاق.. لها اتصال مباشر بشخصية الإنسان، وتكوينه وتطوره، وسلوكه.. وهي وسيلة وغاية في الوقت نفسه تهدف إلى ترقية المجتمع، والفرد، وتربية الذوق العام، وإلى التسامي بالفكر، والوجدان وتقديس العمل والإنتاج. ومن هنا يأتي دورها الأساسي والحاسم، في إنجاح مشاريع التنمية، بكل جوانبها الاقتصادية، والاجتماعية، والتعليمية وحتى السياسية. والثقافة تشكل عنصراً فعالاً، في تحصين الإنجازات الصناعية والعمرانية والزراعية... وفي حمايتها وتطويرها وذلك لما توفره للإنسان من وعي وذكاء، وحسن تسيير وتدبير، ومقدرة على استشراف المستقبل، وتلمس المناهج السليمة الضامنة لاستمرارية النجاح... الثقافة.. بهذا المفهوم -مع الأسف- لم تلق أية عناية أو انتباه ضمن أغلب برامج ومخططات التنمية الكثيرة والضخمة التي أنجزتها الجزائر خلال الثلاثين سنة الماضية... وحتى عندما طرح شعار الثورات الثلاث: الصناعية والزراعية والثقافية.. نجد أن شعار الثورة الثقافية هو الوحيد الذي لم يحظ بالاعتمادات الكافية وبالاهتمام المطلوب..! وظل يتراوح بين وهج الشعار ولهيب الانتظار..!؟ كل ذلك أدى إلى هيمنة الفراغ الثقافي.. ذلك الفراغ الرهيب الذي امتلأ بكل ما هو كارثي، وظلامي وتخريبي.. وأدى بالبلاد إلى الوضع المأساوي الذي تعيشه اليوم..!؟ وحتى لا نكون متشائمين، نؤكد بأن الجزائر قادرة في أي وقت أن تستعيد سلامتها الكاملة، فقط عليها أن تعود.. إلى وعيها الثقافي الأصيل.. وإلى منابع ثورتها، وأمجادها الخالدة، وأن تجند كل أبنائها الأكفاء الأوفياء، لطرد شوائب الحاضر، ورسم ملامح المستقبل الجميل... وهو ما نرجوه من القيادة المسؤولة. تشرين 29/5/1996 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |