|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:15 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
التعريب في الجزائر ... بين الأمس واليوم...؟ كانت اللغة العربية الدارجة، والقريبة من الفصحى-خاصة في البوادي، القرى، والأرياف الجزائرية- هي اللغة السائدة، والشاملة لكل أبناء الشعب-باستثناء بعض المناطق، التي كانت لها لهجة أمازيغية خاصة، بالإضافة إلى إتقانها العربية الدارجة- وذلك طيلة عهد الاستعمار الفرنسي، الذي هيمن على القمر مدة /130/ سنة، وقد تحقق ذلك للأسباب والدوافع التالية: 1 ـ علاقة اللغة بالدين، فالشعب الجزائري كله مسلم يقدس القرآن الكريم، يعلمه ويحفظه لأبنائه، مع احترام الحرف العربي إلى درجة التقديس، حيث كان يحرم رميه في الأرض، ، خشية أن يداس. 2 ـ رد الفعل الطبيعي، على ماكان المستعمر يقوم به من محاربة ضارية ومستمرة للغة العربية، والتعاليم الإسلامية، وكل مايمت إليهما، من صلة في الآداب والتاريخ، والقيم، والعادات، سعياً إلى محو شخصية الوطن، وتدمير مقوماته الأساسية. 3 ـ انتشار الأمية بين المواطنين، نتيجة لمنعهم من تعليم لغتهم واعتبارها (أجنبية)!؟.. وحرمانهم من التعليم في المدارس الفرنسية تدعيماً لإنجاح خطة ترسيخ الثالوث الاستعماري الرهيب: الجهل.. والفقر.. والمرض... وقد أدى ذلك إلى إيقاظ نوازع التحدي بين المواطنين، وزادهم تشبثاً بلغتهم ودينهم... من المعلوم أن بداية افتتاح المدارس العربية الحرة، لن تنطلق إلا في عام 1913 - بريادة الإمام عبد الحميد بن باديس، وخلال تضحيات ونضال المواطنين وعلى رأسهم أعضاء جمعية العلماء والمسلمين الجزائريين. كما أنه من المعروف، أن نسبة الأمية بين أفراد الشعب الجزائري بلغت سنة 1954، وهو عام اندلاع الثورة الجزائرية المسلحة.. بلغت: 94% بين الرجال، وأكثر من 96% بين النساء. 4 ـ تشبث الشعب بصفاء وسلامة كيانه، ووحدته الوطنية وشخصيته المتميزة، واعتزازه بعاداته وتقاليده وتاريخه المجيد، وقيمه العربية السامية... وقد تبلورت مظاهر هذه المقومات في الأمثال والحكم. والأشعار الشعبية، وفي قواعد الأخلاق والسلوك العام. وفي أساليب ممارسة المهن الزراعية والحرفية، والصناعات التقليدية، وفي عشق المواطنين، لكل مايربطهم بتراثهم ومواريثهم الثقافية، خاصة من خلال السيرة النبوية وقصص الفتوحات الإسلامية، وحكايات /ألف ليلة وليلة/ و/عنترة بن شداد/، و/سيف بن ذي يزن/ و/هجرة بني هلال/ وغيرها من المآثر والروايات والأساطير، والملاحم الخالدة. 5 ـ وقد كان للمرأة الجزائرية دور هام وفعال، في المحافظة على اللغة العربية المنطوقة، نظراً لمكانتها العائلية، ولإشرافها على تنشئة الأجيال وتدبير الشؤون الداخلية للأسرة، وبما حباها الله من مقدرة فائقة على الابتكار والإبداع، وتوليد المفردات الحديثة، لكل ما يستجد من مسميات، ومواقف لغوية طارئة. 6 ـ وعندما أخذت الحركة الوطنية السياسية تترعرع وتنشط منذ مطلع هذا القرن العشرين، وأخذ عدد المتخرجين من المدارس العربية الحرة، ومن جامعات المغرب العربي، في تزايد مستمر... انطلقت حركة الوفد الطلابية، نحو مدارس وجامعات المشرق العربي في مصر وسورية، ولبنان،والأردن، والعراق، والكويت، والسعودية. لتنهل من المعارف العربية، ومختلف العلوم... وهنا يجب أن نشير بفخر إلى الأدوار الفعالة، التي أدتها - في البداية- لخدمة المعارف العربية في الجزائر، كل من معهد عبد الحميد بن باديس، بقسنطينة، وجامعة الأزهر في القاهرة وجامعة دمشق في سورية، وجامعة القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس، ثم بعض (الزوايا) العريقة في الجزائر، حيث شارك الجميع في تأسيس وتشكيل النواة الأولى لجيل المثقفين والعلماء والرواد في العقود الأولى لهذا القرن، ممن كرسوا حياتهم لخدمة اللغة العربية وتطويرها في الجزائر، وأعدوا الإطارات الطلابية للدراسات المعاصرة المتطورة في المشرق العربي، وفي أغلب عواصمه العربية، ومن بينها ليبيا الشقيقة. 7 ـ وباندلاع الثورة الجزائرية - التي واصلت تأججها أكثر من سبع سنوات حتى انتصرت- ازدادت مكانة اللغة العربية، قوة، وحيوية، خاصة إنها كانت لسان الثورة المعبر عن مبادئها وأهدافها، وكانت الوسيلة الأكثر ثقة واحتراماً في مراسلات ووثائق ومعاملات جيش التحرير، وجبهة التحرير... وفي ثقافة مئات الطلاب الذين أخذوا يتخرجون من جامعات المشرق العربي... ومن المؤلم... أنه منذ الاستقلال سنة 1962م، بدأت اللغة العربية، تتراجع تدريجياً، عن موقع سيادتها العملي، إلى جانب اللغة الفرنسية، التي تبوأت فجأة، مرتبة الصدارة خاصة في الإدارة، وبرامج التعليم، ومختلف الأنشطة الاقتصادية والسياسية الهامة. لقد كان الدستور الجزائري ينص بوضوح، على أن اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية للبلاد، كما أن كل مواثيق الثورة الصادرة عن جبهة التحرير الوطنية، تؤكد على ذلك إلا أنه.. شتان بين ماهو نظري... وماهو تطبيقي عملي...!.. ويعود السبب في انتكاسة اللغة العربية، منذ إعلان الاستقلال، إلى عوامل كثيرة، منها ماهو خارجي... ومنها ماهو داخلي... وفي مقدمة العوامل الخارجية، تأتي عودة الجنرال /ديغول/ إلى قيادة فرنسا سنة 1958، وكانت الثورة الجزائرية في أوج لهيبها فبادر إلى وضع الخطط المتنوعة لإخمادها والقضاء على جميع الوسائل المدعمة للثورة... ومن بينها مواصلة عملية محاربة اللغة العربية، وإحلال الفرنسية محلها... وقد ساعده دهاؤه على الإدراك بأن الجزائر لابد من أن تنال استقلالها كنتيجة حتمية لثورتها العارمة، وانطلاقاً من هذا الوعي الذكي أخذ -إلى جانب محاربة الثوار بكل أسلحة الفكر والنفس.. والحديد والنار- أخذ يهيئ المواقع المستقبلية اللائقة، لترسيخ اللغة الفرنسية، في جزائر مابعد الثورة... وذلك بتكوين مئات الإطارات الجزائرية تكويناً فرنسياً متوسطاً، وإعدادهم، لاستلام مختلف المناصب الإدارية في الجزائر، بعد الاستقلال، وبعد انسحاب فرنسا منها وذلك ماتم بالفعل. وقد ساعدت اتفاقية /إيفيان/ وخاصة مايتعلق منها بالتعاون المستقبلي مع فرنسا في مجالات الثقافة، وإعطاء اللغة الفرنسية، مكانة مرموقة في الإدارة والتعليم... ساعد ذلك على تثبيت اللغة الفرنسية، ونشرها، وتمكنها... كما أن التآمر الخارجي ضد اللغة الوطنية، ظل عنيفاً شرساً... متلبساً مختلف المظاهر، الجهوية، والإغرائية، والتعاونية والإنسانية، بواسطة الكتب والصحف، والمجلات، والهدايا التعليمية، والمنح التكوينية والدراسة، وجميع القنوات الإعلامية ومختلف الواردات الخارجية... أما العوامل الداخلية، فهي عديدة، ومتشعبة ومنها: 1 ـ استلام بعض المراكز السلطوية الحساسة، من طرف بعض الفرانكوفونيين الكهول، ومن أفواج الشباب الذين تخرجوا من المدارس والجامعات الفرنسية والأوروبية بصفة عامة، وأغلبهم من الناطقين بالفرنسية حتى في حياتهم العادية والعائلية، وقد وجدوا أمامهم مناصب الإدارة مهيأة لاستقبالهم متماشية مع تكوينهم، بالإضافة إلى شبه انعدام معارفهم بالثقافة العربية ، واطلاعهم السليم على حضارتها، وإمكانياتها.. مما دفع بهم -رغم وطنيتهم- ومساهمتهم الجادة في الثورة... إلى التشبث بخطة الفرنسة... وأحياناً، حتى إلى مهاجمة اللغة العربية ومحاربة مثقفيها على اعتقاد بأنها /العربية/ لا تتساير مع مقتضيات التطور والتقدم، والنهضة الحديثة، وأنها لا تعدو أن تكون لغة فن وأدب... ودين...!؟.. 2 ـ تهميش الثقافة العربية -والثقافة بصفة عامة، بحجة أن التركيز يجب أن ينصب إلى الأولويات الضرورية كالعلوم التكنولوجية والصناعة، والاقتصاد... ولا ضرر من تأجيل الثانويات الأخرى كالحركة الثقافية مثلاً...!؟.. 3 ـ وجود أقلية... ولكنها فاعلة... زمن الأعداء الحاقدين على اللغة العربية من بعض الجزائريين أنفسهم، حيث يعتبرون العربية لغة دخيلة لا تمثل اللغة الأصلية للوطن... والفرنسية أولى منها في الانتشار والتشجيع لأنها لغة الحياة والتقدم...!؟... 4 ـ الضعف المادي والمعنوي للمثقفين باللغة العربية، وحتى من الذين تخرجوا من جامعات المشرق العربي، والمغرب العربي، وهذا الضعف يعود إلى سببين تاريخيين وهما: أغلب الذين سمحت لهم الظروف للدراسة -قبل الاستقلال- في أوروبا، كانوا يستندون على قاعدة مادية متينة، نظراً لظروف أوليائهم وأقاربهم، الوطيفية ، أو التجارية، أو الزعامية، والوجاهية بينما كان الطلاب الدارسون بالعربية ينحدرون من فئات العمال، والفلاحين... ب ـ وبحكم التأثيرات العائلية، ونمط السلوك، ونوعية الأخلاقيات المعاشة... فقد كان الذين درسوا في أوروبا يتمتعون بقدر كبير من فطنة الحداثة، وتقدير المصلحة الذاتية، مع اللباقة في المعاشرة والأناقة في الملبس والتلاؤم مع مختلف الظروف... بينما كان المثقفون بالعربية -في غالبيتهم - يخضعون لمثالية تكوينهم ومنهجية تربيتهم الدينية المبنية على القناعة والحياء والطيبة المفرطة إلى حد الغباء أحياناً...!. هذا... بالإضافة إلى عملية التشتيت المقصود، ضد المعربين ومن طرف بعض عتاة الإدارة المفرنسة، حيث فرقوهم عبر وظائف ثانوية في القضاء، والتعليم، والشؤون الدينية، وهمشوهم بعيداً عن ميادين الخبرة، ومواقع التجارب العملية، خارج مجالات السياسة واتخاذ القرار، وممارسة السلطة التنفيذية. ومن الجدير الإشارة إلى أن مثل هذه الحالات، هي الآن آخذة بسرعة في الاختفاء،وتكاد أن تنتهي تماماً... 5 ـ تخلي أفراد الشعب، عن مواقف الحذر واليقظة وردود الفعل الصارمة، التي كانوا يتسلحون بها إبان الوجود الاستعماري، وركونهم إلى الاطمئنان، واللامبالاة واتكالاً على فلذات أكبادهم، الذين حملوا راية الاستقلال وتبوأوا سدة الحكم، والتسيير بدل العدو الأجنبي... وهكذا شيئاً فشيئاً أخذت المآثر الخالدة تتوارى، والتقاليد السامية تتراجع، واللغة العربية تعاني من الجفاء... ومن مرارة صراعها الدائم مع اللغة الأجنبية المتفوقة...!؟ لا أتصور أنه يوجد قطر عربي، شغله موضوع التعريب مثل ما شغل الجزائر... لقد كرس له من الزمن أكثر من ثلاثين سنة... وما زال حديثث الساعة وشاغل الناس... وأهدرت من أجله الأموال الباهظة، وانتظمت له آلاف الاجتماعات، وعشرات الندوات والمؤتمرات... وتأسست لمناقشة موضوعه الكثير من اللجان، والجمعيات، وصدرت في حقه المراسيم والقرارات وعشرات الآلاف من المقالات والبحوث والدراسات... ورغم كل ذلك.. ما زالت الفرنسية، هي صاحبة الكلمة المسموعة، داخل الكثير من المؤسسات والإدارات، وما زال المثقفون بحرف الضاد، على هامش أصحاب حرف /الغو/...!؟... إن المعركة /النفسية/ بين العربية والفرنسية في الجزائر، لم تتوقف يوماً، من الاستقلال، وهي معركة مصيرية، وحاسمة، قد لا تظهر سجالاتها الصراعية من خلال العلاقات اللاجتماعية، والمناقشات، والحوارات، والأخذ والرد، والاحتجاج، والتبرير... بقدر ما تظهر في عمق الصراعات الخفية الأخرى... والمتمثلة في اختلافات الأفكار، ووجهات النظر، وتناقضات معطيات النقد، والتحليل حول مفهوم الهوية، ومعاني الثوابت والمتغيرات، وقيم الشخصية، والوحدة الوطنية، واستقلالية السيادة، واكتمال الحرية، وانطلاقها المؤثر في كل ماله علاقة بها... من قوة، وفكر، وثقافة، وتعبير، واقتصاد، وسياسة في إطار تحقيق الهدف النهضوي للجزائر، وفي دائرة الانتماء العربي، والإسلامي، ومستلزمات العصر الحديث. ويجب أن نعترف بأن التعريب في الجزائر-رغم المناوآت الضارية ضده- قد استطاع أن يحقق خطوات نوعية وكمية جبارة، ويسجل إنجازات هامة، في كثير من المجالات مثل التعليم الأساسي، والعلوم الإنسانية، والقضاء، والإعلام، وبعض مراكز التكوين، وتعريب المحيط الاجتماعي... كما أن بعض المؤسسات قد عربت تماماً، مثل وزارات العدل، والشؤون الدينية، والمجاهدين وأقسام كبيرة في الوزارات الأخرى، والبلديات، وبعض الولايات، والمجالس المنتخبة، وأنشطة المسرح، والسينما، والإبداعات الأدبية، والعلوم الإنسانية، والكثير من الصحف، والمجلات... ويعود الفضل في كل ذلك إلى المناعة الذاتية للغة العربية... وتأصلها إلى احتضان الشعب عفوياً لها، وإلى النوايا السليمة لبعض المسؤولين، وإلى المجهودات المتواصلة التي يقوم بها أنصار التعريب في الجزائر ومن طرف المثقفين، ورجال التربية والتعليم وكل الوطنيين الأوفياء. وهناك ظاهرة مبشرة، يحسن التنويه بها، وهي أن أغلب الموظفين والمسؤولين في الجزائر اليوم، يتقنون العربية كتابة ونطقاً.. عكس ماكان سائداً منذ وقت قريب وجلهم من الجيل الجديد المتخرج من المدرسة الأساسية، أو من أصحاب الإرادة المخلصة في اكتساب لغتهم الوطنية اعتماداً على جهدهم الخاص، ونذكر من هؤلاء كمثال الدكتور بوعلام بن حمودة، الذي أتقن العربية ومعارفها مع أن ثقافته الأساسية فرنسية واستطاع أن يعرب وزارة العدل، حينما كان وزيراً عليها، وهو الآن يشغل منصب الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطنية. كما أذكر أنني استمعت السنة الماضية إلى خطاب مرتجل متلفز، ألقاه رئيس الحكومة السيد أحمد أو يحيى، استمر أكثر من ساعتين، وكان كله بلغة عربية نظيفة وبسيطة، لم تشبها أية كلمة أجنبية، كما كان يحدث سابقاً من طرف لبعض المسؤولين، وكما يقول المثل: تفاؤلوا بالخير تجدوه... فقد تكون تشكيلة المجلس الوطني التشريعي الحالي، مبعث طموح وأمل لازدهار اللغة الوطنية، وانتصار عملية التعريب في الجزائر، حيث أن الأحزاب الأربعة الكبرى، التي حظيت بأغلب الأصوات فيه.. وماهو معروف عن زعمائها... من معرفة وثقافة عميقة بمعطيات اللغة العربية ومكانتها النهضوية، ومن إيمان عميق بقيم الشعب ومقدساته وثوابته... هؤلاء الزعماء مع الملايين من أنصارهم سيكونون أعظم دافع وسند لعودة العربية إلى مكانها الطبيعي وفتح الآفاق الجديدة الخيرة، لإلغاء ظلام التفرقة والتبعية والإرهاب... وفتح منافذ النور في وجوه أبناء الشعب الجزائري، لينعموا بنقاوتهم وصفائهم وكرامتهم وأمنهم ووحدتهم وتضامنهم، وانطلاقهم السعيد نحو الأفضل، والأرقى...؟ السبت 27/9/1997 (العدد 6922). تشرين |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |