حوار مع الذات - محمد بلقاسم خمّار

مقالات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:15 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تأملات عربية، في الحاضرة والوجود!..

الحياة تتواصل جارية متدفقة، كنهر فيضاني جارف، لا يمهل، ولا يرحم...‏

والأيام تتوالى متسارعة، متطايرة، كفقاعات رغوية فارغة.. لا قيمة لها، ولا هدف....‏

والساعات في زمننا المحلي، لم يعد لها وجود في الإحساس ولا إحساس في الوجود...‏

ومع ذلك فالزمن خارج محيطنا العربي لا يفتأ يشغل جزءاً من اهتمامه اليومي، بالحديث عنا عن خلافاتنا وتمزقنا، عن الإرهاب وإسلامنا، عن إسرائيل وعروبتنا... عن الأحلاف ضدنا، وسرقات أراضينا، ومياهنا، وبعض رجالنا.. عن بناء المستوطنات والتطبيع، وإقامة المؤتمرات واللقاءات الودية مع الأعداء والفساد...‏

ومن الأكيد أننا منذ نصف قرن تقريباً، ونحن -كعرب لا حول لنا ولا دخل ولا إرادة، في صياغة أفكارنا ولا في صنع أحداثنا، ولا في موتنا أو حياتنا، ولا حتى في أحلامنا وإذاعة نشراتنا الإخبارية... كل شيء أصبح مفروضاً علينا من الخارج ومن تدخلات أمريكا وإسرائيل بالتحديد وفي الأغلب. ونحن كل مايمكننا القيام به وهو رد الفعل المباشر أو /الشرطي/ البافلوفي/ فقد يكون هذا الرد إيجابياً منا، فنرفض ونتمرد، ونتحمل العقوبات، ونستشهد. ونطالب دون خوف أو خجل. بالوحدة والتضامن... وقد يكون رد فعلنا سلبياً، فنتخاذل ونهرول، ونطعن /المنطق/ فنجعل /عدو الصديق أو الشقيق صديقاً أو شقيقاً/ ونفتح له بين منازلنا /دوحة/ للظلال والتأمل. والاستعداد. ونمثل كل أشكال الانبطاحات!...‏

كل يوم يولد مئات الآلاف من أبنائنا بين ظهرانينا وكل يوم يموت مئات الآلاف من أفراد هذه الأمة المظلومة ومن يولد، ومن يموت كلاهما يجهل مصيره... ونحن الأحياء نعيش كل لحظة من بقايا أعمارنا، تحت سياط التساؤل المرعب.... كيف سيكون مستقبلنا، هذا الغريب المجهول الخارج عن إرادتنا..؟!...‏

بالأمس، ودعنا الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري إلى مثواه الأخير، بعدأن أقام في هذا الزمن الغبي مايقرب من مئة عام... فماذا جنى من حنين مطامحه... وماذا اقتنى من رصد مستقبله وملامحه... وماذا أخذ معه للسابقين من صور عربية نورانية ملوّنة، تزكي عمره، وتتوج شعره وتثلج صدره وتجعله بين الخالدين مطمئناً سعيداً، يباهي بفخره، وبشره وقومه!؟...‏

أتخيل أن الفقيد العظيم، الجواهري سيصافح أهل الفردوس خجولاً حزيناً لا من نفسه، فقد أعطى وناضل وأبدع كأي عبقريي ملتزم بطل ولكن من بعض /النوابض/ في قلب أمته العربية.. ممن حولوا دفق دمائهم إلى غير مجاريها، واستعاروا أوردة مطاطية، اصطناعية أصبحت هي المحرك لهم وقضت على كل مابين الشياطين وبينهم من حواجز وفروق...؟!...‏

وسيكون خجولاً حزيناً أيضاً من كل العرب والمسلمين الذين فارقهم... وتركهم أحياء دون أن يحركوا ساكناً وإهانة رسولهم الأعظم ما زالت تلوكها الأفواه ويتناقلها الأثير؟!...‏

وقد يحكي له /الشيخ العباس بن الحسين/ وهو أديب فقيه مجاهد جزائري كانت آخر مهامه... إماماً لمسجد باريس، ومات بالسكتة القلبية منذ سنوات، مباشرة بعد الزيارة التي أداها له السيد ياسر عرفات... يحكي للجواهري كما حكى لنا حيث قال:‏

"كنت داخل القطار في المغرب الأقصى، حيث كنت أدرس في جامعة القرويين بفاس، وإذا بشجار حاد ينطلق بين مغربي ويهودي، فأخذا يتبادلان الشتائم المقذعة، ثم اشتد السباب بينهما فصار اليهودي يتفوه بكلام سيء عن اسم الجلالة، ثم ذكر محمداً بكلام فاحش، فلم أشعر إلا وأنا أقوم من مقعدي وأنهال على اليهودي ضرباً مبرحاً حتى أغمي عليه... توقف القطار عندأول محطة، وقامت الشرطة بحجزي، وسألوني:‏

-"ما دخلك أنت في موضوع الشجار، ولماذا ضربت اليهودي فأجبتهم أنا لم أتدخل عندما تشاتما... ولم أتدخل عندما ذكر اليهودي الله بسوء... لأن الله هو للجميع.. أما عندما أساء إلى سيدنا محمد، فهذا يخصني شخصياً لأن محمداً هو منا، وإلينا ولكل العرب والمسلمين ولن نسمح لمخلوق بالإساءة إليه، ولو متنا من أجل ذلك".‏

رحم الله الشيخين العباس، والجواهري وأمثالهما من الشرفاء الأباة.‏

وفي هذا الزمن المتخاذل، هاهي يهودية، فاسقة، في مدينة الخليل، وعبر شبكات الانترنيت تسيء بالغ الإساءة إلى رسول المسلمين، محمد العربي، وإلى صحبه الكرام، وتهزأ بالسيدة العذارء، وعيسى عليهم السلام... واستخفافاً بالمسلمين والمسيحيين وكأن اليهود، هم فقط أصحاب الدين الصحيح...؟‍!...‏

تحدث هذه الإهانات الكبرى، في الوقت نفسه الذي تعقد فيه المؤتمرات الإسلامية والمسيحية مشرقاً ومغرباً أسيوياً وإفريقياً وتنافس فيها قضايا احترام المقدسات وتدعيم روابط التفاهم الروحية، والأخوة الدينية.... بينما الصهيونية تهزأ بأصحاب الرسالات السماوية، وتتحدى المؤمنين بها ..! ويمضي ذلك التحدي الشرس فلا يلقى من المؤتمرات سوى الاستنكارات والتنديدات الشفوية الخافتة ومن المساجد والكنائس سوى التذمرات والدعوات اللامستجابة مثل / اللهم فرق جمعهم وشتت شملهم، ويتم أطفالهم، ورمّل نساءهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر...!!... ومن العجيب أن نتائج مثل هذه الدعوات، هو ماينطبق علينا تماماً، ونعيشه كواقع راهن مرّ... لأننا ننسى: (أن الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وننسى: (وقل اعملوا...).‏

ولست أدري متى يتفق العرب والمسلمون على التأكد من هذه البدهية التاريخية الواضحة، وهي أن عداوة الصهاينة للعرب والمسلمين، لا علاج لها و لا شفاء منها، إلا بانقراض أحد الطرفين. أو بوجود قوة دولية عادلة وخارقة... تفوق قوة "ذي القرنين"، بآلاف المرات، فتبني سد ياجوج وماجوج بين الصهاينة وبين العرب والمسلمين، على أن يكون ذلك السد خارج أرض العرب، لأن إسرائيل قد ملأت أغوارها أنفاقاً رهيبة، تحت التراب، وتحت الماء.... وداخل النفوس الضعيفة....‏

ولست أدري متى يعترف العرب والمسلمون بقناعاتهم الداخلية، وبإدراكهم الراسخ في أعماقهم، بأن كل مسرحيات وحيل وتلاعبات الإسرائيليين، أصبحت أكثر من معروفة ومكشوفة، وغبية أيضاً... ولا أعتقد أن غباءنا يتجاوز غباء اليهود... ولا يمكن أن يكون هو السبب في تجاهلنا لمدركاتنا. وانصرافنا إلى عكس الحقائق التي تبهرنا يومياً... ولا ريب أن هناك عاملاً آخر... أخطر بكثير من مسألة الغباء....؟!..‏

مَنْ مِنَ العرب والمسلمين يجهل هذه المهازل:‏

1 ـ في أعقاب نكسة حزيران 1967 ـ أخذ جنود الصهاينة يتصايحون بشعارات تسيء إلى الإسلام، وهم يحتسون الخمرة في ساحة المسجد الأقصى، أول القبلتين، وثالث حرم مقدس للمسلمين، ولم تشد له منهم أية ركاب...!؟...‏

2 ـ وفي سنة 1969 قام الصهيوني العنصري الناقم: "دينيس مايكل" بإشعال النيران في المسجد الأقصى وحرقه... وتأوه المسلمون... وفاضت دموعهم...!..‏

3 ـ وفي أعقاب حرب تشرين 1973. التي أظهرت للناس أن إسرائيل ليست غولاً ولا معجزة... في أعقاب تلك الحرب، قامت قوات الصهيونية -انتقاماً لهزيمتها- بهدم عدد من المساجد في القرى والمدن الفلسطينية، ومصادرة الأراضي التي كانت مخصصة لبناء دور للعبادة للمسلمين والمسيحيين على السواء..‏

4 ـ وفي مطلع الثمانينات قامت الحركة الصهيونية، بطبع مئات الآلاف من النسخ المنقوصة والمحرفة للقرآن الكريم، ولولا غيرة بعض الشباب من المؤمنين لتم توزيعها في أرجاء العالم وعلى أوسع نطاق .‏

5- وفي التسعينيات قام صهيوني حقود مجرم بفتح نار رشاشه على المسلمين. وهم يؤدون صلاة الصبح، في الحرم الإبراهيمي فقتل منهم العشرات وهم بين يدي الله.‏

6 ـ وفي بدايات هذه التسعينات تناقلت الأنباء، خبر افتتاح حانة في تل أبيب أطلق عليها صاحبها الفاسق، اسم /مكة/... المكرمة. واهتزت مشاعر المسلمين، وظلت الأيدي مسدلة...!؟...‏

7 ـ وهاهي /تيتيانا/ تقوم -بأمر من شلتها الكافرة- الفاجرة، برسم وتوزيع ملصقات، تسيء إلى قداسة الرسول الأعظم وصحبه الراشدين.‏

وفي الوقت نفسه كان الجنود الصهاينة يقومون في إحدى المدارس في مدينة الخليل، بتمزيق مصاحف القرآن الكريم، ورميها، والدوس عليها...!...‏

8 ـ وتتواصل حتى الآن عمليات فتح الدهاليز والأنفاق وأشغال الحفر والتخريب، تحت المسجد الأقصى، والمعالم والآثار الإسلامية في القدس، وفوق كل ثرى فلسطين.. ومن بينها الحفر المزمع القيام به في مقبرة /باب الأسباط/ بحجة البحث عن جثث اليهود الذين قتلوا في حرب 1948.‏

9 ـ ما زالت المحاولات العدوانية الوقحة، قائمة على قدم وساق من طرف غلاة اليهود. ليتمكنوا من الصلاة، داخل المسجد الأقصى، حيث لا يبقى -بعد ذلك- للمسلمين، مكان خاص بهم، يقابلون فيه وجه ربهم!...‏

إن جرائم الصهيونية، ضد الله، والدين والإنسانية، لا تحصى، ولا تعد... وهي في كل حين تزداد شراسة وضراوة... فيا أيها العرب والمسلمون.. أنتم يامن تتربعون على مواقع السلطة والحكم. وتملكون حق القرار والتنفيذ، وبأيديكم مفاتيح القوة والأمر،... أين أنتم...؟‏

إن شعوبكم قد أمرضها وباء السجال السياسي، وأذلتها الإهانات، وصدمات الاحتقار، وكاد أن يجننها الانتظار، لساعة الشهادة أو الانتصار... وليست ببعيدة منها لحظة الانفجار....‏

لقد طفح الكيل، وبلغ السيل الزبى.... وليست مبادرة (الدقامسة) وهيجان رماة الحجر، واستشهاد المسبّلين البطلين في انفجار القدس الأخير، إلا إرهاصات ثورية لما سيأتي بعدها من زلزال وطوفان، لا يبقى ولا يذر....‏

إن إسرائيل تدرك تمام الإدراك، أن السلام لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود‏

السلام الحقيقي للعرب، وسلام العرب، يكمن في عودة أراضيهم، ولمّ شمل أهاليهم، واسترجاع حقوقهم المغتصبة، وحريتهم المهدورة، واحترام مقدساتهم وعودتهم إلى حياتهم الكريمة.. مع الأمن والاطمئنان، ودون أي استفزاز أو تهديد... وعلى إسرائيل أن تكف عن محاولاتهم الإجرامية الفاشلة وأن تعترف بالحقائق التاريخية والراهنة، وهي تدركها تمام الإدراك.. فالأسلام خالد برسالته وصفائه ونقائه، ولن يطوله تشويه أو تزييف...‏

والمقدسات الإسلامية، لن يؤثر فيها أو يلغيها تخريب أو تحريف.‏

والرسول العربي محمد عليه الصلاة والسلام، الذي أرسله الله (هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً) هو أسمى وأعظم، وأجل من أن تمسّ مكانته أو يؤثر، في الملايين المؤمنين بشريعته، حديث كذاب أو رسم...: أو نباح كلاب.‏

والقرآن الكريم، قال الله فيه: (إنا نحن نزّلنا الذكر،وإنا له لحافظون). فهو نور ساطع من رب العالمين، منزه مصون، ويعمر صدور كل المؤمنين.‏

وأن الأمة العربية، التي يحفل تاريخها المجيد بانتصاراتها على كل البغاة، والطغاة الظالمين، قد وجدت لتبقى، ولن يزعزعها عن موقع حياتها الخالدة، كيد الكائدين.‏

وستعود الأراضي العربية إلى أهلها، وينتصر الجولان وجنوب لبنان، وكل شبر مسروق من هذه الأرض الزكية.‏

ومن المجدي لإسرائيل أن تنسحب مما هو ليس لها، وأن تتراجع عن عمليات الاستيطان، فوق بقاع سلبتها من أبنائها، وأحفادها، ومن تاريخ آبائها وأجدادها. بقاع لا يمكن أن تتغير هويتها، ولا أن تنهب ملكيتها، ولا أن يتبدل ترابها العربي الممزوج بعرق ودماء أسلافنا الأولين.‏

من المجدي لإسرائيل أن تنسحب وتتراجع قبل أن يدركها الندم، فوق بذور مزروعة لحنين الثأر، وانتقام الشرف، وغضبة الحق المهضوم.‏

وأشير إلى أن الولايات المتحدة، إذا استمرت في وقوفها إلى جانب تعديات ومظالم إسرائيل إنما هي في الواقع كأنها تقف ضد إسرائيل نفسها. وستخسرها بعد أن خسرت كل العرب الشرفاء... ذلك لأن موقعها إلى جانب الباطل الذي لن ينتصر يتنافى تماماً مع العقل والحكمة. وبعد النظر.‏

وأخيراً... مَنْ مِنْ مسؤولي العرب والمسلمين سيبادر إلى اغتنام شرف الوحدة والتضامن، ضد الأخطار التي تهدد الجميع...؟‏

إن انتصار الحق سيأتي اليوم أو غداً، وليس موعده ببعيد، فالخزي والعار لمن سيلعنهم التاريخ، وطوبى لمن تهتف الأجيال مآثرهم، وتتغنى بأمجادهم وترفع نصبهم الشامخة، فوق ساحات الشهادة والشهامة والكبرياء. طوبى للمناضلين والمس....ّلين من أجل عزة هذا الوطن الغالي.‏

7 / تشرين/ ...............19/8/1997.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244