|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:14 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
العروبة والإسلام والثقافة: إذا نظرنا إلى الثقافة، كعامل أساسي مؤثر في تشكيل المضامين الفكرية والتعبيرية، وفي بلورة الأساليب الحياتية، بالنسبة لأنشطة العمل، والإبداع، وتوجيه العلاقات، والسلوكات المتميزة.. فإننا من الصعب، أن نجد في المجتمع الجزائري ظاهرة سلوكية، أو فكرة عفوية، لاتستمد أصولها، ومنطلقاتها من قيم ومقدسات العروبة والإسلام.. اللهم إلا في بعض الحالات الشاذة أو المتعمدة..! فالإيمان باللّه متجذر منذ خمسة عشر قرناً في قلوب الجميع... وحتى العصاة، وأصحاب الآراء المتمردة.. نجدهم عندما يحل شهر رمضان -مثلاً- يمتنعون تلقائياً عن كل المحرمات، ويصومون.. وعندما يدركهم الكبر، يحجون... ويعتقدون بالقضاء والمكتوب ويقدسون الشهادة والاستشهاد، ويجهرون بكلمة: اللّه أكبر... أمام كل طارئ، وفي كل موقف حرج، وعند كل خطوة، تدفع بهم نحو أمر مجهول... وحب الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتقديره يهيمن على نفوس الجميع.. ومن الصعب حصر البراهين الدالة على ذلك... يكفي أن نذكر أن أغلب أسماء الجزائريين، هي من أسماء الرسول وآل بيته، وصحبه.. وشعارهم: "خير الأسماء ماعبّد أو حمّد". وإن احتفالات الشعب بذكرى المولد النبوي، لتفوق احتفالاته بأية مناسبة أخرى مهما عظمت...! وهناك قصص ونوادر كثيرة عن بعض الجزائريين، الذين أقدموا على ضرب أناس لايعرفونهم، خارج القطر، وكان السبب هو أنهم سمعوهم يوجهون كلاماً بذيئاً إلى شخصية الرسول... وكان من جملتهم الشيخ العباس بن الحسين، العالم الجزائري المعروف، وقد روى لي -رحمه اللّه- القصة بنفسه، قال: وعندما كنت طالباً في المغرب، ركبت مرة قطاراً فوجدت فيه شجاراً بين مغربي ويهودي... وكان الناس يشاهدون بحياد عندما سمعت اليهودي يذكر اسم محمد بمكروه فأظلمت الدنيا في عيني... وتقدمت منه، وضربته برأسي حتى خرّ مغمياً عليه فسألني الناس: لماذا لم تضربه عندما كان يوجه شتائمه إلى اسم الجلالة.. اللّه..؟ فقلت لهم: اللّه هو ربي وربه.. أما محمد فهو لي.. ويخصني"!. ولم أسمع عن جزائري ذهب إلى الحج، ولم ينفجر باكياً أمام روضة الرسول... إن عروبة الجزائر، بما فيها من تاريخ حافل بالأمجاد والفتوحات.. ومن قيم وتقاليد، وعادات... النجدة، والتضامن، والتعاون، والأخوة، والأمانة، والوفاء، والصدق، والتضحية، والبذل، والشجاعة، والمروءة، والنظافة، والطهر، والتواضع، والصراحة، والعدل، وملامح البطولة والجهاد.. هذه القيم الفاضلة السامية لم يتشبث الشعب الجزائري بها إلا من خلال وفائه وإخلاصه لعروبته وإسلامه.. وكل جزائري يفخر، ويعتز بأنه مسلم عربي. والقرآن عربي ويوم الجمعة يوم العروبة وشهر رمضان شهر عربي، والكعبة ومناسك الحج في أرض عربية، والمساجد التي تشد إليها الرحال، في مدن عربية... وإن الرسول صلى الله عليه وسلم، قد قال: "من أحب العرب فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني.." وقال: "إذا ذل العرب، ذل الإسلام." وقال: "ياأيها الناس.. أن الرب واحد، والأب واحد، وإن الدين واحد.. وليست العربية بأحدكم من أب أو أم.. وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي..". من هذه المآثر الخالدة، ومن أمثالها، جاءت عروبة الجزائري المسلمة، وازدهرت ثقافتها.. وحتى عندما حاول الاستعمار سلخ الشعب من ثقافته، ومنع المواطنين من حفظ القرآن، ودراسة الأدب والتاريخ العربي وتشويه الدين بالشعوذات والآفات.. عجز وفشلت مخططاته. بفضل تمسك الشعب بتقاليده العربية الإسلامية، التي كانت أرقى وأعظم من تقاليد المستعمرين..! لقد ظلت العروبة في الجزائر، وحتى اليوم، هي وعاء الإسلام الأمتن، وظل الإسلام هو مضمون الإنسان الجزائري الأنقى.. وهو طباعه وصفاته، وعلاماته.. وبالتالي هو ثقافته الشاملة.. وإنه لما يثير العجب.. في هذا الزمن المتناقض أن نرى أو نسمع من يصف بعض الجزائريين بالكفار..! ومن يدعي بأنه علم الجزائريين كلمة: اللّه أكبر..! ومن يحاول فصل الجزائر عن عروبتها، وإسلامها..! إنه من المستحيل أن نتصور وجوداً للشعب الجزائري خارج إطار ومحتوى عروبته وإسلامه، ومن ثمة فمن غير الممكن تجريده من ثقافته.. أية قوة تستطيع أن تلغي مصادر خصاله، ومحفزات خلاله في صيانة العرض والشرف والعناية بالجار، والفرح بالضيف ومساعدة الغريب، إجلال الوالدين، ورعاية الأطفال، وطلب العلم، والجهر بالسلام، وواجب العمل والإنتاج، وزيارة الأهل وعيادة المريض، ومشاعر الشفقة والرحمة والحنان، واحتمال الصبر وحب الوطن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.. أية قوة تستطيع تجريد الشعب من هذه المعطيات الثقافية العربية الإسلامية.. إلا في حالة واحدة، وهي أن يباد لآخر نفس فيه.. وهذا أيضاً من المستحيل..!؟ إن الثقافة في الجزائر، ترمي بجذورها إلى أعمق أعماق التاريخ.. ثم استمدت من العروبة والإسلام أعظم آدابها المسرودة والمكتوبة، وأجمل فنونها الفنية المتنوعة، من زخارف ومنمنمات.. ومن أشكال وألوان ومقاييس للألبسة وهندسة العمران، ومن أغاني وأناشيد للفرح البريء.. ومن أحجام ورموز للأواني والأثاث.. وطرق للوقاية والعلاج. وانتقاء للأطعمة واللحوم، وأصباغ وعطور للزينة والتجميل وأنواع للرياضة واللعب، وأساليب للزراعة والتشجير والري.. ومواسم للبهجة والأعراس.. بالإضافة إلى أنشطة أخرى، لاتعد ولاتحصى.. طبعاً.. لايوجد شعب على هذه الكرة الأرضية خالياً من النقائص والآفات.. فالخير دائم الصراع من الشر... والفضيلة لاتفتأ تجابه الرذيلة.. ولكن العبرة تكمن في النتيجة، ولمن تكون الغلبة؟ وبالفعل، فقد أخذت بعض المظاهر السيئة التي تتنافى مع ثقافتنا وتربيتنا العربية الإسلامية تطفو على الساحة الوطنية، وتبدو كالأوبئة الفتاكة مثل الفتنة والخيانة، والقتل، والغدر، والرشوة، والسرقة، والنفاق، والغرور، والبخل، والفسق، والتبذير، والتردد، والظلم، والاعتداء، والغش، والاحتيال، والأنانية واللامبالاة، والكسل، والعصيان، والفوضى.. كل هذه الموبقات والشرور. لم يكن الشعب الجزائري يشهدها إلا في حالات نادرة جداً -فكيف انتشرت بين جنباته.؟ من المؤكد أن المؤامرات والأحقاد الأجنبية ضد العروبة والإسلام، لم تتوقف أبداً عن سعيها التخريبي، وكيدها الأسود، خاصة في هذا الوقت الذي أصبحـ فيه القوة الخارقة بأيدي الأعداء الناقمين... والجزائر بحكم مؤهلاتها لايطمئن لها الناقمون أن تبقى على سلامتها.. وماينطبق على الجزائر قد ينطبق على الأقطار العربية الإسلامية الأخرى، التي تعاني من الضغط والظلم والحيف... ولكن هذا، لايعفي أبناء الوطن من تبعات الغفلة أمام الأخطار، وتدهور الأوضاع، وتردي الإيجابيات إلى مواقع السلبيات.. كما ذكرت سابقاً، فقد ألقى الشعب، بكل احتياطاته، وحذره، وانتباهاته، بمجرد أن رفرفت راية الاستقلال في سمائه -على كاهل السلطة الحاكمة.. لأنها منه.. ومن المؤسف "أيضاً" أن السلطة فرحت ورحبت بذلك.. اعتبرت نفسها الوصية على كل شيء..!؟ وفي هذه الأثناء، أخذ تهميش المثقفين يتضاعف.. وبدأت الثقافة -بصفة عامة- تتقهقر.. ومن بينها مظاهر الثقافة العربية الإسلامية. لقد كان من بين الأخطاء، هو أن المعنيين لم يعطوا للدين الإسلامي، حقه من الرعاية والإدراك ومنهجية التنمية والتطوير، والمتابعة.. وحتى بعض الباقين من رجال جمعية العلماء المسلمين، من الذين احتضنوا عملية الإصلاح الديني في عهد الاستعمار، هؤلاء القلائل بعضهم أخرسه إغراء المنصب وبعضهم عزلته مطامحه السياسية، والبعض الآخر انزوى، أو أبعده العجز والشيخوخة..!؟ إن الإسلام.. بعباداته ومعاملاته.. بتفنحه وسماحته، وبقياساته واجتهاداته، بثقافته ومبادراته وقبل كل شيء، بنصوصه المقدسة، ومآثره الحضارية المتطورة.. هذا الدين لم ينل حقه في الكثير من المجالات، ومن أهمها مجالات التربية والتعليم، والتكوين، التي أنفقت الدولة من أجلها أضخم النفقات...!؟ أذكر أن مدارس التعليم الأصلي، التي كانت مسيرة من طرف وزارة الشؤون الدينية.. كان جل طلابها من الذين رفضتهم أو لفظتهم مدارس التعليم الرسمية، بحجة كبر السن، أو بسبب تخلفهم الذهني، أو لأوضاعهم العائلية، والاقتصادية وماينتج عنها، من فوضى وتقصير..! لقد كان هذا الحل -ظاهرياً- يبدو منطقياً ومنصفاً.. ولكن ماذنب الدين الإسلامي العظيم في ذلك..؟ لا أنكر أن مدارس التعليم الأصلي تخرج منها عباقرة آنذاك وهم الآن أساتذة ودكاترة ولكن تخرج منها أيضاً عدد كبير من الأئمة والخطباء، والوعاظ، ممن كان لهم أسوأ تأثير على الثقافة العربية الإسلامية، وأعطوا أبشع صورة للعروبة والإسلام، وللحضارة الإنسانية بصفة شاملة.. وهو ماشجع الأعداء على توفير الحجة للإمعان في تحطيمنا..!؟ ومن الأخطاء أيضاً أن الطلاب المتفوقين من أصحاب الشهادات الثانوية، كانوا يوجهون إلى التخصصات في الفروع العلمية كالرياضيات والطب والهندسة. ليتخرجوا بعد ذلك متفرنسين بعيدين كل البعد عن الاحتكاك بالجماهير المتمتعة بقدر من ثقافتها العربية الإسلامية..!؟ لقد كان من المفروض أن تعطى للتعليم والتربة والدراسات الإسلامية نفس الحظوظ -على الأقل- التي أعطيت للتخصصات العلمية الأخرى وذلك لتمكين الدين والشريعة الإسلامية من خدمات رجال متمتعين بالتفوق المدرسي، وبالطاقات الذهنية المبدعة والقدرات العالية في الذكاء، وحسن التأويل والاستنباط.. إن هذا لايعني أن المتخصصين في قضايا العلوم الفقهية، والشؤون الدينية في الجزائر، ينطبق عليهم كلهم ماذكرته عن بعض خريجي مدارس التعليم الأصلي، بل بالعكس هناك في الجزائر شباب ورجال كثيرون يتمتعون بباع واسع في حصيلتهم المعرفية، وعمق اطلاعهم، ومقدرتهم على الإقناع وتوظيف الحجة بالإضافة إلى استقامة سلوكهم وحسن سيرتهم.. إن الجزائر، تتوفر على عدد لابأس به من أقطاب الإسلام، وعلماء الشريعة ورجال التقوى، والأئمة الصالحين.. والخطباء الجيدين.. ولكن ربما /للتقيّة/ لم نعد نرى أصحاب الحق في أماكنهم حيث الموضوعية والصدق.. ولاريب أن للصراعات الدينية السياسية، دخلاً في ذلك!؟ إنني أعتقد -في الأوضاع الراهنة خاصة أن وزارة الشؤون الدينية، لاتقل في شيء عن أهمية الوزارات ذات السيادة مثل الداخلية، والخارجية والعدل وغيرها.. وذلك لما للشؤون الدينية من علاقات واسعة ويومية بكل المواطنين... ولما لها من حساسية وتأثير في التوجيه والتربية وترقية العواطف، ونشر المودة والأخوة بين المواطنين.. من هنا يمكنني أن أطرح هذا السؤال: هل أن وزارة الشؤون الدينية، تتمتع بكل الإمكانات البشرية والمادية اللازمة..؟ إن كل الجزائريين -تقريباً- مسلمون فلماذا لايستغل هذا الاتفاق العظيم في حل الكثير من الخلافات...؟ لماذا لانفتح أبوابنا ونوافذنا لتسطع شمس ثقافتنا الجزائرية العربية الإسلامية، داخل كل بيت، وفي كل قلب وننطلق متحدين في مسيرتنا النهضوية الحديثة إلى جانب كل الأقطار والشعوب الحرة، التقدمية، المتطورة...!؟ 8/8/1996 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |