|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:15 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
النفق.. والساحرة والبوّاس..!؟ ربما تأتي الأمة العربية، في مقدمة كل أمم العالم، لما شهدته من هجمات عدوانية خارجية، ولما خاضته من صراعات وحروب. ضد أطماع الغزاة الأعداء، ومحاولاتهم المتكررة، للقضاء على الجنس العربي، وامتلاك مواقعه، وأرضه، وخيراته.. وعندما نعود إلى التاريخ، قديمه وحديثه، ونتذكر حملات واكتساحات الأحباش، والفرس، والروم، والمغول، والتتار، والصليبيين والمستعمرين الغربيين.. ثم نتأمل نوايا وأهداف الوجود الإسرائيلي فوق الأرض العربية، ومايتبعه من وسائل القوة والاستغلال، ودعم الدولة الأمريكية الأقوى، ومن يلف حولها، نتأكد بأن قيام إسرائيل في فلسطين منذ 1948- وهو بمثابة أخطر وأطول، وأعمق نفق للموت، يحفر في جسد الأمة العربية ويمتد بكوارثه، كمرض السل، من المحيط إلى الخليج..!! -نفق مظلم، رطب، لزج.. زرعت فيه كل أنواع الفطريات السامة، وتنتشر منه كل العفونات النتنة، والجراثيم الموبوءة، وكل الآفات التي تفتك بصحة العرب، وتهدد عافيتهم، وسلامتهم ومصيرهم المأمول..!! وقد كان أقطاب العالم، يدركون خطورة ذلك النفق وأثره الدائم في تأزم الأمراض العربية، ودوره الأساسي في تدهور الصحة الإنسانية بصفة عامة.. ولكن.. لكي يظل العرب في حالة هزال مزمن.. كان الأقوياء، من ورثة الصليبيين والمستعمرين، هم من قدم المؤازرة والعون، وساعد بالفؤوس والجرافات، والألغام، في شق ذلك النفق المرعب، وكانوا راضين بمصائبه وويلاته.. بل كثيراً مااستعملوه لتمرير قاذوراتهم وميكروباتهم الفتاكة، وفضائحهم، وجرائمهم البشعة للإطاحة بالأبرياء،.. والغافلين..!؟ ومن اللافت للانتباه أن ذلك النفق الخطير الموحش أصبح مصنعاً همجياً، ورهيباً لصنع أنفاق أخرى، متنقلة وقارة تماثله قسوة، ووحشية، وشراسة.. ظواهرها قد تبدو مموهة، مزركشة، لتوحي بالاطمئنان.. ودواخلها بشعة مرعبة، كمجاري جهنم، تنفث الدخان واللهب، وتوزع الحمى والطاعون.. وتنذر بالدمار، والطوفان...!؟ -أنفاق.. بالعشرات -والمئات.. حفرت في كل أرجاء المعمورة.. من قبل.. وخاصة منذ 1948.. وبعد ميلاد النفق الأعمق.. الكيان...!؟ -أنفاق.. للإرهاب، والغدر، والاغتيال، والقتل الجماعي، والتآمر، والدس، ونشر الحزازات والفتن...! -أنفاق.. للإشاعة المغرضة، والتمويه، وحبط العزائم. وخفض المعنويات، وزرع البلبلة والفوضى..! -أنفاق للتهويل، والتضليل، والنفاق، والتجسس، واكتشاف الضمائر الميتة، وامتلاكها، وتوظيفها للخيانات..! -أنفاق.. للإغراء، والترغيب، والوعود الكاذبة، والنوايا البراقة الملغومة، واصطناع الطيبة، وطلاء العنصرية والنقمة والحقد، بألوان مزيفة للديمقراطية، والمحبة والرحمة. -أنفاق.. للمتاجرة بالمرتزقة، والأسلحة، والرقيق، والجنس والمخدرات، والتزوير، وكل أنواع السموم والآفات..! ..عشرات.. ومئات الأنفاق المحفورة، داخل أقطار الموطن العربي، وفي مختلف أنحاء العالم تحت عناوين كثيرة سياسية، وفكرية، واقتصادية ومالية، وأدبية وفنية واجتماعية، ونفسية، وتاريخية، وثقافية، وزراعية، وإعلامية، ودينية، وتعاونية، وأمنية، وسلامية، إلا أنها، كلها عبارة عن أذرع /نفقية/ متوحشة لأخطبوط واحد هو ذاك النفق الشرير الرهيب.. إسرائيل. والشعب العربي، يعرف جيداً حقيقة هذه الأنفاق ويتململ غضباً، وألماً وحسرة.. كلما سمع بفتح نفق جديد.. -ومع الأسف- هناك من بين العرب، من لم تحرك فيهم هذه الأنفاق أي إحساس شهم، الحيطة أو الخشية، أو اليقظة، بل هناك منهم من شارك في احتفال فتح بعضها.. واقتحمها مع الزائرين بغباء.. وسار في مساربها ودهاليزها الغامضة القاتمة...!؟ مخيم داود.. وأوسلو.. ووادي عربة.. وأروقة واشنطن.. ألم تحفر في كل هذه الأماكن وغيرها، أنفاق للمهازل والذل، والعار..!؟ ولولا تماسك سورية ولبنان.. والتزام القيادة السورية بمبادئ الشرف، والعدل، والحق.. لولا ذلك.. لشاهدنا منذ وقت قريب، نفقاً جديداً يفتح باسم /لبنان أولاً/! إن هذه الأنفاق، لاتعني أنها مستعصية على الهدم والإزالة، فقد حطمت حرب تشرين التحريرية -1973- جزءاً كبيراً منها ومع ذلك ظلت عملية الحفر مستمرة...!؟ أما النفق الأرضي الذي "شنته إسرائيل أخيراً، تحت جذور المسجد الأقصى، ثالث الحرمين، وأول قبلة للمسلمين.. -أما هذا النفق /السياحي/ ما يدّعون- فهو يعني بالدرجة الأولى، استهانة، واستخفافاً بكل العرب والمسلمين، وهذه منتهى الحماقة، كما يعني إيجاد وسيلة للمزيد من قتل الوطنيين المخلصين، وإمعاناً في إذلال الموالين، وتسجيد الراكعين، وإثباتاً للرأي المعادي، بأن المؤمن، يمكن أن يلدغ من حجر واحد أكثر من مرتين.. عشرين.. وخمسين.. مرة.. وهو عكس ماقاله الرسول في زمنه، عن المؤمنين الصادقين في إيمانهم...!؟ وقد تذكرت -يوم فتح نفق القدس- حكاية كان والدي -رحمه اللّه- قد حكاها لي، منذ الأربعينيات، ولمست فيها شبهاً كبيراً لما يحدث لبعضنا في هذا الزمن الفاجر الرديء،.. تقول الحكاية: كان رجل كريم المعشر، حسن المظهر، شجاعاً غامضاً طيب السمة، حلو الحديث، كثير الثقة بمن لايعرفهم..! هذا الرجل كان أعزب، يعيش وحيداً، ويسكن غرفة تقع في مدخل مسجد المدينة.. ولكن رواد الجامع، لايذكرون أنهم شاهدوه بين صفوف المصلين..! إلا أن سمة التقوى والورع كانت بادية في تصرفاته وسلوكه.. لذلك كان إذا مشى في الشارع -بتواضعه الجهم وابتسامته العريضة التي لاتفارق شفتيه -يشير إليه كل المارة بالتقدير ويحيونه، ويصافحونه.. وكان هو لايكتفي بمصافحة أهل الطريق له.. بل يرتمي نحوهم بحماس، فيعانقهم، ويقوم بتقبيل كل واحد منهم في رأسه، وفي كل أجزاء وجهه، مما جعل بعض المتفكهين يطلقون عليه اسم "البوّاس". اشتهر الرجل بين أهل حيّه، ولشدة بساطته، وتغيبه أحياناً عن الأنظار، صار جيرانه -بعد مرور الزمن- يشعرون نحوه ببعض الغموض والتضارب.. ويتخيلون في شخصيته صفات متناقضة، بين الزهد، والتهالك.. بين البطولة الجبن.. بين الصرامة واللين.. بين التقوى والفسق.. بين الصدق والنفاق. إلى درجة أن بعضهم جعله في قمة أهل الحكمة والعقل، بينما يؤكد آخرون أنه متذبذب، ومجنون..! وكانت في المدينة نفسها امرأة لعوب، تعيش مع أمها تحت سقف واحد. وقد انتشرت حول المرأتين إشاعات سيئة تجزم أنهما تمارسان أعمال السحر، والبغاء، وتتاجران بالمخدرات وتقومان باختطاف الأطفال وبيعهم.. انتبهت المرأة اللعوب لذلك الرجل البوّاس، فأثار فضولها، فراقبته مدة، ثم صممت على امتلاكه.. -قالت لأمها: لقد تعلقت بالبوّاس. -سألتها الأم: هل أحببته حقاً؟ أم مجرد نزوة عابرة، وخطة ماكرة، كما عهدتك دائماً..؟ -أجابت اللعوب: لست من مقامه، لأقع في غرامه.. ولكن نظراً لمكانته بين الجيران، وسمعته الطيبة، فقد أردت الاستيلاء عليه والسيطرة على قلبه، وبذلك نأخذ من حسناته، ونستفيد من علاقاته، وبواسطته نستميل قلوب الناقمين علينا.. -رمقتها أمها بنظرة مليئة بالحب والإعجاب، وقالت لها لم أتصور أنك وصلت إلى هذا الحد من الذكاء والدهاء..! فانصرفي إليه.. وقيديه.. واعتمدي عليّ، في كل أمر تجدين صعوبة فيه...!؟ اعترضت اللعوب الساحرة طريق الرجل، فحيته وصافحته.. وهمّ بمعانقتها وبوسها، فتمنعت.. ولكنها بكلامها المعسول، وبحركات الدلال والإغراء استطاعت أن تستميله قليلاً.. وبعد مراوغات، طلبت منه أن يزورها ليلاً، حتى لايراه أحد وأخبرته بأنها ستكاشفه بسر هام، وخطير...!؟ وعندما أسدل الليل أستاره تسلل /البوّاس/ وطرق بابها.. فاستقبلته مع أمها بالفرح والترحاب، وأجلسته إلى جانبها وأمها، وقدمت إليه أشهى المآكل، وأعذب المشروبات، ولم يدر المسكين أنه منذ تلك اللحظة أخذ يتعاطى سموم السحر الأسود، في كل لقمة.. وكل جرعة...!؟ وبدأ السحر يعطي مفعوله.. فسأل بلهفة ماهو ذلك السحر الهام الذي قلت أنك ستبوحين به إليّ..؟ قالت -وهي تتصنع العشق والهيام- بصراحة لقد تعلقت بك من أول نظرة.. وكم أتمنى لو ترضى بالعيش معي، وسأكون لك نعم الخادمة..! أحس /البوّاس/ بنشوة عارمة من الغرور، تكتسح كيانه.. فرد بكبرياء المسحور: أنا أعيش معك هنا..!؟ ماذا يقول الناس عني...!؟ فإذا كنت بالفعل متعلقة بي فلا مانع عندي.. أنا أيضاً أشعر بالميل إليك.. ولكن تعالي أنت، وعيشي معي..! -قالت له الساحرة اللعوب- وهي تبتسم بخبث وتهكم-: أيعقل أن تعيش امرأة مع رجل في جامع...!؟ وتدخلت الأم لحل الإشكال، فاقترحت أن تشتري له منزلاً في الحي المجاور لحيهما، ليسكنه مع ابنتها العزيزة.. وبعد لحظة صمت.. تم الاتفاق على ذلك...!؟ كانت المرأة الساحرة، تقوم يومياً بإطعام الرجل وسقيه من نقيع سحرها الفتاك.. وتجري عليه سلسلة من التجارب المهينة لترى مدى تأثره، وما وصل إليه من طاعة وانقياد...! تغيرت أحوال الرجل، وتبدلت طباعه وتصرفاته.. حتى أصبح أغلب المعجبين به سابقاً، لايحيونه عندما يرونه.. ولايعطون لبسمته العريضة أي اهتمام.. وعندما أحسّت الساحرة بأن ضحيتها أصبح كالخاتم في إصبعها، تديره كما تشاء، أحبت أن تجري عليه آخر تجربة.. فاستدعته إلى المطبخ، وسحبت ملعقة أكل، وملأتها مرقاً أحمر.. ثم ناولته إياها، وهي تأمره بقولها: اذهب بهذه الملعقة إلى أمي في الحارة المجاورة وإياك أن تسقط ولو قطرة واحدة منها.. وقل لها أن تتذوقها وتخبرني، هل ملحها مضبوط، أم في حاجة إلى المزيد..!؟ شق البوّاس الشوارع، هو يحمل ملعقة المرق، ويحاذر في خطاه، والناس مندهشون، يتعجبون من أمره.. حتى وصل منزل الأم الكبرى الساحرة.. وعندما استلمت الملعقة، وعرفت المطلوب، قالت له: ارجع إلى بنتي الغالية، وقل لها: يكفيه.. فلو زدت عليه لفقدته ولايبقى لك شيء منه..!؟ 19/10/1996 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |