|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:15 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مرض الذاكرة.. و/العقدة/..!؟ مع أنني منذ ربع قرن، وأنا أكتب عن الذاكرة، وأنشر في بلدي شهرياً، موضوعاً بعنوان /مذكرات نساي/.. إلا أنني متأكد، من أن أغلب القراء العرب، ليست لديهم أية فكرة عن المرض الذي أصابني، وتمركز في ذاكرتي، واستمر يتحداها، ويشوش عليها طيلة خمس وعشرين سنة كاملة. لقد عشت عقدين ونصف تحت طغيان النسيان، الذي خيم على بصيرتي بغشاوته الكالحة، كالليل الدامس، وحرمني من وعيي الإحساس، بتصور ماحدث لي، أو ماجرت به الأيام من أحلام أو أوهام آلام..!؟ معلوم، أننا -نحن العرب- لانعرف بعضنا جيداً، ولا علم لنا بما يصيبنا أو يقع لبعضنا البعض من سرّاء أو ضراء.. والسبب البسيط، والمباشر، والأصغر في ذلك.. هو أن كتبنا، وصحفنا، ومجلاتنا /المحلية/ لاتتعدى حدود أقطارنا.. لذلك ظلت أحوالنا عنا خفية، وظلت أخبار مرضى /النسياني/ قطرية، مع أن أسبابها، ونتائجها، كانت في مجملها عربية.؟. طبعاً.. هناك أسباب أخرى أكبر وأخطر.. فمثلاً أن يحكم كاتب، ومثقف عربي، على كاتب ومثقف عربي آخر بأنه نكرة، ولا وجود له، ولاحق له في الانتساب إلى المثقفين، أو استلام أية مسؤولية ثقافية، لا لشيء، إلا لأن حضرة الكاتب الأول، لم يقرأ له ولايعرف /سابقاً/ اسمه ولم يتشرف باللقاء معه...!؟ هذه /العقدة/ الشخصية الفرادية، قد نجد لها شبيهاً في /عقدة/ المثقفين المغاربة، والمثقفين المشارقة وهي مسألة تاريخية، وجماعية، يستحسن تناولها بالدرس والتحليل، ولكن ليس في هذا الموضوع مجال لها... منذ أن عدت إلى دمشق، وأنا أشعر بتحسن تدريجي في صحة ذاكرتي.. ولم أعد أنسى -جملة وتفصيلاً- كل المشاهد، والأحداث التي تمر بي- كما كنت في السابق- إلا أنني صرت أحياناً، لا أستطيع أن أميز أو أفرق -بوضوح بين الأحداث والمستجدات التي تقع.... وأصبحت الوقائع التي أعيشها يومياً، تختلط في ذاكرتي، وتندمج وتتلاحم، ثم تتمايه.. ثم تبرد.. وتتحول إلى كتلة رصاصية كالصخرة الجلمود.. تتسلق كالغازات السامة، قمة رأسي، وتهد كاهلي وتخنق مشاعري، وتوتر أعصابي بالأرق، والقلق والرعب وتجعلني أرى حافة الانهيار العصبي، وأتخيل برهبة هوة الجنون...!! عندما تنتابني هذه الحالة، أسارع بالذهاب إلى غرفتي.. وأحمل ورقة وقلماً، وأبدأ في ممارسة طقوس /علماء النفس/ وإن كنت منهم بريئاً.. أعصر أفكاري.. أركز على معطيات اليوم.. أفتش في الداخل والخارج.. أستبطن /الأنا/ وأستنطق /الآخر/.. وأستقرئ وأستنتج وأجند كل معاولي لتفتيت تلك الصخرة /العقدة/ وأحلل.. وأجهد ذاكرتي إلى درجة الصداع الحاد.. وأتعذب.. وأتعذب.. إلى أن أصل أخيراً إلى فك الطلسم، واكتشاف اللغز.. فأجزئ /العقدة/ وأفتت الصخرة، وأكتشف العناصر الأساسية التي ركبتها، وشكلتها،.. وبعد ذلك أتنفس الصعداء.. وأهدأ.. وأستريح..!! أما إذا نسيت أحد أجزاء /العقدة/ ولم أتمكن من اكتشافه وتذكره -ربما لتفاهته- فتلك مصيبة كبرى، وأظل منزعجاً مهموماً، مغموماً ليوم أو أكثر، إلى أن يخطر ببالي صدفة، فأبتهج، ألعنه، وتملؤني نشوة عارمة من السعادة والارتياح..! ومن المؤسف أنه لاتكاد تمر أيام قليلة حتى تقع على رأسي ماتشبه تلك الصخرة القاتمة الغامضة، مرة أخرى وبالعذاب والصبر. وإرادة الحياة /العاقلة/ أفك أسلاكها المتداخلة الشائكة، وأجد الحل.. وهكذا! وكتوضيح لما يحدث ليس أسوق هذا المثل الواقعي: في اليومين، الثالث والرابع من شهر أيلول -96- ودون ترتيب للزمن-! قمت مبكراً، وفتحت الراديو على نشرة أخبار دمشق.. وإذا بالمذيع يخبر أن إسرائيل ستقوم ببناء عشرة آلاف وحدة سكنية للمستوطنين اليهود في منطقة /الجولان/.. صدمت.. وتألمت.. وتعجبت.. ثم تساءلت: إلى متى يظل العرب، ساكنين، راضين، جاهلين، أو متجاهلين لايهتمون بمصيرهم المهدد بالانهيار والزوال...!؟ وإذا كانوا أنانيين أو يائسين من جدواهم.. ألا يفكرون في مستقبل ومصير أبنائهم، وبناتهم...!؟ مستوطنات إسرائيلية في القدس، والخليل وغزة، وكل الضفة الغربية.. وشبهها في جنوب لبنان.. ومن يدري.. فقد تجند الصهيونية في المستقبل القريب الملايين من المرتزقة، والمشردين "من غير العرب" وتمنحهم الجنسية الإسرائيلية وتقيم لهم مستوطنات، في مواقع إضافية أخرى، في المشرق العربي والمغرب العربي.. وتقضي نهائياً على وجودنا المتقوقع داخل كياناتنا الهزيلة المجزأة، الممزقة، وبذلك يتحقق حلم التاريخ العدو.. وتنتهي فصول قصة العرب...!؟ وبعد لحظات، فتحت بأصابع متشنجة /محطة لندن الإذاعية/.. وصدمت مرة ثانية بالمذيع يقول: "أن الولايات المتحدة، تقصف الآن بالصواريخ العملاقة، مدن العراق.. وأن العرب كلهم -تقريباً..! يستنكرون ولكن أمريكا مصممة على مواصلة القصف.." وطز.! تصورت مأساة الشعب العراقي، في امتداداتها وفي نكبة أبنائه، ومنشآته.. وسيادته العربية...!؟ وانتبهت إلى أن أكثر من مئتي مليون عربي هم الآن يتحسرون، ويأكلون.. ويمارسون الجنس بنشوة فكرية عارمة...!؟ -وفي المساء، اتصل بي صديق، وأخبرني، بأن زلزالاً عنيفاً هز الجزائر صباح هذا اليوم /الثالث/ من الشهر وأحسست بموجة من اللهب تكتسح معدتي، وبجفاف في حلقي، وبأشواك باردة تنزغ جانبي، وبرعب رهيب يجتاح كل كياني...! يارب.. ماهو مصير الأولاد.. والأهل، والأصدقاء.. والناس.. الآن..؟ يا لهذه الجزائر الشقيّة التعسة..! ألم تكفها زلازل النفوس.. فتتزلزل الأرض أيضاً...!!؟ لطفك بنا.. يارب.. وقررت زوجتي أن تسافر مباشرة، وبسرعة إلى الجزائر لترى أولادها،.. وذهبنا إلى وكالة الخطوط الجوية، وكانت الصدمة الرابعة.. حيث أكد لنا مسؤول الوكالة بأن كل مقاعد الطائرة محجوزة طيلة هذا الشهر كله.. ولا مجال للمحاولة.. وكدنا نجن..!!؟ وفي المساء.. جلست كالعادة يومياً، أمام شاشة التلفزة لأشاهد مسلسل /كاسندرا/ وقد تابعت حلقاته منذ بدايته، وكنت أتحرق شوقاً إلى معرفة ماستسفر عنه محاكمة /لويس دافيد/.. وبصراحة فأنا لا أستريح لهاذ الاسم.. وربما هي /عقدتي/ من كامب دافيد/ ولكنني لا أوافق أستاذي (شوقي بغدادي) في أن المسلسل تافه.. على كل حال مرت الخامسة، وأنا أمام الشاشة الصغيرة حتى السادسة، وبعد الانتظار، ضاق صبري فغادرت المنزل وقصدت المعرض.. ليلاً.. دخلت معرض دمشق الدولي، وزرت عدة أجنحة بحثاً عن جناح الجزائر، لقد كنت مشتاقاً لرؤيتها.. وعندما عثرت عليه رميت في بهوه خطوة واحدة ووجدتني في وسطه، أستوعب كل محتوياته، وبسرعة البرق أبصرتها كلها: خرائط بترولية، مطابخ غازية، قطع لكوابل كهربائية، وسيدة جميلة ترش الزوار بالعطور وهي تبتسم بخجل.. وهذا كل شيء...!؟ -صدمت.. خنقتني العبرات، بكيت بصمت.. تأوهت.. أهذي هي الجزائر بلد الخيرات، والثروات والثورات والمزارع والمصانع، و(الثقافات)..!؟ وكظمت حسرتي. وحيرتي.. وتأويلاتي.. وخرجت...!؟ -عندما عدت من المعرض إلى منزلي اكتشفت أن ساعتي الثمينة، قد سقطت من يدي، وكانت هدية عزيزة من ولدي، فحزنت على ضياعها، وتشاءمت...!؟ أمضيت ليلة الخامس من أيلول، بين الأرق، والقلق والمغص، والحموضة، والكوابيس الرهيبة المزعجة.. وفي الصباح استيقظت من حالة /اللانوم/ إلى حالة مزرية تعسة، يثقلني الخمول والتوتر، وتأكلني الحيرة والقلق، ويسيطر عليّ، إحساس مرعب من الخوف، والتوقعات السيئة المجهولة، حتى لكأنني إنسان محكوم عليه بالإعدام...!؟ قصدت شارع الحمراء بدمشق، فتخيلت أنني ملاحق بجريمة أجهلها، تصورت أن كل المارة يرمقونني بامتعاض، وكان أي صوت لزمور أو لطفل أو لبائع.. يجعلني أقفز في الهواء مذعوراً مرتعداً.. دخلت مقهى /الهافانا/ وطلبت فنجان قهوة، وعندما حملته لآخذ رشفة منه، ارتعشت يدي، فانسكب نصفه، ولم أستطع توصيله إلى شفتي ولمحني الناس، فوضعته على الطاولة، ودفعت ثمنه وانسحبت..! إنني مرعوب، خائف من أمر خطير مجهول، لا أدرك فحواه، ولكنه ينتظرني..؟.. أن عقاباً قاسياً يتربص بي..! ولكن ماهو ذنبي..!؟ لم أسرق.. لم أخن.. لم أكذب أو أنافق.. لم أتآمر.. لم أقم بأي شيء مكروه.. إنني أعرف نفسي، وأتذكر ذلك جيداً.. وحتى منزل لم أغادره إلا لزيارة المعرض...! نعم.. لقد كان جناح الجزائر متواضعاً إلى درجة محزنة.. أحسست أن /العقدة/ اهتزت.. أمسكت برأس الخيط.. لقد صدمني وضع الجناح الجزائري..! -أدركت أن جزءاً صغيراً من صخرة العقدة الجاثمة فوق صدري، ينفصل عنها، ويتدحرج باسم الجناح..! تساءلت: هل هناك أجزاء أخرى مزعجة..؟ وشيئاً فشيئاً.. بدأت خيوط الفجر، تتلاحق لتكتسح عتمة الليل وتحرّر الحقيقة.. -المستوطنات الإسرائيلية في الجولان خرافة، وتهريج.. ومادامت سورية العربية، متشبثة بأرضها، وحقها الكامل فيها، فلن تنال إسرائيل شبراً واحداً منها، حتى ولو هددت ببناء مئات الآلاف من المستوطنات.. وأذكر بما قاله (المعري) في مايشبه المقام...!؟ -قصف العراق بالصواريخ. ومهما قتلوا أو دمروا فلن يستطيعوا إفناء الشعب العراقي.. إنه في كل مكان في أرضه، وفي قلوبنا، وفي العالم، وفي حضارته التي لن تندثر، وإرادته التي لاتقهر.. -زلزال الجزائر.. لقد مرّ دون خسائر في الأرواح مع أن الجزائر قد تعودت -منذ قرون- على بذل الأرواح.. ولكن المهم -كما عهدته الجزائر دائماً- وهو شفاء الجراح، وتحقيق النجاح، والمحبة والأفراح.. وزوجتي ستسافر إلى أبنائها خلال هذا الأسبوع. هناك شيء ظل خافياً لم أتذكره، إنه يثير حيرتي، ويحفر كالمثقب الدوار في أعماق ذاكرتي.. لابد أنه أمر جلل وشيء هام.. حاولت تذكره، ولكن دون جدوى...!؟ وفي تمام الساعة الخامسة من اليوم الخامس، جاء الفرج، وعمت الفرحة ربوع متاهاتي.. لقد تذكرت آخر جزء مؤذ في تلك /العقدة/ المحلولة المفتتة.. إنه شيء تافه. حلقة مسلسل /كاسندرا/ التي احتجبت قبل يوم أمس...!؟ تساءلت وأنا أحاول نفسي -ألا يصح أن ينطبق على الأمة، ماينطبق على أحد أفرادها...!؟ ألا يمكن أن تكون أمراض الجزء، هي نفسها أمراض الكل...!؟ وإذاً.. ألا يجوز لنا أن نعتبر بأن العرب حالياً يعيشون /عقدة/ صخرية غامضة، تبدو إفرازاتها في الخوف من المجهول، والرعب من الآخر، وعدم الثقة بالأقربين، والشعور بالضعف إلى حد الاستسلام لأعداء عند البعض...!؟ أما مكونات /عقدتنا/ الأساسية، فهي بلا ريب -التجزئة، والجهل، والتخلف، والأنانية، والغرور، وانعدام التعارف والتواصل، وهيمنة السياسي على الثقافي...!؟ ألا تستطيع أن تقوم أمتنا /ككل/ بعملية /تحليل نفسي/ لتكشف /عقدتها وتبادر إلى علاج مرضها، حيث تنتعش الذاكرة العربية...!؟ وينتهي زمن الشتات...!؟ 21/9/1996 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |