حوار مع الذات - محمد بلقاسم خمّار

مقالات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:15 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

خواطر مع الثورة الجزائرية في ذكرى اندلاعها الثانية والأربعين

في أول ساعة من اليوم الأول من نوفمبر /تشرين الثاني/ 1954 اندلعت الثورة الجزائرية العارمة.. واليوم -1996- يكون قد مرّ على انطلاقها، اثنتان وأربعون سنة..!‏

تلك الثورة التي هزّت الشعب الجزائري ورفعت رأس العرب، وملكت حبهم وإجلالهم، وأحرزت تقدير الأحرار واحترامهم.. وأدهشت العالم، وأرعدت فرائس المستعمرين والمعتدين..!‏

تلك الثورة التي تبوّأت قمة الإعجاب والتقدير، والمجد وأيقظت شعوب آسيا وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وقضت على أسطورة نفوذ القوة الغاشمة.. إذا وقفت في وجهها قوة الإرادة والتصميم، وجابهتها شجاعة الحق المهضوم، وانتفاضة العدل المحروم..!‏

تلك الثورة التي قال عنها الأعداء قبل الأصدقاء: إنها ثورة مثالية في التاريخ.. وأنها معجزة القرن العشرين..!‏

اثنان وأربعون سنة تمر إذن -منذ قيام الثورة الكبيرة.. بالاستقلال.. بعد سبع سنوات ونصف من الجهاد المتواصل، ليل، نهار.. وبفضل البطولات والتضحيات، وكان ثمن النصر باهظاً قاسياً مرعباً.. مليوناً ونصف مليون من الشهداء.. وأكثر الآلاف من المشردين ومايقرب من مليون سجين ومليون من الموقوفين داخل المحتشدات الجماعية ومئات الآلاف من المشوهين والمقعدين والأرامل والأيتام.. وخطوط الموت تطوّق القطر الجزائري من أقصى شرقه إلى أقصى غربه بأسلاكها الشائكة المكهربة، ومطبات ألغامها الغادرة، والتي مازالت حتى اليوم، تفتك بين الحين والآخر، بالأبرياء من المواطنين..؟‏

ورغم كل شيء فظيع.. انتصرت الثورة بفضل احتضان الشعب لها بوعي واقتدار وباستبسال جيش التحرير، وحكمة وحنكة جبهته الذكية العتيدة..‏

فكم هي عظيمة ونادرة المثال ثورة الجزائر المسلحة..! وكم هي باهظة التكاليف، غالية القيمة، حرية الجزائر واستقلالها..!؟‏

وهاهي اثنان وأربعون سنة تمرّ.. فهل نعتبرها بناء تكاملياً متصاعداً في عمر الثورة.. أم هي مجرد ذكرى تمر.. لانتصار تحقق، وبطولات سُجلّت.. وتضحيات قُدمت وماض حدث وانقضى، ولم تبق منه سوى الذكريات...!؟‏

الآن تمرّ بخاطري صورة لواقعة تاريخية هامة، وهي أن الثورة الفرنسية التي انفجرت سنة 1789- قام أبناؤها بعد أربعين سنة وقليل.. أي سنة 1830 بالهجوم على الجزائر لاستعمارها..!‏

وهاهي الثورة الجزائرية بعد أربعين سنة وقليل وقد تجاوزت سن الرشد في حساب الاستدلال الفكري للنضج -ها هي توحي بتساؤل محزن: أين هي الآن...!؟ وأبناء أرضها على من يهجمون...!؟ على أنفسهم..! يا للأسف...!؟‏

من حسن الحظ أن الثورة الجزائرية المسلحة، قد حققت انتصارها على جبروت الاستعمار، وأفشلت كل خطط ودسائس المضادين، والمخالفين، والمناوئين...‏

وقد كان انتصارها دافعاً مباشراً، وحافزاً مصلحياً، لأن تندمج في تياره جميع الفئات التي كانت تعارض الثورة خفية أو علناً.. بل أخذ بعضهم يحاول بجرأة، أن ينسب لنفسه الباع الأوفر في مسيرة تحقيق الحرية.. ويعلم الله والراسخون في الثورة ماتنطوي عليه نفوس أولئك المتطفلين من حقد، وسوء نية وشعور بالنقص.. ومن مثل هؤلاء المنافقين المنقلبين جاءت أمراض جبهة التحرير الوطنية إبان مسيرتها الاستقلالية خلال ربع قرن.. ومن مثلهم تشكلت أغلب الأزمات التي تعيشها الجزائر اليوم..! أن الثورة الجزائرية لم تنته.. ولم تمت.. ومازالت أملاً حياً يتأجج في قلوب أبناء الشهداء، والمجاهدين، والمثقفين الملتزمين وفي حلم الشعب النابض بالحياة.. وفي سلوكه الثوري الذي صار سمة بارزة في طبعه وسلوكه، وعلامة مضيئة دالة عليه..‏

ومن المعلوم أن نجاح الثورة، لايحقّق التغيير الاجتماعي الجذري والشامل، إلا بعد مدة من الزمن قد تطول، وقد تقصر.. ويقدرها المفكر /جون ديوي/ بفترة ظهور جيل جديد، تكون قد تكونت عاداته الفكرية في الظروف الجديدة التي أوجدتها الثورة...‏

ويحدوني أمل بأن هذا الجيل، هم من طلائع شبابنا، من أبناء الشهداء والمجاهدين، وأبناء المدرسة الأساسية، وأبناء العمال والفلاحين.. وهم من يشكل تقريباً أغلب أفراد المجتمع الجزائري المستقبلي..‏

إن قيم الثورة الجزائرية، الرائدة الهادفة.. مازالت تشغل حيزاً كبيراً وعميقاً ومؤثراً في ضمير الشعب، وتطلعات أجياله الناشئة، وتتفاعل يومياً مع آمالهم، ومطامحهم.. ذلك لأنها هي دوح كرامتهم، وشرط بقائهم، ومصدر مجدهم وفخرهم، ووسيلة تقدمهم وسعادتهم، وازدهارهم.. هذه القيم الأساسية الثابتة تتمثل في جانب منها في:‏

-وحدة الشعب الوطنية التي تتعارض مع الفتنة، والتفرقة، والتمزق.‏

-وفي تضامن المواطنين وتساندهم، ضد الخيبة والفشل والصراع المصلحي.‏

-وفي الاجتهاد والجهد -والعمل الدؤوب المنتج- المستبعد لكل سلبيات البطالة والكسل، والملغي لكل أسباب الحاجة والندرة، والفاقة، والفقر..‏

-وفي الغيرية، والتعاطف، والتسامح، بلا أنانية أو ضعف أو اختلال.‏

-وفي التضحية، والتعفف والقناعة، دون استغلال أو شراهة، أو طمع.‏

-وفي الأخوّة والمحبة والانسجام -بعيداً عن مظاهر العداوة والغدر والاغتيال.‏

-وفي التنظيم الدقيق، واحترام قوانينه.. ماينفي كل فوضى أو تناقض، أو انتكاس.‏

-وفي التنسيق المحكم المتكامل، الذي يمنع أي تسرب للانتهازية أو التلاعب والكيد..‏

-وفي الاعتماد على الذات، بلا اتكال على الغير، أوانتظار لما يجود به الآخرون.‏

-وفي إحياء الثقافة الوطنية كسبيل أو حد لسيادة الشخصية الوطنية واحترامها بلا تبعية مهينة أو استلاب ممقوت، أو استيراد لقشور الحضارات.‏

-وفي نشر التربية والتعليم والتكوين على أسس معطياتنا التاريخية الأصيلة ومنابعنا العربية الإسلامية الغنية، وتطلعاتنا المعاصرة، والمتحررة.‏

-وفي نشر العدل، وتحقيق المساواة، وفتح فرص الحياة أمام الجميع.‏

-وفي مواصلة الجهود الثورية، من أجل التطور، والتقدم وإحراز المكانة المنشودة بين شعوب العالم.‏

-وفي صيانة العرض والشرف، وكرامة المواطن، والحفاظ على مكارم الأخلاق، وكل العادات الحميدة، والتقاليد السامية.‏

-وفي العناية بتاريخ الثورة، واستلهام ملاحمه الخالدة، واحترام المجاهدين، والاعتزاز بماضيهم، ومواقفهم، وتقديس الشهداء. والوفاء بعهودهم، وبالأمانة الكبرى التي تركوها بين أيدينا ألا وهي: حرية الوطن بكل ماتعنيه كلمة الحرية، من قوة ومناعة، ومن حصانة ورقي،.. ومن تقدم وانطلاق...‏

قيم كثيرة، صميمية بليغة، وهادفة رائعة.. خلدتها ثورة أول نوفمبر -1954- في سلوك وأفكار أبنائها الأوفياء، وفي كل مواثيقها وقوانينها... وفي مآثرها وآثارها البطولية المجيدة الراسخة، في الفكر والسلوك.. في الآفاق والأرض، في الزمن والمكان.. في الذاكرة والآمال.. ومن واجبنا -وواجب كلّ عربي يعتز بأمجاد أمته- أن لانهمل هذه القيم الرائدة، وأن نعمل على بعثها ونشرها، وترسيخها في نفوس أجيالنا الناشئة، ودعمها وتطويرها بما تتطلبه من وسائل الدعم، والإشهار، والانتشار...‏

ومما لاريب فيه أن هذه القيم تعاني اليوم -ربما في جل أقطارنا- من انتكاسة لامثيل لها، حيث اختفت أو كمنت تحت ظلال قاتمة، وضبابيات كثيفة مؤلمة.. من الإهمال والجهل، واللامبالاة.. أو من التآمر، والكيد والحقد.. وبالمقابل.. طفحت على السطوح أضدادها وعكوساتها، ونقائضها من مختلف الآفات والمصائب مما يثير الرعب والأسى، والاشمئزاز في كل نفس واعية.. ولكن مهما امتدت طفيليات الأشواك فوق دروبنا، فيجب أن نؤمن بأنها لن تستطيع القضاء على جذور السوامق البواسق، في منابتنا -وسيورق الدوح، وتعود مواسم الازدهار والغلال.‏

لقد كانت الثورة الجزائرية "فورة غيظ الحقيقة" كما عبر عن ذلك قديماً /فيكتور هيغو/ عن الثورة بصفة عامة..‏

كانت الثورة الجزائرية، فورة غيظ المظلومين والمحرومين، وانتفاضاً للعدل المطعون، والثقافة الوطنية المنسية، والتقاليد السامية المهانة، ومن أجل الحياة الكريمة الشريفة.‏

ثورة ضد الفقر والجهل، والمرض.. والتمييز العنصري، وكل عوامل الإبادة، والتدمير والتذويب..‏

كانت ثورة كلية شاملة جامعة، لكل أسباب اندلاع الثورات الكبرى في العالم.. فهي اقتصادية بسبب الاحتكار والإجحاف، والحصار.. وهي اجتماعية بسبب الإحباط، والاضطهاد، والاحتقار.. وهي سياسية بسبب الوعود الكاذبة، والتزوير، ونوايا الفرنسة.. وهي ثقافية بسبب مالاقته الشخصية الوطنية من محاولات السلخ، والتزوير، والامحاء.. وهي قومية عربية، بسبب ماتعرض له تاريخ الشعب، ولغته، وعاداته من محاربة، وتشويه وإنكار.. وهي دينية إسلامية بسبب ماعانته عقيدة الشعب من محاولات التحريف، ومالحق بالمساجد والأوقاف، من تخريب ونهب، وهوان.. وهي بعد ذلك ثورة نقابية، طلابية كشفية، نسائية، جماهيرية.. ثورة قيم، ومبادئ، وقوانين.. من أجل الكرامة الإنسانية، والمروءة العربية، والحرية، والانطلاق.. ثورة منظمة هادفة.. من أجل قيام الجمهورية الجزائرية المستقلة، المؤمنة بوحدة المغرب العربي كجزء لايتجزأ من الأمة العربية، وكوسيلة فعالة في سبيل تحقيق وحدتها.. وتماسكها، وقوتها..‏

ومن هنا كانت الثورة الجزائرية بحق، ثورة مثالية، ومفخرة للعروبة، ومعجزة للقرن العشرين..‏

واليوم -وبقلب يملؤه /غيظ الحقيقة/ المكبوت- نكرر التساؤل: أين هي الثورة الجزائرية الآن، من مسارها الطبيعي المأمول، والذي كان من المفروض أن تواصل تدرجها الراقي فيه..!؟‏

أين أبناء الجزائر المخلصين، ليعاودوا الالتفاف المتلاحم، حول قيم، ومبادئ وأهداف ثورتهم العظيمة، بلا تفرقة أو خصام أو نزيف.. ويشقوا طريقهم متحدين نحو معارك البناء، والتشييد، والنهضة...!؟‏

هل نسينا وفاءنا لعهد الشهداء...!؟ هل نسينا أشواقنا للسعادة والأمن، والسلام...!؟ وإلى أي مصير نحن سائرون...!؟ فلتكن هذه الذكرى الغالية العزيزة، منعطفاً خيّراً لتصحيح المسار، والنصر للثورة والشعب، والمجد للعروبة، والعزة للإسلام، والخلود لشهدائنا الأبرار.‏

23/10/1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244