|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:14 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
لا أعتقد أن هناك كائناً
بشرياً، ليس له اسم يعرف به، ويدل عليه خاصة بعد تطور لغة الإنسان، وانتقالها من
مرحلة الإشارة والإيماء إلى لغة التعبير بالكلام المنطوق، وبعد أن اتسعت آفاق
الفكر والمعرفة، وتعددت، وتنوعت المسميات. ومن المعلوم أن كل من يحمل
اسماً خاصاً به، لم يكن له في الحقيقة، أي دخل في اختيار ذلك الاسم... إلا في بعض
الحالات القليلة النادرة، مما لايجوز القياس عليها.. لذا يمكن اعتبار أي مسمى، على
أنه ضحية من يسميه، إذا كان الاسم الذي أطلق عليه لايتوافق مع ذوقه، ولايرضيه، بعد
اكتمال وعيه وإدراكه.. والدي -رحمه الله- أنجب ثلاثة
أولاد، وثلاث بنات، وكان رجل دين، ومن عشاق الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم فسمى
الولد الأول: محمداً، والثاني: أحمد، والثالث محمد بلقاسم... وأطلق على البنت
الأولى اسم: فاطمة، والثانية: الزهراء، والثالثة: فاطمة الزهراء...! -ورغم أن
الأهل والعشيرة قاموا بحل هذا الإشكال تلقائياً، ومنذ طفولتنا الأولى، أصبح أخي
الأكبر ينادى باسم /حمَّة/ بفتح الحاء وصرت أنادى باسم /حمادي/.. إلا أنني وأخي
كلما كنا مجتمعين ووجه نداء باسم محمد... نجيب في لحظة واحدة بنعم... ونطرق
إحراجاً وخجلاً.. وفي الغالب يكون الوالد هو من ينادينا..! أحياناً أحاور نفسي، وأقول:
ألا يمكن أن يكون مستقبلا -من حق كل إنسان، عندما يبلغ سن الرشد، أن يسأل
قانونياً، إذا كان يرغب في تبديل اسمه الطفولي أو الإبقاء عليه؟ ألا يحترم كل الناس تلك
المقولة الخالدة التي نطق بها عمر بن الخطاب (ر) وهي "متى استعبدتم الناس،
وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً..."؟ قد يقول قائل: إن مفهوم
الحرية أعمق، وأشمل، وأعظم، من مجرد اسم يطلق على مولود، جنين، لاقوة له ولاقدرة
على الاختيار، ولاعلى استعمال الفكر.. وإن الحرية متلازمة مع القوة والعقل،
ولايمكن أن تتحقق دونهما... ثم إن الإنسان عندما يطلق
عليه اسم ما، منذ ولادته وينادى به في كل لحظة.. وحين.. يصبح ذلك الاسم جزءاً
ثابتاً من شخصيته، يتبناه راضياً، بحكم التكرار والتعود وليست هناك أية مشكلة. غير أننا عندما نتأمل بعض
الأسماء في مختلف أقطارنا العربية، قد نشعر بالغرابة أوالدهشة، أو الاستنكار أو
بالرغبة في الابتسام، وأحياناً نحس حتى بالخجل..!؟ في الجزائر مثلاً، نجد أسماء:
بو منفوخة /الأعرج/ بو قره /الخامج/ قملة /طبال/ بو جعران /العمياء/ كريشة/ وغيرها
مما هو أدهى وأمر.. وربما نفس الأسماء الرديئة نجدها في أقطار عربية أخرى، مما قد
يثير الاشمئزاز بالنسبة لمن لم يتعود سماعها، وتصك أذنيه لأول مرة..! طبعاً.. كثيراً مانشاهد في
/الجريدة الرسمية/ أحكاماً قضائية، تنص على تغيير أسماء أو ألقاب، تلبية لطلب
أصحابها، ونتيجة لنفورهم منها.. ولكن، يبدو أن مثل هذا النفور الواعي، والناتج عن
حس رهيف، وتذوق سليم، لا يتوفر لدى كل المواطنين.. وتظل الأجيال القادمة تتحمل عبء
بشاعة بعض الأسماء، مالم توضح خطة تربوية محكمة لتنقيتها وإصلاحها..؟ قد يرد تساؤل، وهو: لماذا
لايختار كل الأولياء أسماء جميلة ومنتقاة لأولادهم..؟ ومع التنبيه إلى أنني لا أدعي
المقدرة، للإجابة الوافية عن مثل هذا التساؤل، إلا أنني أتصور أن هناك عوامل
كثيرة، تتدخل في إثارة الدوافع الخفية، لإطلاق اسم ما، على مولود ما.. ومن بينها: -الجهل بالتاريخ العربي،
وأمجاده، وشخصياته البارزة.. وأذكر أنني عندما أطلقت اسم:
لؤي على ولدي البكر، رفض موظف تسجيل المواليد، الموافقة على هذا الاسم، بحجة أنه
اسم أجنبي، غير عربي ولم أتمكن من إقناعه إلا بعد أن اطلعته على قائمة أجداد
الرسول صلى الله عليه وسلم من عبد المطلب إلى سيدنا إبراهيم الخليل... وكان من
بينهم اسم لؤي..! ونفس الشيء، وقع لصديق لي،
سمى ابنته نسرين..! -ضيق الأفق، وضعف الخيال،
وانعدام مواكبة الحاضر، والمستقبل بالمعايشة الجمالية والإبداعية.. مما يجعل
ابتكار الأسماء الجديدة حدثاً نادراً، إلا عند قلة من المثقفين الذواقين، أو عند
بعض رجال البدو.. -تأثير الغزو الثقافي
والإعلامي الأوروبي، والانبهار بسطحيات الحضارة الغربية، حيث انتشرت بين بعض
الطبقات العربية أسماء مشوهة ومحرفة، كتسمية ناظم: نازيم /وإبراهيم: باهو/ وعبد
القادر: كادير/ وثريا: سورايا/ وسميرة: ميغو/ وفائزة: فيفي/ وفاطمة: فوفو/ وعائشة:
شوشو/.. الخ. -التقليد التام للمجتمع
الأوروبي وخاصة الفرنسي منه بالنسبة لبعض العائلات العربية المسيحية، حيث نجد
الأسماء العربية لبعض القديسين مثل جرجس أو جريس، تحول إلى جورج/ وميخائيل إلى
ميشيل/ وبطرس إلى بيتر.. ويوسف إلى جوزيف/ ويعقوب إلى جاك/ ومريم إلى ماري/ وسوسن
إلى سوزان/.. كما أن هناك الأسماء الفارسة التي شاع استعمالها وكأنها أسماء عربية
مثل شيرين، وغيرها.. -الافتخار بالقوة والغلبة..
والاعتزاز بمظاهر الهيبة والشجاعة ونجد ذلك في تلك الأسماء، التي كان أجدادنا
العرب، يطلقونها على أبنائهم، خاصة الذكور منهم. كصخر، وضرار، ومرار، وعلقمة،
وشجاع، وفارس، وسيف، ومهند، إلى ماهناك من الأسماء التي تبعث الرعب في النفوس... بينما كان أجدادنا يسمون
غلمانهم وعبيدهم، أسماء غاية في الرقة والجمال، مثل: نديم، ونسيم، وأنيس، ونعيم،
وسعيد، وصبوح، وكانوا يقولون أسماء أبنائنا لأعدائنا ومواجهتهم، أما أسماء خدمنا
فهي لنا. -الوازع الديني: و(خير
الأسماء ماعبد أو حمد) بحيث يستمدون أسماء أبنائهم، إما بذكر العبد، مضافاً إلى
اسم الجلالة، كعبد الله، وعبد الواحد، وعبد الكريم.. وأسماء اللّه الحسنى قد تفوق
تسعة وتسعين اسماً.. وإما تؤخذ من أحد أسماء
الرسول الأعظم، وهي كثيرة مثل، محمد، وأحمد، ومحمود، وطه، وياسين.. الخ. -العوامل الأيديولوجية،
القبلية، والطائفية، والسياسية، إذ يختار اسم المولود، حسب مايتناسب مع نزعة
الوالد وميوله تبعاً للأشخاص، أو المواقع، والأحداث والذكريات التي يعتز بها
الوالد، أو يقدسها، ويفتخر بولائه لها... أذكر أن والدي رحمه الله، كان
دائماً يكرر تلاوة هذين البيتين من الشعر، على نية الابتهال والدعاء.. يقول:
-الإعجاب، والتشبه، والاقتداء
بالشخصيات التاريخية الهامة من أبطال، وقادة، وعلماء، ومشايخ، وأدباء، وفنانين،
وغيرهم من العظماء.. تخليد ذكرى الآباء، والأجداد،
والأقارب، والأصدقاء، والأحباب بإعادة إطلاق أسمائهم على الأبناء. التفاؤل بالمستقل الأفضل،
وبحياة السعادة والخير، مثل: مبروك ومرزوق، وسعد، وسعيد، وغنية، ومباركة، ونجاح..
الخ... -الخوف من الموت، ومحاولة
إبعاده، بالنسبة لبعض الأسر التي لايعيش أبناؤها كثيراً، فيطلقون عليهم أسماء مثل
عياش، والشايب، ومعمر، محفوظ... -التطير من عيون الحساد، وهنا
-في الغالب- يتم اختيار الأسماء المذمومة والبشعة، كالأقرع، والعايب، والأعمش،
ومسكين، ودرويش، وشحادة، وجروة، وعبدة، ورخيسة، وعندنا في الجزائر قد يصادف المرء
فتاة حادة البصر ساحرة العينين، وهي تحمل اسم العمياء..! -وفي الجزائر أيضاً، يطلق اسم
بركاهم أي كفاهم /أو حدة/ أي وضع حد/ بالنسبة للوالدين الذين ينجبان البنات فقط. وهناك دوافع عاطفية ذاتية
صرفة، مبعثها الشوق إلى البنين، مثل حبيب وحبيبة والغالي والغالية وعزيز، وعزيزة،
وفؤاد ونور العين.. الخ. وبالإضافة إلى ماتقدم، هناك
الأسماء المأخوذة من محاسن الطبيعة وروائعها كالربيع، والصقر، والزهور، والورد،
والجبال، والرياض، والبحر، والشمس والقمر، والنجوم، وغيرها. ومن المؤكد أن دوافع ومصادر
اختيار الأسماء كبيرة جداً، ومتنوعة، ومن الصعب حصرها في موضوع قصير مثل هذا...
وإن مايهمنا هو لفت النظر إلى ضرورة دراستها واكتشاف كل خفاياها ووجوب وضع خطة
منهجية تربوية وإعلامية، لتوعية المواطنين العرب، حتى يتمكنوا من منح أبنائهم
وبناتهم أسماء، تعبر عن هويتهم، ومكانة أمتهم الحضارية، وفي الوقت نفسه، تنال
رضاهم عند الكبر، وترسخ في نفوسهم مشاعر الاعتزاز، والارتياح، والسعادة وقبل أن
أختتم هذا الموضوع أشير إلى بعض الحقائق وهي: الأولى: أن الاستعمار خلال
هيمنته على بعض الأقطار العربية، وخاصة الجزائر، بذل غاية جهده في القضاء على
الشخصية الثقافية للمواطنين، فعلاوة على محاربة اللغة العربية، والإسلام والتاريخ
سعى أيضاً إلى تشويه أسماء الأهالي، وألقابهم.. وإن أغلب الألقاب والأسماء
الذميمة، كانت من وضع الإدارة الاستعمارية وبمساعدة بعض /الساخرين/ من أذناب
المحتلين الأجانب، وأذكر أن المعمرين، كانوا يطلقون اسم /فاتمة/ على كل عاملة
جزائرية تشتغل عندهم ويطلقون اسم: /مهاميد/ على أي عامل ينادونه من الجزائريين،
وذلك قصد الإهانة.. والاستهانة باسمي محمد، وفاطمة...!؟ وتجدر الإشارة إلى أن أغلب
أفراد الشعب الجزائري قد تنبهوا إلى ذلك، وخاصة بعد الاستقلال، حيث بدأت الأسماء
النقية تكتسح سجلات المواليد... ومن الطريف أن بعض المواطنين
في الستينيات، صاروا يبحثون عن بعض الصحف المشرقية، التي تنشر أسماء الناجحين في
الامتحانات وخاصة في سورية، لاختيار اسم ملائم من بين قوائمها... -الثانية: من المعروف أن جل
الأقطار العربية، تضم بين سكانها مجموعات من الأعراق المختلفة، وقد وحدتهم
المواطنة والعروبة والإسلام -ولكن- مع الأسف- هناك أقليات شعوبية مغرضة، وعميلة،
مافتئت تبث سموم التمزق والتفرقة، فسعت إلى محاربة اللغة العربية، ثم إلى تبني
أسماء موغلة في القدم، غريبة عن روح العصر، ولاتنسجم مع منطق التفاهم والذوق
العام... الثالثة: واقع التجزئة
المقيتة التي عاشتها الأمة العربية طيلة قرون... هذا الواقع المر الذي باعد بين
اللهجات، وبعض العادات.. قد أثر أيضاً في اختلاف أسماء الأشخاص، بين قطر وآخر، حتى
أصبحت بعض الأسماء التي نجدها في قطر، قد لانعثر على شبيه لها في قطر آخر..! والحقيقة الرابعة: تتمثل في
مايقوم به العنصريون الغربيون تجاه العرب خارج الوطن العربي.. فقد ذكرت صحيفة
/الأوبسرفاتور/ الفرنسية منذ أشهر أن مئات المهاجرين العرب، وخاصة من المغرب
العربي، في فرنسا، يسعون لدى المحاكم لتغيير أسمائهم العربية بأسماء /تأويلية/
محرفة، حتى يتمكنوا من الحصول على عمل أو مسكن، ويفلتوا من عقاب التمييز العنصري
وعراقيله. أما أولئك العرب الذين تزوجوا
من أجنبيات، فأغلب أولادهم يحمل كل واحد منهم اسمين، اسم من الأدب، واسم من الأم:
/سليمان واستيفان/ صالح وموريس/ حفيظ وتيري/ وهلم جرا...!؟ وهنا نتساءل: إذا استطعنا أن
نجمع، وننشر، ونعمم قائمة شاملة بالأسماء العربية اللائقة على كل الأقطار
العربية... فهل هناك مؤسسة عربية، قادرة على متابعة تنفيذها وصيانتها من التشويه،
والحافظة عليها، وعلى سلامة وكرامة من يحملها..؟ هل تستطيع جامعة الدول
العربية مثلاً، أن تتبنى مثل هذا الموضوع الهام..؟؟ 29/7/1996 |