حوار مع الذات - محمد بلقاسم خمّار

مقالات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:15 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
حضارات

من المؤكد أن أية حضارة إنسانية -مهما بلغت عظمتها، وعبقرية أبنائها، لا يمكن أن تستمر في نموها، وتواصل مسيرتها، وتحافظ على ازدهارها وتطورها، إذا هي انعزلت عن غيرها من الحضارات الأخرى، وانغلقت على نفسها، واكتفت بمواردها الذاتية، وعطاءاتها المحلية الخالصة..

ويشهد التاريخ أن الحضارة العربية. قد بلغت أوج إشراقها في الوطن العربي من بغداد إلى الأندلس. وذلك لما امتازت به من تسامح، وعدل وتفتح على مختلف  الحضارات السابقة، وعدل وتفتح على مختلف الحضارات السابقة، فاستوعبتها، وغربلتها، واقتبست منها ما يتلاءم مع شخصيتها وتطلعاتها.. وبعد التمحيص والنقد. والانتقاء أضافت إليها من عبقريتها العربية ما يواكب العصر. والتطور  الفكري العربي.. وأبدعت بموازاتها ملامح مبتكرة ناصعة، وأسسا ودعائم راسخة لحضارة عربية حديثة رائدة. بهوية مستقلة واضحة، ودلائل متميزة ومناهج وأساليب خاصة، كانت الجسر الأعظم والأوحد الذي انتقلت بواسطته أوروبا والعالم الغربي إلى منافذ عصره النهضوي الحديث، وحقق بفضل الروافد العربية نقلته النوعية الجبارة، من أزمنة الظلام والصراع والانحطاط إلى عهود القوة، والمنعة والتفوق..

وكما شقت الحضارة العربية السالفة، طريقها المتحرر القوي في ظل إبداعاتها، وقيمها وتقاليدها. وسلوكاتها الدالة عليها والمعبرة عن لسانها، وفكرها، وطبيعة أرضها وإنسانها، وتجارب تاريخها الحافل بالخبرات.

انطلقت كذلك  الحضارة الغربية المعاصرة. مع روافدها- متقدمة. متمكنة بفضل إرادة أبنائها، ومواصلة جهودهم للانطلاق والتحرر بالاعتماد على إمكاناتهم الذاتية والخارجية في التأسيس، والإبداع، والابتكار.

ويظل هناك فارق كبير مميز بين الحضارتين العربية والأوروبية.. وهو بينما نجد الحضارة العربية في مرحلة بنائها أو  في فترة تألقها. قد اتسمت بالمواقف الإنسانية النزيهة الصادقة من مختلف الحضارات السابقة كالهندية واليونانية والفارسية وغيرها.. ونفضت عن بعضها الغبار وبسطت أمامها آفاق الإحياء والحياة، وأسباب البقاء والخلود خاصة في مجالات  الفلسفة والعلوم والآداب والفنون وفتحت أبواب العطاء الكريم لكل بني البشر دون تعصب أو تمييز..

نجد بالمقابل أن الحضارة الغربية. قد قامت على نوازع الغيرة. والتعصب، والحسد تجاه الحضارة العربية.. فدمرت جزءاً كبيراً من تراثها وآثارها، وشوهت أجزاء أخرى، واحتكرت بعضها.. ثم في آخر الأمر تنكرت لها، ولم تعترف بوجودها، خاصة في ميادين الفكر، والفلسفة، والتطبيقات العلمية العملية، ولم يشذ عن هذا الموقف التعصبي السلبي إلا قلة من النزهاء الغربيين ممن اعترفوا بفضل العرب على حضارتهم ونهضتهم!

ربما في الماضي.. خلال قرون الضعف العربي والتمزق والجهل لم يكن من المتوقع ولا من الممكن أن يقوم العرب جبهة واحدة للدفاع عن مكانتهم  الحضارية اللامعة في التاريخ.. ولكن الآن.. وبعد أن تحررت جل الأقطار العربية.. وأصبح أبناؤها متمتعين بقدر ما من العلم والوعي. وبإمكانات كافية من الطاقات البشرية والمادية .. الآن، أصبح يتحتم علينا جميعاً أن نعتز بماضينا الساطع، وفضلنا على الغير. وأن نلقي المزيد من الأضواء على تاريخنا الزاخر بالمآثر وأن نقوم في الوقت نفسه باستشراف مستقبلنا وتخطيط صوره. ومساراته، بما يتناسب مع مطامحنا وآمالنا وعلى هدي من أساليب وفتوحات العصر الحديث،  وسمات حضارتنا العربية الخالدة.

الحضارة الغربية في مواقع هامة من أسسها ودعائمها قامت على ما سلبته من المجتمع العربي، فكراً، وديناً، وأرضاً وطاقات بشرية ومادية، لا تعد ولا تحصى.. فنهبوا كنوزنا العلمية الثمينة بعد أن تتلمذوا علينا، وحاربونا باسم الدين المسيحي الذي هو من إشراقات آفاقنا العربية، واستعمروا أرضنا، واستغلوا خيراتها، وسخروا أجدادنا وآباءنا للدفاع عنهم في حروبهم الكونية، والإقليمية ضد بعضهم البعض، وبعد أن وحدوا شعوبهم وأممهم قاموا بتمزيق أمتنا إلى أقطار ودويلات.. وها هم اليوم يقفون حجر عثرة في طريق  قوتنا، وتقدمنا، ووحدتنا، ويكيدون بالدس لثوابتنا، ومقدساتنا وقيمنا..  ويبذلون قصارى جهدهم لإلغائنا نهائياً من سجل التاريخ المستقبلي..!!؟

ولو تأمل أي إنسان مدرك ومنصف - مهما كان جنسه- ما قدمه العرب والمسلمون.. للإنسانية والعالم عبر  مختلف الأمكنة والأزمنة من أفضال، وأياد، وخدمات لا تقدر ولا يحاط بها.. وما قدم الصهاينة والإسرائيليون..!

لأدركه العجب والخجل من كيفيات وأنواع الجزاء السيء الشنيع الذي يلاقيه العرب من قادة  العالم! وما تحظى به إسرائيل من رعاية، ودعم وحماية!؟

ولكن ما يثير العجب والخجل أكثر، هو مواقف بعض الأثرياء من العرب أنفسهم.. ممن نسوا علاقتهم ورابطتهم الحميمية بقومهم وأهلهم. وغفلوا عن مكانة أجدادهم النبيلة الماجدة.. وارتموا بأجسادهم، وأموالهم وأهوائهم، بين أحضان الأقوياء الحاقدين يزيدونهم قوة على قوة، ويساعدونهم بلا وعي، على النيل من نهضة أمتهم.. دون أن يلتفتوا نحو أشقائهم في أغلب أقطارهم وينتبهوا لما يعانونه من مصاعب، ومصائب وأخطار.؟!

-كذلك مواقف بعض مثقفينا المزرية، من تاريخ عروبتهم، ومكانة لغتهم، ووحدة أمتهم، إلى درجة أن وصل الجحود ببعضهم إلى القول: التاريخ إلى المزبلة! والتراث إلى المقبرة! واللغة العربية لا تتماشى مع العصر، ولا تساير التطور .. وما يتبعها من ثوابت التضامن، والعدل والتكامل هي مجرد انفعالات عاطفية، وشعارات خرافية واهية، لا علاقة لها بمنطق واقعية هذا العصر، المتسم بالديموقراطية المطلقة، وحرية الانفصام والانفصال، وتعددية الاختيارات والتناقضات.. وتنوع الهويات والثقافات.. عصر الحداثة الأمريكية، والنظام الوحيد القطب والوحيد، صاحب الحق في أن يفعل ما يشاء في هذا العالم؟!

وأخيراً موقف بعض المسؤولين العرب من أنفسهم ومن قضايا أمتهم الحساسة.. حتى أصبح كل متأمل لتصرفاتهم وحركاتهم  وسكناتهم.. يشعر بهم أو يتخيلهم كأنهم يعيشون في عهود ما قبل سقوط /غرناطة/ يتظاهرون بقشور الهيبة المزيفة،  والبذخ المصطنع، ويتخاصمون  مع أشقائهم وأبناء عمومتهم، ويتحالفون مع أعدائهم، ويواصلون ارتكاب الأخطاء إلى أن يسقطوا قتلى أو أسرى في شباك خصومهم.. حلفائهم.. وتتكرر مأساة أبو عبد الله الأصفر عندما /بكى كالنساء على ملك ضاع. لم يحافظ  عليه كالرجال/...!؟

كل الأقطار العربية اليوم في أشد الحاجة إلى أن نتكاتف ونتساند مع بعضها.. وتترفع عن كل الحساسيات ، والأخطاء السابقة.

سورية.. تحمل الآن راية النهضة الرائدة، والسيادة العربية الكريمة المتحررة  وتتصدر مواكب الطلائعيين لإعادة الاعتبار للأمة العربية في ماضيها، وحاضرها ومستقبلها..

هذا القطر العربي الأبي ألا يستحق مواقف فاعلة أبية من كل العرب.. أغنياء ومثقفين.. ومسؤولين..!؟

ومن العالم كله بكباره وصغاره .. ألا يستأهل التقدير، والإنصاف والمساندة..!؟

الجزائر العربية.. أم البطولات والثورات والتضحيات التي كسرت شوكة الاستعمار في إفريقيا، ورفعت رأس العروبة عالياً، وشحذت عزائم كل الأحرار في العالم.. هذا القطر الذي تكالبت عليه قوى الشر والتخريب من كل مكان.. ألا يتطلب مواقف تضامنية جادة وفاعلة من كل العرب الأغنياء والمثقفين والمسؤولين!؟

ليبيا العربية.. لأنها غنية بطاقاتها وبمطامحها وبإيمانها الثابت بحق العرب في انتهاج سبل تقدمهم وتطورهم وحقهم في وحدتهم وتلاحمهم.. لأنها فتحت صدرها للإنسانية باسم المكارم العربية.. اخترعوا لها سببا تافها- يحدث يومياً في كل مكان -وحاصروها: وعرقلوا تحركها الهادف إلى خير الجميع.. هذا القطر الشجاع.. ألا يستحق أن نفتح له كل قلوبنا للطيران والتحليق في كل آفاق الانطلاق العربي.؟!

وفلسطين.. عصب الحس العربي.. أنتركهم هكذا- أعداء وعملاء- يعزلونها عن المعركة المصيرية الحاسمة، وعن القضية العربية الواحدة.. ويبتلعونها شبرا  فشبرا، ويوماً بعد  يوم، باسم الحرب المشتعلة ضدها تحت رايات السلام!!؟

.. ومصر.. واليمن. وكل الأقطار العربية.. ألا يجدر بالعرب من أغنياء.. ومثقفين، ومسؤولين إن يشرعوا أذرعهم،  ويوحدوا فكرهم القومي ويحتضنوا بعضهم متسامحين، متعاونين، حتى يبدعوا حداثة عربية أصيلة، وعصرنة عملية ناجعة، وينقذوا شعوبهم من الذوبان والضياع.. ويتركوا للأجيال القادمة، فرصة للشكر، ومجالاً للامتنان،  ولفتات للتقدير، والاحترام..!؟

والأجيال القادمة هم أبناؤنا.. وأحفادنا! أيها الأغنياء العرب.. على الأقل.. فكروا قبل الانفاق.. أين تضعون  أموالكم؟.. ولماذا؟.. وما الفائدة النظيفة والشريفة التي سيتحدث  عنها التاريخ بعدكم..!؟

-ويا أيها المثقفون.. يكفينا تمظهرا بالنجومية المسروقة من سماوات الآخرين.. وتبني آرائهم، وأسمائهم في ما نكتب أو نقول!.

يكفينا اصطناع /التنظيرات/ المستمدة من مدارس الغير وتطبيقاتها على حساب أساسيات كياننا، وسيادة أمتنا، وهوية شخصيتنا وثوابت شعبنا ووجودنا.. لنقتبس.. ولكن لنتحرر أيضاً ونبدع من صميم أعماقنا، وأحلامنا..؟!

ويا مسؤولون.. اتقوا الله والتاريخ.. في أنفسكم وشعوبكم وسيكون التوفيق حليفكم، وحليف كل الأوفياء للوطن.

ثقافة الطفل الجزائرية بين الأمس واليوم

الطفل.. هو حصيلة امتداد الماضي،  بما فيه من سعادة وشقاء.. أو آمال وآلام.. وهو ربيع الحاضر المغشى بالأشواك أو الموشّى بالرياحين والورود.. وهو  مرآة المستقبل التي قد  يعكس الواقع صورتها، فنراها باهتة كئيبة، أو ناصعة جميلة، مكللة بالانتصارات والأمجاد..

والطفل.. منذ أن وجدت البشرية فوق هذه الأرض، كان دائماً محور الحب والعطف، والحنان،  انطلاقاً من حكمة قانون البقاء، وسنن استمرارية الحياة، بما فُطرت عليه الغريزة الطبيعية للأمومة والأبوة،  من حماية، وتنشئة ومتابعة.. إلى ما يخطى به الطفل من رعاية ذوي القربى وأهل العشيرة.. إلى ما يلاقيه من عناية وتربية وتوجيه من طرف مجتمعه، والقائمين عليه.. إلى ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية حالياً، بعد بزوغ فجر التيكنولوجيا وتطور الدراسات المستقبلية التي أصبح بإمكانها أن تخطط،  وترسخ بدقة الحياة المنشودة للأجيال،  وأن تحقق لهم كافة الظروف التي تتناسب مع حاجات العصر، ومتطلبات المرحلة، وتلبي كل الأهداف الرامية إلى توفير القوة، وإحكام السيطرة، وتحقيق السيادة.

وإنه لمن الصعب أن نحصي أو نلخص ما عاناه الأطفال الأبرياء في هذا  العالم، من ويلات الظلم، والاضطهاد، والتمييز، ومن شرود الجهل والمرض والفقر، ومن كوارث الطبيعة، ومصائب الحروب..

وعندما نلتفت إلى ماضي الطفل الجزائري.. فقد لا نجد فرقاً كبيراً بينه، وبين وضعية الطفل في المغرب العربي أو الوطن العربي بصفة عامة، وخاصة بعد إشراقه شمس الإسلام،  حيث أن أغلب العوامل المؤثرة  اجتماعياً، وتربوياً وثقافياً متشابهة  بحكم وحدة  اللغة والدين، والقيم والتقاليد والعادات.. وبحكم المسار التاريخي المشترك،  والتماثل أو التكامل البيئوي والجغرافي، والتواصل الفكري والعملي بين كل المواطنين العرب..

غير أن كارثة استعمار الجزائر من طرف فرنسا، في بداية العقد الرابع من القرن التاسع عشر،  كانت نقطة تقهقر جذري في وضعية الطفل الجزائري، حيث تم عزله نهائياً عن كل أشقائه وجيرانه وأطفال العالم، وبدأت عملية إغراقه في بحر موحش متلاطم، من القهر، والجهل، والحرمان.

لقد بُليت -بعد الجزائر- أقطار المغرب العربي، والمشرق، بآفة الاستعمار.. إلا أن نوعية استعمار الجزائر، كانت بعيدة الاختلاف، في الغايات والأساليب والنتائج عن كل الأقطار العربية الأخرى، المستعمرة..!

لقد كانت غاية الاستعمار الفرنسي في الجزائر هي أن يمحقها تماماً من الوجود، وأن يستبدلها بفرنسا جديدة، قلباً وقالباً.. وذلك لا يتأتى له إلا باجتثاث النسل الجزائري من جذوره، بتدميره جهلاً ومرضاً وتشريداً وقتلاً.. أو على الأقل بتنصيره، وتهجيره، وتشويه شخصيته، وهذا ما تعرض له الطفل الجزائري وعاناه، طيلة قرن وثلاثين سنة من حكم الاستعمار.

عندما غادر الاستعمار الفرنسي الجزائر سنة -1962- كانت نسبة الأمية بين الذكور الجزائريين أكثر من 90% أما بين  الجزائريات فقد تجاوزت 96% وكان المشردون عن وطنهم أو منازلهم  يعدون بالملايين!.

ربما  من حسن حظ الشعب الجزائري إبّان الاستعمار أنه -بدوافع من الحقد والاستغلال والتمييز العنصري، تم طرده من مدنه وأراضيه، ورمي به فوق قمم الجبال، وبين شعابها،  وداخل أعماق الصحارى، وسط سيوف رمالها، حيث اضطره شظف العيش إلى الاعتماد على جهده الذاتي، وإمكانياته التقليدية البسيطة في تدبير أمور حياته. وأكد ودعم بذلك سر بقائه، ومعجزة تصديه ضد كل عوامل الإبادة  والفناء. والفضل في  ذلك يرجع إلى عبقرية الشعب النابعة من خبرته في الصراع، وتمرسه على العمل، ومن قيمه الخالدة والمتمثلة في الإيمان بالله ، وكتابه وسنة رسوله.. والتشبث  بالتقاليد والعادات الجزائرية الكريمة العريقة.. والعربية النبيلة الفاضلة.. وبكل خلال الصبر والمقاومة، والثبات..

وقد كان الأطفال الجزائريون هم العُرى الوثيقة التي ربطت قيم الشخصية الوطنية بأبنائها، جيلاً بعد جيل، وكانت المرأة الجزائرية هي الحامية والمحافظة  على هذه الروابط المقدسة.

كل الجزائريين تقريباً.. ينظرون إلى أطفالهم على أنهم كبار في مسؤولياتهم وسلوكاتهم، وإن كانوا صغاراً في أحجامهم.. الطفل كالرجل،  والطفلة كالمرأة عليهم واجبات الطاعة ،  عند الاستطاعة،  ولهم حقوق الرعاية والحنان.. وكأنهم يتمثلون قول الشاعر العربي:

تخرّ له الجبابر ساجدينَ

 

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيّ

  وقول حطّان بن العلي:

أكبادنا تمشي على الأرضِ

 

وإنما أولادُنا بيننا

لامتنعتْ عيني من الغُمْضِ

 

لو هبّتِ الريح على بعضهمْ

-ومن هنا، كان الأطفال يحظون بمتابعة ذويهم،  فيحفّظونهم القرآن الكريم، ويعلمونهم مبادئ الدين واللغة، داخل الزوايا والمساجد،  ويسمحون لهم بممارسة بعض الألعاب،  والتمتع بحكايات المسنّين، وتحصينهم  بتلقينهم الحكم، والأمثال الشعبية، وتكوينهم في أشغال الصناعات والحرف  التقليدية، وتلقينهم فنون الزراعة والتجارة إلى جانب فنون الفروسية، والدفاع عن النفس، وذلك حسب ما يتناسب مع الوضعية الاجتماعية،  لكل مجموعة أو عائلة.

وكانت أفراح الأطفال تصل ذروتها- إذ يتضاعف تكريمهم والإحتفاء بهم، خلال مناسبات الأفراح بالولادة، والختان، وفي الأعياد، والاحتفالات الدينية والموسمية، وعند اختتام حفظ القرآن الكريم أو أحزاب وسوّر معينة منه، وكذلك عندما يقوم الأطفال بأي عمل يستحقون الشكر عليه.

ولم يكن هناك، ما هو أقسى وأمر على نفس الجزائري، من أن يرى طفله مهاناً أو جائعاً، أو مريضاً.. مما قد يدفع به حتى إلى القتل أو الموت من أجل إنقاذ فلذة كبده.. اللهم إلا في حالة التعارض بين الشرف أو الولد، فإن الاختيار لا يكون إلا للشرف.

كل جزائري يتمنى أن يكون ولده أحسن منه، حياةً ومستقبلاً.. وكانت المرارة، تكتسح قلب كل أب يرى ابنه لا يقرأ أو لا يكتب.. ولكن ما الحيلة، وقد أغلق الاستعمار كل أبواب المعرفة والعلم في وجوه الأطفال الجزائريين وفتح أمامهم، أبواب التشويه، والانحراف والتدمير..؟

لقد عمدت فرنسا -منذ بداية الاحتلال- إلى فتح المدارس الابتدائية في المدن لتعليم بعض الأطفال الجزائريين. وقد اتسمت خطتها التعليمية تلك بصفات معينة نذكر منها:

1-كان الهدف من تعليم الأطفال الجزائريين، هو نشر اللغة الفرنسية، بنيّة تعميم استعمالها، للقضاء على اللغة الوطنية العربية، ثم لتسهيل عملية  التفاهم في التخاطب مع الجزائريين، لتيسير أساليب استغلالهم كمستخدمين.

2-كان المستعمرون مختلفين في موضوع تعليم الجزائريين، فبعضهم ومن بينهم رجال الكنيسة، يرون ضرورة نشر اللغة الفرنسية بين المواطنين  تسهيلاً لتنصيرهم، وإبعادهم عن مقوماتهم العربية الإسلامية.. بينما كان البعض الآخر، يخالف ذلك، ويرى في تعليم الجزائريين خطورة بالغة، ويحبذون أسلوب تجهيلهم، وتصفيتهم ثقافياً وجسدياً، حتى يتم القضاء النهائي عليهم.

    وقد أدى هذا الاختلاف في وجهتي النظر إلى تذبذب عملية التعليم الفرنسية، وتأرجحها الدائم في الضعف، والتوقف.

3-كان عدد الأطفال الجزائريين في المدارس الفرنسية، لا يمثّل إلا نسبة ضئيلة بالمقارنة مع أطفال الأقلية الفرنسية في الجزائر.

4-كانت المناهج والبرامج التعليمية الخاصة بالجزائريين، تختلف في مضمونها وأساليبها،  ووسائل تحقيقها اختلافاً كبيراً عما كانت عليه في المدارس الخاصة بالأطفال الفرنسيين.

5-كان أغلب الأطفال الجزائريين، لا يسمح لهم بأن يتجاوزوا في مراحل تعليمهم. مستوى الشهادة الابتدائية مهما كان مبلغ اجتهادهم، أو درجة تفوقهم!

6-كانت المدرسة الابتدائية الفرنسية الخاصة بالجزائريين مفرنسة 100% وفي مادة التاريخ كان الطفل الجزائري مجبوراً على قراءة مثل هذا النص: "بلادنا قديماً تسمى الغال /le gaule/ وأجدادنا يسمون: الغاليون /les gaulois/..!؟".

7-وطبعاً لم تكن هناك أية علاقة إنسانية، تربط بين الطفل الفرنسي والطفل الجزائري، مما جعل بينهما هوة سحيقة من التنافر، وسوء الظن. وانطلاقاً مع بداية الحرب العالمية الأولى أخذ الوعي السياسي الوطني يتنامى ويتضاعف بين الجماهير.. وكانت سنة 1913، بداية التحرك الفعلي لرائد النهضة الجزائرية الإمام عبد  الحميد بن باديس الذي أرسى قاعدة التعليم الجزائري الحرّ، وبدأ عملياً بالتدريس في مدينة قسنطينة، ثم تأسس حزب الشعب الجزائري، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.. وأخذت المدارس العصرية الجزائرية الحرة تنتشر في المدن والقرى، رغم الملاحقات الشرسة لها، ولمعلميها بالإغلاق، والتهديد والسجن من طرف الحكام الفرنسيين.

ورغم صدور قانون 24 ديسمبر 1940- الذي ينص على منع تعليم الأدب العربي بجميع فنونه، ومنع تدريس التاريخ والجغرافية المتعلقين بالجزائر والعرب والمسلمين، ومنع تعليم المواد العلمية، والرياضية ومنع تفسير القرآن،  وخاصة الآيات الداعية إلى الجهاد، والتضحية، وباختصار منع التعليم بالعربية منعاً شاملاً وباتاً، إلا برخصة من الصعب أن تُمنح.. ولكن إذا منحت،  يمكن سحبها بسهولة، وفي أي وقت!

رغم كل تلك الإجراءات والملاحقات المصحوبة بالظلم، والقمع، والعقوبات القاسية، فقد شق التعليم  الجزائري الحر، طريقه بقوة، وبصعوبة، وصبر، إلى أن أصبح عدد المستفيدين منه من الأطفال  الجزائريين يقارب المائة ألف طفل جزائري، تلقوا جميعهم معارفهم من طرف معلمين وطنيين مناضلين، لقنوهم في السر والجهر، كل مبادئ الجهاد والحرية، والوفاء للوطن. وهنا يجدر بنا أن نشير إلى المساهمات الأساسية والفعالة في العناية بالأطفال، وتثقيفهم وتوجيههم إلى تلك الجمعيات والتنظيمات الوطنية، من ثقافية، وفنية، ورياضية، وفي مقدمتها منظمة الكشافة الإسلامية الجزائرية، التي كانت أهم مدرسة تربوية وتكوينية هادفة، في تنشئة الأجيال وإعداد المجاهدين الشجعان.

كما لا ننسى ما قدمه معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة، وبعض المعاهد الوطنية الأخرى، وكذلك جامع الزيتونة وفروعه بتونس، وجامعة القرويين بالمغرب ومدارس وجامعات المشرق العربي... لا ننسى ما قدمته هذه المنارات العلمية الزكية من خدمات جليلة لتعليم النشئ الجزائري، وتوعيته، وإعداده خير إعداد.

أما في مجال الكتابة للأطفال أو عنهم.. فإنه من النادر أن نجد كاتباً أو شاعراً جزائرياً لم يمنح جزءاً من اهتماماته وأوقاته الفكرية الإبداعية لأطفال الوطن.

ربما قد لا نجد كاتباً تفرد بسرد ذكريات طفولته كما فعل طه حسين في كتابه /الأيام/ إلا أن الإشارات إلى أحزان الطفولة المعذبة، وأحلام الصبا، وذكريات الماضي بحلوها ومرها.. كانت تقريباً هاجساً دائماً يحرك مشاعر وأقلام أغلب الكتاب الجزائريين..

ومنذ الأمير عبد القادر الجزائري، قائد الجهاد الأول، الذي كان يناجي قرينته في شعره، ويناديها /أم البنين/ إلى رائد النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس الذي عقد كل آمال الشعب الجزائري في نهضة أطفاله، حيث يقول في نشيده الخالد:

وإلى العروبة ينتسبْ

 

شعب الجزائر مُسْلِمُ

***

وبك الصباح قد اقترب

 

يا نشءُ أنت رجاؤنُا

وخض الخطوب ولا تهب

 

خذ للحياة سلاحها

فمنهم كل العطب

 

واقلع جذور الخائنين

فربما حيّ الخشب

 

واهزز نفوس الجامدين

السمّ يمزج بالرهب..

 

واذق نفوس الظالمين

 ***       

إلى أن يقول:

تحيا الجزائرُ والعربْ

 

فإذا هلكتُ فصيحي:

ويتضاعف عدد الشعراء، ويتوالى إنشادُهم وتمجيدهم لأطفال الجزائر، الذين يتوسمون فيهم وحدهم، طوق النجاة، وابتسام المستقبل، وضمانة الحياة الكريمة، المتوجة بالنصر، والحرية، والنهوض.

وفي مقدمة هؤلاء الشعراء: مفدي زكريا، ومحمد العبد آل خليفة، والجيلالي بالعابد، وأبو اليقظان، والطيب العقبي.. وغيرهم كثيرون، مما كان لأناشيدهم فعل اللهب في تأجيج الحماس الوطني: ورفع المعنويات، خاصة عندما تنطلق تلك الأناشيد المنغّمة من حناجر أطفالنا الصغار، الذين كانوا بالفعل من خيرة المحرضين على اندلاع الثورة، وطرد المستعمرين.

وعندما يرد اسم الثورة، يجب أن نسجل بكل فخر واعتزاز، تلك الأدوار البطولية الرائعة، التي قام بها أطفالنا إبان جهاد آبائهم خلال الثورة المسلحة.

لقد كان الطفل الجزائري، وهو من شهور ميلاده الأولى، يحمل بين طيات قماطه، على ذراعي أمه رسائل ووثائق، ومتفجرات ومسدسات.. لتبليغها إلى المجاهدين.

وكان الأطفال من سن السادسة إلى الرابعة عشرة من عمرهم، ينقلون الأخبار إلى المجاهدين، ويساعدونهم على اكتشاف مواقع العدو، ويحملون إليهم المؤونة والمعلومات داخل سلالهم، ومحافظهم، وجلابيبهم، ويقومون بحراستهم في مخابئهم، عند ساعات الاستراحة، ويمدونهم بكل عبارات التشجيع، وإشارات الحب والإعجاب.

أما بعد سن الرابعة عشرة فما فوق، فقد كان أطفالنا، يحملون السلاح، ويقاتلون إلى جانب الثوار، داخل الأحراش والجبال، وبالإضافة إلى مهامهم -إذا كانوا متعلمين- في الكتابة، والتسجيل والقراءة.

ولعله من الصعب أن نحصي قصص وبطولات وإنجازات وتضحيات الأطفال الجزائريين خلال الثورة المسلحة..

ومن المعلوم أن أهم الأفلام الجزائرية الطويلة والجيدة التي أنتجت بعد الاستقلال، قد ركزت على هذا الجانب لأهميته، ومصداقيته، وجعلت من بطولة الطفل الجزائري موضوعاً أساسياً لها.

لقد كان الطفل الجزائري قبل الاستقلال، محور اهتمام الكثير من الشعراء، والكتاب والخطباء، من رجال الثقافة والسياسة والدين في الجزائر.. وكانت دوافع اهتمامهم ترتكز على مواضيع كثيرة، منها:

1-التعبير عن مشاعر العطف، والحب، والحنان، والاعتزاز بالطفولة كامتداد طبيعي جميل للأمل والحياة.

2-الإشفاق والتوجع في حالة ضعفهم أو احتياجهم أو مرضهم.. ورثاؤهم بمرارة في حالة الموت.

3-التعبير عن الشوق الدائم، والاحتراق المؤلم، عند الغربة والفراق..

 

4-النظر إليهم كرمز للأمل، ووسيلة للإنقاذ، وتفاؤلٍ بالمستقبل الزاهر المنشود.

5-اعتبارهم كمصدر فعّال، للاستنفار، وبعث النخوة، والحميّة، وإذكاء روح الحماس، من أجل الثأر لهم لما يعانونه من قهر، وعنصرية، وحرمان من طرف المستعمرين.

6-التوجه إليهم بالتنبيه، والتحذير، والدعوة إلى التسلح بالأخلاق الفاضلة، والسلوك القويم، والثبات على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والتقاليد الوطنية السامية.

ومن عادات الأسر الجزائرية أنهم يقيمون الولائم والأفراح إذا ازدد عندهم ولدٌ ذكر، ويعتبرونه دليل خير على استمرارية النسل، وعمران الدار، وقوة العُصبة.. ويبتهجون أيضاً إذا ازدادت بنت، ويتفاؤلون بأنها ستكون وجه سعد، وبشارة نجاح لأسرتها..

أما المنزل الخالي من الأطفال، فهو منظور إليه كالطلّل، يوحي بالكآبة والوحشة، وغالباً ما يكون نذير شؤم لإحداث المشاكل الزوجية ووقوع الطلاق.

وبعد استقلال الجزائر عظمت واتسعت دوائر الرعاية والاهتمام بالأطفال، حيث شملت مختلف الميادين الاجتماعية والصحية، والتعليمية والتكونية والثقافية، إلى درجة أن الجانب الأكبر من ميزانية الدولة ينفق من أجل الأطفال، الذين يشكلون أضخم نسبة عددية بين السكان، هذا بالإضافة إلى نفقات الأهل، والمؤسسات الأخرى المعنية بالأطفال وبوسائلهما الذاتية الخاصة.

ولكن مع الأسف- هناك ثغرات وأخطاء كثيرة، ورهيبة، كانت السبب في إحداث عكس النتائج المرجوة من كل هذه الاهتمامات والنفقات مما عاد على أطفالنا بالكثير من السلبيات والنفائض التي ربما لم تكن في الحسبان.

ومن بين هذه الأخطاء والثغرات ما يلي:

1-أغلب المبالغ المالية الضخمة، المخصصة في ميزانية الدولة من أجل تعليم وتكوين الأطفال، تصرف على المستخدمين وإطارات التعليم، وتأثيث وتهيئة المؤسسات، ولا يبقى سوى جزء بسيط يخصص للأطفال مباشرة، مما لا يفي بحاجاتهم التربوية، والنفسية، والجمالية.

2-هناك مبالغ مالية هامة، تصرف في مجالات التسلية السطحية ذات المردود الضعيف، والتي لا تؤثر أي تأثير إيجابي في تكوين شخصية الطفل.

3-وحتى النفقات الباهظة التي يقدمها الأهل من أجل تنشئة أولادهم، في الغالب تكون غير مرشدة، ولا تخضع لأية منهجية أو تخطيط.. مما قد تكون لها نتائج عكسية، تؤثر سلباً في مستقبل الطفل، خاصة إذا كانت تلك النفقات مكرسة لتدليل الطفل، وإغراقه في مظاهر الرفاهية والبذخ المفرط.

4-اقتصار المدرسة الجزائرية على التعليم، دون الاهتمام الكبير بالجوانب التربوية.. وطنياً وأخلاقياً وجمالياً.

5-الازدواجية اللغوية في التعليم الابتدائي، وتغلب الفرنسية على العربية، خاصة قبل وجود المدرسة الأساسية.

      وقد أدى ذلك إلى البلبلة والتشويش في أذهان الكثير من الأطفال الذين لا يلمسون أي انسجام بين لغات الأسرة، والشارع، والمدرسة، مما أدى ببعثهم حتى إلى أمراض التأتأة، وعيوب النطق، وسببت لهم في إحداث بعض العقد النفسية الخطيرة.

6-الكثيرات من أمهات ونساء المدن يحبذون -لعقدة نقص- التخاطب باللغة الفرنسية، ولو كنّ لا يتقنّها جيداً وقد أدى ذلك إلى نفس الأمراض السابقة، بالإضافة إلى إحداث فوارق في طرق التعبير، وفي نمط السلوك والتصرف بين أطفال المدن، وأطفال القرى والأرياف.

7-عدم الاستقرار في برامج ومناهج المنظومة التعليمية، حيث ظلت المدرسة الجزائرية، عرضة للتبديل والتغيير، وأصبح أطفالنا ضحيةً للتجارب المتكررة، نتيجة للاختلافات في الآراء، والتوجهات الشخصية.

8-لم تعتن المدرسة الجزائرية كثيراً بتعليم الآداب والفنون، والتربية الدينية، والوطنية، وترقية الذوق الجمالي والحس المرهف لدى الأطفال، وحتى النصوص المختارة التي تقدم لهم- رغم قلتها- لم تكن منتقاة بطريقة ذكية ومتطورة وفعالة.

9-الكثير من الحصص الإعلامية، المبرمجة للأطفال، تقدم لهم أحياناً باللغة الدارجة أو بفصحى مليئة بالأخطاء التعبيرية.

10-وأغلب الحصص المتلفزة من أشرطة علمية أو ترفيهية، خاصة بالأطفال، تُعرض عليهم باللغة الفرنسية..؟

11-غياب مسرح العرائس /الكاراكوز/ نهائياً- وترفّع الكثير من الممثلين الجزائريين وكذلك الممثلات، عن المشاركة في المسرحيات والبرامج الخاصة بالأطفال!

12-الآن.. لا يوجد منزل جزائري تقريباً- لا يشاهد أطفاله أغلب البرامج التيلفزيونية الفرنسية والأوربية بواسطة الهوائيات المقعّرة /البارابول/ رغم ما تحمله من تناقضات وتوجيهات سيئّة.

13-هناك جمعيات خيرية ناشطة، ومتمتعة بدعم إعلامي كبير، مهتمة بالأطفال اللقطاء، والمعوّقين، وهذا شيء عظيم، ومحبب.. ولكن ما يثير الانتباه هو قلة أو انعدام الجمعيات التي تهتم بالأطفال الأسوياء، والمتفوقين.

14-ندرة رياض الأطفال رغم كثيرة أولئك الصغار الأبرياء الذين يعانون من ضيق السكن، واشتغال الوالدين أو ضعف أحوالهم المادية.

15-ضعف الاهتمام بأناشيد الأطفال العربية الجميلة، وشيوع انتشار الأغاني العامية، والبذيئة أحياناً خاصة داخل المخيمات الصيفية، وأثناء الرحلات والتجمعات الرياضية.

16-بدء انتشار الأناشيد باللهجات المحلية، مما قد يفرق بين أطفال الوطن الواحد، في الذوق، والوعي، ويؤدي بهم إلى عدم فهم بعضهم البعض.

17-الغياب التام لدور الكبار في الشارع، مما نفى سلطة المجتمع، فلم يعد له أي مفعول في التوجيه أو النقد، أو أي تدخل بالنهي أو الأمر- بالنسبة لتصرفات الأطفال غير اللائقة خارج منازلهم.

18-تفاقم انتشار الآفات الاجتماعية، والعادات السيئة بين الأطفال، مع انعدام المراقبة.. والردع..

19-انعزال الأطفال الجزائريين عن أشقائهم الأطفال في المغرب العربي أو الوطن العربي بصفة عامة، حيث لا يوجد أي اتصال أو تواصل منظم، ولو بواسطة الكتب والمجلاّت والبرامج الإعلامية المفيدة.

      ومن المدهش أن طلابنا المتفوقين في نيل باكولوريا /1993/ كانت مكافأتهم، رحلة سياحية إلى فرنسا..!؟

20-ومن بين الثغرات العميقة في بنية الطفولة الجزائرية، انتشار الأمية، وظاهرة تسرب الدراسين، لأسباب اجتماعية واقتصادية وثقافية، ونتيجة لضعف الوعي وإشاعات المؤامرات الحاقدة ضد أجيالنا، كقولهم: ماذا تفيد الشهادة العليا، والأغنياء بدون شهادات!؟

ومن المؤلم أن عملية التسرب هذه، شملت حتى الطلاب الجامعيين، حيث يغادرون مدرجاتهم، رغم توفر أسباب النجاح لهم، بحجة أن الشهادات العليا أصبحت لا تنفع.

وهنك بالطبع ثغرات وأخطاء أخرى لا يتسع المجال لذكرها جميعاً، خاصة ما يتعلق منها بالكفاءة والإشراف، والتسيير، وعدم الاستقرار، واستيراد النظريات والتجارب من الشعوب الأخرى، بدون تماثل أو تكافؤ أو حذر..

أما بالنسبة للكتابة الموجهة مباشرة إلى الأطفال، فهي بصفة عامة قليلة، ودون المستوى المطلوب.

ونشير إلى أنه -وإلى حد الآن- لا يوجد في الجزائر، كتاب أو شعراء، متفرغون للكتابة إلى الأطفال، على غرار ما نشاهده في كثير من الأقطار العربية، ولو بنسبة أقل من عظمة الكاتب الكبير كامل كيلاني، أو الشاعر العبقري سليمان العيسى.. والقاص زكريا تامر.

ومع ذلك فالأدباء الجزائريون، قد أعطوا منذ الاستقلال اهتماماً محسوساً في محاولات الكتابة للأطفال شعراً ونثراً.. وفي مقدمة هؤلاء، الشعراء:

-محمد الأخضر السائحي.

-جمال الطاهري

-بوزيد حرز الله

-كاتب هذا الموضوع

-وشعراء آخرون، غابت عني أسماؤهم الآن، ومجموعة من الكتاب، وخاصة كتاب القصة القصيرة.

كما أن أغلب الصحف والمجلات الجزائرية دأبت بصفة شبه دائمة، إلى تخصيص ركن بين صفحاتها موجه للأطفال.

وقد قامت الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ثم المؤسسة الوطنية للكتاب، بإصدار مجموعات ومسلسلات، من الكتب، والمجلاّت المصورة الموجهة للأطفال.

وكذلك فعلت بعض المؤسسات المستقلة والخاصة بالطباعة، والنشر. ولكن ما لا يلاحظ على كل هذه الإصدارات الخاصة بالأطفال هو أنها:

1-متقطعة الصدور، وغير متواصلة، إذ نجد كثيراً من العناوين بعد أن تستقطب حولها الأطفال، لمدة سنتين أو ثلاث. نختفي فجأة، ولا يرى لها بعد ذلك أثر..

2-بعض المنشورات، وخاصة المجلات المصورة التي تتناول الحكايات، والقصص القصيرة، وألعاب التسلية، نجدها في الغالب، ضئيلة المحتوى، سطحية الموضوع، خالية من أي تأثير دائم في نفسية الطفل، أي يزول مفعولها، بمجرد الانتهاء من قراءتها.

3-تغلّب الجانب التجاري على الجانب التثقيفي التربوي، بالنسبة

    لبعض المنشورات المبالغ في زخرفتها على حساب مواضيعها. وخاصة تلك الكتب والمجلات المستوردة من لبنان، والتي غالباً ما تكون مترجمة أو مقتبسة من الكتابات الأجنبية.

4 ـ غلاء أسعار مجلات وكتب الأطفال، بحيث لا يكون في استطاعة أي طفل شراؤها.

5 ـ سوء التوزيع على المستوى الوطني، مما يجعل بعض الولايات محرومة من رؤية الإنتاج الخاص بالأطفال.

6 ـ يلاحظ كذلك في محتوى مايقدم للأطفال، عدم تخصص الكتاب في ذلك، وعدم تمكنهم من علم النفس، والتربية،  والثقافة الأدبية الجمالية، بصفة عامة.

وهذا ما أدى ببعض الكتاب إلى تناول قضايا مستقبل الطفل، بالأسلوب الخطابي المباشر، وبوسائل الأمر والنهي... وتناولوا موضوع التوجيه الأخلاقي الديني، على طريقة الوعظ  والإرشاد، ... وعالجوا مسألة التثقيف اللغوي والعلمي، بطريقة الشرح المدرسي الكلاسيكي،.... وتطرقوا إلىتربية الخيال،بواسطة الخرافات... والأساطير، التي تجعل النبات والجماد يتحدث،... والأحلام كالواقع الملموس.

 ـ أما اختبارات الذكاء والتسلية، فهي لا تعدو بعض الألغاز القديمة، والصور والأرقام الخفية، والأخطاء السبعة، والكلمات المتقاطعة....!.

وإن الطفل الجزائري مازال إلى حد الآن يجعل الكثير من آداب بلاده، ومعالمها،ومآثرها، وملاحم ثورة التحرير المليئة بكنوز الأدب والفكر...

أما بالنسبة لمعرفة المغرب العربي، أو البلاد العربية، فالطفل الجزائري، بصفة عامة، يجعل عنها كل شيء.

إن أطفالنا اليوم في ذكائهم. واتساع مداركهم العصرية العامة، وفي اتصالهم الدائم بالإعلام الثقافي الأجنبي وفي مطامحهم. وتطلعاتهم للمستقبل ـ إنهم اليوم، غير أطفال الأمس... وهم رغم ما ينعمون به من سيادة وحرية. فهم أكثر حيرة وقلق، وشقاء من أطفال الأمس المستعمرين...‍‍!.

إنهم في أشد الحاجة إلى ما يرقى بسلوكهم ويهذب أذواقهم، ويوجد أفكارهم وأنظارهم، ويلبي حاجاتهم اليومية، ويجيب عن تساؤلاتهم البريئة، ويحبب إليهم  أرضهم وشعبهم، وينمّي فيهم قوة الاعتزاز بالنفس وحرية الشخصية، والثبات على الأصل.

إنهم مستقبلنا المنشود، فلنعمل جميعاً على بنائه والظفر به، من أجل البقاء الكريم الأفضل لوطننا.

- مجلة / الثقافة السورية.

- مطلع- 1996.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244