|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:14 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
آفات.. وانحرافات..! إن الثقافة المؤسسة، من ذاتية الإنسان المتميزة، والمعبرة بصدق عن صميم حقيقته، عن فكره، وتجاربه وسلوكه، عن تراثه وتاريخه، ومعطياته الراهنة، والمستقبلية.. إن هذه الثقافة، هي نفسها الخلاصة المتكاملة، والحصيلة المتبلورة، التي تتشكل منها شخصية المجتمع، وهوية أفراده. عندما نتحسس في مجتمع ما، شيوع مظاهر الانحرافات، وتعدد الآفاق، فذلك دليل قاطع على تخلخل البنية الاجتماعية واهتزاز الشخصية الوطنية.. وانذار مشؤوم، بقرب موعد الاضمحلال أو التلاشي، للمحصنات الأساسية والمناعات الذاتية لهوية الفرد، ومميزاته الدالة عليه.. وبالتالي، قد يغدو مجرد رقم بشري هجين، بلا مناعة، أو مرجعية، أو سند.. ويعود كل ذلك إلى فساد البيئة الثقافية، حيث تتفشى الطفيليات والأمراض بين أوصالها. ومن المعروف عن المجتمع الجزائري، في كل ماضيه العريق أنه كان مجتمعاً نقياً، صافياً سليماً من جميع الآفات الهدامة والخطيرة، كالرشوة، والمحسوبية، والجهوية، والأنانية، والقسوة، والنفاق، والتملق، واللامبالاة، والكسل، وسوء الظن..!؟ ذلك لأنه كان محصناً، ومتشبعاً بتقاليده الثقافية السامية. وبأخلاقه الحميدة، المبنية على القناعة، والعفة، والأمانة، والمروءة، والرحمة، والصراحة، والشعور بالمسؤولية، والصدق في العهود، والالتزام بالوعد، وحسن المعاملة. إن انتشار تلك الآفات، أو بعض العادات السيئة الأخرى، مثل تعاطي المخدرات من طرف فئات معينة.. والجهر بالمعاصي، والمنكرات.. وتحدي الأعراف الاجتماعية، وشيوع ظاهرة الطلاق والسرقات، وعمليات الاحتيال.. كل هذه العاهات والأدواء، لم يكن المجتمع الجزائري يعرفها من قبل، خاصة بالوضع الذي أصبحت عليه..! ولا ريب أنها داهمت البلاد، من خلال عدة قنوات مغرضة، ومدسوسة، منها: الحدود، وقلة المراقبة، والغزو الإعلامي الأجنبي، وضعف التوجيه الداخلي، وحرية التنقل والاتصالات الخارجية مع غياب الوعي والتنظيم، بالإضافة إلى ما يعانيه المواطن -أحياناً- في الداخل من احتياجات وضغوطات نفسية، وما يفرزه الواقع- في بعض المواقف، من تناقضات اجتماعية، قد تدفع بملاحظها إلى التمرد والإحباط ثم الانحراف..!؟ ومن الأكيد أن بعض الآفات الجديدة، مثل قلة الثقة، والاحترام، وسقوط الهيبة، بين المواطنين أنفسهم وبينهم وبين بعض أجهزة السلطة، تعود بالدرجة الأولى إلى ما يحدث أحياناً من غياب للمصداقية، والتطابق الفعلي، بين التشريع والتنفيذ.. بين التخطيط والتطبيق.. بين القول والعمل.. وبين مظاهر الأشياء، وشعاراتها البراقة مع بواطنها الغامضة المخلة.. وخاصة عندما يتعلق الأمر بما يمس مقدسات الشعب، أو أساسيات حياته، وأقواته، ومطامحه، وآماله المستقبلية..!؟ لقد عبئ الشعب وحمس خلف الخطابات السياسية فتجند وراءها، وأصغى إليها بكل إمعان وطموح.. ولكنه كان في الغالب ما يجد نفسه، يراوح مكانه دون تحول جذري يذكر.. ولم تكن هناك الفرص متاحة للمبادرات الخاصة لكي تنطلق، بينما كانت بعض المغامرات الجريئة، والمدعومة قد تجد طريقها نحو النجاح.. ولو بأساليب الاحتيالات والتمويه تحت غطاء الشرعية..! وعندما يئس الشعب من جدوى الخطاب السياسي بكل أساليبه واتجاهاته الأديولوجية من اليسار إلى اليمين.. تحول بآذانه المتلهفة لسماع الجديد، واكتشاف آفاقه، وأصغى إلى الخطاب الديني.. الذي بشره بنعمة الحل، وخير الدنيا، والآخرة، والتخلص من كل المصاعب والآفات..! ولكن ها هي الدماء تسيل والأرواح البريئة تزهق، والجرائم تتقاطر.. والشعب يموت ببطء، والثقافة مازالت غائبة عن الميدان..!؟ وكأني أحس بهتاف كل مواطن في نفسه يصرخ من أعماق جروحه، ومن أغوار مصائبه ورعبه، ولسان حاله يردد: أين الخطاب الثقافي.. (لماذا -إلى حد الآن- لم تمنح له الفرصة لينطق.. ويستنطق العقل والوجدان والحس المرهف الجميل..!؟ إن مسالة الثقافة الوطنية العربية الإسلامية هي من بين أبرز الهواجس، المعبرة عن طبيعة الشعب، ونواياه الطيبة وهي لا تفتأ تحرك ذاكرته، وأحلامه.. وتؤجج انتظاره اليومي على أساس أنها هي الدعامة الصلبة لوحدته ووعيه وصيانة كيانه، وضمانة مستقبل الأجيال. وإن تفشي الفراغ الثقافي، وسريانه داخل بعض الفئات، وتحكمه في ذهنياتهم، هو الذي أدى إلى ظهور بعض الانحرافات كانحراف التحايل على القوانين، في ارتكاب المخالفات. ومنها عدم تطبيق الأوامر الرئاسية المتعلقة بوجوب استعمال اللغة العربية من طرف بعض الإداريين المتحكمين..! إن مثل هذا التحايل المنحرف، يدل ببساطة على خطورة المرض، وفداحة الجرم، فإذا مرت مثل هذه المخالفات الشنيعة دون ردع أو عقاب فذلك قد يعتبر برهاناً على ضعف السلطة أو على تحالفها مع المخالفين.. وفي كلتا الحالتين فإن اختراق القانون يؤدي إلى انعدام الثقة، وضعف الهيبة وإلى طغيان الفوضى واستمرار العبث... وحينئذ يزول الاحترام، والانضباط وتعم الأنانية، والظلم... وتصبح البغضاء هي سيدة المواقف...!؟ إننا نكون مبالغين، إذا ألقينا بكل تبعات نقائصنا على كاهل الاستعمار، ومخلفاته، ومؤامراته المتواصلة.. إنه بالفعل لايريد الخير لبلادنا. ولكن كيف استطعنا، في وقت ما، أن نهزمه، ونتحرر منه، وننتصر عليه...!؟.. وخلال ثورتنا المسلحة.. ألم نجابه مكائد العملاء، ودسائس الأذناب من بعض الجزائريين، ونرد مكرهم، وكيدهم إلى نحورهم.!؟. وعندما استقلت الجزائر، وطرح شعار: /عفا الله عما سلف/ هل يعني ذلك بأننا كنا نعتقد أن كل المواطنين هم من الملائكة الطاهرين.. وأنه لايوجد بينهم أبالسة. ومنحرفون..!؟. لاأحد يستطيع أن ينكر ماحققته الجزائر الفتية من انحيازات جبارة، في ميادين التنظيم والصناعة والتعليم والعمران.. وفي بعض المجالات الأخرى، خاصة في عقدي الستينيات، والسبعينيات، ولولا دناءة الأيدي المخربة لكانت الجزائر اليوم، تجاوزت مرحلة التخلف... خاصة وقد حظيت بثروات وخيرات يعجز اللسان عن الإحاطة بالتعبير عنها.. إلا أن سموم الأعداء وطعنات الحاقدين وظلم ذوي القربى، وعقوق بعض الأبناء... كل هذا ظل كالمرض الأليم المزمن ينهش الجسد والأرض، ويشوه الرأي والفكر، ويفسد ويعكر الأجواء، في غياب العلاج الأنجع والأهم، وهو الاهتمام بالثقافة وترقية الإنسان...! إنه من السهل على المرء، بوسائل التقنية الحديثة أن يهدم مدينة كاملة، في ظرف ثوان قليلة إلا أنه من الصعب على أية طاقة تخريبية متطورة، أن تدمر ثقافة شعب عريق في مدة قصيرة... ولكن مع طول الزمن ومواصلة التشويه، والحث، والحفر، والاجتثاث ومع تعاقب اختفاء الرموز البشرية، والمعالم والمآثر. بدون تواصل أو تعويض، فإن النتائج عندئذ ستكون مرعبة، وقد تنمحي كل الشواهد الثقافية، قبل أن يحس بها غالبية الناس، أو تدركها انتباهات الأجيال الناشئة، المبتورة من علاقاتها الاستراتيجية الهادفة، بالآباء والجدود..!؟ إن اختفاء الكثير من مرجعيات، ومرتكزات الثقافة الجزائرية، في أدبياتها، وإبداعاتها، وخصالها، وعاداتها وطبائعها المميزة، ومظاهر أنفتها وكبريائها، وصفاتها الإنسانية الراقية... إن اختفاء مثل هذه المصادر والقيم أو ظهور بوادر اختفائها... لما يبعث على الحيرة والقلق ويتطلب الانتباه المركز والإسراع بتدارك الأمور قبل تفاقمها، واستحالة علاجها...! مع العلم بأن كل منطلقاتنا وأسسنا الثقافية الأصيلة لاتحمل في جوهرها وغاياتها النبيلة، أي تضارب أو تعارض مع مفاهيم التطور والتجديد ومعاني الحداثة والعصرنة، كما يدعي ذلك بعض أصحاب الفلسفات المستوردة، من خصوم ثوابت الشعوب..!؟ يقول مثل شعبي جزائري: "كل خائن ينعس، إلا خائن الدار.." والمقصود بخائن الدار، هو اللص الذي يسرق منزله..! هذا المثل قد ينطبق على بعض جوانب الثقافة الجزائرية، التي صمدت أمام الغزاة الأجانب طيلة قرون كثيرة، وامتنعت عن أية محاولة للمحو أو الذويب.. ثم تحولت بصورة مفاجئة إلى مواطن هشة، ومواقف لينة، تتلاشى متداعية، أمام الغزو الأجنبي الغادر، بمساعدة أو تسامح من طرف بعض أبنائها المضللين.. وإنها لعملية انتحار ذاتي رهيب. إذا لم نسارع جميعاً إلى النجدة، والعلاج..!؟ 13/7/1996 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |