|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:15 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
إشارات... وذكريات... مع الجنوب الجزائري في شتاء 1947، اتجهت برفقة صديقين، أكبر سناً مني، هما: /صالح جوامع، وصادق دبابيش/ اتجهنا نحو غابة نخيل قرب قرية /سيدي بركات/وجلسنا تحت شجرة زيتون، وبعد حديث قصير، أخرج /صالح/ من داخل ثوبه، مصحفاً للقرآن الكريم، فوضعت فوقه يمناي، وأقسمت أن أكون جندياً مناضلاً في حزب الشعب الجزائري، ملتزماً بتنظيمه السري، مجاهداً في سبيل حرية الوطن، إلى أن تطرد الاستعمار، أو أموت شهيداً. اليوم يمر نصف قرن على هذا الحدث الذي كان له الدور الأكبر في تربية شخصيتي، وتحديد سلوكي، وفي كل ما مارسته من نشاط، وما عانيته من ظروف... منذ خمسين سنة خلت.. إلى اليوم وغداً... وفي مطلع شتاء 1948 غادرت مدينتي: بسكرة، عروس الصحراء وبوابتها، وملكة الجنوب، وأم النخيل، وسيدة التمور، وموطن الأهل، ومربع الطفولة، ومانحتي أول حب في حياتي... من قسنطينة إلى تونس، إلى سورية، إلى الجزائر العاصمة، ثم إلى سورية من جديد.. ولم أعد أرى بسكرة، إلا لماماً وإن كانت ذكرياتها لا تفارقني أبداً...!... عندما تركت مدينتي، وارتميت بين أحضان الغربة والاغتراب، كان عمري ست عشرة سنة... وها إنني اليوم وقد تجاوزت الستين أعود إلى ذكريات الطفولة وبواكير الشباب، وأسترجعها وكأنها حدثت منذ أمس قريب. ولن أستطيع في هذه المساحة المحسوبة من الورق والوقت أن أسجل كل مايجول بخاطري من ذكريات عن /بسكرة/ والجنوب الجزائري بصفة عامة، وسأكتفي بذكر إشارات عابرة تتعلق بلغة البدو، وقربها الكبير من الفصحى، وببعض عادات وتقاليد أبناء الجنوب الجزائري. وقبل الخوض في الموضوع أشير إلى بعض الحقائق: 1 ـ رغم أن الاستعمار الفرنسي، ظل في الجزائر، طيلة /130/ سنة، فإن هناك من عرب البادية الجزائريين وخاصة جل النساء البدويات، ممن تعاقبت أجيالهم خلال عهدالاستعمار، لم يروا في حياتهم ولا فرنسياً واحداً ولم يشعروا يوماً أنهم يعيشون دون حرية أو استقلال. 2 ـ قد كان لتشبث أهل البادية بقيمهم العربية العريقة، وبتعاليم دينهم الإسلامي، وحفظ القرآن وترتيله... دور كبير في نقاء لغتهم، وتواصل تقاليدهم النبيلة السامية.... 3 ـ وكان لهجرات بني هلال الفضل الأكبر، لا في صفاء لغة الأجيال المتعاقبة، بل في نشر العربية، وتوطيدها عبر كافة أرجاء القطر الجزائري. وتبعاً لطبائع البدو الذي يميلون بالفطرة، في اختيار أماكن إقامتهم، إلى البطاح الشاسعة الواسعة، فقد وجدوا في الجنوب الجزائري، أنسب مكان لحلهم وترحالهم، نظراً لما يتمتع به من رحابة في الآفاق، ومناخ ملائم، ولما يتوفر فيه من واحات وارفة الظلال، ومياه زاخرة رقراقة، وأمن، وكلأ لهذا نجد أن كل القبائل العربية -تقريباً- من بني هلال وما تفرع عنهم، قد استوطنوا بوابات الصحراء الكبرى، في الجنوب الغربي والشرقي، للجزائر وعمروا مدناً قديمة كثيرة، كالأغواط، والجلغة، وبوسعادة والمسيلة، وبريكة، وإليانة، وبسكرة، والوادي، وما يتبع هذه المدن من مئات القرى، الممتدة ضمن شريط أخضر خلاب من غابات النخيل عبر مئات الكيلو مترات. أشير كذلك إلى أن عرب البدو في الجنوب الجزائري لم يكونوا منفصلين أو معزولين عن إخوانهم في جهات الوطن الأخرى... فرغم المضايقات والمحاصرات الجائرة التي كانت تمارسها سلطة الاستعمار ضد المواطنين والجزائريين بصفة عامة، لعزلهم عن بعضهم، وتفريق شملهم... فقد كان للبدو، رحلتهم السنوية الدائمة، نحو الشمال، والشرق، والغرب في فصل الصيف، ونحو الجنوب في الخريف، والشتاء والربيع، وكأن أبناء الجبال، والسواحل، والهضاب الجزائرية لا ينقطعون في زياراتهم لمناطق الجنوب، لقضاء مآربهم، وللتمتع بما تمتاز به الصحراء الجزائرية، من دفء، وهواء طلق، وفتنة وجمال، وحمامات معدنية، ومعالم دينية وأثرية، و/زوايا/ تعليمية، ومدن عريقة في حضارتها، وطيبة أهلها...ووفاء، ونخوة، وأمان... هذه الاتصالات الدائمة بين البدو، والحضر، لم يكن لها أي تأثير سلبي على عادات وتقاليد أهل البادية، بل بالعكس كان للبدو في كثير من الحالات تأثير بالغ الأثر، في نفوس وعادات وتقاليد أهل المدن. لما يتسم به البدوي، من عفوية، وذكاء وحسن سلوك، ولما يمتاز به من شهامة، وشجاعة وصدق وفصاحة... وجمال في التعبير... ومقدرة في المبادرة، وسرعة البديهة والإبداع... فعندما رأى البدوي /الدراجة الهوائية/ أطلق عليها مباشرة اسم /الدوامة/ ... وأطلق اسم /السماع/ على المذياع، والرفرافة على الطائرة العمودية... والبهرة، على الأنوار الاصطناعية. ولم يكن هناك شيء مستحدث يشاهده البدوي، إلا ويعطيه اسماً يتناسب مع بعض خصائصه. ومن الملاحظ أننا -حالياً- كلما اتجهنا من الشمال إلى الجنوب، أحسسنا بأن لغة المواطنين تزداد صفاء وفصاحة وعذوبة، حتى نصل مضارب أبناء الصحراء، فنجدها لغة فصحى -تقريباً-. وقد أخذني العجب عندما زرت بعض مدن الجزيرة في سورية مثل الرقة، ودير الزور، والحسكة، والقامشلي، ورأس العين، حيث شعرت وأنا أستمع لحديث أهلها وكأنني مع سكان من مدن بوسعادة، أو بسكرة، أو المسيلة...!.. وأشير إلى المرأة في البادية، أكثر محافظة على سلامة اللغة وإثرائها من الرجل، وذلك بسبب محافظتها التلقائية الصارمة على عاداتها وتقاليدها الأصيلة، وعدم اتصالها بمن هم ليسوا من قومها، وشدة حذرها من الأجانب وقوة تعلقها بأسرتها، ومجتمعها، وحبها لهم... ومع الأسف نجد العكس لدى بعض نساء المدن الشمالية خاصة... ممن تخلين عن بعض مقوماتهن الأساسية كاللغة وأصبحت يفضلن الكلام باللغة الفرنسية، مما كان له أسوأ الأثر على سلوك الرجال، وتربية الأجيال...!؟... وفي الجنوب الجزائري، نجد إلى حد الآن كثيراً من المفردات العربية، التي أصبحت في حكم النادرة، والغريبة.. نجدها مستعملة لدى السكان هناك، مثل: غبش.. ملكوع... خور.. أجدب... قاحل... ماحل... أجرد... بلقع... افرم... شمطاء... ينطع، يكرع.. يبرك... جواب... لواب... ثامر... غامر... إلى غير ذلك من المفردات الكثيرة التي يصعب حصرها... وفي البادية... يطلقون اسم الحكيم على الطبيب.. واسم الراقي على من يقوم برقية المسلوع، ويسمون مكان الوضوء: المطهرة، ودرجات السلم: العتبات... ومفردها عتبة... أما بيت الشعر والوبر، فتسمى الخيمة أو العشة... ولكل جزء منها اسمه الخاص مثل الركائز... والستائر، والخالفة، والطارفة، والحواذق، والمواثق أو الأوتاد... وظاهرة التفاؤل، والتشاؤم، والتطير ما زالت إلى اليوم منتشرة بين أغلبية أبناء البادية والجزائرية... لذلك فهم يطلقون على بناتهم أسماء متفائلة مثل: مبروكة، ومسعودة، وهنية، ونعيمة، وآمنة بالإضافة إلى الأسماء العربية المعروفة مثل فاطمة، وخديجة وزينب... وأسماء أخرى: مثل الواهمة، والناعسة، والجازية، أما الصبيان، فهم خوفاً من الحسد، وحتى يتمتع أولادهم بطول العمر، يطلقون عليهم أسماء كريهة، مثل الأعرج والأعوج والأكوص، والأطرش، والعقون، والأحول، والأجنف، والبشايب، وطبعاً يستعملون الأسماء العربية المعروفة مثل تامر وعامر وجابر ومحمد وأحمد وزيد... وغيرها.... ومما تجدر الإشارة إليه أن بدو المغرب العربي، بصفة عامة، لا يستعملون أسماء أبنائهم ككنية لأسمائهم كما هو الحال في بدو المشرق العربي، فلا يقولون: "أبو فلان"، أو "أم فلان"، وإنما قد يسمى الطفل منذ ولادته بكنية تابعة لاسمه، لا علاقة لها بوالديه، مثل أبو القاسم محمد العلوي، وابن الفضل علي الزياني، وأبو زيد أحمد الإبراهيمي وهلم جرا... وقد تسمى البنت منذ ولادتها أم السعد... أم الخير... أم الفضل... الخ.... ومن دوافع التفاؤل عند أهل الجنوب.. استعمالهم لعكس الكلمات التي قد توحي بالتشاؤم، أو التطير، عند سماعها فجأة... فيسمون الملح: الريح- والإبرة: المفتاح- والفحم: البياض- والنار: العافية- والأعمى: البصير- ويستعملون كلمة: اربح... بدل تعال أو اقبل- وزين الباب، بدل أغلقه- وبيت النور، عوض أطفئه... كما يستعملون في أحاديثهم الكثير من الأدعية مثل: بارك الله فيك. وطال عمرك- ويعطيك الصحة، وكثر خيرك والله يعينك، وينجيك ويسترك... الخ. ومن أساليب بدو الجزائر في الكلام، لجوؤهم إلى الاختصار والإيجاز، وتوظيفهم لكلمة واحدة في أغراض شتى، ويفهم المعنى المقصود، حسب الإشارة أو السياق، فمثلاً كلمة /صحة/ تقال لمن ينتهي من الأكل أو الشرب، وتعني هنيئاً لك - وتقال عند التفاهم على أمر ما أو ضرب موعد، وتعني اتفقنا -وتقال للتحية وتعني أهلاً وسهلاً... وتقال بمعنى شكراً- وتقال حتى للوعيد والتهديد... ويقصد بها... سترى ما سأفعله...!... وبالنسبة للمرأة المتزوجة، فمن النادر أن تنادي أو تخاطب زوجها باسمه الصريح، وإنما تشير إليه بقولها: ... أنت... أو اسمع... أو هو.. أو هذاك...!.. ونظراً لكون البدوي، بطبعه، كثير الحركة والتجوال في أرجاء الصحراء الواسعة، فإنك عندما تسأله عن مكان ما، ويجيبك بإشارة من يده، مع حركة عمودية من رأسه وهو يقول لك: هناك... فاعلم أنك ستسير ثلاثين أو أربعين ميلاً، حتى تصل إلى ذلك المكان. وبينما نجد صيغة التصغير، في بعض المدن الجزائرية كالعاصمة مثلاً، ليس لها أي مدلول واضح كقولهم عن الحمص: الحميصة وقولهم: الفليفلة، الربيطة، الخبيزة الشريبة. فإن التصغير عند بدو الجنوب يستعمل ضمن مقاصده المعروفة، فيقولون في حالة الدلال: وريدة لوردة، وصويلح لصالح... وفي حال الشفقة، مسيكين لمسكين.. وفي حالة التقليل... قميحات لقمح.. ودريهمات لدراهم.. وفي حالة التصغير اطفيل واطفيلة، لطفل وطفلة، وفي حالة التحقير رويجل لرجل، ومرية لمرأة... وهلم جرا... واعتباراً لما يتمتع به البدوي من أخلاق سامية في الحياة، والاحترام، والمحافظة على العرض والشرف، فإنه حتى في حالة غضبه، وشتمه لخصمه، لا يتلفظ بالكلمات النابية، وإنما يعاير بما يتنافى مع الخلال الحميدة ولا يسب الدين أو المقدسات أبداً. وكثيراً من أبناء البدو والجزائريين، مازالوا إلى اليوم يلجؤون في كلامهم إلى طريقة قلب الحروف في بعض الكلمات فيقولون مثلاً: نحن عماه... ويقصدون معه... وأمر عصيب بدل صعيب... والسمش... عوض الشمس. ومن مميزات بدو الصحراء الجزائرية، نطقهم السليم لجميع الأحرف العربية باستثناء حرف القاف الذي يتحول عند بعض القبائل إلى الجيم المصرية فيقولون القمر، والقافلة، والقيلولة، وقال، ويقول... أما بعض المفردات مثل القرآن، والقريب، والقر....، فينطقون قافها نطقاً سليماً...!.... وهناك مناطق في الجنوب الغربي ينطقون بالغين قافاً فيلفظون: الغابة، قابة، والغزال، القزال، والغربال: القربال... الخ. ومن المعروف عن بدو الصحراء، أنهم في غابيتهم لا يميلون إلى تفخيم الحروف، والأسماء كما هو الحال عند بدو المشرق العربي كما أن تحريف نطقهم للقاف أو الغين، لا يؤثر كثيراً في التباس الفهم للنطق، كما قد نجد ذلك في اللهجات العربية في اليمن، والكويت، وبدو العراق وسورية، وأهل مصر... حيث تتحول الجيم إلى ياء.. أو قاف... والثاء إلى سين، والذال والظاء إلى زاي... والكاف إلى شين هذا بالإضافة إلى أن كلام بدو الجنوب الجزائري... طبيعي جداً، في صوته ونبرته... ولا يحمل أية نغمة أو ترنيم أو تمطيط مثير للانتباه... ومن الجدير الإشارة إليه أن الكثير من سكان الجنوب الجزائري يعمدون في كلامهم، إلى تسكين أو جر أول حرف في اسم العلم، والفعل الماضي... فيقولون: أمحمد... أعلي، أحمد، أعمر.... ويقولون: اشرب، ارجع، اسمع، في شرب... ورجع وسمع... وأخيراً أذكر أن رحلة الشتاء والصيف التي كانت تشكل علامة بارزة في حياة بدو الجنوب، قد أخذت حالياً، ومنذ الاستقلال، في الاختفاء والتلاشي نتيجة لتطور المواصلات، وتنامي العمران، وتوفر وسائل الاستقرار، وانتشار المدارس، ونمو حركة التعليم واستحداث القرى الجديدة، وإغراءات الإقامة في المدن الكبرى... مع العلم بأن بدو الجنوب، منذ القدم -لم يكونوا كلهم من أصحاب رحلة الشتاء والصيف... بل كان لكل قبيلة مجموعة تقيم بصفة دائمة داخل واحات النخيل، أو على أطرافها، ويشتغلون بالرعي، أو الحراسة، أو الزراعة، وفلاحة النخيل.. وتكوّن تلك المجموعة المقيمة حلقة اتصال وجوار دائم مع أقاربهم وذويهم من البدو الرحالة، ساكني الخيام. ولا ريب أن هناك علاقة قديمة وعريقة بين العرب البدو، وزراعة النخيل في الجزائر، وهو ما يتجلى في ثراء وتنوع المسميات والمفردات العربية الخاصة بالنخيل وبكل ماله علاقة بالمحيط العام للواحات. كأسماء الأعشاب والحيوانات والطيور والملابس، والمآكل.. وغيرها... وكمثال على ذلك، أورد بعض المفردات الخاصة بثمار التمر، وتطور مراحل نضجه، فهو في نموه الأول: طلحة أو طلعة ثم جمار، ثم شمارخ. ثم لؤلؤ، ثم عرجون، ثم بلح، ثم بساس، ثم بسر، ثم بشميط، ثم منقر، ثم رطب، ثم تمر جاف أوواقر.. وكذلك نجد أيضاً أسماء كثيرة لكل أجزاء النخلة ومراحل عمرها، وكلها عربية، كما نجد مئات الأسماء لأنواع التمور الفصلية، حسب طعمها وشكلها، وحجمها ولونها.. وحتى رائحتها... ومن المعروف عند سكان الجنوب أنهم إذا ذكروا أهل قرية لابد وأن يقرنوها بكلمة عرب.. فيقولون عرب قرية كذا.. وعرب قرية كذا. وختاماً... فهذه مجرد إشارات وذكريات عابرة استرجعتها بعد عشرات السنين من الغياب عن الجنوب أمل. أن تكون فيها بعض الجدوى لن يهمهم الأمر.... وطبعاً، لم يتسع المجال لأن أشير إلى ما تزخر به بادية الجزائر، من حكم، وأمثال شعبية، واساطير، وقصص مروية، وزجل، وشعر، وتظاهرات تمثيلية خاصة: بالأعراس والفروسية، والمواسم الدينية، والرحلات. ومعارك الثأر، وندوات الصلح.. إن هذا الأمر قد يحتاج إلى أكثر من كتاب كما يحتاج إلى دراسة ميدانية منهجية، معمقة... وهذا مالا أستطيع أن أدعيه. السبت 6/9/1997 (العدد 6903)، ص 7 تشرين |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |