|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:14 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
إن الحديث عن الوضعية
الثقافية في الجزائر، بعد الاستقلال دون الإشارة إلى جبهة التحرير الوطني هو حديث،
ناقص ومبتور ويظل حديثاً استعراضياً فضفاضاً.. مبهم الأسباب غامض النتائج وفي حاجة
إلى الدقة والوضوح.. إن جبهة التحرير الوطني، هذه
الجبهة التي كانت إبان الثورة المسلحة، معجزة النضال، ومفخرة العرب، وكل الأحرار
في العالم لما برهنت عليه من شجاعة، وحنكة وحسن تدبير، وحكمة في التنظيم
والتسيير.. هذه الجبهة العتيدة الرائدة،
كيف استطاع بعض الانتهازيين أن يتسربوا داخل صفوفها، بعد سنة 1962، وكيف تمكنت
الحساسيات السياسية، المكبوتة في أعماقها أن تستيقظ وتتحرك بعد كمون طويل، ثم تعمل
بجرأة على تمزيقها، وتفجيرها خلال ضربتها القاضية في خريف 1988-!؟ لقد كان من المتوقع،
والبديهي.. أن تكون جبهة التحرير بعد الاستقلال هي حاملة الرسالة الحضارية
البنائية، ورائدة الإنسان الوطني الواعي، وحامي الثقافة الوطنية ودافعتها إلى
التطور والازدهار.. وذلك لسلامة مبادئها الثورية، وثراء تجاربها وخبراتها،
ولاحتوائها على خيرة أبناء الشعب من المناضلين الأوفياء، ولأشرافها، واحتضانها كل
القوى الحية، التنظيمية في البلاد، من عمال، وفلاحين ونساء، وشباب، ومجاهدين
ومثقفين، ومهنيين..! إن ماكان يلاحظ على الجبهة،
ومنذ السنوات الأولى للاستقلال، أنها بدأت تفقد شيئاً فشيئاً عنصر المثقفين بين
صفوفها، إلى أن أصبحت شبه مفرغة منهم، خاصة بالنسبة للإطارات الفاعلة داخل أجهزتها
الحساسة، باستثناء بعض القلائل، الملتزمين بقيم الثورة المتشبعين بروحها، ممن ظلوا
كجنود مجهولين، يعملون في ظل الخلايا، ويواجهون بصبر غطرسة بعض أشباه المثقفين من
المسيرين وكذلك أولئك المثقفون من مختلف القطاعات الذين كانوا يجندون لفترات معينة
للمساهمة في أعمال اللجان الكبرى والفرعية، التي تنظمها الجبهة.. وغالباً ماتظل
نصوصها حبراً على ورق..! ربما نجد بعض الجبهويين ممن
ينطبق عليهم قول الشاعر:
ولكن أمثال هؤلاء، أليسوا هم
أقرب إلى الانتهازيين منهم إلى المناضلين المثقفين..!؟ وحتى حال الأنشطة الفكرية أو
الثقافية بصفة عامة لم تكن بأحسن، من حال المثقفين المهمشين، وهنا يجب أن أشير إلى
الندوات السياسية والفكرية الهامة التي كانت الجبهة تشرف على عقدها وتنظيمها داخل
الوطن وبمشاركات وطنية أو إقليمية أو دولية تترك أصداء إيجابية رائعة... إلا أن
تلك الندوات كانت مؤقتة ومحصورة بين فئات معينة. /متخصصة/ ولاتمس كل المعنيين
بالمحيط الثقافي من الجماهير. أما تلك الأنشطة الموصوفة
تجاوزاً بالثقافية، فهي لاتتعدى مقاصد الترفيه والتسلية واستعراضات الفولكور المستهلك
والمهرجانات الصاخبة والتظاهرات العابرة خلال المناسبات الرسمية. إن جبهة التحرير الوطني التي
حكمت البلاد طيلة ست وعشرين سنة كحزب وحيد، وسلطة تشريعية وتنفيذية كاملة، وأنجزت
مهام جبارة في ميادين كثيرة لتجعل المرء يتساءل لماذا أهملت الجانب الثقافي..! (ولماذا
تهميش، في عهدها، عدد هام من المثقفين وخاصة المثقفين بالعربية..!؟ هل لأنّ السلطة الحقيقية كانت
بيد الموظفين الإداريين من غير المناضلين..؟ أو أن بعض الحساسيات الخبيثة
والمنافقة التي كانت مدسوسة كالسوس داخل بنية الحزب، وتعمل في الخفاء من أجل
التخريب والفساد هي التي كانت السبب في تسطيح الثقافة وتنفير المثقفين...!؟ لاريب أنه سيأتي يوم ليقول
التاريخ كلمته الصريحة في هذا الموضوع. ومن المعروف والمتفق عليه أن
المحتوى العقائدي والمضامين النظرية والتوثيقية للجبهة، هي فوق كل الشبهات،
بالإضافة إلى مايمتاز به، من عمق وغنى، وصدق وإخلاص ووفاء للمبادئ، وصلاحية وشمول
للأهداف. لقد كان حظ الثقافة من سنة
1962 إلى 1982 مجرد مديرية صغيرة تابعة لوزارة الإعلام.. وعندما أنشئت وزارة
الثقافة لأول مرة، انطلقت مع إمكانيات بشرية ومادية قليلة وضعيفة.. وكانت
الميزانية المخصصة لها من طرف خزينة الدولة، أقل بكثير من أية ميزانية لأية وزارة
أخرى...!؟ وهذا ماجعلها عاجزة عن تحقيق
الآمال التي كانت تراود المثقفين والمواطنين الذين استبشروا خيراً بإنشائها..! ومنذ أن تأسست وزارة الثقافة،
وهي تعاني من عدم التفرغ لمتطلباتها، والتمركز حول مهامها، ... كما كانت تعاني
أيضاً من عدم الاستقرار في إطاراتها السامية، مما أفقدها المناخ اللائق لاستمرارية
التطور، ومتابعة وتنفيذ البرامج والمخططات، والمشاريع الثقافية..! -فبالنسبة لعدم تمركزها حول
مهامها، كانت دائماً تابعة أو متبوعة... ضمن ازدواجية وظيفية وإدارية معقدة، حيث
نجدها مرة متبوعة بوزارة السياحة، وأحياناً تابعة لوزارة الإعلام... وأخرى تتحول
إلى كتابة دولة.. وقد يختفي اسمها نهائياً. كما حدث لها سنة 1990- وهي في الثامنة
من عمرها، -إذ ألغي اسمها من تشكيلة الحكومة الجديدة آنذاك.. وبعد عودتها، أعيد
إلغاؤها من تشكيلة حكومية أخرى سنة 1993- وكأنها شيء موبوء، يهدد وجوده الدائم
بانتشار الأمراض...!؟ -وبالنسبة لعدم الاستقرار،
يكفي الإشارة فقط إلى أنه بين سنة 1985-وسنة 1993- شهدت وزارة الثقافة، وجوه تسعة
وزراء، تولوا مهامها بالتتالي والتوقف.. وكل مسؤول جديد، يحدث إصلاحات جديدة ويغير
من يشاء.. ومايشاء..!؟ إن المتأمل في هذه الضبابيات والغيوم القاتمة التي هيمنت
على الثقافة الوطنية.. والتي أدت إلى هذه الأوضاع المؤلمة التي يعيشها الجزائر
حالياً، ليتساءل بعجب... ألم يدرك المعنيون بعد.. أن أسباب كل هذه الأزمات
المدمرة، إنما تعود بالدرجة الأولى إلى الوضع الثقافي المتردي، وإلى إفرازات
الجهل، والفراغ، والتظليم السائد...؟ هاك بالطبع أسباب، وأزمات
اقتصاد وبطالة، وسكن وكسل، وأنانية.. ومع ذلك فالأسواق مليئة بكل شيء.. وشوارع المدن كانت منذ فترة
قصيرة أرصفتها مليئة بالخبز الأبيض المرمي، وحركة التهريب نشطة وعندما تتعطل ساعة
الفرد، قد لايجد أين يصلحها..!؟ إن الأزمة الحقيقية، والجوهر،
والأم.. هي أزمة الفكر والوجدان، والذوق.. أزمة الروح والنفس.. أزمة افتقار
الإنسان إلى ثقافته.. وهذا مايجعلها تتمثل في
اللامبالاة، والاتكال وقلة الإنتاج، وسوء التسيير، وانتشار الآفات والانحرافات،
وضعف الهيبة، وقلة الاحترام.. ثم التطرف الفكري، والسياسي، والديني.. إلى حد القتل
الغدر، والتخريب...! فإذا أردنا أن نتحرر من أطواق
هذه الأزمات الخانقة، فما علينا إلا أن نرجع إلى ثقافتنا، ونرجع ثقافتنا إلينا،..
ونعيد إلى ذواتنا، ذلك الإنسان الجزائري.. الطيب.. 14/7/1996 |