حوار مع الذات - محمد بلقاسم خمّار

مقالات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:15 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عبد الحميد بن هدوقة ورحيل الأدباء..!؟

عندما يتوقع الإنسان حدوث خطر ما.. وقوع كارثة فوق رأسه.. يلتفت يمنة ويسرة.. يبحث عن حل.. طوق يخرجه إلى بر النجاة، يتذكر المنجدين من الأهل، يستعرض قائمة الأصدقاء الأوفياء القادرين...!‏

يحفر أعماق نفسه، يفتش عن حيلة.. وسيلة.. يفكر في المواجهة.. تراوده عملية الهروب.. يحلم بمعجزة.. قوة غيبية خارقة تنقذه.. يبتهل إلى اللّه، يسأله العون. ثم.. يستسلم إلى الصبر مجبوراً.. وينتظر بقلق ورعب لحظة إطلالة المصير المجهول...!؟‏

-الشاعرة الجزائرية /صفية كتو/ لم تتحمل مرارة الصبر، ولم تستطع الانتظار.. مع أنها كانت في أوج فتوتها، وعنفوان شبابها -ولو تشبثت بقليل من الأمل، وشيء من التحدي والثبات لانتصرت على أزمتها.. ولكنها فضلت الفرار من الحياة كلها وانتحرت...!؟‏

-الروائي المسرحي /كاتب ياسين/ غدرت به /نجمة/ وكان متمرداً على الواقع المزري، فالتجأ إلى ريف المشاكسة، وأخذ يسافر ويتجول في غيبوبة الحلم المطلق.. ومارس بلا مبالاة طقوس الانتحار البطيء.. ثم مات دون أن ينتحر.. مات كأي شجاع متهور...!؟‏

-أما الشاعر /أحمد عروة/.. والكاتب المسرحي /مصطفى كاتب/ والشاعرة /ناديا قندوز/ والكاتب /الجنيدي خليفة/ والمفكر الكاتب /مولود قاسم/ هؤلاء الأدباء.. ارتحلوا بغتة. بصورة مفاجئة دون أن يعلنوا مسبقاً عن أسباب رحيلهم ويبدو أن للملل والإحباط دوراً صارماً في إقناعهم بالهجرة النهائية إلى العالم الآخر...!؟‏

الشيخوخة لم تكن قد مسكت بتلابيبهم بعد.. وهي بريئة من ذنب ترحيلهم.. كما أن السقام /الجسدية/ لم تكن على معرفة سابقة بهم.. وإذاً، فهم الذين فضلوا الانسحاب بهدوء، أمام منظر تخاذل الصحاب وفي وقت اختفاء الأهل عن دائرة العصبة، ومنافذ الحمية...!؟‏

-يمكننا أن نقول عن الشاعر /ابن رحمون/ والكاتب /عبد المجيد بن حبة/ أنهما قتلهما الهرم.. ولكن ألم يكن لأشجان الغربة داخل حظيرة الوطن..! وآلام الاغتراب بين الأقارب والجيران والأحباب...! ألم يكن لهذين الجرحين، اليد الطولى في دفعهما إلى عزلة الكآبة وتحريضهما على المبادرة باستيطان المقبرة...!؟‏

-/الطاهرة جعوط/ و /الهادي فليسي/ و /يوسف السبتي/ هؤلاء.. اختطفهم الموت، في هنيهة، قصيرة كالبرق.. حادة كالسيف.. لقد اغتالهم عنف الحقد.. وأطفأ شموعهم ريح صرصر.. في ليل عاصف طويل...!؟‏

ولكن /عمار بلحسن/ و /عبد الحميد بن هدوقة/.. ماسبب موتهما؟‏

-قد يقولون: المرض.!.. وهاهو /يلتسين/ العجوز قد شفي والحمد للّه..!‏

-وقد يقولون: الأجل -وهنا أجد نفسي عاجزاً عن الإجابة.. ومع ذلك أريد أن أواصل الحديث حتى أختتم هذا الموضوع فمعذرة..!‏

-عمار بلحسن../ كان في مطلع الأربعين، قوي البنية، فتي الحركة، جم النشاط، والإبداع.. ضحوكاً بشوشاً.. سعيداً بين أسرته الصغيرة وأصدقائه الكثيرين.. في جامعة وهران.. وفي اتحاد الكتاب، وفي كل زاوية ثقافية بالجزائر.. وكل أرجاء الوطن العربي الشاسعة وكان متفائلاً، يحب الحياة، كما يحب العلوم الاجتماعية.. وإذاً.. لماذا استسلم للداء الداهم، واستكان بين مخالب الموت...!؟ هل هي مثالية /السوسيولوجيا/ في مجتمع مسموم..؟ أم أن قصصه عن البحر أغرته بالسباحة، ثم ساقته إلى أعماق اليم، وأغرقته..؟‏

أم أنها ذكريات الزمن الصعب، في قريته الحبيبة /مسيردة/ قد أغوته بضرورة العودة جسداً وروحاً إلى مخابئ الماضي السحيق...!؟‏

وربما هناك سبب آخر، جعله يختار نهاية فصل الخريف ليلقي بنفسه خارج هذا الكون كأية ورقة ريشية جميلة صفراء.. تمتطي صهوة الرياح، وترتفع إلى اللانهاية...!؟‏

-عبد الحميد بن هدوقة، هو أيضاً انتظر موسم نهاية الخريف، لهذه السنة، وانفصل عن الغصن.. لم يكن في ربيع الشباب، عمره إحدى وسبعون سنة، ولكن من يراه مقبلاً، يظن أنه يخطو في عقد الخمسين.. فارع الطول، أسود الشعر، بض الوجه، لاتكاد البسمة الوقور تفارق شفتيه.. ومنذ ثلاث سنوات قدم لنا آخر رواية له بعنوان: /غداً يوم جديد/ فماذا قصد بذلك..؟‏

في الفترة نفسها تلاقينا في إحدى زوايا العاصمة، فأعطاني رقم هاتفه المنزلي، وقال لي: إنه رقمي الجديد، وأرجو أن لاتعطيه لأحد.. إنني مهدد..!‏

لقد كان يعيش هواجس الرعب، وخطر العنف.. ويدرك أن الاغتيال يتربص به في أي وقت...!؟‏

وعندما تلاقينا خلال الأسبوع الثقافي الجزائري بدمشق في نيسان السنة الماضية، كان حزيناً، كئيباً، ثقيل الخطا.. قال لي بالحرف: "إن شريحة جيلنا ستظل دائماً تدفع ثمن مايرتكبه الأوباش من أخطاء.. لقد كتب علينا أن نكون من الضحايا الأحياء، في عهد الاستقلال، بعد الضحايا الشهداء في معركة الحرية السابقة..". وعبر لي عن إعجابه بنهضة سورية.. وتساءل: ماذا ينقصنا حتى نكون في طليعة الدول المزدهرة...!؟‏

لقد كان من حق عبد الحميد، أن يعاني تصورات الرعب، ويتمثل خواطر الإرهاب والعنف، ويتوجس الغدر والاغتيال.. ذلك لأن له تاريخاً حافلاً، يبوئه مكانة مرموقة لاستهداف أي تآمر خبيث..!‏

لقد التحق بجبهة التحرير الوطنية منذ الانطلاقات الأولى للثورة الجزائرية -ثم انضم إلى فريق الإذاعة بتونس عام 1958- وواصل إلى يوم الاستقلال 1962- حيث عاد إلى الجزائر واستمر في مهامه الإذاعية إلى سنة 1977- وقد أذيعت له حوالي مئتي تمثيلية بالإضافة إلى نصوصه الأخرى من قصصية، وشعرية.. وحتى عندما تفرغ للكتابة، لم تنقطع إمداداته الإبداعية للإذاعة الجزائرية والإذاعات الأخرى، العربية، والأجنبية.. أما كتاباته الأدبية الصحفية فقد بدأت انطلاقتها منذ أن نشرت له أول قصة سنة 1952- بعنوان: /حاملو الأزهار/.. ثم أخذ يتربع صدور الأعمدة في المنشورات والجرائد الجزائرية، والتونسية مثل:‏

/النهضة/ و /الزهرة/ و /الصباح/ و/شمال أفريقيا/..‏

وللأمانة التاريخية، أسجل بأنني لم أطلع كثيراً -حتى الآن- على نصوص إبداعية لعبد الحميد، أبرز فيها همومه مع الثورة الجزائرية المسلحة وإبان غليانها حيث كان يعيش في تونس، ملتصقاً، بحدودها اللاهبة...!؟‏

منذ سنة 1960- أخذت المجموعات القصصية لكاتبنا تتصدر رفوف المكتبات مثل /ظلال الجزائر/ و /الأشعة السبعة/.. و /الكاتب/ وغيرها.. كما أن أعماله الروائية كانت قد أخذت في فرض وجودها العربي والعالمي، وصارت دور النشر الداخلية والخارجية تتسابق إلى طبعها، وترجمتها..‏

وهكذا أصبح عبد الحميد الذي يتقن الفرنسية إلى درجة الإبداع الجيد بها، ولكنه يفضل الكتابة بالعربية.. أصبح هذا الاسم لافتاً للانتباه، مثيراً لخلجات الحب، وفي الوقت نفسه -لنزعات الحسد والحقد- خاصة بعد أن ذاع صيته في الآفاق، وصدر له ديوانه الشعري الأول: /الأرواح الشاغرة/..‏

ابن هدوقة، كغيره من المثقفين، ممن نالهم أحياناً بعض الإهمال والتهميش خلال فترات معينة من عهد الاستقلال لم يكن راضياً عن وضعه.. كان كمثقف واع، يحس بمآسي الغبن، ويشعر بنوع من الإجحاف والإحباط، يمس مكانته في نفسه وملكاته في إبداعه.. ومع ذلك فقد كان أحسن حظاً من غيره...!؟‏

كان في أغلب أوقاته محاطاً بالاحترام والتقدير من طرف الجميع.. وقد تدرج في مناصب المسؤولية إلى مرتبة رئاسة المجلس الاستشاري للدولة.. ورئاسة المجلس الأعلى للثقافة وذلك في المنتصف الأول للتسعينيات الراهنة.. ولعل ماكان يزعجه هو حقيقة: /دوام الحال من المحال..‍!/..‏

ابن هدوقة.. كان -يبدو- خجولاً.. منطوياً.. متواضعاً.. أنيقاً، هادئاً، وإذا تكلم أقنع، ويمتاز في كتاباته بأسلوب جميل، أخاذ، رصين.. وبفكر عميق ثاقب.. ولغة قوية مطواعة كان لامعاً..! وكان يمكن أن يحاط بالحب، كما يحاط بالحسد..‏

والده رجل عالم وجيه.. ولد في قريته الصغيرة /الحمراء/ وفي القرية الكبيرة المجاورة/ /المنصورة/ شب عبد الحميد، وحفظ القرآن ودرس مبادئ اللغة العربية، وتعلم في المدارس الفرنسية ثم حوله والده إلى معهد /الكتانية/ بقسنطينة للدراسة بالعربية حيث داوم فيه مدة خمس سنوات، /عبد الحميد من ولاية/ سطيف/.‏

ولاعتبار أنه كان مزدوج اللغة، فقد ساقته الظروف إلى مدينة /مرسيليا/.. ثم إلى مدينة /غرونوبل/ بفرنسا.. حيث أنهى فيها دراسة /علم صناعة البلاستيك/ وعمل في مجال تخصصه لمدة.. ثم عاد إلى مدينة قسنطينة سنة 1949- وبعد ذلك ذهب إلى تونس، ودرس في معبد التمثيل لمدة أربع سنوات.‏

لقد رشحته مواهبه وإمكانياته في اللغة الفرنسية إلى أن يشتغل في إذاعة /باريس/ لمدة سنوات...!؟‏

ولكن جاذبية الثورة الجزائرية، سحبته إلى تخومها في تونس، وأدمجته في إذاعتها الحرة، منذ 1958- إلى يوم الاستقلال، وإضافة إلى ذلك كان منتجاً في الإذاعة التونسية..‏

ابن هدوقة.. أديب جزائري.. عربي، وطني مثقف، نعتز بتاريخه، ونفخر بإبداعاته الجزائرية، العربية الإنسانية الراقية..‏

كتب وحاضر عن هموم الثقافة، والأدب، والمسرح، والسينما، والعادات، والتقاليد، والتراث، والحداثة.. وتفاعل مع إرهاصات المستقبل العربي المأمول..‏

له خمس روايات مطبوعة -على ما أذكر- منها /ريح الجنوب/ و /الجازية والدراويش/ و.. /غداً يوم جديد/ ...!؟‏

مات عبد الحميد بن هدوقة في شهر تشرين الأول 1996- ومنذ بداية التسعينيات حتى اليوم، فارق الحياة -بمختلف الوسائل والطرق- أكثر من اثني عشر أديباً جزائرياً /وهناك شاعر شاب معروف، وقد نسيت اسمه، مات منتحراً../ وبعد.. وفي هذا الزمن الجحود.. ألا يمكننا أن نطلق صرخة واعية، ضد موت الأدباء في الوطن...!؟‏

وليسمح لي الجميع أن أقول: أستغفر اللّه؟‏

24/11/1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244